الأخبار
الرئيسية » مقالات » إدارة التنوع الديني في الشعر الجاهلي الأعشى ميمون بن قيس اختيارًا

إدارة التنوع الديني في الشعر الجاهلي الأعشى ميمون بن قيس اختيارًا

14/01/2018  -  المشاهدات 115

          أ.م.د. عقيل جاسم دهش

مركز دراسات الكوفة- جامعة الكوفة

            لم يكن الأعشى بدعًا من شعراء الجاهلية في استحضاره لطقوس الديانات المختلفة وشعائرها ومظاهر عبادتها في شعره، بل افتتن غير واحد من الشعراء الجاهليين، ومنهم أمية بن أبي الصلت وعدي بن زيد والمتلمس والنابغة الذبياني وأوس بن حجر وغيرهم، بتصوير طرف من الحياة الدينية السائدة في عصر ما قبل الإسلام ومظاهرها المختلفة، يقول نيكلسون: (ومما لا يمكن تجاهله أن قدرًا كبيرًا من المشاعر الدينية ممثل في الشعر الجاهلي)(1).
ويرجع كثير من الدارسين ظاهرة اهتمام الأعشى بالديانات المختلفة وتمثُّل مظاهرها في شعره، تمثُّلًا يدفع الدارس إلى القول بأن هذه الديانات قد استهوت الأعشى ودفعته دفعًا إلى الإلمام بطقوسها وشعائرها واستحضار ذلك كلِّه في شعره، إلى أنَّ الأعشى كان متعهرًا مستهترًا بالفواحش غارقًا بالإثم والفجور منهمكًا في طلب متع الحياة غير مبال بدين أو عرف أو خلق أو معتقد، ولذلك أطلق لشعره العنان ليصور لنا طرفًا من عبادة اليهود وطقوس النصارى ومعتقدات الوثنيين فضلًا عن التوحيد وصوره ومظاهره المختلفة، وهم يستندون في ذلك إلى ما جاء في شعره من فحش ومجون وتهتُّك، وإلى نصٍّ صريح لابن سلام يذكر فيه الأعشى ويصنِّفه في طائفة الشعراء المتهتكين، إذ يقول: (وكان من الشعراء من يتألَّهُ في جاهليته ويتعفَّفُ في شعره ولا يستبهرُ بالفواحش ومنهم من كان يتعهَّرُ ولا يبقي على نفسه ولا يتستَّرُ منهم امرؤ القيس ومنهم الأعشى)(2).

 ونزعم أنَّ تمظهر طقوس الديانات المختلفة في شعر الأعشى لم يكن من جرّاء ضعفٍ في عقيدته الوثنية أو من إفرازات مجونه وإسفافه في اللهو وعكوفه على ملذات الحياة، بل إنَّ الأعشى كان يدرك أثر التعصب الديني في إلغاء الآخر وتوسيع دائرة الانغلاق الفكري في المجتمع الذي ينتمي إليه، وإنَّ نفسه الشاعرية وخياله الخصب وعشقه للأسفار البعيدة والاختلاط مع الشعوب الأخرى والاطلاع على عاداتها وتقاليدها وأساليبها في العيش ونظرتها إلى الحياة والإلمام بطرف من تأريخ الأمم الأخرى وحضاراتها، كلُّ ذلك جعله يجيد فلسفة الحوار والتعايش مع الآخر أيًّا كان عرقه أو دينه أو جنسه، وبتعبير معاصر: إنَّ الأعشى كان يؤمن إيمانًا كبيرًا بما نصطلح عليه في الزمن المعاصر بـ (إدارة التنوع الديني) في المجتمعات الإنسانية، والنظر إلى النفس الإنسانية بوصفها قيمة عليا في هذا الكون. وفي ذلك يقول الدكتور إحسان الديك: (حقاً لقد كان الأعشى وثنيًّا على دين آبائه وأجداده، ولكنه لم يكن مغرقًا ومتعمقًا وغاليًا في وثنيته، لأن مثل هذه الأوصاف تضع الأعشى في أعلى الرتب الدينية الوثنية في العصر الجاهلي، وتجعله متعصبًا لدينه يدافع عنه، ويدفع كل محاولة للتأثير فيه من الأديان الأخرى، مما يوقعه في خصام وجدل مع أصحاب هذه الديانات، لقد أدرك أنَّ اللامبالاة الدينية مقوِّم مهم من مقوِّمات التعامل مع الآخر والاحتكاك به، ولهذا لم يختلف مع الآخر الديني مما يدلُّ على تسامحه وعدم تعصُّبه)(3).

ومن الطقوس التي ذكرها الأعشى في شعره:

  • التنسُّك بالأنصاب: من مظاهر الوثنية التنسُّك بالأنصاب، وهي الحجارة التي توضع عليها القرابين ونذور الآلهة، قال الأعشى:

فإذا عبيدٌ عكَّفٌ         مُسُكٌ على أنصابها(4)

  • الاقتراع بالقداح: ومن مظاهرها الاقتراع بالقداح، قال الأعشى:

أخذوا فضلهم هناك وقد تجـ        ري على فضلها القداح العتاقُ(5)

  • القسم بالبيت الحرام: ومن مظاهرها القسم بالبيت الحرام، قال الأعشى:

لعمر الذي حجَّت قريش قطينه     لقد كدتهم كيد امرئ غير مسندِ(6)

  • القسم بقوافل الحجيج: ومن مظاهرها القسم بقوافل الحجيج، قال الأعشى:

حلفتُ بربِّ الراقصات إلى منى        إذا مخرمٌ جاوزنه بعد مخرمِ(7)

  • القسم بقرابين الآلهة: ومن مظاهرها القسم بالقرابين المقدَّمة إلى الأصنام، قال الأعشى:

إني لعمر الذي خطّت مناسمُها        تخدي وسيق إليه الباقرُ الغيلُ(8)

  • القسم بصحائف الرهبان: من مظاهر النصرانية القسم بصحيفة راهب الدير، قال الأعشى:

فإني وثوبي راهب اللج والتي       بناها قصيٌّ والمضاض بن جرهمِ(9)

  • دقُّ أجراس الكنائس: ومن مظاهرها دقُّ أجراس الكنيسة للعبادة والتبتل، قال الأعشى:

فإني ورب الساجدين عشية     وما صك ناقوس النصارى أبيلُها(10)

  • الاعتكاف في الهياكل أو الصوامع: ومن مظاهرها اعتكاف الراهب في هيكله للعبادة والتضرع، قال الأعشى:

           وما أيْبِليُّ على هْيَكَل         بَنَاه وصَلَّب فيه وسارَا(11)

  • الطوافُّ حول خشبة الصليب: ومن مظاهرها طوافهم حول خشبة الصليب للتضرع إلى الله ومناجاته وطلب الرضا والمغفرة منه، قال الأعشى:

يطــوف العـفـاة بأبـوابــه       كطوف النصارى ببيت الوثن(12)

أما التوحيد فلم يكن بمنأى من شعر الأعشى، بل أخذ حيزًا مهمًّا في شعره، وكانت له مظاهر متعددة أبرزها:

  • القسم بالله، قال الأعشى:

                   كـلا يمينَ الله حتى تُنـزلــوا      من رأس شاهقة إلينا الأسودا(13)

  • الاعتقاد بالحشر، قال الأعشى:

إنَّ القرى يومًا ستهـ       لكُ قبل حقَّ عذابها(14)

  • الإيمان بأنَّ الله خير مسؤول وخير معطٍ، قال الأعشى:

ربي كريمٌ لا يكدِّرُ نعمةً        وإذا يناشدُ بالمهارق أنشدا(15)

  • إنَّ كلَّ حيٍّ يؤول إلى زوال وإنَّ الموت كأس دائرة على الجميع، قال الأعشى:

أبالموتِ خشَّتني عبادٌ وإنما        رأيت منايا الناس يسعى دليلُها(16)

  • وإنه لا يفرق بين الملوك والسوقة وإنَّ اللبيب من يعتبر بغيره:

فأصبتُ من غير الذي         غنموا إذا اقتسمت نهابُه

  • الإقرار بأنَّ النعم هي من عند الله وهو الذي يجلب النفع لعباده، قال الأعشى:

نماه الإله فوق كل قبيلة         أبا فأبا يأبى الدنية أينما(17)

  • الإقرار بأنَّ الله تعالى يستجيب الدعاء ويسمع نجوى المتضرعين، قال الأعشى:

عطـاء الإلـه فـإن الإلـ         ـهَ يسمع في الغامضات السرارا(18)

  • الإقرار بإرادة الله في خلقه ومشيئته الكونية التي قضت أنَّ كل شيء في الوجود لا بد أن تعبث به أيدي الزمان ويعتريه البلا والتلف من بعد جدّته ونضارته، قال الأعشى:

ألا يا قتل قد خلق الجديد           وحبّك ما يمحُّ ولا يبيدُ(19)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  • الحياة العربية من الشعر الجاهلي: أحمد محمد الحوفي.

  • طبقات فحول الشعراء: محمد بن سلام الجمحي.

  • ظ: الآخر وأثره فيشعر الأعشى الكبير ميمون بن قيس، إحسان الديك.

  • ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، شرح محمد محمد حسين.

  • م ن:123.

  • م ن: 60 .

  • م ن:123.

  • م ن: 63.

  • م ن:125.

  • م ن:177.

  • م ن:53.

  • م ن:21.

  • م ن:231.

  • م ن: 251.

  • م ن:229.

  • م ن:177.

  • م ن:297.

  • م ن:49.

  • م ن:321.

  • المصدر: مجلة ينابيع – العدد (68)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*