حوار مع الجنرال العراقي السابق غازي خضر إلياس عزيزة

158

12-1-2013 011

‘مسيحيو العراق لا يريدون وطنًا مستقلًّا، بل حقوق مواطنين من الدرجة الأولى’

ليس جديداً أن يتعرض مسيحيو العراق لعمليات تصفية وتهجير بسبب ديانتهم. لكن الجديد أنّ صوت الجنرال السابق غازي خضر إلياس يرتفع اليوم مطالبًا المجتمع الدولي بحماية المكوّن الأقدم في العراق من جريمة إبادة يقول إنها رافقت هذا الشعب منذ وصول الإسلام إلى البلد. ملهم الملائكة أجرى هذا الحوار الخاص مع غازي خضر إلياس عزيزة حول تاريخ ومعاناة المسيحين في بلد الرافدين المستمرة منذ 14 قرناً.

غادر الجنرال (غازي خضر إلياس عزيزة) منصبه كمستشار لوزير الداخلية العراقية في سنة 2006 ، وغادر بلده ليصل إلى ألمانيا لاجئاً ويتقدم إلى الأمم المتحدة بوثيقة تشير إلى تعرض مسيحيي العراق لعمليات إبادة جماعية تاريخية، بحمايتهم وتعويضهم عما لحق بهم، ومحاسبة مرتكبي تلك الجرائم.


موقع “قنطرة” التقى الجنرال عزيزة وأجرى معه الحوار التالي:

كيف انطلقت حملتكم لتعريف العالم بما جرى ويجري للمسيحيين في العراق؟

غازي خضر إلياس عزيزة: بدأنا بحملة لتوحيد كلمة الطوائف المسيحية في العراق، ونحن بصدد تشكيل هيئة تتبنى مسوّدة الوثيقة، التي تقدمنا بها والتي تثبت تعرض المسيحيين في العراق على مدى مئات السنين الماضية لإبادة جماعية. الحملة تتوخى إثبات حقوق الشعب المسيحي في الأرض، بمعنى الحصول على اعتراف من الأمم المتحدة بأنّ مسيحيي العراق هم أصحاب الأرض قبل 1400 عام، ثم اعتراف الهيئة الدولية بالجرائم التي أصابتهم. وسنطالب الأمم المتحدة بتشكيل محكمة جنائية دولية تتولى التحقيق في مزاعمنا للوصول إلى إثبات إدعاءاتنا.

ما هو الأساس القانوني الذي استندتم عليه في عرض قضيتكم؟

 غازي خضر إلياس عزيزة: المادة الثانية من الاتفاقية الدولية حول الوقاية من جرائم الإبادة الجماعية لسنة 1948 تنصّ على تعريف ومنع هذه الجرائم ومتابعة ومعاقبة مرتكبيها. وقد استندنا على هذه المادة ومواد أخرى من الاتفاقية المذكورة. وقد حددت هذه الاتفاقية مستويات الإبادة، ونصت موادها على أن إبادة مجموعة من طائفة معينة أو قومية معينة بالقتل أو التشريد داخل أو خارج البلد تقع تحت وصف جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم بل يبقى مرتكبوها عرضة للتعقيب والمتابعة والاعتقال والمحاكمة مهما تقادم الزمن على تاريخ ارتكابهم لتلك الجرائم.


“عشائر العراق المسيحية اعتنقت الإسلام بحد السيف وهربًا من الجزية”

 في الوثيقة التي عرضتموها، تقولون إنّ المسيحيين هم سكان العراق الأصلاء. كيف تعرِّف وضع بقايا السومريين والآشوريين إذا؟

غازي خضر إلياس عزيزة: المسيحيون هم امتداد تلك الشعوب، التي اندثرت قبل خمسة إلى سبعة آلاف عام، نحن نتحدث في هذه الوثيقة عن الفترة التي تمتد إلى 1400 عام، قبل وصول الإسلام إلى بلد الرافدين، حيث كان أغلب سكان العراق من العشائر العربية التي دانت بالمسيحية، إضافة إلى نسبة صغيرة منها تدين باليهودية، ونسبة أخرى تدين بالديانة المندائية.

 والآشوريون والكلدان الذين يقولون اليوم إنهم بقايا تلك السلالات لا يمثلون المكون المسيحي في العراق، فتلك أقوام سكنت العراق قبل 5 آلاف عام، ومنهم مسلمون، ولو بحثت اليوم في أصول العشائر العربية المسلمة لوجدت أصولها آشورية و سريانية و كلدانية، هذه حضارات بادت وضاعت امتداداتها.

والكلدان بالذات انتموا للإسلام وقت التبشير بهذا الدين، وقد جاء انتماؤهم تحت تهديد السيوف أو الجزية، وهذه وقائع تاريخية معروفة لا أدعي أني أول من اكتشفها. أغلب عشائر جنوب العراق المسلمة اليوم، لكنها كانت في الأصل مسيحية، لكن وبعد الفتح الإسلامي والتهديد بالقتل والعجز عن دفع الجزية اضطرت تلك العشائر إلى دخول الإسلام.

 عراقيون “تحت حماية الأمم المتحدة”

هل فكرتم أن حملتكم هذه قد تقود إلى قيام وطن قومي للمسيحيين في الشرق الأوسط كما حدث مع اليهود في هذه المنطقة؟

غازي خضر إلياس عزيزة: نحن لا نطالب بوطن قومي مستقل، وهدفنا هو حماية المسيحيين من قبل الأمم المتحدة. نحن لا نريد أن ننشئ جيشًا أو ميليشيات تحتل أرضًا أو تقيم حكومة أو فدرالية تتولى حمايتنا. المسيحيون يبقون في كل أنحاء العراق كما كانوا، ويعملون مع باقي أبناء الشعب لبناء وطنهم، لكن هذا يجب أن يجري تحت حماية الأمم المتحدة.
أنا أعتقد أن تدهور أوضاع العراق خلال العقود الأخيرة سببه هجرة المسيحيين الذي شغلوا وظائف هامة ونشّطوا قطاعات فاعلة لخدمة البلد. فالجميع يعرف أن المسيحيين يمتازون بالصدق والإخلاص والوفاء لبلدهم وهم مسالمون لا ينتمون إلى أحزاب أو تنظيمات.

رغم رفضكم لفكرة الوطن القومي للمسيحيين يشهد العراق منذ سنوات حديثًا عن إقامة إقليم في منطقة سهل نينوى يكون مأوى لكل مسيحيي العراق وتتولى قوات البيشمركة الكردية حمايته. ما تعليقك على هذا المشروع ؟


غازي خضر إلياس عزيزة: هذه مؤامرة، فالمسيحيون عمليًّا يمكن أن يسكنوا في إقليم خاص بهم في شمال العراق، ولكني كمسيحي أرفض هذا المشروع، فنحن من أصل عربي وليست لنا لغة غير العربية، ومسيحيو العراق يتحدثون بلهجات اكتسبوها من المناطق التي سكنوها مئات السنين، والحل الصحيح هو أن يعود كل مسيحي مهجّر إلى مكانه ليخدم بلده مع أبناء منطقته، نحن لا نريد وطنا مستقلًّا، بل نريد حماية وحقوقًا كمواطنين من الدرجة الأولى.

” 70 ألف مسيحي سكنوا النجف قبل ألف عام ، أين ذهبوا؟”

أشرتم في مسوّدة وثيقتكم إلى المذبحة التي طالت المسيحيين في قضاء سمّيل في العراق سنة 1933 واستندتم عليها كواقعة لعرض قضيتكم على الأمم المتحدة، هل لكم بتعريف هذه الواقعة؟
غازي خضر إلياس عزيزة: كان العراق آنذاك تحت الانتداب البريطاني، وقد طالبت بعض العشائر المسيحية في منطقة سميل (القريبة من محافظة دهوك شمال العراق) بحقوقها، فثارت عليهم العشائر الكردية بدعم من جيش الحكومة المركزية في ظل رئيس الحكومة رشيد عالي الكيلاني، ورئيس أركان الجيش بكر صدقي، وقد أبيد مسيحيو المنطقة إبادة تامة، كما شجع قائم مقام المنطقة آنذاك عشائر شمّر وربيعة على اقتحام المنطقة، وإحراق القرى المسيحية فيها وقتل النساء والأطفال، والاستيلاء على ممتلكاتهم، ما أدى إلى فرار المسيحيين إلى تركيا وسورية. وتوجد بقايا منهم في سورية حتى هذه الساعة.
المسؤول عن هذه الجريمة هو رشيد عالي الكيلاني، لأنه كان رئيسًا للحكومة، بل إنّ المسؤولية تقع على عاهل الملك فيصل الأول أيضًا بشكل مباشر لأنه أرسل ولي عهده غازي ووزع أوسمة شجاعة على الضباط والجنود الذين ارتكبوا تلك المذبحة.
هذه الجريمة وفق القانون الدولي تكفي لإدانة سلطة الدولة العراقية لما ارتكبته بحق المسيحيين العراقيين، وأنا أتحدث هنا عن الدولة كشخصية معنوية ولا أعني الحكومة الحالية أو التي سبقتها أو غيرها. إجراء مثل هذا سيعيد لنا حقوقنا باعتبارنا سكان البلد الأصليين، كما حدث مع الهنود الحمر في أمريكا، ومع سكان أستراليا الأصليين، وكما حدث مع اليهود من ضحايا الهولوكوست النازي في ألمانيا وأوروبا، فقد حصل جميع هؤلاء على حقوقهم وعلى اعتراف دولي بأنهم أصحاب الأرض، كما عوقب مرتكبو الجرائم بحقهم.


آثار المسيحيين منتشرة في كل أنحاء العراق، و جرى مؤخرًا الكشف عن وجود 33 كنيسة ودير في مدينة النجف، وهذا العدد يدل على أن النجف المقدسة عند المسلمين اليوم، قد سكنها ما لايقل عن 70 ألفا من المسيحيين قبل ألف عام، والسؤال هو أين ذريتهم؟ ولماذا هدمت ودفنت كنائسهم؟ لم يبق أحد منهم يجيبنا عن هذا السؤال، ونصل منه إلى استنتاج مفاده أن المسيحيين تعرضوا لإبادة جماعية على مدى مئات السنين، وستثبت ذلك المحكمة الجنائية الدولية المختصة بعد أن تحيل الأمم المتحدة إليها الملف، ليصدر بعد ذلك قرار يثبت أننا أصحاب الأرض ويستدل على ذلك بآثارنا.


“يهود العراق أجبروا على الهجرة وهذا يعني إبادة جماعية”


تحدثتم في مسودة وثيقتكم عن الشعب اليهودي العراقي، من المسؤول حسب وصفك عن تهجيرهم؟
غازي خضر إلياس عزيزة: هم مكون أصيل من مكونات العراق، وقد بدأوا بعد سنة 2003 بالعودة إلى مناطقهم في الكفل وفي كركوك، وهم يشترون أراضيَ في شمال العراق ، وقد بدأوا يطالبون بحقوقهم ويقولون إنهم قد تعرضوا إلى إبادة جماعية ، والإبادة الجماعية لا يشترط أن تعني القتل حرفيًّا، بل يمكن أن تحدث عن طريق التهجير والترحيل.
اليهود قد أجبروا على الهجرة بقرار حكومي صدر عام 1950 بتسفيرهم عن العراق وإسقاط الجنسية العراقية عنهم ، وهذا القرار بموجب القانون الدولي يعتبر إبادة جماعية. والحقيقة أن يهود الدول العربية قد هجّروا بقرارات حكومية عربية، والإجماع العربي هو المسؤول عن تلك الجريمة.

 

  (*) اللواء غازي خضر إلياس عزيزة: عمل بصفة مستشار عسكري لوزير الداخلية العراقية منذ سنة 1986 ولغاية سنة 2006 ، وعمل بأمرة عدة وزراء في حكومة البعث و3 وزراء داخلية في حكومات العراق الجديد بعد 2003 ما يرجّح اعتماد الوزراء المتعاقبين عليه لسبب خبرته العسكرية. تعرض للتهديد بالقتل في سنة 2006 إبان الاقتتال الطائفي في العراق، ثم خُطف ابنه الوحيد ودفع عنه فدية مالية ضخمة . إثر ذلك فر وأسرته من العراق لينتهي بهم المطاف في ألمانيا.

 المصدر : موقع قنطرة / أجرى الحوار: ملهم الملائكة/  تحرير: لؤي المدهون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*