الإمام علي (ع) جسد سماحة الإسلام في التعامل مع قاتله

278

 ماذا يمكن ان يكتب المرء في ذكرى استشهاد ابن عم الرسول (ص) وخليفته وزوج ابنته الزهراء سيدة نساء العالمين وأبي السبطين الحسن والحسين ، والقائل بحقه الصادق الامين النبي الاكرم (ص) :”علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار” ،  و”يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انه لا نبي من بعدي” ، و”من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيثما دار”، و ”ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين” ، فأمام هذه العظمة تتكسر الاقلام وتخرس الالسن وتتقزم الافكار وتتصاغر العقول”.

ولما كان لابد ، ونحن نعيش ذكرى استشهاد وليد الكعبة ، في محراب مسجد الكوفة على يد اشقى الاشقياء ، ان نغترف ، بقدر استطاعتنا ، غرفة ولو صغيرة من بحر شخصية امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (ع) ، لاسيما ونحن نرى اليوم ان الاسلام الذي جاهد في سبيله ودافع عنه الامام علي (ع) حتى اخر لحظة من حياته ، يتعرض لهجمة شعواء لتشويهه، لا من قبل اعداء صريحين ، بل من قبل من يتلبسون بلباس الاسلام ويدعون انهم مسلمون ، الا انهم اقترفوا من الفظائع التي يشيب لها الولدان ، بإسم الاسلام ونبي الاسلام ، بينما الاسلام ونبيه منهم براء.

في هذه السطور سنمر على اخر يومين من حياة الامام علي (ع) ، منذ ان ضربه شر خلق الله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي ، وهو يصلي الفجر في مسجد الكوفة في التاسع عشر من شهر رمضان سنة اربعين من الهجرة ، وحتى استشهاده في الحادي والعشرين من نفس الشهر ، وكان له من العمر يومئذ ثلاث وستون سنة .

اخترنا هذين اليومين ، لنبين الصورة الحقيقية لسماحة الاسلام ، والتي تفند الصورة المزيفة التي رسمها الخوارج بالامس واحفادهم اليوم من امثال “داعش” وغيرها من الجماعات التكفيرية الوهابية ، وهذه  الصورة العلوية الناصعة ، هي الصورة الحقيقة للإسلام ، والتي يجب ان تعمم للعالم اجمع ، حتى يعرف الناس حقيقة الاسلام ، وحقيقة “الدواعش” والتكفيريين.

في هذين اليومين يمكن ان نرى وبشفافية كاملة كيف يتعامل الاسلام مع الاخر ، مهما كان هذا الاخر ، حتى لو كان عدوا قاتلا ، ومن ثم مقارنة هذا التعامل مع  افاعيل وفظائع “الدواعش” الذين يرفعون كذبا وبهتانا راية الاسلام.

تقول كتب التاريخ انه وبعد ان ضرب ابن ملجم الامام علي (ع) بسيفه المسموم ، جيء به الى الامام (ع) فخاطبه الامام(ع) قائلا: ”يا هذا لقد جئت عظيماً وخطباً جسيماً أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء” ، ومن ثم خاطب إبنه الامام الحسن (ع) قائلا :”ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه وأشفق عليه ، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أمّ رأسه ، وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً ” ، فقال له الامام الحسن (ع): “يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به ؟! ” ، فقال له: ” نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلاّ كرماً وعفواً، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله ، واسقه مما تشرب ، ولا تقيد له قدماً ، ولا تغل له يداً ، فإن أنامتّ فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ، وإن عشت فأنا أولى بالعفو عنه ، وأنا أعلم بما أفعل به ، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً”.

نرجو ان يتوقف كل مسلم امام كل جملة من هذه الجمل ، ويستذكر في الوقت نفسه جرائم “داعش” التي تقتل وتذبح وتمثل بالقتلى والاسرى والرهائن والناس العاديين المسالمين من المسلمين وغير المسلمين ، تحت ذريعة تطبيق الشريعة الاسلامية ، وذريعة نصرة الاسلام ، فاذا كان ما يفعلونه “الدواعش” والتكفيريون هو الاسلام ، فماذا يمكن ان نسمي تعامل امير المؤمنين(ع) مع قاتله؟! ، المقارنة هذه تكشف وبشكل لا لبس فيه ان “داعش” ماهي الا وسيلة تستخدمها جهات معادية للإسلام من اجل ضرب الاسلام وتشويه صورته السمحاء.

اذا كان البعض يعجب من تعامل الامام (ع) مع قاتله ، فانه سيتعجب اكثر اذا ما عرف ، ان الامام (ع) دعا الى ان يسقوا ابن ملجم اللبن ، بعد ان وصف الأطباء الذين عاينوا جرح الامام (ع)  اللبن للإمام (ع)، فناوله ابنه الامام الحسن (ع) قدحا من اللبن فشرب منه قليلا، ثم نحاه عن فمه وقال: احملوه إلى أسيركم!، فذهبوا باللبن  الى ابن ملجم فشربه.

اين “الدواعش” والتكفيريين من الاسلام المحمدي الاصيل الذي جسده الامام (ع) ، وهو الاسلام الحقيقي الذي يجب ان تدعو اليه النخب الدينية والفكرية اليوم ، من اجل التصدي لهذه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الاسلام من اناس يُستخدمون من قبل جهات معادية للإسلام ، للإساءة لهذا الدين العظيم ، ورسم صوره عنيفة ودموية مزيفة له ، تتناقض بالمرة مع الصورة الانسانية السمحاء التي رسمها لنا الامام علي (ع) للإسلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*