سرّ المتسوّلة – المليونيرة: هل تخفيه هذه الحالات؟!

251

الحكمة – متابعة: ربما، بل الأكيد، أنه لو توفيت “فاطمة” التي قضت حياتها تتسوّل في بيروت، فقيرة، لما عرف بها أحد، أو بالأحرى لما تكلّم عنها مخلوق. لكنّ هذه المتسوّلة باتت حديث الناس بعدما فارقت الحياة، ليس لسبب إلا لأنه تبيّن أنها غنية، بل صاحبة ملايين مُكدسة في أحد مصارف العاصمة!

“فاطمة عثمان” مواليد 1965 من “المباركية – عين الذهب” في عكار شغلت اللبنانيين في الأيام الماضية بعدما تمّ العثور في حوزتها على التالي: مليار و774 مليون ليرة لبنانية في دفتر بنكي واحد، و5 ملايين ليرة في كيس وُجد معها داخل السيارة التي كانت تنام فيها وماتت بداخلها في محلة النويري!

حادثة فريدة من نوعها، بل نادرة، دفعت بالناس إلى طرح أسئلة عديدة حول تفضيل المتسولة – المليونيرة حياة الشقاء والفقر المدقع والمبيت على الطرقات على الإفادة من مالها المدخر من أجل عيش حياة كريمة.

الإجابة الكاملة عن تلك الأسئلة ربما دفنت مع فاطمة. ولعلّها عند عائلتها الصغيرة التي قيل إنها تعيش أوضاعاً معيشية صعبة أيضاً في منطقة عكار. وحقيقة الأسباب التي أبقت فاطمة في حياة التشرّد والتسوّل ومنعتها من صرف ملياراتها، لا يمكن جزمها بشكل نهائي ما لم يُصار إلى دراسة حالتها وظروفها منذ الصغر وحتى وفاتها، بحسب الطبيب والمعالج النفسي مرام الحكيم:”لا يمكننا إعطاء أي تحليل علمي ما لم تتوافر كلّ المعطيات”، يقول.

التسول “بيزنس”

لكنّ الأكيد، بحسب ما يشرح لـ “لبنان24” أنّ “التسوّل بحدّ ذاته قد يكون نتيجة حالة مرضية، كما يمكن أن يكون جريمة منظمة حيث يتمّ تشغيل الأطفال والنساء والأفراد من قبل عصابات ومجموعات تجعل من هذا العمل مهنة، أو “بيزنس”، وهو أمر يندرج ضمن خانة الاتجار بالبشر.

والتسوّل يمكن أن يكون نتيجة فقر شديد وغياب أي فرصة أخرى بديلة (كالعمل)، ويمكن أن تتوّفر فرص العمل إلا أن الشخص يختار مع ذلك التسوّل نتيجة حالة نفسية معيّنة قد تكون الخوف من الفشل أو القلق أو عدم الرغبة بتحمل المسؤولية، أو الإحباط الذي يحول دون تمكن الشخص من مزاولة مهنة بشكل منظم ودائم، وثمة حالات أخرى منها إصابة الفرد بمرض عقلي يحول دون قدرته على ضبط نفسه والالتزام بالعمل.

التعميم طبعاً ليس وارداً، يؤكد الطبيب. وليس خافياً أنّ للتسوّل تداعيات ومضاعفات، أبرزها انعدام ثقة الشخص – المتسوّل وشعوره بالاحباط وقد ينتهي به الأمر منتحراً. والطامة الكبرى تقع حتماً على الأطفال، بصرف النظر عما إذا كان تسوّلهم يأتي بسبب جريمة منظمة أو بسبب الفقر، إذ قد يتعرضون لشتى أنواع الإساءة، وقد يشعرون بأنهم من دون أي قيمة وغير مستقلين، ويعانون من نظرة الناس إليهم والتي تمتزج فيها الشفقة بالازدراء.

وقد يكون من الصعب، في ظلّ غياب معطيات وفيرة، معرفة الظروف التي دفعت فاطمة إلى حياة التسوّل، كما أنه من الصعب معرفة الأسباب التي حالت دون صرفها لأموالها.

لكن عموماً، ثمة ظواهر وحالات كثيرة مرتبطة بالمال نصادفها في الحياة، ولدى علم النفس تفسيرات لها.

عدم صرف المال

بحسب الطبيب النفسي، فإنّ الحالات الأكثر شيوعاً هو أن يكون الشخص قد ترعرع في عائلة فقيرة واختبر ظروفاً معيشية صعبة فيصبح (وليس حكماً) في مرحلة لاحقة كثير الخوف، في وعيه أو لاوعيه، ويمتنع بالتالي عن صرف المال كما يجب. ويمكن هنا أن نتحدث عن حالتين: أولاً “الحذر الشديد في دفع المال” فيكون الشخص اقتصادياً كثيراً ومتنبهاً لكل التفاصيل إنما بمنطقية، وثانياً “البخل” بحيث يمكن أن يكون الفرد ميسور الحال بل حتى غنيا لكنه لا يصرف ماله ويتصرّف بلامنطقية.

والبخل بحسب د. الحكيم ليس وراثياً، لكنه نتيجة ظروف وتربية. وهو في العادة ردّة فعل على حرمان يعيشه الشخص، ولا ننسى في هذا السياق أنّ ثمة أطفالاً لا يجدون قوتهم اليوميّ!

ويلفت د. الحكيم أيضاً إلى حالة أخرى توّلد ميلاً إلى عدم صرف المال وهي ناتجة من إصابة الفرد بالاكتئاب وبعقدة الذنب فيرى أنه لا يستحق أن يصرف أي فلس على نفسه!

والعكس أيضاً حالة مرضية!

وإذا كان البخل ناتجا علمياً من حالة نفسية يعايشها الشخص، فإنّ تبذير الأموال أو البذخ هو أيضاً حالة نفسية مرضية. يقول د. الحكيم إن اضطرابات ذوي القطبين أو الشخصية النرجسية أو الاكتئاب كلّها عوامل تؤدي إلى البذخ. هناك أيضاً ما يُعرف باضطرابات الاندفاع أو التحكم  Impulse disorder التي تدفع الشخص إلى تبذير الأموال من دون وعي أو قدرة على ضبط النفس.

ومن الحالات المرضية الشديدة أيضاً ما يُعرف بـ  Delusions of poverty، وهو عندما يتوّهم الشخص بأنه فقير رغم امتلاكه المال.

ولا ننسى أنّ البذخ يمكن أن يحدث أيضاً تحت تأثير الكحول أو المخدرات.

الميسر (القمار)

يندرج القمار بحسب د. الحكيم ضمن خانة المشاكل النفسية، فقد يكون ناتجاً من اضطرابات في التحكم أو من الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، والخطير أنه يوّلد حالة من الإدمان تمنعه من أن يتوقف عن صرف أمواله على طاولة القمار حتى لو أراد ذلك. ويوضح الطبيب والمعالج النفسي أنه من الصعب التخلّص من الادمانات إجمالا ما لم تتم معالجة الشخص في العمق، أي عبر العلاج النفسي. عادة ما نلاحظ أن المدمنين (على القمار أو غيره) يلجأون إلى أساليب مختلفة للتخلص من الإدمان، مثل الانضمام إلى مجموعة دعم أو “تنظيف” الجسد…لكن هذه الأمور وحدها لا تكفي ما لم تُقرن بعلاج نفسي يقوم به اختصاصيون.

الاكتناز القهري (hoarding)

ومن الاضطرابات المرتبطة بالمال أو المادة يأتي أيضاً ما يُعرف بالاكتناز القهري

وهو الإفراط في تكديس المقتنيات (أو المال) وتجميعها وإيجاد صعوبة بالغة في التخلص منها.  يشرح د. الحكيم أن الشخص عادة ما يعيش قلقاً مرضياً شديداً  anxiety وينتابه خوف دائم من فقدانه أي شيء يعود له.

هوس السرقة (Kleptomania)

ومن الحالات “الغريبة” التي نصادفها في حياتنا أيضاً هي رؤية شخص يسرق رغم امتلاكه المال، أو نرى على سبيل المثال شخصاً يتبضع من السوبرماركت بسلّة تتخطى قيمتها  200 دولار لكنه يسرق في النهاية لوح شوكولا! إنها حالة نفسية مرضية أيضاً تعرف بـ “هوس السرقة” أو “الكلبتومانيا” ويكون المصاب به مدفوعاً إلى سرقة أشياء تافهة الثمن والقيمة، لا هو بحاجة إليها ولا هو بعاجز عن شرائها!

وقد يكون الشخص المصاب بهوس السرقة ذا شخصية معتلة نفسيًا، وقد تنتج هذه الحالة من فقدان للعاطفة ونرى هذه الحالات تبدأ منذ الطفولة. أما العلاج فيكون بحسب د. الحكيم نفسياً وأحياناً يتمّ إعطاء الأدوية.

لبنان24

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*