كيف تسللت الوهابية إلى مصر

96

00015483

 

المعروف ان الوهابية ، بكل تشعباتها ، تتعارض بالمرة مع الروح المصرية ، لسبب بسيط ، وهو تعارض الفكر الوهابي القادم من صحراء نجد والقائم على قراءة خاطئة ومتزمتة ومتخلفة للدين ، مع الروح المصرية السمحة المنفتحة والقائمة على الاسلام الصوفي والأشعري.

الكثير من المؤرخين والسياسيين ورجال الفكر ذهبوا مذاهب شتى في شأن كيفية تسلل الوهابية ، بكل ما تحمل من خواء فكري رهيب وتخلف فاضح ، إلى مصر ، ومن بين هؤلاء المفكرين أحمد صبحي منصور ، الذي يرى ان الوهابية تسللت عبر عدة طرق منها ،  “الجمعية الشرعية” التي أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1913 بعد ان انقلب على التصوف وألف كتبا في الدفاع عن السلف على الطريقة الوهابية ، وسار ابنه أمين السبكي على نهجه من بعده ، وبالنفوذ والمال السعودي انتشرت مساجد الجمعية الشرعية، وهي الآن أضخم جمعية في مصر، تسيطر على أكثر من ألفي مسجد وألوف الأئمة والوعاظ .

وكذلك عبر “جمعية أنصار السنة” أقامها في العام 1926 الشيخ حامد الفقي أحد الأزهريين، وقد أنشأ له عبد العزيز آل سعود منزلاً في حي عابدين كان مقراً للدعوة الوهابية، وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم، كما أنشأ مجلة الهدى النبوي سنة 1936 ولا تزال تصدر.

 

وكذلك عبر جمعية “الشبان المسلمين” التي  أنشأت عام 1927 وتولى رئاستها عبد الحميد سعيد. يغلب على هذه الجمعية الاتجاه الحركي وقد انتشرت وسط الشباب، وكان حسن البنا هو أهم الشباب فيها.

وعبر “جماعة الإخوان المسلمين” التي أنشات عام 1928 وهي الاتجاه الحركي السياسي المسلح للحركة الوهابية في مصر، أنشأها حسن البنا بتوجيه من أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة وابنه عبد الله نصيف الذي يتزعم رابطة العالم الإسلامي والتي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي إلى العالم الاسلامي حتى اليوم  . وقد اعترف حسن البنا ، كما يقول أحمد صبحي منصور ، في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، كما اعترف جمال البنا شقيق حسن البنا بالصلة بين شقيقه الاكبر ووالده والسلطات السعودية في كتابه (خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه). ويشير الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية إلى معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936، وكيف أن حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فان الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالي وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه: 62، دار الفكر الإسلامى.د. محمد أبو الأسعاد: السعودية الإخوان المسلمون 67: 79) ومن خلال هذا الدعم المالي السعودي استطاع البنا، وهو المدرّس البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان المسلمين فى مصر من الإسكندرية إلى أسوان، ومن مصر امتدت هذه الحركة لتعم أغلب البلاد العربية بتسميات مختلفة بقي أبرزها على الدوام اسم (الإخوان المسلمين).

هذه هي الثغرات التي تسللت منها الوهابية إلى مصر من وجهة نظر الاستاذ  أحمد صبحي منصور، إلا ان هناك من يرى ان هذه الطرق ، وان كانت قد زرعت بذور السلفية في الارض المصرية ، إلا انها ظلت محصورة عند نطاق ضيق ولم تتأقلم مع الروح المصرية المجبولة على حب اهل البيت عليهم السلام والصاحبة الكرام ، والتي تتعارض مع سخف وجلف الوهابية الكارهة لكل شيء.

العامل الاساسي الذي جعل فيروس الوهابية يضرب جسد مصر ، وينتشر فيها بهذا الشكل الوبائي ، كان سياسية الانفتاح التي انتهجها الرئيس المصري السابق انور السادات ، وهجرة مئات الالاف من الايدي  العاملة والخبرة المصرية إلى السعودية منذ سبعينيات القرن المنصرم ، وعودة الكثير من هؤلاء إلى مصر وهم يحملون فيروس الوهابية للأسف الشديد.

هذه الظاهرة الخطيرة حذر منها الكثير من المفكرين والكتاب المصريين ، واخص بالذكر هنا الكاتب الراحل اسامة انور عكاشة، الذي قرع اكثر من مرة خلال مقالاته ولقاءاته وأعماله الدرامية ، جرس الخطر من تفشي الوهابية في مصر ، ولكن للأسف الشديد ، لم تجد هذه التحذيرات آذانا صاغية ، في خضم فوضى تدفق دولارات النفط السعودي الملوثة بالوهابية إلى مصر ، حيث ظهرت على شكل مساجد ومنابر ودعاة و فضائيات وإذاعات وصحف ومجلات ودور نشر ومعاهد وجمعيات خيرية تحت عناوين واسأمي متنوعة.

ان الوهابية التي كانت محصورة في السعودية بسبب قصورها الذاتي وتعارضها مع الفطرة الانسانية ، استطاعت ان تتغلب على هذا النقص الخلقي ، من خلال المال وشراء ذمم بعض رجال الدين المصريين ومن خلال تجنيد بعض المصريين الذين كانوا يعملون في السعودية ، كدعاة عبر مدهم بالمال وتوفير كل ما يلزم من امكانات.

الخطير ان مرجعية السلفية الوهابية في مصر ، هي السعودية ، ويكفي رصد سلوكيات حزب النور السلفي وباقي الاحزاب السلفية الاخرى ، للتأكد من ذلك ، فالسلفية الوهابية المصرية ، تجردت من كل ما كانت تعتبره محرمات شرعية ، لتنخرط في العملية السياسية بعد سقوط الرئيس المصري محمد مرسي ، وتوافق على كل الخطوات التي اعقبت فشل حكم الاخوان في مصر ، دون ان تكون مقتنعة بهذه الخطوات والإجراءات اصلا.

الكثير من مراقبي المشهد المصري يرون ان السلفية الوهابية ومن ورائها السعودية ، ترمي من خلال التماشي مع الوضع الموجود ، إلى التغلغل في الساحة المصرية ، مستغلة غياب الخط الاخواني ، للتمدد في كل مفاصل الدولة ، السياسية والاقتصادية والإعلامية وحتى العسكرية ، والاكتفاء بالوعظ  والإرشاد ، حتى تسنح الفرصة للانقضاض على الحكم ، عبر تسخين الشارع ، الذي تعتقد انه سيقف إلى جانبها في حينها.

ان تصادم الوهابية مع الشارع المصري ، لا محالة واقع ، وان الامر ليس الا مسألة وقت ، والسبب ، هو ان الوهابية في مصر عبارة عن سباحة عكس التيار ، ولن تجد السلفية مكانا يمكن ان تلوذ به في مصر ، بعد ان تهدأ الاوضاع في هذا البلد ، وبعد ان يخرج البعض من سحر المليارات السعودية التي قدمتها لمصر عقب سقوط وفشل الاخوان  ، لا لسواد عيون شعبها ، او لنشر الديمقراطية في ربوعها ، بل لتكبيلها بالسلفية الوهابية ، وهو تكبيل ترفضه الروح المصرية التي بنت الاهرامات والأزهر.

 

سامح مظهر / شفقنا

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*