الرئيسية » الأخبار » أخبار الشيعة » في ظلال دوحة الإمامة

في ظلال دوحة الإمامة

22/04/2018  -  المشاهدات 90

في ظلال دوحة الإمامة

وُلد الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين هجرية، فابتهج الكون بهذا القادم المبارك، حيث تشع أنواره الإلهية الرحيمة على البشرية، ويفوح عرفه الأقدس من المسك المحمدي الأخاذ، وكيف لا وهو علي السجاد، الذي انحدر من أصل نبوي وآصرة علوية وعصمة فاطمية، وأثرت فيه أنوار النبوة ومشارق الإمامة، وحظي (عليه السلام) بمراتب الجلالة وقدس المنبت وبذخ الشأن ورفعة الرتبة ومراقي الفضيلة، ثم كان مولده (عليه السلام) ومنشأه مثل مولد ومنشأ آبائه (عليهم السلام)، كما يقول المسعودي صاحب تاريخ (مروج الذهب) في كتابه (إثبات الوصية).
ان مما يخفى على البعض أن أسماء الأئمة وألقابهم نزل بها الروح الأمين، من المولى الجليل على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وعلى هذا دلت النصوص الوافرة، فسلمان الفارسي (رضوان الله عليه) يحدث أن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر خلفاءه الإثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة وأوجب على الأمة معرفتهم بأسمائهم، وأنه لا إيمان لمن لم يتولهم ولم يتبرأ من عدوهم، وفي الرواية يذكر النبي (صلى الله عليه وآله) لسلمان أسماء الأئمة وألقابهم، حتى إذا عرف الحسين (عليه السلام) قال: وبعده سيد العابدين علي بن الحسين.
وهنالك نصوص ناطقة بنزول صحيفة وفيها أسماء ولاة الأمر الإلهي، وأن سيد العابدين هو لقب الإمام علي بن الحسين من المولى سبحانه، كما لقبه الله (تعالى شأنه) بـ (زين العابدين).
وقد أورد هذا الشيخ الطوسي (أعلا الله مقامه) في كتابه [الغيبة: 101] وفي بعض الآثار (كالحدائق الوردية)، حدث أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) أنه دخل على النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا هو يبكي، يقول أبو ذر: فرققت له وسألته عما أبكاه، فقال (صلى الله عليه وآله): هبط علي جبرئيل وأخبرني أن ولدي الحسين يولد له ولد يسمى علياً، ويعرف في السماء زين العابدين، ويولد له ابن يسمى زيداً يُقتل شهيدا.
وفي علل الشرائع للشيخ الصدوق (قدس الله روحه) أن ابن عباس (رضي الله عنه) حدّث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين زين العابدين؟ فكأني أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطو بين الصفوف.
أما اشتهار الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بـ السجاد فلكثرة سجوده لله تعالى حينما يرى تواتر نعمه وآلائه، وفي هذا يقول ولده الباقر (عليه السلام): لم يذكر أبي نعمة لله إلا سجد، ولا قرأ آية فيها سجدة إلا سجد، ولا دفع الله عنه سوء إلا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي (السجاد) لذلك.
وقيل له (عليه السلام) ذو الثفنات، لوجود آثار ناتئة في مواضع سجوده، وكان يقطعها في السنة مرتين [معاني الأخبار: 24].
أما الشيخ الطوسي فقد أورد أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو الذي لقبه بـ (ذي الثفنات) قبل أن يولد (عليه السلام) [الغيبة: 105].
وأشار أحد الشعراء إلى بعض خصائصه وصفاته، فقال في أرجوزته:
والثفنات الغر في مساجده * أطواره السبعة في مساجده
بنورها استنارت السبع العلى * والملأ الأعلى بنورها علا
وأية النور على جيبنه * وشقة البدر على عرنينه
ونوره الباهر في المحراب *يذهب بالأبصار والألباب
الخلافة إمامة من المولى (سبحانه وتعالى)، وسر من أسراره أوحى به إلى نبي الرحمة، ليعرفهم القائم من بعده ومن يجب عليهم الركون إليه وأخذ معالم الدين منه، وقد أودع الله (جل شأنه) الإمامة في علي وذريته الأحد عشر، بعد أن طهّرهم من الريب وزكاهم من العيب وكلأهم عما يشين الإنسانية، فجعلهم أوعية لدينه وأعلاما لعباده، يسلكون بهم لاحب الطريق إلى معرفة المعبود تعالى، وقد وصفهم الإمام الباقر (عليه السلام) قائلا: نحن منبت الرحمة، وشجرة النبوة، ومعدن الحكمة، ومصابيح العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله في عباده، وحرمه الأكبر، وعهده المسؤول عنه، فمن أوفى بعهد الله فقد وفى، ومن خفره فقد خفر ذمة الله وعهده، ثم قال: ونحن والله الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي منه يؤتى، وبابه الذي يدل عليه، وخزان علمه وتراجمة وحيه وأعلام دينه، والعروة الوثقى والدليل الواضح لمن اهتدى.
وقيل له: بم يعرف الإمام؟ فقال (عليه السلام): يعرف بالنص عليه من الله تعالى، ونصبه علماً للناس حتى يكون عليهم حجة، وقد نصب رسول الله علياً (عليه السلام) وعرّف الناس باسمه وعيّنه لهم، وكذلك الأئمة ينصب الماضي من يكون بعده، ويعرف الغمام بأن يسأل فيجيب، ويبتدي إن سكت الناس عنه، ويخبرهم بما يكون في غد بعهد واصل إليه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك مما نزل به جبرئيل من أخبار الحوادث الكائنة إلى يوم القيامة [معاني الأخبار: 102].
جاء في الإرشاد للشيخ المفيد (قدس الله نفسه): كان الإمام علي بن الحسين أفضل خلق الله بعد أبيه علماً وعملا، فهو أولى بأبيه وأحق بمقامه من بعده بالفضل والنسب، والأولى بالإمام الماضي أحق بمقامه من غيره بدلالة آية ذوي الأرحام، وهي قوله تعالى: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم) [الأنفال: 75].
وقد شهدت النصوص المتواترة على إمامة علي بن الحسين (عليهما السلام)، وأنه الحجة على الأمة بعد أبيه الحسين سيد الشهداء (عليه السلام)، ففي كفاية الأثر لعلي بن محمد الخزار القمي ص 311، يروي أبو خالد الكابلي أن الحسين (عليه السلام) قال: دخلتُ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرأيته مفكراً، فقلت له: مالي أراك مفكرا؟ قال: إن الأمين جبرئيل أتاني وقال: العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول قد قضت نبوتك واستكملتَ أيامك، فاجعل الإسم الأعظم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم يعرف به طاعتي وولايتي، وإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين آدم.
ثم ذكر أسماء الأئمة القائمين بالأمر بعد علي بن أبي طالب، وهم الحسن والحسين، وتسعة من صلب الحسين، أولهم ابنه علي وآخرهم الحجة بن الحسن (صلوات الله عليهم أجمعين).
وفي ليلة وفاته (صلى الله عليه وآله) دعا أميرَ المؤمنين علياً (عليه السلام) وقال له: يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة، ثم أملى رسولُ الله (صلى اله عليه وآله) وصيته، حتى انتهى إلى بيان الخلفاء من بعده، فقال: يا علي، سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، فأنت يا علي أولهم، سماك الله في سمائه علياً المرتضى وأمير المؤمنين والصديق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون، فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غيرك، إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): وأنت خليفتي على أمتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي سيد العابدين ذي الثفنات، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد باقر العلم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد [الغيبة: 105].
وسأل ابن عباس (رضي الله عنه) رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأئمة من بعده، فقال (صلى الله عليه وآله) له: إنهم بعدد حواري عيسى (عليه السلام) وأسباط موسى (عليه السلام) ونقباء بني إسرائيل، فإنهم كانوا اثني عشر والأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب وبعده سبطاه الحسن والحسين، فإذا انقضى الحسين فابنه علي… ، ثم عدّد (صلى الله عليه وآله) أسماء الباقين، فقال ابن عباس: هذه أسماء لم أسمع بها، قال (صلى الله عليه وآله): يا ابن عباس، هؤلاء هم الأئمة من بعدي وان قهروا، أمناء معصومين نجباء أخيار، من أتى يوم القيامة عارفا بحقهم أخذت بيده إلى الجنة، ومن أنكر أو ردّ واحدا منهم فكأنما أنكرني أو ردني، ومن أنكرني أو ردني كأنما أنكر الله.
وقال في بعض خطبه (صلى الله عليه وآله) كما في كفاية الأثر للخزار ص 291: معاشر الناس، إني راحل عنكم عن قريب ومنطلق إلى المغيب، أوصيكم في عترتي خيرا، وإياكم والبدع، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة وأهلها في النار. معاشر الناس، من افتقد الشمس فليتمسك بالقمر، ومن افتقد القمر فليتمسك بالفرقدين، ومن افتقد الفرقدين فليتمسك بالنجوم الزاهرة، ثم فسر (صلى الله عليه وآله) هذا بقوله: أما الشمس فأنا، والقمر علي بن أبي طالب، والفرقدان الحسن والحسين، والنجوم الزاهرة تسعة من صلب الحسين، أولهم علي بن الحسين… ثم سمى الباقين، إلى أن قال: والحجة بن الحسن المنتظر في غيبته، فإنهم عترتي من دمي ولحمي، حكمهم حكمي، من آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي.
وفي أصول الكافي للشيخ الكليني (أعلا الله مقامه): لما ضُرب أمير المؤمنين (عليه السلام) بسيف ابن ملجم في مسجد الكوفة وهو في الصلاة أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) بالإمامة كما أمره رسول الله، ودفع إليه مواريث الأنبياء، وأشهد على ذلك الحسين ومحمد بن الحسين وجميع أولاده ورؤساء شيعته، وقال للحسين: إنك القائم بعد أخيك الحسين، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمرك أن تدفع المواريث إلى ولدك زين العابدين، فأنه الحجة من بعدك، ثم أخذ الإمام علي (عليه السلام) بيد زين العابدين وكان له ثلاث سنين وقال له: إن رسول الله يأمرك أن توصي بالإمامة من بعدك إلى ولدك محمد الباقر، وأقرأه من رسول الله ومني السلام، ولم يكن الباقر (عليه السلام) مولودا.
ولما سار الحسين (عليه السلام) إلى العراق استودع تلك المواريث التي تسلمها من أخيه الحسن عند (أم سلمة)، وأمرها أن تدفعها إلى ولده زين العابدين، فلما رجع الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى المدينة بعد حادثة الطف تسلم الوديعة من أم سلمة.
ما غاب عن أفق الشريعة كوكب * إلا وجاء بكوكب وقاد
إن المهيمن ليس يخلي أرضه * من حجة متستر أو بادي
لولا إمام الحق ما بقي الورى * والجسم لا يبقى بغير فؤاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*