أسلوب الحكم في الفكر الإسلامي … والفكر الميكيافيللي

80

أسلوب الحكم

في الفكر الإسلامي … والفكر الميكيافيللي

الباحث: حسن جميل الربيعي

            (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) الرسول الأعظم (ص)(1).

             بهذا يكون كل حاكم ومسؤول ورئيس دولة وحكومة، بل وحتى رب العائلة، مسؤولًا عمن هم تحت رعايته وهم رعيته، وهذا الراعي لابد أن يكون له أسلوبه وطريقته الخاصة في أداء عمله لرعايتهم وحكمهم وتسيير أمورهم، لكي تسير الأمور بانسيابية واستقرار فيما يريد تحقيقه ولأي هدف كان.

إن النهج الذي يستخدمه أي إنسان بصورة عامة والحاكم بصورة خاصة مع عماله ورعيته يبين نفسيته وهدفه من الحكم، ويظهر نظرته للحكم والسلطة أهي غاية عنده يريدها لنفسه، أم وسيلة يستغلها لتحقيق مآرب أخرى قد تكون لنفع المجتمع أو قد تكون لنفع شخصه.

فإذا كان الحكم غاية عنده لأن يكون والياً على شؤون المجتمع يحكمهم ويقضي بينهم ويأمرهم، وأن يستخدم أسلوب الظلم في التعامل فهذا يظهر أن هناك عقداً نفسية في داخله أراد أن يزيحها ويتغلب عليها فيعمد إلى هذا الأسلوب وبهذا يكون قد سدَّ في نفسه نقصاً كان يستشعره بسبب تلك العقد السابقة، والنابعة من حب الأنا في النفس، وحب التسلط على الآخرين، وهي أمور صعبة قد لا يستطيع الإنسان إزالتها من نفسه وقد يطبقها وهو غير عالم بها.

هذا إذا كان الحكم غاية عنده لنفسه، أو وسيلة استغلها لنيل مكاسبه الشخصية، وبذلك يكون سيفاً مسلطاً على رؤوس الناس قد يستخدم القسوة والخشونة والغلظة معهم، ويسلك كل الطرق الشرعية وغير الشرعية للبقاء في منصبه، وإن كان ذلك يؤدي إلى ما يؤدي من فساد العباد والبلاد.

أما الوجهة الأخرى للحكم والسلطان فتنطلق من أن هذا الحاكم أو المسؤول باستلامه لهذا الحكم والسلطة أصبح وسيلة لخدمة الناس كلهم سواء، ولا يفرق بين اثنين منهم، فالحكم عنده وسيلة لإظهار الخير وإفشائه بين أبناء جلدته ووطنه، فهدفه السعي لخدمة رعيته والاهتمام بشؤونهم، وبذلك يكون قد أراح ضميره ونفسه من مسؤولية احتملها باستلامه هذا المكان، وأرضى ربَّه وشعبه، وهذا الحاكم يستخدم الرأفة والعدالة بين مجتمعه، ويجعل الحب والثقة تسود فيما بينهم وبين مجتمعهم، وبينهم وبين حاكمهم، وهو لا يلجأ إلى العنف والقوة إلا في حدود مشروعة تقرها القوانين الصحيحة لكي لا يفلت الأمر وتسود الفوضى في رعيته.

هذان الأمران يعودان من جهة إلى نفسيّة الحاكم، ومن جهة أخرى يعودان إلى المبدأ والمنطلق الذي يحمله الحاكم وينطلق منه، فإذا كان المنطلق منطلق رأفة وحب ورحمة نراه رؤوفاً محباً رحيماً، أما إذا كان المنطلق منطلق استعلاء وسلطة وقسوة نراه مستعلياً متسلطاً قاسياً.

ونستطيع للتوضيح أكثر أن ننظر إلى مثالين من المبادئ التي انطلق منها الحكام في التأريخ:

الأول هو المبدأ الإسلامي والذي مثله خليفة رسول الله (ص) الإمام علي بن أبي طالب (ع) بنفسه، وأوصى به إلى عماله، فقد كان من وصيته إلى واليه على مصر مالك الأشتر أن رسم له أسلوب تعامله مع رعيته، يقول (ع): (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ويُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَأِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ الله مِنْ عَفْوِه وصَفْحِه، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ والله فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ، وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلَاكَ بِهِمْ، ولَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ الله فَإِنَّه لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِه، ولَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِه ورَحْمَتِه، ولَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ، ولَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ، ولَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً، ولَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ)(2)

ويقول في نهاية وصيته له: (إِيَّاكَ والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا فَإِنَّه لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ ولَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ ولَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وانْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا) (3).

فنحن نقرأ هذا الأسلوب في التعامل والذي يبين منهجية الإسلام ونظرته إلى الحكم والسلطة وأنه يجب أن يكون منفذاً لخدمة الشعب والذي بخدمته ينال رضا الله تعالى، وأن لا يخرج عن حدود الله تعالى حتى مع غير المسلمين؛ إذ تجمعه معهم رابطة الأخوة الخلقية، وهو بهذا يكون محترماً للنفس المحرمة، وينظر لها بإكبار وإجلال لا كما يفعل بعض من يدّعي الإسلام من أعداء أهل البيت (ع) والنواصب الذين نصبوا أنفسهم ولاة وحكاماً على رقاب الناس وبدأوا بالقتل والسبي والنهب والتشريد دون أن يراعوا للإنسان حرمة، ودون أن يخافوا الله تعالى، فهؤلاء اتبعوا منهج الشيطان وابتعدوا عن منهج الرحمن في أسلوب الحكم.

أما المبدأ الثاني فهو المبدأ السلطوي إن صح التعبير، وهذا المبدأ ينطلق من الحفاظ على السلطة بأي شكل من الأشكال وإن أدى ذلك إلى الظلم والطغيان وسفك الدماء بغير حق، والتسلط الباطل بالشدة والعنف عند الحاكم حتى أن أفراد المجتمع يهابونه ويجلونه لا لشيء إلا لكونه شديدًا قاسيًا عليهم، ويكونون خائفين غير مطمئنين لا يسعدون بالعيش وليس لهم الحرية حتى مع أنفسهم أحياناً، وهذا يؤدي بهم إلى أن يتجنبوا أغلب الأشياء مخافة من الحاكم الظالم، فإذا كانت لديهم قضية من القضايا التي تستوجب أن يعرضوها عليه تركوها خوفاً على أنفسهم من شدته، وخوفاً من أن ينقلب الأمر ضدهم، وبذلك تكون حياتهم جحيماً عليهم لا تطاق، ويكون الحاكم في هذا الحال يعاقب من يشك فيه ويظلمه، والمهم عنده أن يبقي على نفسه في مكانه بالحفاظ على الهدوء السياسي والاجتماعي من خلال الترهيب والخوف لجميع الناس، ولا يجعل الأمور تتوسع دائرتها وتنفلت منه وإن أدى ذلك إلى الظلامات التي تقدم ذكرها.

وهناك حكام كثر ساروا على هذا النهج سجلهم التأريخ وأصبحوا لعنة في تأريخ البشرية، ومن المفكرين الذين نظروا لهذا النوع من التفكير الفيلسوف والسياسي الايطالي (نيكولاس ميكيافيللي) في كتابه (الأمير) الذي طرح فيه نظريته في الحكم، والذي أصبح ـ هذا الكتاب ـ فيما بعد بمثابة دستور وورقة عمل يحفظها وينفذها كل الحكام الطواغيت الجبابرة في العالم. ومما جاء في كتابه وفي وصيته لأحد أمراء إيطاليا إذ يقول له: (يجب على الأمير ألا يعبأ بأن يوصف بالشدة ما دامت هذه الشدة من أجل الحفاظ على مواطنيه وولائهم له، وذلك لأنه حين يكون شديداً مع عدد قليل جداً من الناس، هو بذلك أفضل من الأمراء الذين يفرطون في اللين مما يسبب وقوع الاضطرابات، وتسيل الدماء ويحدث النهب والسلب، وهذه أمور تضر الكثيرين بصفة عامة، لكن تنفيذ حكم الإعدام في عدد قليل من الناس لن يؤذي أحداً غيرهم، والأمير حديث العهد بالإمارة فقط هو من في حاجة شديدة دون بقية الأمراء للاشتهار بالشدة؛ لأن الولايات الجديدة تعاني دائماً من الأخطار).

 أكتفي هنا بنقل هذا النص لميكيافيللي لتوضيح أفكاره والمقارنة بينه وبين الحاكم الإسلامي متمثلاً بأمير المؤمنين (ع)، على بعد المسافة وعلى عظم الفرق بين الاثنين، فأين الثرى من الثريا، ولكن لا بد من إبراز منهج التفكير لكي نصل إلى الطريق الأسلم الذي يحبذه الشرع والعقل، ولابد أن نسير عليه ونتبعه.

في النص الأول والذي هو المنهج الإسلامي في أسلوب الحاكم نرى احتراماً للإنسان بما أنه إنسان خلقه الله وكرّمه، أما في النص الثاني نرى احتراماً ضئيلاً للإنسان، فإذا أدّت المصلحة إلى إعدام عدة أفراد من الشعب فهذا ما يطبقه الحاكم لكيلا تتأثر مملكته وحكمه، وهو بهذا يكون سافكاً للدم الحرام الذي حذر أمير المؤمنين (ع) أشدّ التحذير من سفكه بقوله (إياك والدماء) وهذا الأسلوب الذي سمّاه علماء العربية بأسلوب التحذير وهو من أشد الأساليب، وأمير المؤمنين (ع) بهذا التحذير ينطلق من روح إسلامية تخاف الله تعالى وتخشاه لأنه تعالى هو الخالق وهو الرازق، وسفك الدم وظلم الإنسان البريء عنده من أشد المحرمات، والله تعالى مطّلع على العباد حكامهم ورعيتهم، وسوف يقف الجميع في يوم واحد لمحاسبتهم، ويكون الله الشاهد هو الحاكم.

فهذا الحاكم الدنيوي والذي يزول حكمه مهما طال من الزمن لا يظن أنه تسلط على رؤوس العباد والبلاد وأصبح بيده كل شيء بل لا بد له أن يذكر أنه حاكم لهذا المجتمع والله تعالى من فوقه حاكم عليه، وهذا المعنى لا نجده عند ميكيافيللي الذي هدفه الأساس كما تبين سابقاً الهدوء السياسي والاجتماعي والمحافظة على الحكم بأي طريقة، وإن أدى ذلك إلى الشدة وسفك الدماء.

فالحاكم الذي يستخدم الحكم لإقامة حدود الله وخدمة الناس يكون الحكم عنده لا يساوي شيئاً، (قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبَّاسِ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) .. وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا. فَقَالَ (ع): واللهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا) (4)، فالحكم عنده لا يساوي شيئاً إلا ما كان يصب في إقامة الحق ودفع الباطل.

فما أجمل وأحلى هذا اللون من الحكم وما أفظع وأشد الحكم الدنيوي الذي يكسب الحاكم فيه سخط الله وسخط الناس.

وما أقساه إذ يرى: (يجب على الأمير ألا يعبأ أن يوصف بالشدة)، وما أرحم الحكم الإسلامي وأعطفه إذ يقول: (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ) فأين الخلق الإسلامي من الخلق السلطوي، وهذا يبين جمالية الإسلام واحترامه لحقوق الإنسان الذي ينادي به جميع الحكام والزعماء على ألسنتهم، ولا يطبقونه في سياستهم ، والتأريخ شاهد عليهم منذ قدم الزمان كيف احتقروا الإنسان وسفكوا دمه من أجل حكمهم، فهذا نيرون ومعاوية ويزيد ومروان والحجاج والسفاح وصولاً إلى حكام عصرنا الحاضر، لم يعطوا الرعية حقها، وتعاملوا معها على المنهج الميكيافيللي الظالم فعندهم (تنفيذ حكم الإعدام في عدد قليل من الناس لن يؤذي أحداً غيرهم) وهو استهتار بحق الإنسان، وطوَّره من أتى بعدهم ولم يجعلوه إعدام عدد قليل بل وصل بهم إلى إعدام قرية أو مدينة بأكملها وهم يفتخرون بأفعالهم الشنعاء التي سوف تتبعهم أبد الآبدين في الدنيا والآخرة، إذ لا يتعظون بمن قبلهم، ممن ذاقوا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

ولننظر إلى الفقرة الأخيرة من نص ميكيافيللي الذي قال فيه: (والأمير حديث العهد بالإمارة فقط هو من في حاجة شديدة دون بقية الأمراء للاشتهار بالشدة؛ لأن الولايات الجديدة تعاني دائماً من الأخطار) فعنده أن الأمير الجديد يجب أن يشتهر بالشدة، ولنعد إلى أمير المؤمنين (ع) ونرى متى كتب عهده للأشتر؟ لقد كتب العهد له حين أعطاه كتاب الولاية لمصر قبل أن ينطلق إليها، أي أنه أمير جديد عليها، وفيها بين له كيف يتعامل مع الرعية فكانت عكس النظرة الميكيافيللة تماماً: (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ…) يحذره وينصحه أن ينظر إلى الناس كلهم بمنظار واحد وأن لا يحاول أن يكون قاسياً عليهم، وأن لا يحاسبهم على الصغائر من الأمور فالإنسان بطبعه خطّاء، فليصفح عنهم إن كان يحب أن يصفح الله تعالى عنه، وليعاملهم بمثل ما يحب أن يعامله من يحكمه، وبهذا يرجعه إلى طبيعته الإنسانية الإسلامية ويذكّره بأنه إنسان كما الرعية إنسان أيضاً، فهم سواسية في نظر الله إليهم، وإن أكرمهم عند الله أتقاهم؛ أما المنهج والمبدأ السلطوي فلا يرى هذا الشيء بل يرى النهج الذي يجعل الحاكم والسلطان في طبقة أعلى من طبقة الرعية فهم أنصاف آلهة ونظرة الله تختلف إليهم وهم مخلدون، وبذلك ينسون ما ينتظرهم في قابل أيامهم من موت وقبر وحساب، حين يقف الحاكم والرعية بين يدي الحاكم الأعظم ليحاكمهم جميعاً على أفعالهم حسنها وقبيحها.

هذا مختصر يبين فقرة في أسلوب الحاكم بين النظرة الإسلامية الصحيحة وبين النظرة التي لا تخاف الله ولا تتورع في أمر من الأمور من أجل الحكم أي أن الحكم عندها غاية للسلطة والنفس لا وسيلة لخدمة الناس.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

1 ـ روضة المتقين/المجلسي الأول/ج5ص515.

2 ـ نهج البلاغة/خطب الإمام علي (ع)/تحقيق صبحي الصالح/ص427.

3 ـ ن.م/ص443.

4 ـ ن.م/ص76.

 

المصدر: مجلة ينابيع – العدد 70

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*