المرجع الحكيم: فاجعة الطف أحدثت تحولاً عظيماً في تاريخ الإسلام

212

سماحة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (مدّ ظله)
سماحة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (مدّ ظله)

دعا سماحة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (مدّ ظله) المبلغين والمبلغات كافة لأن يبحثوا عن واقع نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) تلك النهضة المقدسة وأبعادها العقائدية وأهدافها السامية، ويدرسوها دراسة موضوعية، من أجل أن يتعرفوا عليها، ويثقفوا عموم المؤمنين ويعرّفوهم بها، ليزدادوا بصيرة في دينهم واعتزازاً بواقعهم وثباتاً عليه ودفاعاً عنه، وأن يعرّفوا المؤمنين أهمية إحياء هذه الذكرى المقدسة في حفظ الدين الحنيف وتجديد حيويته، وموصيا سماحته المبلغين كافة بأن يستفيدوا من هذا الموسم الشريف لبثّ الثقافة الدينية العامة في العقيدة والسلوك، والتعريف برموز الدين ورفيع مقامهم، وبرموز الانحراف والطغيان وانحطاطهم، وتنبيه المؤمنين إلى ما يجب عليهم من التعرف على واقع دينهم والتفقه فيه.

كما وجه سماحة المرجع الكبير السيد الحكيم بعرض ظلامة سيد الشهداء خاصة وظلامة أهل البيت (صلوات الله عليهم) عامة، والتفجّع لها، وإثارة الجوانب العاطفية بالأساليب المختلفة نحو مصائبهم وما نزل بهم، وتعمد العرض الشجي حزناً وألماً على ما جرى عليهم (صلوات الله عليهم)، جاء ذلك خلال كلمة القاها السيد علاء الدين الحكيم ممثل المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) في مؤتمر المبلغين والمبلغات التاسع والعشرين الذي انطلق اليوم الخميس، 24 من ذي الحجة 1436 هـ المصادف 8 من تشرين الاول 2015، في محافظة النجف الاشرف برعاية مؤسسة شهيد المحراب للتبليغ الاسلامي.

وأدناه نص الكلمة التي ألقاها ممثل المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) في المؤتمر الذي حضرته (الحكمة):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين المظلومين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد :

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) صدق الله العلي العظيم

أحدثت فاجعة الطف تحولاً عظيماً في تاريخ الإسلام فقد حفظت قيمه وثوابته من الزيغ والانحراف مع كونها أعظم مأساة انتهكت فيها حرمة الرسول الأعظم في حرمهِ وأهل بيته، حيث واجه سيد الشهداء عليه السلام والصفوة من أهل بيته والمخلصين من أنصاره وبكل ما يملكون من قوة معنوية وقيم إسلامية أصيلة الطغاة والمنحرفين الذين بذلوا كل طاقاتهم مستغلين إغراء المال وبطش السيف من أجل أن تموت هذه الأمة المرحومة، وتنسى دينها العظيم وتعاليمه القويمة ومُثُله الرفيعة وأخلاقياته الفاضلة، وترجع في غفلتها نحو جاهليتها العمياء، لتتخذ من الطغاة أصناماً تعبدهم من دون الله تعالى، وتجعل منهم أئمة يقودونها إلى النار، تحلل ما أحلوا، وتحرم ما حرموا، من دون وازع ولا رادع. وقد أفصح عن ذلك يزيد بن معاوية بكل وضوح حيث قال:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل       لست من خندفَ إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

ولقد كان سيد الشهداء (عليه السلام) على علم بما ستؤول إليه الامور، حيث قال (صلوت الله عليه) في جملة كلام له عندما خطب الناس في مكة… وخير لي مصرعٌ أنا لاقيه كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء …ومع ذلك سار إلى الموت بخطى ثابتة وعزم راسخ ولم يكن معه إلا نجوم الأرض من آل عبد المطلب وعدد قليل من المؤمنين ممن امتحن الله قلوبهم للإيمان، موضحاً أهدافه السامية في كلمته المعروفة (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين .

ولقد أحسَّ (صلوات الله عليه) بالفتح وتلمس النصر المتمثل بالشهادة قبل أن يبدأ القتال فقد كتب من كربلاء إلى من بقي من بني هاشم:

(( أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح، والسلام)) .

كما أشار إلى ذلك الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حديثه مع إبراهيم بن طلحة بعد رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة حاملاً معه الثكالى من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سأله إبراهيم بن طلحة من الغالب؟ فقال (صلوات الله عليه) : (( إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن وأقم)) .

ولقد كانت واقعة الطف المضمخة بالدماء الزكية صرخة مدوية أيقظت ضمير الأمة ونبّهتها إلى ما هي عليه من سوء، بل هزت عروش الظالمين وسلبتهم شرعيتهم التي تستروا بها، وصبّت عليهم اللعنة والنقمة أبد الآبدين، وعادت دعوة الدين حية تستقطب ذوي السعادة والتوفيق من أجل أن يحملوها ويرعوها، ويبلّغوها الأجيال جيلاً بعد جيل، لتبقى كلمة الحق ظاهرة تقوم بها الحجة على الناس، ولا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين.

وإذا كان سيد الشهداء (صلوات الله عليه) قد تحدى الطغاة والمنحرفين وقال كلمته المشهورة: (( والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد )) وقدم نتيجة ذلك الدماء الزكية والتضحيات العظيمة، فإن شيعته ومحبيه قد واصلوا التحدي ــ منذ الأيام الأولى لوقوع الفاجعة وإلى يومنا هذا ــ بإصرارهم على إحياء تلك الذكرى المقدسة بأبعادها المأساوية والعقائدية والأخلاقية الفاضلة وتذكير الأمة بها وبرموزها الشامخة وبجرائم الطغاة والمنحرفين ملبين نداء نصرته واستغاثته الذي لا يزال يأخذ بمجامع قلوب المؤمنين (لبيك داعي الله إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري).

وقد تحملوا في سبيل ذلك وإلى يومنا هذا من التشنيع والتهريج والمصائب والمآسي والفجائع ونزف الدماء ما لا يحيط به وصف ولا يحصيه بيان.

وقد عشنا فصلاً تاريخياً من فصول تلك المآسي، حيث مرت على المؤمنين ظروفٌ عصيبة بدأت منذ الأيام الأولى لقيام النظام البائد وإلى حين سقوطه ودخول موجات من الإرهابيين والتكفيريين حيث تميز منهج النظام البائد والتكفيريين باستهداف الشعائر والتجمعات الحسينية بالقتل والابادة الجماعية ناهيك عن السجون والمعتقلات الرهيبة، وقد واجه المؤمنون تلك المآسي بصبر وثبات عظيمين، ولا يزالون على ذلك ولقد كان لمواقفهم الإيمانية والبطولية أعظم الأثر في صد تلك الهجمة الشرسة وارتدادها خائبةً خاسرة فجزاهم الله خيراً على كل ما قدموه من تضحيات عظيمة فإن ذلك كله بعين الله ورعايته إنه ولي المؤمنين.

وقد كان للمد الإلهي والكرامات المتعاقبة وفي العصور المختلفة التي رآها المؤمنون بأعينهم ولمسوها بأيديهم وعاشوها في واقعهم، أعظم الأثر في شد عزائمهم وشحذ هممهم مما زادهم بصيرة في أمرهم وثباتاً على عقيدتهم، ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) الأحزاب: 23

وهكذا صدق الوعد الإلهي الذي أشارت إليه أم المصائب زينب الكبرى في حديثها مع الإمام زين العابدين (عليه السلام) في صبيحة يوم الحادي عشر من المحرم حيث قالت وبكل ثقة وإطمئنان ــ وهي تودع حماتها وأحبتها المبضعة أجسادهم في صحراء كربلاء ــ :

(( وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة على محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلّا ظهورا وأمره إلّا علوّا))

وننتهز هذه الفرصة الكريمة لنؤكد على الأخوة الخطباء والمبلغين سددهم الله تعالى ملاحظة الأمور التالية:

(الأول): أن يبحثوا عن واقع تلك النهضة المقدسة وأبعادها العقائدية وأهدافها السامية، ويدرسوها دراسة موضوعية، من أجل أن يتعرفوا عليها، ويثقفوا عموم المؤمنين ويعرّفوهم بها، ليزدادوا بصيرة في دينهم واعتزازاً بواقعهم وثباتاً عليه ودفاعاً عنه.

(الثاني): أن يعرّفوا المؤمنين أهمية إحياء هذه الذكرى المقدسة في حفظ الدين الحنيف وتجديد حيويته، وقيام كيانه وثباته أمام القوى المعادية الهائلة، ولعله لذا أكد أئمتنا الأطهار(صلوات الله عليهم)على إحيائها ، وحثوا على ذلك بمختلف الأساليب، وأشادوا بفضله وعظيم أجره في أحاديث كثيرة جداً، وينبغي بيان ما ورد عنهم (عليهم السلام) في ذلك والتذكير به، لأن لكلامهم (عليهم السلام) ومواقفهم العملية موقعها الخاص في نفوس المؤمنين وتأثيرها العظيم عليهم، وليعرف المؤمنون أن ما يقومون به من مراسيم تطبيق وأمتداد لما أمر الأئمه (صلوات الله عليهم) شيعتهم، وللتبرك نذكر حديث معاوية بن عمار فقد ذكر أنه استأذن على الإمام الصادق (ع) فوجده ساجداً يدعو لزوار الحسين (ع) وكان فيما قال (صلوات الله عليه):

(( فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمةً لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهم إني أستودعك تلك الأبدان وتلك الأنفس حتى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر)) .

(الثالث): أن يستفيدوا من هذا الموسم الشريف لبثّ الثقافة الدينية العامة في العقيدة والسلوك، والتعريف برموز الدين ورفيع مقامهم، وبرموز الانحراف والطغيان وانحطاطهم، وتنبيه المؤمنين إلى ما يجب عليهم من التعرف على واقع دينهم والتفقه فيه، والاعتزاز برموزه والعمل بتعاليمهم السامية، والتنفر من الطغاة والمنحرفين ومباينتهم والبراءة منهم.

(الرابع): مراعاة الغرض الأهم من هذه المواسم، والذي أكّد عليه أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ــ في أحاديث كثيرة جداً يصعب إحصاؤها ــ وهو عرض ظلامة سيد الشهداء خاصة وظلامة أهل البيت (صلوات الله عليهم) عامة، والتفجّع لها، وإثارة الجوانب العاطفية بالأساليب المختلفة نحو مصائبهم وما نزل بهم، وتعمد العرض الشجي حزناً وألماً على ما جرى عليهم (صلوات الله عليهم) فإن في ذلك أداءً لحقهم (عليهم السلام) وتعبيراً عن موالاتهم. ولتكون مصائبهم (صلوات الله عليهم) مدعاتاً لتأسي شيعتهم بهم وسبباً لثباتهم في معاناتهم وصبرهم على ما يمر بهم من مصائب ومآسي في سبيل قضيتهم واستمرار مسيرتهم كما قال الشاعر :

أنست رزيتكم رزايانا التي سلفت وهونت الرزايا الآتية

(الخامس): يتعرض الشعب العراقي وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) خاصة إلى هجمة إرهابية شرسة أدت إلى استشهاد وجرح ما لا يحصى من الأبرياء وتهجير مئات الألاف من العوائل الآمنة، وكادت البلاد أن تقع ضحية بيد هؤلاء المجرمين لولا الرعاية الإلهية وتدخل المرجعية الدينية من خلال فرض الدفاع عن المقدسات والأرواح وكان لعموم المؤمنين في الاستجابة لنداء الواجب الشرعي والدخول المباشر في الميدان أثر عظيم في صد تلك الهجمة الظلامية التي تستهدف الجميع، وإننا إذ نثمن تلك الوقفة الشجاعة والايثار الذي لا يوصف للمؤمنين الكرام أعزهم الله تعالى ندعو المبلغين إلى التواصل مع المدافعين الأبطال وشحذ هممهم وتقوية عزائمهم وإعانتهم في أمرهم.

كما نطالب المتصدين للشأن العام مطالبة المؤسسات الدولية بالتعامل مع هذه العمليات الاجرامية على أنها جرائم إبادة ضد الانسانية وملاحقة من يدعمها ويساندها من خلال المنظمات الدولية.

ونطالب أيضاً المتصدين للشأن السياسي توحيد صفوفهم وتوجيه كافة الطاقات نحو هدف واحد يتمثل في بناء مؤسسات الدولة على أسس صحيحة لتمارس دورها في القضاء على المجاميع الإرهابية وتقديم الخدمات للمواطنين.

وفي هذا الصدد نؤكد على ضرورة معالجة مشكلة النازحين وتخفيف معاناتهم والاستفادة من خبرات ودعم المنظمات الدولية في هذا المجال، وعليهم السعي الجاد لرعاية عوائل الشهداء وتقديم العون للجرحى وتخفيف معاناتهم.

وفي الختام نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بقلوبٍ خاشعة مليئة بالأمل والرجاء قائلين :

اللهم اجعلنا مع محمد وآل محمد في كل عافية وبلاء واجعلنا مع محمد وآل محمد في كل مثوى ومنقلب اللهم اجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم واجعلنا معهم في المواطن كلها ولا تفرق بيننا وبينهم إنك على كل شيء قدير.

اللهم بحق محمد وآل محمد ارحم شهدائنا وارفعهم إلى أعلى عليين وأخلف على ذويهم وأهاليهم بأفضل الخلف وأمنن على جرحانا بالشفاء العاجل والعافية التامة وعوضهم عما أصابهم من عطائك وكرمك، وأكشف كربات المكروبين إنك أرحم الراحمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مكتب السيد الحكيم (مد ظله)

24 ذو الحجة 1436هـ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*