سطور من كتاب: (رسالة توجيهية إلى التربويين العراقيين) لسماحة المرجع السيد محمد سعيد الحكيم(مد ظله)

389

Hakeemهناك أمور ينبغي الحديث عنها..

الأول:

أن المناهج الدراسية قد أخذت بالضعف منذ بدأت الأوضاع السياسية بالاضطراب، حيث انصبّ اهتمام القيادات السياسية إلى استقطاب طلبة المدارس من أجل أن تتبنى مواقفها وتحمل شعاراتها، وإن أشغلهم ذلك عن واجبهم العلمي، وحذراً من أن يشعر الطلبة بخسارتهم بتضييع أوقاتهم في ذلك اضطرّت إلى أن تخفف من مناهج الدراسة، وتتغاضى عن تقصيرهم في دراستهم، وتمنحهم شهادة النجاح.

وقد عمّ ذلك الكل، حتى من استطاع أن يبعد عن السياسة، إذ ليس هناك مناهج أخرى يعتمدها في دراسته، ولا هيئة تدريسية تقوم بها. اللهم إلا أن يكون هناك جهد فردي استثنائي لا ظهور له في الوضع العام.

وقد زاد في تدهور الوضع تركيز النظام السابق في المناهج الدراسية على الثقافة الحزبية الضحلة.

ويبدو ذلك واضحاً جلياً بمقارنة المناهج الدراسية في السنين الأخيرة بالمناهج الدراسية التي كان العمل عليها قبل ستين عاماً فأكثر.

ومن الطبيعي أن يكون ذلك قد أثّر..

أولاً: على الكادر التدريسي، فضعف المدرّس اليوم

ثقافياً، لأنه تلميذ الأمس القريب، ولأنه لم يألف المناهج ذات المستوى الرفيع، فلو فرض أن تبدلت المناهج الآن وارتفع مستواها لم يستوعبها ولم يتفاعل معها، ولا يهضمها ليستطيع تدريسها للطلاب الجدد، والارتفاع بهم إلى مستوياتها.ولابد من الاهتمام بهذا الجانب، والعمل الجدّي من أجله، ولو بفتح دورات تدريبية للمعلمين والمدرسين يقوم بها مدرسون أكفاء من الأجيال السابقة، أو ممن له اهتمام استثنائي بالثقافة من الأجيال اللاحقة، ليرتفعوا بمستوى العلم ثقافياً ونفسياً، لينهض بمسؤوليته كاملة ويستطيع تثقيف التلميذ الجديد بما يناسب تطور المناهج الدراسية وارتفاع مستواها.

وثانياً: على الطلاب أنفسهم الذين قطعوا بعض المراحل الدراسية بالمناهج السابقة، حيث يصعب عليهم الانتقال للمراحل اللاحقة على طبق المناهج الجديدة، للفارق الشاسع بين المرحلة التي أنهاها في العهد السابق والمرحلة الجديدة التي تنتظره في المناهج الجديدة، لو فرض ارتفاع مستواها، حيث لا يكون انتقاله للمرحلة الجديدة تدرجاً طبيعياً، بل يكون من سنخ الطفرة التي تصعب على الكثيرين أو تتعذر، فلابد من جهد مكثّف لعون الطلاب على هذا الاجتياز الصعب، وتظافر الجهود من أجل ذلك.

الثاني:

أن ابتناء الأوضاع بمجملها فيما سبق على اهتمام العاملين والموظفين في مختلف مجالات العمل، بإرضاء النظام وأعوانه، خوفاً وطمعاً، كان سبباً في ضعف شعورهم بواجبهم في خدمة المواطنين، والإخلاص في عملهم وإتقانه، فكانوا يكتفون بالعمل الصوري والروتيني.

وزاد في تردي الأوضاع قلة الرواتب الشهرية، نتيجة التدهور الفظيع في قيمة الدينار الشرائية، حيث كان ذلك سبباً في حمل الموظف على التهاون بعمله، خصوصاً بعد أن كان ذلك سبباً في إلجاء المواطنين على دفع المكافأة أو الرشوة له على عمله، لينجزه له، من أجل أن يسدّ حاجته الملحّة للمال.

وجرى على ذلك المعلّمون والمدرّسون، فإنه وإن لم يتيسر لهم الرشوة والمكافأة، لأن أكثر من يدرسونهم من الطبقة الفقيرة الـمُعدمة وغير الواعية، إلا أن كثيراً منهم أخذ يحاول أن يتدارك أمره بالدروس الخاصة الاستثنائية، التي يتسنى لبعض ذوي الدخل الجيد والوعي أن يقوموا بها لأبنائهم، حيث زاد ذلك من ضحالة الدروس العامة التي تلقى في المدرسة، أملاً في حمل أكبر عدد ممكن من أهالي التلاميذ على الدروس الخاصة المذكورة، رغبة في الاستزادة من المال.

وانتهى التدريس العام في المدارس الحكومية في النهاية إلى عملية روتينية ضحلة لا تنهض بالمستوى العلمي المناسب لعامة الناس، خصوصاً مع كثرة التعطيلات بسبب ما كان النظام البائد يستحدثه، من مناسبات الأفراح والاحتجاجات المزعومة، ولقيام المسيرات، ورفع الشعارات التي يدعو إليها لخدمة أهدافه.

وكلما طال الزمن وقد طال فعلاً ألف الناس ذلك، واستحكم في النفوس والسلوك، حتى عاد مرضاً اجتماعياً مستعصياً.

وعلى ذلك لا يكفي ارتفاع المستوى المعاشي للمعلم والمدرس لو حصل في هذا العهد في حل المشكلة، إذ هو لا يكفي في إحياء الشعور بالمسؤولية، بعد أن مات في النفوس، ولا في قطع مادة الطمع الذي ظهر فيها وتجذّر.

غاية الأمر أن يكون ارتفاع المستوى المعاشي سبباً لفقد مبررات التسامح المذكور، ولوجود الأرضية الصالحة لحل المشكلة، مع توقف حلّها فعلاً على جهود مكثفة من قِبل المعنيّين والمخلصين، ولو بإحداث ندوات تلقى فيها محاضرات لتوعية المعلمين والمدرسين، وتذكيرهم بواجبهم، وتحفيز ضمائرهم، واستثارة عواطفهم، من أجل بناء بلدهم الذي دمّره الظالمون، ورفع مستوى أبنائه المحرومين ثقافياً، والنهوض بهم وبه إلى أوج الرفعة والكمال.

وهذا في الحقيقة يجري في حق جميع المسؤولين والعاملين، ولا يختص بالتربويين، وإن كان حديثنا هذا معهم.

الثالث:

أن المدرسة كما هي مسؤولة بتعليم جيل الناشئة في فروع المعرفة الحياتية المختلفة، وتثقيفها ثقافة علمية أصيلة رصينة، كذلك هي مسؤولة بأمرين آخرين لهما أهميتهما الكبرى في واقع الإنسان..

1ـ تثقيف الناشئة دينياً. فإن الدين الحق مقدم على كل شيء، وبه نجاة الإنسان من الهلكة الدائمة، وهو الرقيب الداخلي الذي يدفعه للطريق المستقيم في هذه الحياة المملوءة بالمخاطر، والمزروعة بالأشواك، والتي تتقاذفها الأهواء والدعوات المختلفة، خصوصاً بعد أن عاث الفساد في الأرض وانتشر فيها.

2ـ تربية الناشئة على الأخلاق الفاضلة وتركيز المثل الإنسانية ونوازع الخير فيها، لأنَّ قِوام الأُمَّة بأخلاقِها ومُثُلِهَا.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

والعلم الخالي عن هذين الأمرين ينقلب أداة شرٍّ مدمرة للأمة والبشرية عامة، كما نشاهده اليوم في الأمم التي تخلَّت عن الدين والأخلاق، حيث انقلبت إلى وحوش كاسرة، وانحطَّت إلى حضيض الحيوانية، فلا همّ لها إلا تحصيل اللذة من أقصر طرقها، والاستئثار بالقدرات والأموال والاستغلال غير المشروع، ثم الشعور بالضياع والفراغ الروحي وفقد الهدف. كل ذلك أصبح من الوضوح بحدٍّ لا يحتاج إلى مزيد بيان.

* سطور من كتاب: (رسالة توجيهية إلى التربويين العراقيين) لسماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم(مد ظله).

س ف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*