فدعة علي صويح الزريجاوية بنت عظيمة لعراق عظيم

456

19-7-2012-3

خصص مجلس محافظة بابل مبلغ 30 مليون دينار عراقي دعمًا لإنتاج مسلسل يروي حياة الشاعرة العراقية (فدعة الزريجاوية) التي اشتهرت تاريخيًّا بخنساء خزاعة.

   وجاء قرار المجلس في إنتاج مسلسل تاريخي يروي القصة الحقيقية لهذه المرأة التي كان لها وقع على نضال المرأة العراقية، دعمًا لفكرة شبكة الإعلام العراقي في هذا الصدد، كما عبر كاظم تومان رئيس مجلس المحافظة.

   وقالت الصحفية نور ماجد إن إنتاج هذا العمل سيدعم واقع المرأة في محافظات الوسط والجنوب، ويرفع الكثير من عمليات الإساءة التي تعرضت لها شخصية المواطن في هذه المحافظات، كاتهامهم بالسطحية والطيبة الزائدة، مبينة أن شخصية الشاعرة (فدعة بنت علي الصويح) هي من الشخصيات التاريخية التي برزت سنة 1750م ولقبت من قبل الكثير بـ (خنساء) عصرها… وهذا المسلسل يبرز شخصية المرأة العراقية النموذجية والمتفردة في صفاتها التي تمزج بين الطيبة وقوة الشخصية والإبداع .

   ولكن من هي فدعة الزريجاوية ؟ وما مدى شهرتها في الوسط الأدبي العراقي .. وفي العراق ؟ ولماذا تتفاوت معرفتها من محافظة إلى أخرى ؟  تقول الباحثة  يسرى بدر في بحث منشور لها : “من النادر أن تصادف في أرياف الوسط والجنوب، من لا يعرف (فدعة) أو يروي لك قصة عنها، أو يتلو عليك بعضًا من شعرها، فيزداد فضولك، وتود أن تعرف المزيد، كل الذي نعرفه الآن أن (فدعة) هي الابنة الوحيدة (إضافة إلى ولد) لمربي جاموس ذكي اسمهُ عِلي أل صويح (عِلي بكسر العين)، وأن هذا الرجل كان من مربي الجاموس المتنقلين الذين ما زالت بقية منهم موجودة في وسط العراق وجنوبه، فهم يربُّون الجاموس فقط ويعتاشون منه، ويطلق عليهم (المعدان) تحديدًا، بالرغم من أن هذه الكلمة قد اتسعت بعدئذ لتشمل مجاميع أخرى من الناس، وهم يقومون بتأجير بعض القطع الزراعية من المزارعين لفترة محددة لكي ترعى فيها حيواناتهم، ومن النادر أن يختلط هؤلاء بالمزارعين الذين يستأجرون منهم الأرض، بالإضافة إلى ذلك فإن لديهم لهجتهم الخاصة بهم، ويعتاشون من بيع القيمر والحليب والجبن، وغيرها من منتجات الجاموس، ويتميز (المعدان) أو (الدبات) كما يسمون أحيانًا بقوة جسدية متميزة، وذلك لاعتماد غذائهم على حليب الجاموس الدسم”..

   لكن للأستاذ عبد الإله الصايغ معلومات إضافية عن فدعة يوردها في موسوعته (موسوعة الصائغ الثقافية) إذ يلفت إلى أن أول من جمع شِعرها في ديوان وحققه وعلق عليه، هو الشيخ  الفاضل (عبد المولى الطريحي) النجفي (رحمه الله)، وكان يسميها خنساء خزاعة مع أنها ليست من خزاعة بل سكنت وطرًا قريبًا من بيوتهم.

   كما أشار الأستاذ الصائغ إلى احتفاظه بنسخة من  طبعة الكتاب  الرابعة التي صدرت 1973عن مطبعة النعمان وعنوانه ( فدعة الشاعرة ) يقع في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الصغير!  والطبعة الأولى كانت عام 1949 في المطبعة الحيدرية بالنجف.

اخويه الثلاثة مرافجاته

الكرم والمراجل والسماته

اخوي جاراته خواته

اخوي العبد والضيف اغاته

***

حسين السحاب او همل جايه    موحان ومشيِّل الكَرايه

يا زلزله وبيها المنايه    ربّاط واعمامه ثوايه

وهوه طفل عذّب الدّايه    يعربيد يا شيخ الحيايه

على كَرصتك ما ترهم آيه

***

يحسين يا سور المكلَّس     يا كَسْوَرَهْ وبثياب عَرَّس

ينحت مبارد ما تدرّس    ابحجرة عجم يلبابه املس

يذيب اعله العظمة تغملس      سچينة شحم إبدن تهيس

فلفل دراز المطلج الحس     ينكَله فرز يل هذا او بس

 

   إنها نبذة من أشعار فدعة الزريجاوية معجزة المرأة العراقية المبدعة . وكنت أريد القول إنها معجزة الإبداع العراقي  بل العربي ! ويضيف الأستاذ الصايغ :

   فدعة الزريجاوية شاعرة في شعرها شجن وتطريب ترتقي بالصور الفنية الشعرية مراقي الشعرية الأممية ! فلم تكن أحزانها على أخيها لأنه ابن أمها ولأنهما رضعا ثديًا واحدًا ! . كانت تعشق في أخيها المروءة وأخلاق الزعماء الكرماء الكبار ! وأحسب أن في شعرها دلالات تربوية تسهم في تعزيز الخير والسمو !  أخوها كريم شجاع عف متحضر ! وكانت بينهما مودة الأصدقاء الأكفاء ولم يكن الهاجس بينهما صلة الدم لوحدها !!! إذن فدعة كانت موهبة  كبيرة خبيئة وفجيعتها بأخيها وصديقها فجرت فيها الكوامن فانطلقت الموهبة تكتسح الإعجاب بحيث كانت قصائد (فدعة) وما زالت عبق المجالس الذي يؤجج رغبة الإصغاء التام ! …

   وبعد، فمن  كان يصدق أن شاعرة عراقية وسمت ملامح الكثير من نسائنا الريفيات الشموخات والمبدعات سوف يهمل التاريخ تدوين سيرتها العطرة وقصائدها المبتكرة ؟. إن فدعة ليست امرأة معيدية تكتب الشعر ! بل هي مبدعة عراقية كبيرة، ولو تُرجم شعرها مع الشروح اللازمة لدخلت العالمية دون عناء !! أعترف أنني تربيت منذ نعومة أظفاري  في مدينة النجف على سماع شعر فدعة العظيمة، ومكابداتها التي يشيب لهولها الرضيع ! فبمساحة موهبتها الشاسعة كانت عذاباتها الواسعة ! فإذا أضفنا إلى ذلك كونها مفرطة الحساسية حادة الذكاء عندها سنعرف عمق حزنها الذي لا يطاق ! وإذا كنتُ مهتمًّا بالأدب الجاهلي، ومختصًا ولدي فيه بحوث وكتب وآراء فإنني سأقول على ذمة مروءتي العلمية: إن فدعة في إطار الصورة الفنية أشعَرُ من الخنساء، ولديها ابتكارات محيِّرة ! بمعنى أننا نفترض أنها (أي فدعة)  لا تقرأ ولا تكتب جريًا على حال النساء عهدئذ، فمن أين لها هذه الموسوعية المعرفية والتاريخية بحيث تمتح من الموروث دون عناء وتطرز به شعرها ؟! ولسوف أبالغ مرة ثانية فأقول إن حزن فدعة عميق بما لا يقاس بجرح الخنساء ! فالخنساء بكَّاءة وتكرر المعاني، بينا فدعة كظَّامة  لا تكرر معانيها ! وكم تمنيت أن ينهض باحث بدراستها وجمع شعرها، فقد طال والله إهمال هذه الثروة العراقية التي لا تقدر بثمن،  ولكن البال مشغول بوطن سبي وزمن وبي  ! فلبث الظلم والإهمال يحيطان بمعجزة  شعرية جمالية هائلة ! يخامرني شعور الابن المقصر مع أمه العظيمة وأنا أقدم فدعة المتميزة ! 

   يعنينا أن فدعة الخالدة عاشت في القرن الثامن عشر الميلادي  ! ومنطقة نشأتها بين الرميثة والحمزة، فهي أبصرت النور في بيت من القصب وجذوع النخل بمدينة الرميثة ! وحين حدث الجفاف ومات الزرع وجف الضرع، خرج والد فدعة  وأقاربها يطلبون الماء والكلأ، ولكن أينما حلوا وجدوا صدورًا ضيقة فيطردهم أصحاب الماء فنهشهم القلق والجزع بل واليأس أيضًا ! حتى وصلوا إلى منطقة الشيخ حمد آل حمود وهم في حال يرثى لها  وكانت فدعة منذ طفولتها ميالة للنغم ! والناس يرددون بعض  أغاني الطفولة وهم لا يعلمون أنها من ابتكارات فدعة حين كانت في السابعة، وقد أوجدت وزنًا خاصًّا ونادرًا للشعر وهي صغيرة جدًّا،  وبمعنى لا يقدر عليه الكثير من الشعراء والكثير من أغاني أطفال العراق صيغت بهذا الوزن مثل  :

(مفعول فعلن فعلن): ويهو بنت البدوي !  ويهو تمشي وتدوي !

                            ويهو من دوّاها ! ويهو الرباها.

ومثل (مفاعلن فعولن):  غزاله غزلوكي وبالماي دعبلوكي.

ومثل (مستفعلن فعلن) : طلعت الشميسه على كَبر عيشة.

ومثل (مستفعلن فاعلن) : بلي يبلبول بلي  يم شعر محلول بلي.

ومثل (فاعلن مفاعيلن):   شده يا ورد شدة ريحان وسعد شدة !.

 وحين كانت فدعة تلاعب أخاها الصغير وتهدهده في مهده ، كانت تردد شعرًا  :

دخيل الماهزو بمهاد

ودخيل الجادر اعله كلما راد

أو لا لعب ويه الويلاد

خالج روحه لروحه

وجادر على كل ما راد

خالج سبع اوساع وا شداد

   وفدعة ليست شاعرة فقط بل هي حكيمة ولها أمثال ترددها الناس ومقولات تعطر المجالس :

الولد مولود والرجل موجود والأخو مفكَود

   ولعل أول من جمع شعرها في ديوان وحققه وعلق عليه هو الشيخ  الفاضل (عبد المولى الطريحي)  النجفي (رحمه الله) وكان يسميها خنساء خزاعة مع أنها ليست من خزاعة بل سكنت وطرًا قريبًا من بيوتهم،  ولدينا  نسخة من  طبعته الرابعة التي صدرت  1973 عن مطبعة النعمان وعنوانه ( فدعة الشاعرة ) يقع في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الصغير!  والطبعة الأولى كانت عام 1949 في المطبعة الحيدرية بالنجف ! وكل الذي نعرفه أن فدعة هي البنت  الوحيدة لوالديها ولها أخ واحد اسمه حسين وأبوها وأمها يعتاشان بتربية الجاموس وما يطلق عليهم (المعدان) أو (الدبات) أو (الدبية) وهم الذين  يستوطنون وسط العراق وجنوبه و(المعدان) أو (الدبية) مستقرهم قرب المياه الثابتة أو البعلية وقد يكترون بعض القطع الزراعية مشاهرة أو معاومة حتى تتهيأ ظروف الرعي  لحيواناتهم، ولهؤلاء لهجتهم المحببة وطقوسهم الخاصة، ونساؤهم جميلات ناصحات نافرات،  ورجالهم ذوو أجساد قوية ونفوس أبية بسبب اعتماد غذائهم على حليب الجاموس الدسم، وتربيتهم الصارمة، لكن فدعة لم تكن أهوارية وكذلك أسرتها ! والد فدعة كان شاعرًا أيضًا، ولكنه ترك الشعر حين سطع نجم ابنته، ولم يكن معيديًّا بالمعنى السائد والطبقي، بل كان شيخًا مطاعًا يساعده أخوه محمد على الشسيع بحيث كان يبدو قلعة جميلة محكمة :

بناها علي من علو الليشان /  من بعد للهشال تنبان

بيها بني مالج وحسان  /  اوجروا اصوانيها اثمان

متخالفات بروس خرفان /  الطحيمي ابدهن السود غركَان

ابويه النحر بيها من الوذان /  ابويه الذي غيدته الفرسان

علل خارجي يضحك علل جان /  دوروا الدرب تلكَون نيشان

   تزوجت فدعة قريبًا لها كان زعيم بني ازريج وهو فتاها عبود الزريجاوي الذي أحبته صغيرة، وأمضت حياة زوجية هانئة معه، ويبدو أنه قتل قبل أخيها حسين، لذلك تسأل حسينًا من الذي سيأخذ ثار زوجها عبود إذا مضيت  إلى القبر  !  قارن هذه البكائية في زوجها عبود :

يبات الكَلب يحسين ملهود

يجمـع بمـدة ويخـزن جبود

سادة وخزاعل عندك جعود

شي تندعي وشي كَلوبها سود

يحسين جيف بثار عبود ؟

عكَبـك تظـل زنـودها بنـود

   أما كيف خسرت أخاها حسينًا،  فالأخبار تفيد أن منصب شيخ العشيرة شغر فتنافس حسين مع ابن عمه محمد حول زعامة القبيلة وكانت فدعة ميالة إلى تخلي أخيها عن المشيخة حقنًا للدماء وحفاظًا على صلة الرحم ! لكن شاء القدر أن يشتبك حسين وابن عمه في معركة حامية وكان مع حسين رجال أشداء ومع ابن عمه رجال خبثاء، فعملوا مكيدة صلح وقتلوا خلالها حسين شقيق فدعة ! والمؤلم أن أخاها لم يمت في المعركة بل جرح فيها جرحًا مميتا ولبث زمنًا طويلًا يعالج روحه ويطبب جروحه ! تمامًا كما حصل للخنساء مع أخيها صخر قارن قولها :

كلما تون يا خـوي اناغي

شمفضاة خلكَي وشو ساعي

يميمر عرب يبن الصداعي

يعربيد والجابـوك افـاعـي

   ولكن جرح أخيها حسين ضربها في صميم عمرها فكرست شعرها لرثائه وتعداد مزاياه حتى قال عنها (جاك بيرك) إن فدعة خنساء الشعر الشعبي ! وقد كان منظرها يفطر الأكباد وهي تهيم على وجهها مثل الدراويش ! قارن عذابها الذي صاغته شعرًا بكائيًّا :

اشما نوت يحسين أنا شيط/ والنوم عفته والغطيط /

يلتعدل العوجه عدل ميط / يمعزب الخطار تشريط

ردتك على كَومك كَليط /  يلجنهم بعقلك زعاطيط

على خشومهم منقار قطقيط

   ولعل أجمل ما في شعرية ( جاذبية ) البنية النسقية لمبتكرات فدعة هو إمعانها في أداة النداء المختلفة الوظائف ونعني ( يا ) فهذا الحرف حين يتكرر قد يرفع الشعرية وقد يهدمها قارن :

يشبوط الجمح ما صاده صياد

   وجميل أن نختتم ترجمتنا بما دبجته قريحة المورخ والمحقق الكبير الشيخ  (علي الخاقاني) نور الله ثراه  في فدعة الشاعرة: ” .. وللنعي شاعرات كثيرات اشتهرن بإجادة هذا النوع، وأشهر من عرفت في القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي الشاعرة (فدعة) الشهيرة بخنساء خزاعة بنت الشيخ علي آل صويح ! وفدعة هذه امرأة ندر أن عاصراها امرأة أخرى فحازت على شهرة وعبقرية كما حصلت هي عليه ! وعرفت بنسبها إلى خزاعة، وإلى عشيرة بني زيرج، غير أن نسب آبيها ينتهي إلى عشيرة الصدعان، وهي إحدى قبائل شمر لقولها في رثاء أخيها حسين :

ميمر عرب يا ابن الصداعي

   والحقيقة أنها عرفت بخنساء خزاعة لمشابهتها للخنساء في كثرة رثائها لأخيها، ولجودة ما قالته ولفتت أنظار الرجال والنساء نحوه”.

   وبعد : فهذه (فدعة الزريجاوية) الموهبة النسائية العراقية الكبرى !. وكم تمنيت أن يلتفت الجيل الجديد من الباحثين إلى توثيق سيرتها الصاخبة المكتنزة وتحقيق شعرها الجميل المبتكر وصناعة معجم لمصطلحاتها وصورها.

تعليق 1
  1. مالك الكريطي يقول

    شكرًا لكم علا الموضوع الجميل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*