لمـــــاذا دفن الإمام الهادي (عليه السلام) في بيته

60

السيد حسين الموصلي

لقد جرت العادة منذ الزمن الأول عند العامة والخاصة أنه إذا توفي أحد أن يدفن في المقبرة كما هو المتعارف في عصرنا أيضاً ولا يختلف هذا الأمر بالنسبة لأي شخص مهما كان له من مكانة ومنزلة فقد كان ولا يزال في المدينة المنورة المحل المعد للمدفن ـ البقيع ـ حيث أنه مثوى الأئمة أهل البيت(عليهم السلام) والصحابة السابقين كما وأنه مدفن الإمامين الجوادين(عليهما السلام) في مقابر قريش.

وأما السبب في دفن الإمام الهادي(عليه السلام) داخل بيته يعود إلى حصول ردود الفعل من الشيعة يوم استشهاده(عليه السلام) وذلك عندما اجتمعوا لتشييعه مظهرين البكاء والسخط على أركان السلطة الذي كان بمثابة توجيه أصابع الاتهام إلى الخليفة لتضلعه في قتله وللشارع الذي أخرجت جنازة الإمام(عليه السلام) إليه الأثر الكبير حيث كان محلاً لتواجد معظم الموالين لآل البيت(عليهم السلام) كل هذا أدى إلى اتخاذ السلطة القرار بدفنه في بيته وإن لم تتجلى تلك الصورة في التاريخ بوضوح إلا أنه يفهم مما تطرق إليه اليعقوبي(1) عند ذكره حوادث عام (254هـ) ووفاة الإمام الهادي(عليه السلام) حيث يقول: (وبعث المعتز بأخيه أحمد بن المتوكل فصلى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد فلما كثر الناس واجتمعوا، كثر بكاؤهم وضجتهم فرد النعش إلى داره فدفن فيها وتمكنوا بذلك من إخماد لهيب الانتفاضة والقضاء على نقمة الجماهير الغاضبة وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على وجود التحرك الشيعي رغم الظروف القاسية التي كانت تعاني فيها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم من سلطة الخلافة الفاسقة(2).

والسيد محمد رضا القزويني يذكر نفس السبب في كتابه (الإمام الحسن العسكري من المهد إلى اللحد) حيث يقول (في نفس صفحة 40): (والسبب في ذلك على ما ذكره المؤرخون ومنهم اليعقوبي: أن اجتماع الناس في دار الإمام الهادي وخارجها كان عظيماً جداً ولم تتسع الدار لإقامة الصلاة على جثمان الإمام(عليه السلام) ولهذا تقرر أن يخرجوا الجثمان الطاهر إلى الشارع المعروف بشارع أبي أحمد وهو من أطول الشوارع في سامراء وأعرضها حتى يسع المكان لأداء الصلاة. فلما أخرجوا الجثمان الشريف ارتفعت أصوات الناس بالبكاء والضجيج وكان أحمد المبعوث من قبل المعتز العباسي للصلاة على جثمان الإمام(عليه السلام) لما رأى اجتماع الناس وضجتهم أمر برد النعش إلى دار الإمام(عليه السلام) حتى يدفن هناك)(3). كل ذلك لمنع الناس عن مراسيم التشييع والتجليل عن جثمان الإمام(عليه السلام) وخوفاً من هياج عواطف الناس وتعبيرهم عن ولائهم للإمام(عليه السلام).

أخيراً لا أدري هل هذه الأسباب وحدها كافية ومقنعة أم لا؟! لا أدري إنني أرى أن سبب دفن الإمام(عليه السلام) في داره لأن الله يحب المكان الذي يقبض فيه روح وليه ولأن المكان المعد لدفن النبي أو الإمام المعصوم وخاصة أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بقعة من بقاع الجنة وعرصة من عرصاتها (روى البنائي أو التباني واعظ أهل الحجاز عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده الحسين عن أبيه علي عليهم السلام أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال له: (والله لتقتلن في أرض العراق وتدفن بها فقلت يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟ فقال(صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن إن الله جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنة (وعرصة من عرصاتها) وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحن إليكم وتحتمل المذلة والأذى فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرباً منهم إلى الله تعإلى ومودة منهم لرسوله (أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي الواردون حوضي وهم زواري غداً في الجنة يا علي من عمر قبوركم وتعاهدها فكأنما أعان سلمان بن داود على بناء البيت المقدس…)(4).

أقول يا رسول الله هذه وصيتك وهذه بشارتك ولك يا ليتك تنظر اليوم إلى هذه البقعة المقدسة في سامراء العراق الجريح كيف دنسها الوهابيون التكفيريون والبعثيون الأرجاس الأنجاس وأوقعوا قبة ولديك الإمام الهادي والإمام العسكري(عليهما السلام) ودنسوا المرقد الشريف بحقدهم الأسود الدفين فمنذ ثلاث سنوات وهم يقتلون شيعة أهل بيتك ويطردوهم من هذه البقعة المقدسة لا ذنب لهم سوى حبهم وولاءهم لك ولأهل بيتك الأطهار وما اكتفوا بذلك حتى قاموا بجريمتهم النكراء في يوم الأربعاء ولولا إهمال الحكومة الموقرة لهذا المرقد الشريف وتركها بيد أعداء أهل البيت(عليهم السلام) وعدم وضع الحماية والحراس لهذا المرقد الشريف سوى خمسة من أفراد الشرطة في حين لا يقل عدد حراس أقل شخص في الحكومة عن العشرات إن لم نقل المئات وأخيراً أقول لسيدي ومولاي الإمام الهادي وولده الإمام العسكري(عليهما السلام) (يا سجيني الغرباء لكم عهد بالوفاء يا عسكريين قبريكما في القلب لا في سامراء)

(1) تاريخ اليعقوبي، 2/503.
(2) لمحة من حياة الإمام الهادي، محمد رضا سيبويه.
(3) تاريخ اليعقوبي، ج3/240.
(4) فرحة الغري، 77 وعنه في بحار الأنوار، الوهابية وأصول الاعتقاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*