الرئيسية » تحقيقات » يسعدهم لكنه يبكيهم أحياناً.. قصة الشرطي ذي الأصول العربية الذي يحب لاجئي ألمانيا لكنه يعمل على ترحيلهم بنفس الوقت

يسعدهم لكنه يبكيهم أحياناً.. قصة الشرطي ذي الأصول العربية الذي يحب لاجئي ألمانيا لكنه يعمل على ترحيلهم بنفس الوقت

02/07/2018  -  المشاهدات 154

الحكمة – متابعة: أكد الشرطي ذو الأصول العربية، من أب لبناني وأم سورية، هادي شهادة، أنه لن ينسى أول تدخل قام به بعد أن أنهى فترة تدريبه في أكاديمية شرطة برلين وذلك منذ 10 سنوات. ففي صباح أحد الأيام، توجّه إلى بيت عائلة عربية تقطن ببرلين وطرق الباب رفقة 5 عناصر من جهاز الشرطة التابع لحي كرويتسبيرغ ونويكولن في برلين.

وكانت مهمة شهادة تتمثل في ترحيل فتاة تبلغ من العمر 18 سنة. وعندما فتحت الأم الباب شرح لها شهادة سبب قدومه إلى البيت باللغة العربية؛ نظراً لأنها لا تتقن الألمانية. وفي ذلك الوقت، كان شهادة يرتدي زياً مدنياً ويطوّق وسطه بحزام ومسدس، بالإضافة إلى عبوة غاز مسيل للدموع وعصا وأصفاد لليدين، وفقاً لما ذكرته صحيفة zeit الألمانية.

ورغم أن شهادة حاول إقناع الأم بتسليم ابنتها، فإن كل جهوده باءت بالفشل. فبمجرد أن علمت بسبب قدوم الشرطة، نادت الأم زوجها، الذي قدم على الفور وانفجر غضباً نظراً لأن أعوان الشرطة يريدون ترحيل ابنته.

وعندما هاجم الرجل شهادة، قالت له زوجته بالعربية: «اترك الرجل في حاله، إنه عربي ويريد مساعدتنا». وصاح الرجل في وجه زوجته قائلاً: «إنه شرطي لا يستطيع مساعدتنا، اجلبي لي السكين».

وفي حين شعرت المرأة بالتردد، انطلق زوجها مسرعاً في اتجاه المطبخ لجلب سكين. ونظراً لأن رجال الشرطة لا يفهمون اللغة العربية، ترجم لهم شهادة ما قال الرجل وزوجته باللغة الألمانية. وبعد أن طلب رجال الشرطة تعزيزات، تمكنوا من السيطرة على الوضع.

شهادة قائد الفريق

وتشير الصحيفة إلى أنه منذ 12 سنة، يعمل شهادة البالغ من العمر 30 سنة شرطياً في مدينة برلين. فخلال السبعينات قدم والده إلى ألمانيا، أما أمه فقد التحقت بزوجها خلال الثمانينات، حيث تعرّفا على بعضهما في مسقط رأسهما وتزوّجا في ألمانيا. وفي سنة 1987 ولد شهادة الذي يعتبر الثاني من بين إخوته الخمسة.

ويشرف شهادة على فريق عربي مكون من خمسة أفراد لدى قسم «التعامل مع الثقافات المختلفة» التابع لجهاز شرطة برلين. ويسهر هذا الفريق على الأمن في كل من فريدريشسهاين وكرويتسبيرغ، فضلاً عن نويكولن وفيدينغ، حيث يعيش العديد من المهاجرين المنحدرين من أصول تركية وعربية.

وفي أغلب الأحيان، يتجاوز شهادة حدود مهامه على اعتباره شرطياً ليتقمص أحياناً دور المصلح الاجتماعي أو المعلم أو المرشد السياحي أو يتولى حل  النزاعات.

ويتقاضى شهادة أجراً شهرياً صافياً يناهز 2700 يورو. ومن المعلوم أن أعوان شرطة برلين يتلقون أجوراً زهيدة مقارنة بزملائهم في بقية الولايات.

وخلال السنوات الماضية ارتفع عدد المهاجرين العاملين في جهاز شرطة برلين. ومؤخراً بلغت نسبة المهاجرين المنتدبين في جهاز شرطة برلين 29%.

وفي الوقت الراهن، يسهر فريق شهادة على مكافحة العنف في مراكز اللاجئين، التي تشهد أحياناً اشتباكات بالسكاكين بين الشبان الثملين أو المدمنين على المخدرات. وفي هذه الحالة تتمثل مهمة شهادة في تجريد الشبان من السكاكين التي يحملونها وتحرير محضر بهذا الغرض.

وفي بعض الأيام، تندلع اشتباكات بين أنصار من وصفته الصحيفة الألمانية بالديكتاتور بشار الأسد ومعارضيه. كما يتدخل شهادة عندما تتعرض النساء العربيات المقيمات في الملاجئ للعنف من قبل أزواجهن. وفي أحد الأيام أنقذ هذا الشرطي امرأة كانت تركض في الشارع هرباً من زوجها.

في ألمانيا القوانين تُطبق على الجميع

وتعد الوحدة التي يعمل ضمنها شهادة على اتصال بالمساجد والأئمة والجماعات الإسلامية. ويزور شهادة رفقة زملائه هذه الأماكن بصفة دورية لاحتساء كأس من الشاي أو حتى من دون سبب واضح.

وقد صرح الشرطي ذو الأصول العربية بأنه «عند زيارة المساجد والمنظمات الإسلامية، نسأل الأئمة عن أحوال الأطفال والعائلات، ثم نتجاذب معهم أطراف الحديث حول القضايا السياسية».

وأضاف شهادة أنه «في برلين يخرج الناس إلى الشوارع للتظاهر عندما يندلع صراع في منطقة الشرق الأوسط أو عندما يتم شن غارة جوية. وعلى الرغم من أن اللاجئين السوريين  يعيشون بأمان في ألمانيا فإنهم يفكرون في وطنهم، الذي مزقته الحرب».

ورغم أن والد شهادة يعيش في ألمانيا منذ 40 سنة ويشارك في الانتخابات الألمانية ويطالع الصحف الألمانية فإنه لا يزال يشاهد القنوات التلفزيونية اللبنانية بشكل يومي.

وعند حديثه للصحيفة الألمانية أخرج شهادة هاتفه الجوال وفجأة توقف عند صورة لصبي ورجل فاقدي الوعي ممددين على سرير في أحد المستشفيات. وكانت تحيط برأس الصبي ضمادة سميكة، أما الأب فكان مضرجاً بالدماء. وتعليقاً على صورة هذين الشخصين، أفاد شهادة، قائلاً: «إنهما من أقارب والدتي وقد أصيبا بجروح خطيرة خلال اشتباكات بمدينة دمشق». وإثر ذلك، أغمض شهادة عينيه لبرهة.

ولعب شهادة دوراً هاماً في أزمة اللاجئين. وكان غالباً ما يشعر بالحزن تجاه أبناء شعبه، الذين لقوا حتفهم أو تعرضوا للاعتقال في مدينة دمشق. وفيما يتعلق بتشديد إجراءات لم شمل الأسر، يعتبر شهادة هذا الأمر بمثابة مأساة.

«خذلنا اللاجئين»

وفي هذا السياق، أورد هادي شهادة أن «اللاجئين قصدوا ألمانيا على أمل أن يلتحق بهم أهاليهم، لكننا خذلناهم وخدعناهم. وبذلك، يصعب عليهم الاستقرار هنا». وإثر ذلك، حمّل شهادة صورة أقاربه على هاتفه، وقال إن «ألمانيا لا تستطيع قبول أي شخص، لكن علينا أن نفكر عند اتخاذ أي قرار بأننا كلنا بشر. وفي مثل هذه الحالات الطارئة، أتمنى أنه كان بوسعنا المساعدة».

يقوم شهادة بتطبيق النظام والقانون على اللاجئين والمهاجرين، متغاضياً عما يمر به هؤلاء من معاناة نفسية، حيث يؤكد أن «كل من يلتزم بالقوانين يستطيع أن يندمج في المجتمع». وبالنسبة لمن تُرفض طلبات لجوئهم يصحبهم شهادة إلى المطار لترحيلهم. وفي الصباح الباكر، يقف شهادة على باب منزل هؤلاء، وهو مستعد تماماً لأي مقاومة يبدونها نظراً لأن أغلب الذين يتم ترحيلهم لا يرغبون في الرحيل.

وفي مساء يوم ما، ذهب شهادة إلى فصل من فصول اللاجئين في أحد المدارس، وكان يجلس نحو 12 رجلاً تتراوح أعمارهم بين 20 و60 سنة، حول طاولة لها شكل حدوة الفرس، وكانوا يتعلمون اللغة الألمانية. وقف شهادة أمام سبورة الفصل وتحدث قائلاً: «هنا في ألمانيا توجد قوانين تطبق على الجميع، فالرجال والنساء يتساوون في الحقوق، وغير مسموح لأحد بأن يسبّ غيره بسبب خلفيته الدينية، كما يسمح للجميع بالتعبير عن رأيهم، ومن لا يتبع هذه القواعد…».

توقف شهادة للحظات عن الحديث ليشير بسبابته في الهواء بأسلوب تهديدي، مستطرداً: «لا يمكنه العيش في ألمانيا». وقد أومأ بعض الجالسين برؤوسهم في إشارة إلى الموافقة على كلامه. وفي الحقيقة، لا نعرف هل يتحدث شهادة كأب أم كحامٍ للنظام. ويشكك الضابط الألماني من أصول عربية دائماً في قدرة هؤلاء على الاندماج داخل المجتمع الألماني.

ويؤكد شهادة أن «أغلب هؤلاء قدموا من دول لا تتحرك فيها الشرطة إلا بعد أن يحصلوا على الرشوة، ولذلك أصبح من الصعب عليهم التأقلم في دولة القانون والالتزام بالقواعد والقوانين المفروضة عليهم».

وجاء والدا شهادة إلى ألمانيا قبل ولادته، ولهذا فهو لا يعرف الكثير عن المعاناة التي عاشوها في بداية حياتهم قبل أن يصلوا إلى أوروبا. ففي بداية الأمر عمل والداه عند أسرة سورية ميسورة الحال في برلين، حيث كانت تدير الأم أعمال المنزل، بينما عمل الوالد سائقاً.

«اللاجئون ليسوا السبب»

ويدرك شهادة جيداً أن العديد من الأشخاص ينظرون له على أنه أجنبي، وهو ما أصبح يشعر به أكثر بعد قدوم اللاجئين إلى ألمانيا. وشعر هادي فجأة بأن الكثير من الشعب الألماني أصبح يفرق بين «الأجانب» «والألمان».

ومنذ فترة قصيرة شرح شهادة لزميل له في الشرطة أن التأمين الطبي سيرتفع؛ نظراً لأن الصناديق لم تعد تسجل أرباحاً من مساهمات أعضائها في السوق المالية، وليس بسبب تقديم الدولة المساعدات للاجئين.

ومؤخراً، أصبح ينتاب شهادة شعور بالخوف، وهو ما لم يحدث له من قبل، إذ أصبح خائفاً من انقسام المجتمع. ولذلك، يؤكد شهادة دائماً أن «الجميع يعيش في بلد واحد».

في الأثناء، يقابل شهادة الكثير من اللاجئين الذين يقدمون بلاغات للشرطة بسبب عدم حصولهم على أجورهم من أماكن عملهم، ليتضح في النهاية أنهم يعملون بصفة غير قانونية، فمنهم من يعمل في أعمال البناء، أو في مطبخ أحد المطاعم مقابل ثلاثة أو أربعة يورو في الساعة.

وعلى الرغم من أن المقابل زهيد للغاية، فإنهم لا يحصلون عليه. وفي أغلب الأحيان لا يملك معظم اللاجئين أدنى فكرة عن الوظائف الخاضعة للتأمين الاجتماعي، كما أنهم يكونون غير مدركين أن العمل في ألمانيا مرتبط بعقد.

وإذا سأل أحدهم شهادة عن سبب عمله كضابط شرطة، فسيقدم له السيدة «ب»، وهي سيدة سورية، تعلو وجهها ابتسامة مشرقة، كما أنها ترتدي الحجاب. وتجلس هذه المرأة في أحد المقاهي التركية في منطقة نويكولن في برلين، وهي ترتشف كوباً من الشاي الأحمر. وقد جاءت هذه المرأة السورية قبل 10 سنوات إلى برلين، وتزوجت رجلاً سورياً يعيش في ألمانيا منذ سنوات طويلة.

وكانت هذه السيدة تتمنى في ذلك الوقت أن تحيا حياة كريمة، إلا أن زوجها اعتدى عليها بالضرب وحبسها في المنزل، عندما أرادت الذهاب لدورة تعلم اللغة الألمانية. كما قام بتمزيق كل كتب اللغة الألمانية التي كانت بحوزتها، ولم يسمح لها إلا بالذهاب إلى إحدى الروابط السورية، لتعلم اللغة العربية فحسب. وقد قصّت السيدة (ب) قصتها على أعضاء هذه الرابطة، الذين قاموا بإبلاغ الشرطة مباشرة.

آنذاك، تدخل شهادة وزملاؤه على الفور، حيث علموا كذلك أن الزوج كان يمارس معها الجنس بطريقة سادية، لذلك استدعوه للتحقيق. وفي نهاية المطاف جعلوه يلتزم بعدم التعرض لها أو الاقتراب منها مرة أخرى. وبعد الطلاق توجب عليها مغادرة البلاد والعودة إلى سوريا مجدداً، لأن الفترة التي أمضتها في ألمانيا لا تسمح لها بالحصول على إقامة مستقلة بعيداً عن زوجها.

اليمين المتطرف يقلق شهادة كغيره من اللاجئين

وتساءل هادي: «ما الذي يمثله هذا بالنسبة لدولة القانون في ألمانيا؟ هل يجب بالفعل ترحيل المرأة التي التزمت بكافة القوانين والقواعد، بينما سيبقى رجل خالف كافة القوانين في ألمانيا لأنه يعيش هنا منذ فترة طويلة فحسب؟». نتيجة لذلك تحدث شهادة مع السلطات المعنية في ألمانيا، واستطاعت هذه السيدة أن تحصل على إقامة، وهي تعمل حالياً في وظيفة ثابتة كأخصائية اجتماعية بمنطقة نويكولن في برلين.

وقد كان راتبها الشهري كافياً لأن تقدم لها برلين ضماناً مالياً لتحضر إحدى شقيقاتها من سوريا إلى ألمانيا. وعموماً، يرى شهادة أن وظيفته كضابط شرطة تخول له أحياناً أن يتخطى البيروقراطية الألمانية.

وفي 24 سبتمبر/أيلول من السنة الماضية، وبالتحديد عشية الانتخابات الفيدرالية الألمانية، ذهب شهادة رفقة زوجته وطفله، البالغ من العمر سنتين، إلى تركيا لقضاء العطلة، وقد انطلقت رحلته من مطار برلين تيجيل الدولي. وأراد شهادة أن يذكر هذه الحادثة تحديداً في كلامه، حيث أفاد بأنه بمجرد أن حطت الطائرة قام هو وجميع الركاب بفتح هواتفهم الذكية لمعرفة نتيجة الانتخابات، ليتضح أن النتائج الأولية تشير إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا حصل على 12.6% من نسبة التصويت.

وقد هلّل العديد من الركاب في الأمام والخلف بعد معرفة النتائج، وحينها لم يعد شهادة يفهم ما الذي يدور في هذا العالم، إذ إنه، وإلى الآن، يتساءل: «كيف يمكن لأناس أن يذهبوا لقضاء عطلتهم في الخارج، ومن ثم يعودوا إلى أرض الوطن، أن يهللوا فرحاً بنتائج تظهر فوز حزب كاره لوجود الأجانب في بلادهم؟».

 عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*