الخميس , 24 أبريل 2014
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية » بحوث ودراسات

أرشيف القسم : بحوث ودراسات

علي الوردي وموقفه من المؤسسات الدينية

23-4-2014-1-d

الشيخ خالد البغدادي ..

علي الوردي حصل على الماجستير عام 1948م، من جامعة تكساس الأمريكية وحصل على الدكتوراه عام 1950م، من الجامعة نفسها ، وصفه في رئيس جامعة تكساس عند تقديم الشهادة له: (أيها الدكتور علي الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع)، كتب في طبيعة المجتمع العراقي بنحو خاص، وقرأ العديد من الظواهر، إلا أن قراءته العديد من التأملات تستوقف ذوي الاختصاص ، واليوم نريد أن نطالع ما كتبه الوردي عن علماء الشيعة وكيفية تعاطيهم مع المجتمع العراقي، والمظاهر الدينية التي كان يعيشها المجتمع المذكور.
في محطتنا اليوم من (متاهات المشككين) لنا وقفة مع الدكتور علي الوردي وتبيان موقفه من علماء الشيعة بالذات. وهل أن الأقوال الواردة في هذا الخصوص هي كلمات تحاكي الواقع أم إنها كانت متجنية عليه؟ هذا ما سيطلعنا عليه سماحة العلامة الشيخ خالد البغدادي في حلقته هذه من (متاهات):
من المعروف في علم المنطق أن الاستقراء الناقص بملاحظة بعض الجزئيات لا يمكن استشفاف حكم عام منه يطال بقية الجزئيات التي لم يتم الاطلاع عليها، فإن أقصى ما يوفره لنا الاستقراء المذكور هو الظن بالحكم لا الجزم به. ومن هنا لا يليق بمن يتابع الظواهر الاجتماعية أن يلاحظ بعض الجزئيات ليعمم منها سلوكا عاما يطال فئة مهمة في المجتمع، فضلًا عن التقصير الحاصل في قراءة الظاهرة نفسها وعدم الخوض في أسبابها ودواعيها، فإن كل ظاهرة في المجتمع توجد فيها ثلاثة أبعاد هي: الشخص والفكرة والمبدأ، والاقتصار على قراءة الظاهرة من خلال الشخص نفسه دون الترقي إلى مناقشة الفكرة أو المبدأ فيه الكثير من التعسف في قراءة الظاهرة، فضلًا عن الافتقار إلى الموضوعية وما ينبغي أن يلم به من يدعي الاختصاص في قراءته لظواهر المجتمع.
ولنا في هذه الأسطر القليلة وقفة مع الدكتور علي الوردي في قراءته لواقع علماء الشيعة في العراق وما لهم من دور وسلوكيات في التعاطي مع العامّة.
• ففي كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) يذكر علي الوردي هذه العبارة:
(لعلني لا أغالي إذا قلت إن فقهاء الشيعة هم من أكثر الناس دأباً في طلب العلوم الدينية واللغوية، وفي التنافس عليها، فهم لا يعتمدون على مرتبات مخصصة لهم يأخذونها من الحكومة، بل يعتمدون على ما يردهم من الناس من أموال والناس بطبيعتهم حريصون على أموالهم، فهم لا يعطونها إلا لمن يثقون بعلمه وتقواه من الفقهاء، ولهذا أصبح كل فقيه شيعي واثقاً بأن مصيره المعاشي والاجتماعي منوط بمبلغ تبحُّره في العلم وزهده في الدنيا)ص230.
إن محل التأمل في كلام الوردي هو عبارته الأخيرة ، فإنها تعطي للمتلقي صورة مشوهة عن الواقع العلمائي لفقهاء الشيعة، فهذه العبارة توحي بأن رجل الدين إنما هو أسير أموال الناس، يعيش على ما تجود به أيديهم من فتات الدنيا وحطامها، وهذا منحى وطرح خطير وأسلوب متعسف في بيان واقع العوائد المالية للمؤسسة الدينية وكيفية تمويلها الذي خطته لها يد السماء قبل أن يأتي الوردي ويختزله هنا ببيانه الذي وقف فيه عند الأشخاص دون الولوج إلى عمق الفكرة أو المبدأ الذي تقوم عليه العوائد المالية المذكورة.
فهل من سائل للوردي في عبارته المشوشة هذه ، عن الجهة التي أوجبت على الناس دفع هذه الأموال والتي يصطلح عليها شرعاً بـ: الحقوق الشرعية، إلى الفقيه الجامع للشرائط، ومن ثم هل إن أخذ الفقيه لهذه الأموال وصرفها يكون بشكل عشوائي أم إنه يخضع لضوابط شرعية يلزم توفرها عند الأخذ والعطاء؟! فهذا مطلب علمي كان ينبغي للوردي بيانه ولو بكلمات قليلة حتى تتضح للقارئ الذي يطالع كلماته، الصورة كاملة وليست مجتزأة أو مشوشة بالشكل الذي طرحه هنا، والذي ربما أراد من خلاله أن يمرر غاية في نفسه يناهض بها الدين وأهله، وهو غير بعيد لمن يطالع كلمات الوردي ويتابعها.
فالذي أوجل على الناس دفع الحقوق الشرعية (المالية) إلى الفقيه الجامع للشرائط إنما هو الشارع المقدس، والذي حدد صرف هذه الحقوق في مواردها المخصصة لها هو الشارع المقدس، والذي حدد المواصفات والشرائط اللازم توفرها في الفقه الآخذ لهذه الحقوق ـ من الاجتهاد والعدالة والإيمان ونحو ذلك ـ هو الشارع المقدس .. فإذا كانت كل الأمور هي بتوجيه من الشارع فما الذي كان يهدف إليه من عبارته القارصة هذه، والتي ألقاها على عواهنها من دون بيان علمي رصين للنظرية والتطبيق؟! أو إلى من كان يهدف الوردي من عبارته هذه؟!
• ولأن الحقيقة ناصعة لا يمكن للوردي أو غيره إخفاءها أو مصادرتها بالمرة، فتراه يضطر إلى الاعتراف بزهد علماء الشيعة وعزوفهم عن الدنيا، إلا أنه لم يفتأ أن يعود إلى طريقته المعروفة من خلط السم بالعسل، ليقول كلاماً هو أقرب إلى التصريح بأن هذا الزهد إنما كان لغايات هو الحصول على رضا الناس لغرض الاستيلاء على أموالهم فقط.. فانظر إلى قوله في المصدر ذاته (ص231): (الواقع إن الكثيرين منهم يعانون الشيء الكثير من الحرمان وشظف العيش. فالموارد التي تردهم لا تكفي لأن يعيشوا بها عيشة مرفهة، ولكنهم على الرغم من ذلك منكبون على دراستهم انكباباً يدعو إلى إعجاب، فكل واحد منهم يأمل أن ينال بعمله وزهده ورضا الناس. وتلك هي الغاية التي يسعى إليها طيلة حياته، فإذا وصل إليها بعد كفاح طويل صار مجتهداً كبيراً يشار إليه بالبنان).
فالغاية إذن عند علماء الشيعة في سعيهم وتحصيلهم العلمي، حسب بيان الوردي المتقدم، هو الحصول على رضا الناس، فهم يواصلون الليل بالنهار تحصيلًا وجهدًا وانقطاعا من أجل هذه الغاية لا غير، ولا هم لهم سوى أن يحصلوا على فتات الناس وحطامهم، لأن هذا الأمر هو من لوازم الرضا المذكور، مع أنه في احسن الاحوال ـ حسب اعتراف الوردي نفسه ـ ان ما يحصلون عليه لا يكاد يسد رمقهم فضلاً عن أن يمكنهم من العيش برفاهية.
وكما نلاحظ فإن الغاية لا تكافئ الوسيلة بأي حال من الأحوال بل هي تكشف عن جملة تناقضات لا يرضاها ادنى الناس علماً وفهمًا لنفسه فضلًا عمن يكون فقيها ومضطلعاً بعلوم الدين ومنقطعاً في تحصيلها ليلة ونهاره، فإذا كانت الغاية هي رضا الناس والحصول على فتات الدنيا فهذا الامر يمكن الحصول عليه بأقل القليل من الجهد الذي يبذله الفقيه في تحصيله العلوم، فما بال هذا الفقيه يعمل لما لا يناله، وينال ما لا يوازي عمله بأي حال من الأحوال وهل يمكن ان يكون الحمق لهؤلاء الناس ـ حاشاهم ـ قسمة متساوية لا يبغون عنها حولًا؟! إن هذه الكلمات ستقض على الوردي مضجعه يوم يلتقي بأناس كان قد ظلمهم ولم ينصفهم وتجنّى عليهم ولم يعطهم حقهم.
• وفي تخبط واضح في تبيان الحقيقة القرآنية والنبوية التي يسير عليها علماء الشيعة في مداراة العامة للوصول بهم إلى بر الأمان في ما يتعلق بشؤون دينهم ودنياهم ، ترى الوردي ينحى منحىً أقل ما يقال عنه أنه عيال على معارف الدين وأهله، وأنه كحاطب ليل لا يجيد سوى القيل والقال… فانظر إلى قوله. في المصدر ذاته(ص232): (إن العامة بوجه عام ميالون للخرافة في شؤونهم الدينية، وكثيراً ما يبتدعون طقوساً وعقائد جديدة، حسب مقتضيات ظروفهم وحاجاتهم النفسية والاجتماعية. والملاحظ أن فقهاء الشيعة يدركون ذلك في اكثر الاحيان ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إزاءه. فهم يخافون من العامة خوفاً شديداً، ولا يحبون معارضتهم في شيء إلا قليلاً).
وهنا لابد لنا أن نعيد للوردي رشده ونذكره بأن مداراة العامة ـ بشكل عام ـ إنما هي سياسة قرآنية وسيرة نبوية وسلوك سار عليه الأئمة الهداة من آل محمد (ع).. فها هو القرآن الكريم، مدار للعامة الذين كانوا مولعين بشرب الخمر، فلم يقم بتحريم الخمرة دفعة واحدة، بل يمهد ذلك على مراحل ثلاث، فينزل في المرة الاولى ما يبين جانباً من جوانب الخمر بأن فيها إثما كبيراً، قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعضهم، وقالوا نأخذ بمنفعتها، ونترك إثمها، فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى)، فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعضهم في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فصارت حراماً عليهم، حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشد من الخمر، إذا أكد تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد: منها: تصدير الجملة بإنما.
ومنها: أنه سبحانه وتعالى قرنهما بالأصنام، ومنها: انه جعلهما رجساً، ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، ومنها: أنه أمر باجتنابها، ومنها: أنه ذكر ما ينتج عنها من الوبال ثم ذيله بالتهديد والوعيد منه بقوله تعالى: (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)، فتحريم القرآن الكريم ـ كما شاهدناه ـ لم يأت دفعة واحدة، ولم يكن بأسلوب واحد، أو طريقة واحدة من البيان، وإنما كان على دفعات متعددة وبعدة بيانات، وليس ذاك إلا مداراة للعامة وترغيباً لهم في الوصول الى الهدف المنشود من امتثال التكليف والعمل به، وهذه السياسة القرآنية من المداراة تراه سبحانه حتى يندب أنبياءه للعمل بها مع اطغى طغاة الارض، فانظروا إلى قوله سبحانه تعالى لموسى وأخيه هارون(ع) حينما بعثهما إلى فرعون: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى)، وإلى هذا المعنى كانت تشير كلمات النبي الاعظم(ص) حين قال: (إنا معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) ـ أمالي الصدوق: 341 ـ وفي هذا الصدد أيضاً يقول الإمام الصادق(ع): (مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش) (الكافي 117 باب المداراة)، وكما جاء عنه(ع) قوله: (قال رسول الله(ص): أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض) (المصدر نفسه). هذا، ومن راجع الباب المذكور ـ باب المداراة ـ في كتاب (الكافي) اطلع على جملة مهمة من الأحاديث الشريفة التي تبين طبيعة المداراة وأهدافها والغايات المستوحاة منها شرعاً، فعن الإمام الصادق(ع)، قال: (قال رسول الله(ص): ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن المعاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل) (المصدر نفسه)، فالمداراة التي يعمل بها العلماء هي ليس أمراً منفصلاً عن الورع والأخلاق الحميدة، وإنما هي حلم ينبغي أن يشتمل عليه العالم في التريث بالناس حتى تسنح له الفرصة التي تمكنه من تبليغ أحكام الله إليهم، وفي وقت تكون نفوسهم قد استعدت لقبول الأحكام والعمل بها، تماماً كما شهدناه في مراحل تحريم الخمر من قبل المولى سبحانه وتعالى.
هذا، فضلاً عن حالة التقية التي ينبغي على العالم العمل بها في مقام التزاحم بين الأهم والمهم، وهي ـ أي التقية ـ مفهوم قرآني نبوي ربما غاب عن الوردي فهمه وإدراك أبعاده وسبر معانيه. ومن يقرأ التاريخ يجد كيف أن الأئمة(ع) بل نفس الصحابة في زمن الخلفاء الثلاثة الأوائل كانت قد مرت بهم ادوار في حياتهم لم يقدروا معها أن يغيروا شيئاً مما تعارف عليه الناس وأشرأبوا محبته في قلوبهم، فانظر إلى قول أنس بن مالك فيما رواه الزهري عنه، قال: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: وما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (البداية والنهاية 9: 94)…
فهذا أنس بن مالك يشهد بما حصل من تغيير وتبديل في الكثير من معالم الدين حتى طال الأمر الصلاة وهي عمود الدين، ومع ذلك لم يستطع هو ولا جميع الصحابة العودة بالناس إلى ما كان الامر عليه أيام رسول الله(ص)… فإذا كان الأمر بهذا الشكل مع من هم مقربون من بلاط السلطان وفي دار الحكم ـ كأمثال أنس ـ ولم يستطيعوا أن يغيروا شيئأً مما غيره الناس واعتادوا عليه فما بالك بمن هم في حال من التضييق والتقتيل والتهديد والحبس والتهجير والمطاردة والتشريد كالأئمة(ع) وأتباعهم من العلماء الصالحين..
وفي بعض الأحيان قد يصل الشره بالعامة إلى عدم إطاعة إمام زمانهم وهو في سدة الحكم إذا طالبهم بتغيير ما اعتادوا عليه من عبادات باطلة أو سنن موضوعة ارتضاها البعض لهم، فها هو أمير المؤمنين(ع) عندما آلت الامور إليه طالب الناس بالكف عن أداء نافلة رمضان جماعة في المساجد والعودة بما كانت عليه أيام رسول الله(ص) من الصلاة بها فرادى، لأن صلاتها جماعة بدعة كما اعترف بها مبتدعها الذي قال: (نعمت البدعة هذه) ( البخاري 3: 58)، ولكن الناس لم يصغوا لقوله بل تصايحوا باسم مبتدعها حتى كادت أن تقع الفتنة فتركهم(ع) على ما كانوا عليه … فقد روى الشيخ الطوسي في (التهذيب) (3: 7 حديث 27) بسنده إلى الامام الصادق(ع): أن أمير المؤمنين(ع) لما قدم الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس (لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة) فنادى في الناس الحسن بن علي بما امره به أمير المؤمنين(ع)، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: وا عمراه! وا عمراه! فلما رجع الحسن إلى أمير المؤمنين(ع) قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين: الناس يصيحون: واعمراه! واعمراه! فقال أمير المؤمنين(ع): قل لهم صلوا. (انتهى).
ولكن هذا لا يعني أن الأئمة(ع) والعلماء كانوا يسايرون العامة إلى نهاية الخط، بل هناك حدود لا يمكن تعديها في هذا الجانب، وذلك فيما إذا كان يدهم الإسلام أو المسلمين أمر يخاف معه على بيضة الاسلام ويخشى بواره، فتراهم(ع) أول المتصدين لذلك بل المضحين بكل غال ونفيس في سبيل رفع كلمة الإسلام والحفاظ على شريعة سيد المرسلين(ص)، وهذا المعنى قد تجلّى بوضوح في ثورة سيد الشهداء الحسين(ع) حينما كادت معالم الدين أن تندرس وهيبته أن تذهب بعد أن جلس على سدّة الحكم من يحتسي الخمر جهاراً نهاراً ويهارش القرود ويرتكب المنكرات ولا يتورع عن محرم في كتاب الله، فكانت تلك الثورة العظيمة التي صححت المسار للأمة وأعادت للإسلام روحه المحمدية الأصيلة، وهو الأمر الذي استشرفه النبي الأعظم(ص) من سبحات الغيب حين أخبر عن هذه الثورة العظيمة وأن بقاء رسالته العظيمة منوط بها كما هو المستشف من قوله(ص): (حسين مني وأنا من حسين)، وهكذا أيضًا كان الحال عند باقي الأئمة الباقين من ذرية الحسين(ع) وكذلك هو شأن العلماء التابعين لهم، في التصدي والتضحية من أجل نصرة الدين إذا ادلهمت به الخطوب وتصارعت النوائب..
• وفي موضوع آخر من كتابه ـ السالف الذكر ـ نجد الوردي لا يروق له أن يمدح أحد علماء الشيعة أو يذكرهم بخير، الامر الذي يؤشر لروح المنازعة والمماكسة التي كان ينطوي عليها هذا الرجل مع العلماء أو ربما حتى مع الدين، فانظر إلى قوله في المصدر ذاته (231): (زار أحد الصحفيين المصريين بعض المجتهدين الكبار في النجف، فكتب في صحيفة مبدياً إعجابه بحياة الزهد والبساطة التي يحييها أولئك المجتهدون، مع العلم أن لهم نفوذاً كبيراً على عشرات الملايين من الناس، وتجبى لهم الأموال من كل مكان، لم يدر هذا الصحفي أنهم حصلوا على ذلك النفوذ الواسع بزهدهم، ولو كانوا مترفين لفقدوا نفوذهم).. انتهى.
فيا لحظ العلماء مع هذا الوردي فحين يأتي الآخرون ويقولون إن علماء الشيعة زاهدون، ويبدون إعجابهم الفطري بذلك، يأتي الوردي ليقول إنهم زاهدون ليرضوا الناس وليستولوا على أموالهم، فتراه دائماً يفرغ القيم والصفات العالية عند العلماء من محتواها ليهوي بها إلى قاع التسافل ليرضي حاجة في نفسه.
• وفي خطأ منهجي تابع فيه المستشرقين، يظهر الوردي لقارئه أن فقهاء الشيعة هم ورثة المعتزلة في العلوم الفلسفية والكلامية، وأن هذه الدقة التي يتمتعون بها من عمق التفكير إنما هي من بركات متابعتهم للمعتزلة في نزعتهم الفلسفية، فانظر إلى قوله في المصدر ذاته (ص231): (مما يجدر ذكره أن فقهاء الشيعة هم ورثة المعتزلة في نزعة التفلسف وحرية التفكير، ولهذا وصلوا في تطوير فقههم إلى درجة كبيرة من الدقة والتشعيب). (انتهى).
ولا ندري هنا ماذا نقول أمام هذا الجهل بحقائق التاريخ ممن ينتمي لنفس حضارة المتحدث عنهم ويعيش بين أتباعهم ومحافلهم الثقافية ولا يتجشم عناء البحث عن الحقائق التي يتحدث عنها.. ولما نذهب بعيداً في هذه القراءة فلنأتي للوردي بكلمات أهل الاعتزال أنفسهم ليبينوا له بأن هذه العلوم التي أبدع فيها المعتزلة إنما كان مشكاتها هو أمير المؤمنين(ع).
وانتماء الشيعة له وأخذهم عنه إنما كان قبل الاعتزال بعشرات السنين.
يقول: ابن أبي الجديد المعتزلي في كتابه المعروف بـ (شرح نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين(ع): (.. ما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف المعلوم… فإن المعتزلة ـ الذين هم أهل التوحيد والعدل و أرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن ـ تلامذته وأصحابه، لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبيه وأبوه تلميذه(ع) ، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن الاشعري علي بن إسماعيل بن أبي بشر الاشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بالآخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب(ع)، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر). انتهى.
فشهادة ابن أبي الحديد المعتزلي تكفينا في رد دعوى الوردي هذه، ولولا ضيق المقام لأسهبنا في رد الدعوى المذكورة وبيان عدم صحتها بالأدلة والوثائق التاريخية.
• ومن ثم في تصرف ملفت للنظر يصوب الوردي سهامه هذه المرة نحو الشعائر الحسينية، الركن المهم من اللحمة الشيعية، والتي تشكل عنصراً مهما من عناصر ديمومة المذهب الشيعي وحيويته، فانظر إلى قوله ـ في المصدر ذاته (ص237) ـ : (إن كل وجيه أو غني من الشيعة يميل إلى إقامة مجلس يقرأ فيه مقتل الحسين(ع) لمدة عشرة أيام، خصوصاً في شهر المحرم وشهر صفر من كل عام. ومن يشهد هذه المجالس ويستمع إلى القصائد الحزينة التي يلقيها الخطباء فيها، وإلى وصفهم مقتل الحسين وأولاده وأخوته وأقربائه(ع)، يحس بالميل إلى البكاء. وقد تفنن خطباء الشيعة في ذلك تفننا عجيباً بحيث استطاعوا أن يحدثوا في كل مجلس يخطبون فيه عويلاً شديداً. وكثيراً ما ينشدون الأشعار العامية بصوت حزين ومنغم فيحدثون أثراً بالغاً في النفوس).
ولا يسعني هنا إلا أن أقول بكلمة موجزة: إنه لم ترد في التراث لأهل البيت(ع) وأحاديث و أقوال من الحث على شيء كما وردت في إقامة الشعائر وقضية الحسين(ع)، فها هو الإمام الصادق(ع) يطلب من أبي هارون المكفوف أن ينشده في الحسين(ع). يقول: (أبو هارون): فأنشدته، فقال لي: أنشدني كما تنشدون (يعني بالرقة: أي بالطريقة التي تستعملونها عند الإنشاد التي فيها الرقة والتلاوة، والتي توجب التأثير في القلب، لا مجرد التلاوة). قال: فأنشدته:
أمرر على جدث الحسين وقل لأعظمه الزكية
قال: فبكى، ثم قال: زدني، فأنشدته القصيدة الأخرى.
قال: فبكى، وسمعت البكاء من خلف الستر، فلما فرغت قال: يا أبا هارون من أنشد في الحسين فبكى وأبكى كتبت له الجنة ـ إلى أن قال (ع) ـ ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله (عز وجل)، ولم يرضَ له بدون الجنة. (ثواب الاعمال للصدوق،84). فلا ندري بعد هذا ـ يا وردي ـ مَن مِن علماء الشيعة أفتى بحرمة الإنشاد على الحسين(ع)، وترقيق القلوب في الحزن عليه؟! ولعل الوردي كان يقصد بعض الشعارات التي كانت محلًّا للكلام عند بعض الفقهاء كالتطبير ونحوه، مع أن هذا المعنى ليس ظاهراً من كلامه، ومع ذلك نقول: إن هذا البعض قد ذكر ما ذكر بالعنوان الثانوي وليس بالعنوان الأولي، وهذا المعنى يفهمه من يعرف لغة الفقه واصطلاحاته، ولا أظن الوردي وأمثاله هناك.

مجلة يقظة / عدد 5/ التدقيق : “الحكمة”

التقية في الإسلام

13-4-2014-3-d

محمد السماك ..

أول ما يلفت الانتباه في كتاب د. سامي مكارم هو عنوانه: “التقيّة في الإسلام”.
يطرح هذا العنوان علامات استفهام كبيرة:
أولاً: هل إن في الإسلام تقية، أم أن التقية هي في مذهب دون آخر من مذاهب المسلمين؟.
ثانياً: هل إن التقية هي سلوك إسلامي مكتسب تحت ضغط ظروف وأوضاع طارئة واستثنائية، أم إنها في أساس العقيدة يمكن اللجوء إليها في حالة الشدة أو في حالة اليسر وفي حالة القلق أو في حالة الاطمئنان؟..
بمعنى هل إن ضيق صدر حاكم إسلامي معين، أو مجتمع إسلامي في ظروف معينة باجتهادات فقهية ما، دفعت بهذا الفقيه إلى ابتداع التقية سلامة لأبدان أتباعه من الأذى ولإيمانهم من الانتهاك؟..
أم إن التقية رافقت الدعوة الإسلامية منذ إشراقتها الأولى في مكة المكرمة وقبل الهجرة إلى المدينة المنورة، واستمرت فيها وبعدها؟..
هل إن للمؤمن حق اللجوء إلى التقية حتى من دون إكراه أو اضطرار؟..
ثالثاً: هل إن اللجوء إلى التقية يكون خوفًا من أذى الآخر وتجنبا لشرّه، أم انه يكون أيضاً مراعاة لمحدودية الفهم عند بعض المؤمنين، ولعدم قدرتهم على استيعاب حقائق إيمانية كبيرة؟..أو يكون خوفًا من إساءة فهم هذه الحقائق وتاليًا تحسبًا من سوء عاقبة التعامل مع هذه الحقائق على غير ما يقتضي الحال؟..

رابعًا: هل التقية إجازة – ورخصة – من الله للمؤمنين، أم إنها مجرد اجتهاد فقهي إنساني أخذ به هذا العالم المجتهد وأنكره ذاك؟..

خامسًا: إذا كانت التقية في الإسلام، كما يقول د. مكارم، فهل ثمة تقية في الأديان الأخرى أيضًا؟.. في المسيحية واليهودية تحديدًا؟..

سادسًا: هل إننا جميعًا نمارس التقية من دون أن ندري؟..

وهل أن انفتاح معرفتنا على هذه الحقيقة (التي حاول د. مكارم أن يؤكدها من خلال استشهاداته الكثيرة بالآيات القرآنية الكريمة وبتفاسير أئمة كبار علماء المسلمين) سيغير من نظرتنا إلى التقية بحيث نتعامل معها على أنها ركن من أركان فضائلنا الإيمانية؟.. ومن ثم نرفع عن أهلها الشك وسوء الفهم؟..
إذا خرجنا من هذا الكتاب بإجابات إيجابية على هذه الأسئلة، فإن الكتاب يكون قد احدث صدمة في الفكر الإسلامي داخل منظومة الثوابت الإيمانية. ويكون قد فتح آفاقا جديدة في الاجتهاد الفقهي وحتى في فقه الاجتهاد. وهذا حكم جريء. في توطئته للكتاب يؤكد د. مكارم على أمرين أساسيين:
الأمر الأول: هو أن التقية هي من الأسس المهمة في الإسلام، وأن القاعدة الرئيسية هي ممارسة التقية، وأن الفرق الإسلامية التي لم تمارسها هي الفرق الشاذة عن القاعدة، وهذا يعني أن القاعدة عنده هي ممارسة التقية.
أما الأمر الثاني: فهو أن للتقية شروطًا شرعية وأصولاً ومقتضيات أقرتها الشريعة الإسلامية. ولم يقل د. مكارم أقرها الفقه الإسلامي. وهذا استنباط جريء أيضاً.
لقد كان واضحًا أن  د. مكارم اعتمد تعريف ابن حجر العسقلاني للتقية. وهو تعريف يقول فيه “إنها الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير”  (ص9). وهذا تعريف عام جدًا. إلا أن الأمر المحدد والمهم، هو أن د. “مكارم” اعتبر أن كلمة التقية تعني ما تعنيه كلمة تقاة الواردة في الآية الكريمة [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا إن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير]. (سورة آل عمران – الآية 28).
وجاء اعتباره هذا كما قال في (ص 9) أن اللغويين يجمعون على ذلك. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يجمع على ذلك أيضاً الفقهاء؟.. في محاولة غير مباشرة – ربما – للإجابة على هذا السؤال قال د. مكارم (ص 11) “يمكننا القول إن الآيتين القرآنيتين اللتين انطلق منهما المفسرون على العموم عند تناولهم التقية في الإسلام هما الآية المذكورة آنفًا والآية التي تقول: “من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم” (سورة النحل -  الآية 106).
وقد نزلت هذه الآية في أحد المهاجرين من مكة إلى المدينة (عمار) وقع في أسر الكفار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية فخلوا سبيله. ولما وصل إلى المدينة وأخبر الرسول (ص) بما حدث قال له رسول الله: “كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت؟.. أكان منشرحًا بالذي قلت أم لا”. قال: “لا”. فنزلت الآية. “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان”.
ويؤكد د. مكارم (ص 15) “أن معظم المفسرين أقروا بصورة مباشرة أم غير مباشرة، بأن المضطر يجوز له التقية إما قولًا وإما فعلًا تيسيرًا له من الله لا تعسيرًا، واجتنابًا للقتل أو للحرج. وإذا نحن نظرنا إلى جميع الآيات المذكورة آنفا نرى انه رُخِّص للمؤمن المطمئن قلبه للإيمان أن يظهر الكفر تقية من الكافرين إن هم أكرهوه على ذلك”.
يرى د. مكارم أن آراء العلماء اختلفت في شأن التقية من حيث جوازها ووجوبها وامتناعها، ومن حيث أحكامها وشروطها. كما يرى أن الآراء تعددت وتشعبت في شأن أسباب التقية حتى إنها تجاوزت الإكراه إلى أسباب أخرى، “كالرغبة في هداية العدو باستدراجه إلى الإيمان واتقاء استعدائه”. وقد نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه لا يرى جواز التقية خوفًا على النفس فقط، بل يراها تجنبًا لأدنى إكراه يلحق بالمسلم (ص 22).
وفي اجتهاد د. مكارم أن مصطلح “التقية” أو “التقاة” تعزز بمصطلحين قرآنيين آخرين هما مصطلحا “الظاهر” و”الباطن”.
ويقول إنه “مع أن المفسرين اختلفوا على بعض التفاصيل عند تطرقهم لهذين المصطلحين اختلافًا كبيرًا في بعض الأحيان، فقد اتفقوا على أن “الظاهر” هو ما يعلن، في حين أن “الباطن” هو ما يخفى في القلب، وأن “ظاهر الشيء” هو حرفيته، وأن “باطن الشيء” هو حقيقته التي لا يصل إليها إلا أولئك الذين يتوخون الولوج في جواهر المعاني وما ترمي إليه وتشير، وذلك بتأويلهم النص دون الاكتفاء بمعناه الحرفي. وهم يقولون بأن هذا التأويل، أي ما يشير إلى المعنى الأصلي، لا يعلمه إلا الله والراسخون في العالم، لقوله تعالى” “وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنَّا به كل من عند ربنا وما يذكّر إلا أولوا الألباب” (سورة آل عمران – الآية 7).
اختلف المفسرون حول قراءة هذه الآية الكريمة وليس حول نصها. هل “والراسخون” مبتدأ خبره الجملة الفعلية، “يقولون آمنا به…”، أي إن الوقف في القراءة يجب أن يكون بعد اسم الجلالة، بحيث تقرأ الآية: “وما يعلم تأويله إلا الله”. ثم تتبع البقية: “والراسخون في العلم يقولون آمنا به…” إلى آخر الآية. وبذلك يقتصر علم التأويل على الله وحده دون “الراسخون في العلم”.
أما القراءة الثانية فهي تجعل “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، أي إن الوقف في القراءة يكون بعد “الراسخون” معطوفة على اسم الجلالة، أي إن الوقف في القراءة يكون بعد “الراسخون في العلم” بحيث تقرأ الآية: “وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم”. ثم تتبع البقية:”يقولون آمنا به…” إلى آخر الآية.
وكذلك يكون الله والراسخون في العلم يعلمون تأويله. أدت القراءتان المختلفتان لنص واحد إلى قيام رأيين متباينين كل التباين ، رأي لا يجيز للناس تأويل القرآن مهما رسخوا في العلم، فعليهم إذاً أخذ معانيه بظاهرها وعلى حرفيتها، ورأي يجيز للراسخين في العلم تأويل الكتاب والأخذ بمعانيه الباطنية. الدكتور مكارم في كتابه يدافع عن الرأي الثاني ويتبناه.
هنا أريد أن أنتقل إلى كتاب آخر جديد أيضاً، وان لم يكن في مستوى جدية ورصانة البحث العلمي الراقي والعميق الذي يتسم به كتاب د. مكارم. مؤلف هذا الكتاب هو جمال بدوي من مصر وعنوانه “الفاطمية” (دار الشروق 2004)، ورغم إني أشك في صحة ما ذهب إليه، فقد أردت عرضه لأنه يعكس وجهة نظر أخرى ليست معاكسة فقط، ولكنها سلبية أيضاً. يقول المؤلف:
“نشأت الدعوة الفاطمية ونظمت مبادئها السرية للمرة الأولى على يد جماعة من الثوريين الملاحدة المجوس الذين تظاهروا بالإسلام وعملوا على غزو العقيدة الإسلامية وهدمها، ونشر المجوسية بالتأويلات التي يتأول بها دعاتهم على القرآن والسنة واعتبار أن لكل شيء ظاهراً وباطناً، حتى القرآن الكريم نفسه، جعلوا له ظاهراً وباطناً، أما الظاهر: فهو دلالات ألفاظه العربية حقيقة أو مجازاً. وأما الباطن فهو ما وراء هذا الظاهر أو هذه الدلالات، وهذا لا يفهمه – في زعمهم – إلا أئمة المذاهب. وهذا الباطن لا تقيده دلالات الألفاظ العربية، ومعانيها اللغوية، وليس الظاهر إلا رموزا وإشارات لا يفهمها العوام، الذين هم أهل السنة في نظرهم، فأهل السنة بكل علمائهم بدءاً من الصحابة الكرام حتى الآن – إنما هم عوام وجهال في نظرهم لأنهم لا يعلمون علمهم الباطن، وقد أدت بهم هذه النظرة الباطنية إلى تأويل معاني القرآن الكريم تأويلا غريباً يتناقض ودلالات اللغة العربية”.
ثم ينقل المؤلف عن الدكتور عبد المنعم النمر نماذج لهذه التأويلات فمنها ما قالوه في تفسير قوله تعالى في سورة نوح [فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا (الآية 10) يرسل السماء عليك مدرارا (الآية 11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا]، فزعموا – وهذا الزعم هو للدكتور النمر – أن المراد من قوله [استغفروا ربكم] اسألوه أن يطلعكم على أسرار المذهب الباطني، ومن قوله [يرسل السماء] المراد بالسماء “الإمام”. والماء المدرار “العلم ينبع من الإمام”، ومن قوله [يمددكم بأموال] الأموال هي “العلم”، و”البنين” هم “المستجيبون للدعوة” ]ويجعل لكم جنات[، ]فالجنات[ هي "الدعوة السرية الباطنية"، و]الأنهار[ هي العلم الباطني.
إن المقارنة بين أسباب التأويل وأهدافه كما وردت في دراسة د. مكارم، وكما وردت في كتاب جمال بدوي، تكشف عن هوة معرفية عميقة، لا تزال تعمقها باستمرار معاول الجهل بالآخر والتشكيك به، ولا تزال الصور النمطية السلبية عنه التي زرعها هذا الجهل منغرسة في الثقافة العامة، ولا تزال تشكل الأساس الذي تبنى عليه الاتهامات وأحكام الإدانة المسبقة.
من هنا الأهمية الاستثنائية في اعتقادي لكتاب “التقية في الإسلام”، من حيث انه يوضح الفرق بين المسلم، أي المقرّ بالإسلام إقراراً ظاهراً يقتصر على اللسان ولا يتعدى القول، من جهة، والمؤمن، أي المصدّق بالإسلام تصديقاً لا يقف عند الإقرار الظاهر، وإنما يتجاوزه إلى الإيمان الباطن والعمل في سبيل الله، من جهة أخرى. ومن هنا أيضاً تفسيره لذلك بقوله (ص20) “إن التقية قائمة على رحمة المسلم، فلا يعطى ما لا يستطيع تحمله من الحقيقة دفعة واحدة، بل يتعطاها بالتدريج حرصاً على رسوخها في قلبه وتمكنه منها”.
هنا لا بد من الإشارة إلى انه لا يوجد موقف إسلامي واحد من موضوع “الظاهر والبـــــاطن” (ص 43 – 53)، ومن موضوع التقية. فهناك من تعامل معها بتساهل كالرازي مثلا الذي أجازها حتى دفاعاً عن المال، وحتى بين المسلمين أنفسهم وليس فقط بين المسلمين والمشركين. وهناك من تعامل معها بتحفظ كالطبري وابن كثير والبيضاوي.  ولأن التقية لم تكن بالأمر النادر في التاريخ الإسلامي، فقد ألف أبو بكر بن دريد “كتاب الملاحن” لكي يكون دليلاً للمكرهين على الكفر. فالتقية التي تمارس بكتمان الدين وحتى بإظهار الكفر لا تؤدي إلى الكفر. فالقاعدة هي “لا إكراه في الدين”.
والـ”لا” هنا نافية وليست ناهية فقط. بحيث لا يقتصر المعنى على الدعوة إلى عدم إكراه الناس حتى يؤمنوا، ولكنه يتجاوز ذلك إلى إقرار المبدأ الأساس وهو انه لا يكون إيمان بالإكراه. وإذا كان الإيمان ينتفي بالإكراه، فمن الأولى أن لا يكون كفر بالإكراه.
والرسول عليه السلام يقول: “إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه”. وهو الذي قال أيضاً: “من رأى منكم منكراً فيغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”.
وعلى أساس ذلك رأى حجة الإسلام الغزالي “وجوب ستر الحقيقة عمن هو محجوب عن تقبلها، فلا يُعطى إلا بقدر التهيؤ المعرفة”.
وقد نقل د. مكارم عن بعض العارفين قولهم: “إفشاء سر الربوبية كفر”. (ص55). ويفسر د. مكارم ذلك بقوله:
“إن إعطاء الحقيقة، في نظر حجة الإسلام، يجب أن يكون في غاية من الحذر. فإفشاؤها لغير أهلها خطر كبير لا يقل عن خطر منعها عن أهلها، وذلك تقية لصاحب الحقيقة ممن لا يقدرون على معرفتها، وتقية للحقيقة ممن ليسوا من أهلها، وتقية لمن ليسوا من أهلها أن يعميهم سطوعها فيصعقوا”. وما أجمل قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي:
“سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي، ولا أنثر الدر النفيس على الغنم” ؟
ولعل البحث الذي أورده د. مكارم “عن قصة موسى عليه السلام، والعالِم بما لم يكن موسى النبي على علم به كما وردت في القرآن الكريم” (ص 61 – 72) ما يكشف عن الكثير من أسرار الحكمة من وراء كتمان المعرفة عمن ليس أهلاً لها حتى ولو كان نبياً. ويمكن الرجوع إلى التأويلات الذكية والعميقة التي توصل إليها د. مكارم من خلال عرضه لوقائع تلك القصة المثيرة.
ولكن رغم كل التأصيل العلمي والأكاديمي المثبت بالمراجع الشرعية والاجتهادات الفقهية لمبدأ التقية في الإسلام، فان الدكتور مكارم يرى انه “بقبول الآخر والاعتراف به تبطل أسباب التقية إكراهاً، إذ يُقضى على الخوف من طغيان الأكثرية على الأقلية أو طاغوتها، فيفسح في المجال أمام الأقلية أن تعبر عن رأيها دون خوف أو تقاة”.
إن د. مكارم على حق عندما يقول إن انكفاء الأقلية عن المشاركة في الفكر بلجوئها إلى التقية سبب في الماضي ويسبب في الحاضر الشكوك المتبادلة بين أفراد المجتمع، كما سبب ويسبب ظهور “وحدات” اجتماعية متنافرة لا يربطها إلا روابط واهية قائمة على الخداع الاجتماعي والرياء والتعالي والتكاذب والولاء الطائفي. وهي كلها صفات توسم المجتمع الإسلامي بالهشاشة والضعف والتفسخ.
أما كيف تنتفي حاجة المسلمين إلى أن يكره بعضهم بعضًا على رأي عقائدي أو سياسي فيضطر المكرَه إلى مداراة المكرِه تقية، فبالعمل بما دعا إليه القرآن الكريم إلى كلمة سواء – أي إلى كلمة طيبة – كما يفسرها د. مكارم. وهو يرى عن حق :
“أن الكلمة السواء تكون ناتجة عن المودة لا عن الكراهية، فتتجاوز اللسان إلى القلب، فإذا هي تعبير عن الحقيقة التي تغذي الناس، كلا على قدر ما هو عليه من صحة دينه وعقله، وعلى قدر ما هو مهيأ له من الارتقاء في مراقي الإسلام”.
وأود أن أردد معه تأكيده على أنه
“عندما تعم هذه الثقة المتبادلة بين المسلمين ولا يعود المسلم، إلى أية فرقة أو مذهب انتمى، يشعر برفض الآخر له وتكفيره إياه وبرفضه وتكفيره الآخر، عندما يصل المسلمون إلى قبول بعضهم بعضا يصلون بالتالي إلى قبولهم لمواطنيهم اجمع دونما فرق بين منتم إلى دين أو آخر”.
واختم بأننا عندما نقول بحوار الحضارات لا تصارعها، علينا أن نبدأ بأنفسنا ومن داخل عقيدتنا وانطلاقا من ثوابتها الإيمانية.
فالحوار من حيث هو البحث عن الحقيقة في وجهة نظر الآخر، يجب أن يكون سبيلنا إلى احترام الاختلاف والمختلف معه والى الإقرار بأن أياً منا لا يملك الحقيقة المطلقة وأن ليس للمرء إلا ما سعى، وان الله وحده هو عالم الغيب والشهادة. وهو وحده يحكم بيننا يوم القيامة فيما كنا فيه مختلفين.

المعالم الاقتصادية والعمرانية في حكومة الإمام المهدي (عج).. كثرة المال والسيولة النقدية

25-3-2014-6-d

 

الدكتور سعيد العذاري ..

من أهداف حكومة الامام المهدي(عج) إزالة الفقر والحرمان كمقدمة لتحقيق الرفاهية للجميع بعد طول المعاناة بسبب الظلم والاستغلال وسوء التوزيع .
فقبل قيامه يمن الله على الانسانية ببركات وخيرات تهيأ الاجواء للنمو الاقتصادي والعمراني ومنها الامطار الغزيرة المساعدة على استصلاح الارض وتنمية الثروة الزراعية والحيوانية وهي أساس النمو الاقتصادي .
وفي عهد حكومته تنتهي أسباب وعوامل الازمات الاقتصادية ويكثر المال والسيولة النقدية بحيث يكون في متناول الجميع .
وتخلق الحكومة أجواء تربوية تسمو بالانسان نحو المثل والقيم الروحية التي تتعالى على المادة .
وسياسة التوزيع الحكومية تقوم على أساس القسمة العادلة مع مراعاة الفوارق العقلية والبدنية ويكون نظام الرواتب والمخصصات متميزا ويساعد الاعلام على تشجيع المحتاجين لمراجعة دوائر الحكومة للحصول على حقهم وما يحتاجونه من خدمات.
ويرتقي الامام بالعمران بتطوير الثروات بجميع الوانها وأنواعها وتطوير الصناعة ووسائل النقل ليكون العمران واضح المعالم .
الانسان مخلوق مزدوج الطبيعة، فهو روح وعقل وغرائز وجسد متعدد الجوارح، ولهذا تعددت حاجاته الروحية والمادية، وهذا الأمر فطري لايختلف ولا يتخلّف من انسان لآخر ومن جيل لآخر، وهو بحاجة إلى الرفاهية في جميع مصاديقها وميادينها، فهو بحاجة إلى المأكل والملبس والمسكن الواسع وبحاجة إلى عصب الحياة وهو المال الذي ينفقه في أموره الكمالية والرفاهية.
وقد راعى المنهج الاسلامي هذه الحاجة فلم يعطلها أو يلغيها أو يحمّل النفس الانسانية مالا تطيق، لانّ اشباع الحاجات الاساسية للانسان يمنعه من الانحرافات التي يولدها الفقر، ويمنع من الأمراض النفسية والروحية كالحسد والحقد والطمع، والهمّ بسبب الفقر والحرمان، وقد اكدت الروايات الشريفة على الآثار السلبية للفقر والحرمان، كما ورد عن الامام علي(ع) أنّه قال:
«انّ الفقر مذلة للنفس مدهشة للعقل جالب للهموم».
«العسر يشين الأخلاق ويوحش الرفاق».
«العسر يفسد الأخلاق».
«انْ افتقر قنط ووهن».
«الفقر يخرس الفطن عن حجته» .
«الفقر الموت الأكبر» .
وقد وضع الاسلام منهجاً اقتصادياً متكاملاً يحقق التكافل العام، والضمان الدائم، ويحقق التوازن الاقتصادي، ويزيل الفقر والحرمان، ويشبع جميع الحاجات المشروعة للانسان، وهذا المنهج الاقتصادي سيكتب له النجاح التطبيقي الاكمل والأسمى في عصر ظهور الامام المهدي(عج) ; حيث تكون الظروف والأحوال الطبيعية والانسانية مهيئة لتحقيق الرفاهية والرخاء وازالة شبح الفقر والحرمان، وانّ (السعادة التي تعم البشرية تحت نظام تلك الدولة العالمية لا تشبهها ولا تقاس عليها أيّ سعادة سابقة لأي مجتمع بشري من الزوايا: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية) .
وقد دلت الروايات الشريفة على هذه الحقيقة، وكما ورد عن رسول الله(ص) في حديثه عن عهد الامام المهدي:
«وتمطر السماء مطرها وتخرج الأرض بركاتها، وتعيش أمتي في زمانه عيشاً لم تعشه قبل ذلك» .
«وتنعم امتي في ولايته نعمة لم تنعمها قط» .
«يكون في امتي المهدي(عج) يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وتمطر السماء مطراً كعهد آدم(ع) وتخرج الأرض بركتها، وتعيش أمتي في زمانه عيشاً لم تعشه قبل ذلك في زمان قط» .
«يكون في امتي المهدي(عج) … تتنعم أمتي في زمانه نعيماً لم يتنعم مثله قط البر والفاجر» .
ويصل العمران في عهده إلى أقصى مراتبه، ولا يبقى في الأرض خراب إلاّ عمرّ كما جاء عن الامام محمد الباقر(ع) انّه قال: «القائم منّا منصور بالرعب مؤيد بالنصر… وتظهر له الكنوز، ولا يبقى في الأرض خراب إلاّ عمّر» .
ويتحقق العمران وتكثر الخيرات ويفيض المال ببركات وجود وظهور الامام المهدي(عج) ، وببركات التطبيق العادل للمنهج الاسلامي، وببركات الاخلاص لله تعالى من قبل انصار وأتباع الامام المهدي(عج) وعودة الناس إلى الاستقامة.
ممهدات العمران
قبل ظهور الامام المهدي(عج) وأثناء ظهوره تتنزل الرحمة الالهية لتمهد للعمران الاكمل وللرفاهية العظمى، وأول بوادرها نزول المطر بغزارة وهو أساس العمران الزراعي والصناعي والصحي وغير ذلك.
قال الامام جعفر الصادق(ع): «إذا آن قيامه مطر الناس في جمادي الآخرة وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الناس مثله» .
وعن سعيد بن جبير قال: (انّ السنة التي يقوم فيها القائم المهدي تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة ترى آثارها وبركتها ان شاء الله) .
ووردت عدة روايات تنص على انّ الله تعالى يسقيه الغيث، كما ورد عن رسول الله(ص) أنّه قال: «يخرج في آخر امتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها…».
وفي رواية: «… يرسل الماء عليهم مدراراً، ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلاّ اخرجته». .
وغزارة المطر مقدمة لزيادة المياه وزيادة الأنهار، وكما جاء في الروايات.
عن رسول الله(ص) أنّه قال: «… وتزيد المياه في دولته، وتمدُّ الأنهار، وتضعف الأرض أكلها وتستخرج الكنوز كلّها» .
وفي رواية عنه(ص): «… تمدّ الانهار، وتفيض العيون، وتنبت الأرض ضعف أكلها»
وممهدات العمران تتحقق بالايمان بالله تعالى والتقوى والاستغفار والالتزام بالمنهج الالهي، وهذه سنة من سنن الله تعالى في الكون والحياة، وكما جاء في الآيات الكريمة:

Gوَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَF.
Gوَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ…F.
Gفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أنْهَاراًF.
Gوَأنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاًF.
ومن الطبيعي ان يكون المجتمع المترقب لظهور الامام(ع) متوجهاً للاستغفار والتوبة، ولتقوى الله، والالتزام بتعالميه وأوامره، والانتهاء عن نواهيه، وكذلك وجود الدولة والحكومة العادلة التي ترعى كل ذلك وتوجه المجتمع نحو الله تعالى ليسمو ويتكامل في ظل المفاهيم والقيم والموازين الالهية.
وستتحقق سنة الله تعالى التي تتبع تلك المقدمات، وتكون جزاءً لاخلاص الانسانية وتجردها لله تعالى بعد التمحيص الطويل الواقع في طريق العودة الى المفاهيم والقيم الالهية وجعلها الحاكمة على الأفكار والعواطف والممارسات.
وكثرة المياه تساهم مساهمة فعالة وأساسية في نمو الحركة العمرانية وفي مختلف جوانبها ومنها:
1. إصلاح الأراضي الزراعية.
2. نمو النباتات الطبيعية.
3. كثرة الماشية.
4. كثرة الطيور.
5. إزدياد الثروة السمكية.
6. إزدياد الطاقة الكهربائية.
7. توسع المواصلات البحرية.
8. توسع الصحة العامة عن طريق:
ـ القضاء على تلوث البيئة.
ـ الخضار العام يدخل السرور على النفس.
ـ توفير مجالات الاصطياف.
9. توفير فرص العمل لجميع العاطلين، وهذا يساهم في:
ـ استثمار الطاقات.
ـ القضاء على التنافس اللامشروع.
ـ زيادة الانتاج.
ـ الابداع وتحسين الانتاج.
10. توفر السيولة النقدية لدى جميع الوجودات:
ـ الفرد.
ـ الاسرة.
ـ المجتمع.
ـ الدولة.
أسباب الأزمة الاقتصادية والعمرانية قبل عصر الظهور
قال سبحانه وتعالى:
Gاللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِـبَـيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَألْتُمُوهُ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌF. .
وفي الحديث الشريف عن الامام علي(ع) انّه قال: «كلكم عيال الله، والله سبحانه كافل عياله».
وقال أيضاً: «لايملك إمساك الأرزاق وإدرارها الاّ الرزاق».
وماتقدّم يدل دلالة واضحة على انّ الموارد الطبيعية كافية لاشباع حاجات الانسان،
فقد خلقها الله تعالى وسخرها لخدمة الإنسان، وتبقى كافية مهما ازداد عدد البشرية
لانّ الحياة بيد الله تعالى والرزق بيده، وهو تعالى يتكفل أرزاق عباده، وهذه حقيقة واضحة لمن يدقق النظر في واقعنا حيث يرى انّ الموارد الطبيعية متوفرة ولكن بحاجة الى استثمار،
ولا تزال ملايين الأراضي الزراعية بحاجة الى من يستثمرها، ولا تزال المعادن بحاجة الى
من يستخرجها وهكذا، فالازمة الاقتصادية والعمرانية في عصرنا هذا وفي عصر
ماقبل الظهور وفي جميع العصور تكمن في الانسان نفسه والذي عبّرت عنه الاية الكريمة (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
وقد اكدّ العلماء على هذه الحقيقة (فظلم الانسان في توزيع الثروة وكفرانه للنعمة بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضل الله بها عليه استغلالا تاماً هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها البائس منذ أبعد عصور التاريخ).
ومن السخف (ان يقال انّ البشرية متجهة نحو المجاعة، وانّ زيادة النسل يؤدي حتماً الى قلة الارزاق في العالم، انّ ذلك انما يتحقق حين يكون الإخلاص ضئيلا والعمل مبعثراً والتشريع ظالماً).
وعلى ضوء ذلك فالانسان هو المسؤول عن الأزمة أو الأزمات الاقتصادية والعمرانية بسبب ظلمه في التوزيع وكفرانه في النعمة، ومن العوامل الدخيلة في الأزمة هي:
1. عدم استثمار الموارد الطبيعية.
2. جور وظلم الحكومات.
قال الامام علي(ع): «آفة العمران جور السلطان» .
3. جور وظلم الناس بعضهم بعضاً في الانفاق.
قال الامام علي(ع): «ماهلك مال في برّ ولا بحرّ إلاّ لمنع الزكاة منه».
وقال ايضاً: «إذا منعوا الخمس بلوا بالسنين الجدبة».
4. البغي والظلم.
قال الامام علي(ع): «البغي يسلب النعمة».
5. الذنوب.
قال الامام علي(ع): «ما كان قوم قط في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها لأنّ الله ليس بظلام للعبيد، ولو انّ الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نيّاتهم، ووله من قلوبهم لردّ عليهم كلّ شارد، واصلح لهم كلّ فاسد» .
6. الأعمال السيئة.
قال الامام علي(ع): «أنّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات واغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر».
7. إهمال الدول والشعوب للمشاريع العمرانية.
8. الأمراض الجسيمة والنفسية.
9. تكديس الثروة.
10. الاحتكار.
11. الكسل والتواكل.
12. غياب الابداع والطموح بالتطور.
13. الربا.
14. الاسراف والتبذير.
15. الغش والاستغلال.
16. اتلاف المال بالمنكرات:
ـ شرب الخمر.
ـ لعب القمار.
ـ الملاهي.
ـ الانحراف الجنسي.
17. انفاق المال على السجناء.
18. انفاق المال والثروات على الاسلحة والحروب.
19. عدم الاهتمام بأصحاب الكفاءات.
20. كثرة الوسطاء في المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية.
21. كثرة العاطلين عن العمل.
22. سوء الادارة السياسية والاقتصادية.
23. عدم الاخلاص في العمل.
24. طغيان القيم المادية على القيم الروحية.
25. الأنانية وحب الذات.
حقائق وأرقام من الواقع
انّ الموارد الطبيعية كافية لاشباع حاجات الانسانية إلاّ انّ الظلم بسوء التوزيع وكفران النعمة هو أهم عامل للأزمة الاقتصادية، وهذه حقيقة اكدتها وقائع الحياة المعاصرة، والتي سنتطرق إلى بعض منها:
وصلت ثروّة بعض الأميركيين إلى 10 مليارات دولار في حين لايتجاوز نصيب الانسان الافريقي دخله السنوي عن 40 دولار على أحسن تقدير .
وهنالك المئات من التجار والامراء والحكّام وذويهم يملكون عشرات المليارات من الدولارات، وهي كافية لاشباع حاجات المحتاجين والمعوزين والفقراء في جميع أنحاء العالم.
وفي سنة 1960 أُتلف مائة وخمس وعشرون مليون طن من الخبز في المخازن الامريكية، وكان هذا وحده يكفي لاشباع أكثر من خمسمائة مليون من الهنود لسنة واحدة.
وفي كل عام تتلف امريكا كميات كبيرة جداً من المواد الغذائية للاحتفاظ بذخائرها وقدرتها، وقد زاد في السنين الأخيرة ضغط الأجهزة الغربية لاستمرار القحط والجوع الموجودين في العالم.
وكتب الفيلسوف (برتراندراسل): بذلت أمريكا خلال أربع عشرة سنة أربع مليارات من الدولارات لشراء فاضل الحنطة من الفلاحين، وقد بقيت ملايين الأطنان من الحنطة والشعير والذرة والجبن والزبد في مخازن الحكومة حتى فسدت، وذلك من أجل الاحتفاظ بالاسعار في الأسواق العالمية على ما هي عليه.
وانفقت مئات المليارات على تصنيع وشراء الأسلحة التقليدية واسلحة الدمار الشامل.
وانفقت عشرات المليارات من الدولارات على الحيوانات الأليفة، وإلى ذلك أشارت رابطة شولمان قائلة: انّ أصحاب الكلاب والحيوانات الأليفة عموماً انفقوا 23 مليار دولار في العام 1998، ويتوقع ان يرتفع إلى أكثر من 28 مليار دولار في العام المقبل.
وفي اسبانيا كلفت حوادث المرور بسبب تناول الخمر خزينة الحكومة 4 مليارات دولار امريكي في سنة 1998.
وفي امريكا لوحدها يوجد 15 مليون مدمن على الكحول.
وافادت الاحصائية العالمية بأنّ عدد الاصابات بفايروس الايدز منذ بداية هذا الوباء وحتى الآن هي كالتالي:
مليون إصابة في امريكا الشمالية.
مليون إصابة في أمريكا اللاتينية والحوض الكاريبي.
نص مليون إصابة في أوروبا الغربية.
أكثر من ستة ملايين إصابة في أفريقيا.
مليون إصابة في جنوبي وجنوبي شرقي آسيا.
وهذه السعة من الاصابات تحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات لمكافحتها، ففي روسيا لوحدها يحتاج التصدي لهذا المرض إلى 70 مليون دولار ولثمانين الف اصابة حسب الاحصاءات الرسمية.
والاصابة بالايدز تعني تعطيل الانسان عن العمل أولاً وانفاق الثروة على معالجته والوقاية منه والحد من انتشاره، وكذا الحال في بقية الأمراض الناجمة عن الانحراف والشذوذ الجنسي، اضافة إلى الامراض النفسية التي تكلّف ملايين الدولارات للعلاج.
وتنفق مليارات الدولارات على اللهو والمجون اضافة إلى تعطيل الطاقات وانصرافها للعمل في الملاهي ودور الدعارة، حتى اتخذ الملايين من النساء والرجال البغاء والدعارة حرفة.
وعلى الرغم من قدرة الدول على توفير فرص العمل إلاّ انها لم تتحرك تحركاً حقيقياً في علاج مشكلة البطالة، ففي تقرير لمنظمة العمل الدولية: انّ حوالي 820 مليون شخص من قوة العمل العالمية، عانوا من البطالة أو من البطالة الجزئية في نهاية عام 1994.
ولو كان المجتمع الدولي مجتمعاً صالحاً يتبنى الدين منهجاً له في الحياة لاستثمر جميع الأراضي وجميع الطاقات البشرية من أجل البناء والعمران، ولأنفقت الثروة في مجالات صلاح الارض والانسان.
وقد تنبأ مفكرو الغرب بانّ الرفاهية لا تتحقق إلاّ في ظل الاسلام، ومنهم المفكر
موري الذي قال: (بالاسلام سيصبح كوكبنا الأرضي جنّة نعيم، تغمر فيها السعادة الحقّة خلق الله جميعاً، بالغين في ظلها مايريد الله لهم من كمال الحياة بشطريها: المادي والروحي).
كثرة المال والسيولة النقدية
يمتاز عهد الامام المهدي(عج) بكثرة المال وتوفره، وهذا مادلت عليه الروايات الشريفة.
قال رسول الله(ص): «يكون في أمتي المهدي … فتنعم فيه أمتي نعمة لم ينعموا مثلها قط… والمال يومئذ كدوس».
والكدوس: المجموع الكثير.
وقال(ص): «… وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي فيه».
وعن الامام جعفر الصادق(ع) انّه قال: «إنَّ قائمنا اذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها… وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته، فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله». .
وكثرة المال ظاهرة طبيعية في حكم عادل وحكومة عادلة على رأسها إمام معصوم يديرها أشخاص ممحصون مخلصون متفانون في خدمة الدين والانسانية.
ولكثرة المال أسباب وعوامل عديدة تدور مدار العدالة والادارة الكفوءة واخلاص المسؤولين والناس معاً، ومن هذه الأسباب والعوامل:
1. الاستيلاء على خزائن الدول الكافرة والجائرة.
2. الاستيلاء على المؤسسات الانتاجية للدول الكافرة والجائرة.
3. الاستيلاء على الثروة الناشئة عن: الربا والغصب والرشوة والاختلاس والسرقة والقمار ومراكز الفساد.
4. استيلاء الحكومة المهدوية على: الأراضي الموات، والأراضي المهجورة،
والمناجم، والبحار، والانهار، والمياه العامة، والجبال، والوديان، والغابات، والأحراش الطبيعية.
5. إستيلاء الحكومة المهدوية على الأموال المجهولة المالك.
6. إشراف الحكومة المهدوية على جميع المرافق الاقتصادية.
7. التنظيم المركزي للشؤون الاقتصادية والعمرانية.
8. إنتزاع الأرض من صاحبها اذا عطلها وأهملها حتى خربت.
9. نشر العلوم والفنون والمهارات بين الجميع.
10. التشجيع على الابداع والابتكار.
11. توفير فرص العمل للجميع والحث على العمل.
12. وضع وسائل العمل تحت تصرف جميع الاشخاص القادرين على العمل الفاقدين لوسائله.
13. مراعاة حرية إختيار نوع العمل.
14. الغاء دور الوسطاء في الاجارة والبيع والشراء.
15. الغاء الروتين والتقليل من الأعمال الادارية غير الضرورية وتحويل العاملين فيها الى عمّال منتجين.
16. القضاء الكلي على الربا.
17. منع الأعمال العقيمة كالمقامرة والسحر والشعوذة.
18. منع اللهو والمجون.
19. إستثمار الوقت.
20. منع اكتناز الذهب والفضة.
21. منع تركيز الثروة بيد طبقة دون اخرى.
22. إحلال التوازن بين الطبقات.
23. المنع من التسول.
24. المنع من الاسراف والتبذير.
25. أخذ الخمس والزكاة والخراج.
26. وضع الهدايا التي تعطى للامام المهدي(عج) أو ولاته ووزرائه وقضاته في بيت المال.
27. التدخل في تحديد الأسعار.
28. حماية الثروة من اللصوص والمستغلين.
29. تقييم أصحاب الكفاءات وتكريمهم.
30. قيام الحكومة بالخدمات المجانية في أغلب الميادين ممّا يوفرّ المال لدى الناس.
تداول الثروة وعلاقات التوزيع
في أجواء التربية المهدوية تتوجه العقول والقلوب نحو المفاهيم والقيم المعنوية، ويتعالى الانسان على اثقال الأرض متوجهاً نحو السمو والكمال ونحو رضوان الله تعالى ورضوان الامام المهدي(عج) ، فتصبح موازينه ومقاييسه غير قائمة على أساس ماديّ، ويكون الاقتصاد أو تداول الثروة مرتبطاً بالخلق الاسلامي الرفيع وبقيم التسامح والايثار ونكران الذات والتضحية في سبيل سعادة الآخرين، ويكون الكرم والعطاء نتيجة طبيعية للالتزام بهذه القيم.
وحينما ترى البشرية انّ القائد أو الحاكم الأعلى يعيش زاهداً في الدنيا ويعيش أصحابه كذلك، فانها ستقتدي به وستتنافس في أعمال الخير وفي العطاء وبذل المال والكرم وما شابه ذلك.
وأول المفاهيم انّ المال ليس ملكاً لأحد وانّما هو مال الله وكما جاء في القرآن الكريم:
Gللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّF
وقال الامام علي(ع): «… انّما المال مال الله» .
ومن الايمان بهذا المفهوم والاعتراف بانّ المال الذي في ايدي البشرية هو من رزق الله، ينبثق البر والاحسان والتضامن بين عيال الخالق، والشعور بالاصرة الانسانية وبالاخوة، وبهذا المفهوم تتطهر النفس من الشح والبخل والطمع، وتتزكى بالبر والانفاق والبذل والاحسان.
والايمان بنعيم اليوم الآخر واستشعاره في أعماق النفس الانسانية يدفعها للانفاق والبذل، وما يدفع النفس الشحيحة الى الانفاق الاّ دافع أقوى من شهوة المال وثقلة الحرص، وهو العوض في اليوم الآخر.
قال الامام علي(ع): «انفقوا ممّا رزقكم الله عزّوجل، فانّ المنفق بمنزلة المجاهد في سبيل الله، فمن أيقن بالخلف جاد وسخت نفسه بالنفقة».
وقال(ع): «من تيقن انّ الله مخلف ماينفقه لم يمسك عن الانفاق»
وعلى ضوء التثقيف المستمر والتربية المتواصلة ستعود البشرية الى الموازين الاسلامية في التقييم والتفاضل والتكريم، فلا يبقى للمال وللثروة ايّ مجال للتفاضل أو الافتخار، بل يكون كذلك اذا أصبح متداولا بالانفاق والعطاء والبذل.
ومن هذه الموازين ما جاء في أقوال الامام علي(ع):
«العلم خير من المال، العلم يحرسك وانت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، وصنيعة المال تزول بزواله».
«ليس الخير ان يكثر مالك وولدك، ولكنّ الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك».
«ان المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه واحسن في الجنة بها مهاده وطيب على الصراط بها مسلكه».
«السخاء أشرف عادة».
«الصدقة أفضل الحسنات».
«ازكى المال ما اشتري به الاخرة».
«فمن أتاه الله مالا فليصل القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاءً لثوابه فإنّ فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الاخرة».
والى جانب هذا الانفاق التطوعي أوجب المنهج الاسلامي على المسلمين إنفاق الفائض من أموالهم على الفقراء والمعوزين من اجل اشباع حاجاتهم ومن أجل احلال التوازن الاقتصادي بين الطبقات.
قال سبحانه وتعالى:
Gوَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْF. .
والانفاق الواجب يصل احياناً الى حد الإجبار والاكراه في حال عدم الالتزام به أوتنفيذه، كدفع الخمس والزكاة والخراج وبعض الضرائب الاضافية، لكي لا تتكدس الثروة عند البعض دون البعض الآخر.
والتوازن الاقتصادي القائم على تداول الثروة يحقق جملة من الامور من أهمها:
1. التكافل العام.
2. الضمان الدائم.
3. ازالة الفقر.
4. تهذيب النفس.
5. المنع من الأمراض النفسية والروحية كالحسد والحقد والطمع.
والظاهر ان الاجبار والاكراه ان وقع انّما يقع في بداية عصر الظهور أو في بداية تشكيل الحكومة العالمية لوجود رواسب نفسية وسلوكية جاهلية عند البعض، والاّ فانّ الروايات تشير الى انّ البعض لايجد لصدقته ولزكاته أحداً يدفعها اليه، وذلك حينما تستقر الحكومة وتحقق بعض أهدافها عن طريق التثقيف والتربية المتواصلة الدؤوبة.
وبعد قطع أشواط من التثقيف والتربية تتجذر في النفوس والممارسات عقيدة الاستخلاف التي يقوم على أساسها المنهج الاقتصادي الاسلامي، والتي تتجسد بما يلي:
1. انّ الملكية والمال لله وحده.
2. انّ الله تعالى أعار هذه الملكية وهذا المال للانسان.
3. انّ الله تعالى سخر الملكية والمال لخدمة الدين والانسان.
4. انّ الانسان خليفة الله في الارض مع الرقابة عليه.
5. الملكية ليست مقياساً للتفاضل والتقييم.
6. محاربة المبدأ الخاطئ (المال غاية) واعتباره وسيلة.
وعلى ضوء هذه العقيدة سيتنافس الجميع في اعمال الخير والبر والاحسان والبذل والعطاء، وسيتخلى الجميع عن الطمع والجشع والشح وتكديس وتجميد الثروة، وستكون في متناول الجميع.
وسيصل التكافل والتراحم الى أقصاه كما جاء في رواية عن الامام محمد الباقر(ع): قيل له: أنّ أصحابنا بالكوفة جماعة كثيرة، فلو أمرتهم لأطاعوك واتّبعوك، فقال: يجي أحدهم الى كيس أخيه فيأخذ منه حاجته؟ فقيل: لا، قال: فهم بدمائهم أبخل، انّ الناس في هدنة تناكحهم وتوارثهم، ويقيم عليهم الحدود، وتؤدى أمانتهم، حتى اذا قام القائم جاءت المزايلة، ويأتي الرجل الى كيس أخيه فيأخذ حاجته لا يمنعه .
سياسة التوزيع الحكومية
سياسة التوزيع التي ينتهجها الإمام المهدي(عج) تكون تجسيداً حقيقياً للعدل والقسط، وستكون موضع قبول من الجميع; حيث لا يبقى محتاج أو محروم، ويحصل الجميع على حاجاتهم بسهولة ويسر، حيث انّ سياسة التوزيع قائمة على خطوات وانجازات يكمّل بعضها بعضاً وتتظافر لتحقق أُمنيات الجميع، ومن هذه الخطوات والانجازات:
القسمة المتساوية
تشير الروايات الشريفة الى انّ الامام المهدي(عج) يقسم المال بالسوية بين الناس، فلا تفاوت بين انسان وآخر، ولابين طبقة واخرى.
روي عن رسول الله(ص) انّه قال: «ابشركم بالمهدي يبعث على اختلاف من الناس…، فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً».
قيل له: ماصحاحاً؟
قال(ص): «بالسوية بين الناس ويملأ الله قلوب أمة محمد(ص) غناءً ويسعهم عدله».
وفي رواية: «يقسم المال بالسوية ويجعل الله الغنى في قلوب هذه الامة».
وعن الامام محمد الباقر(ع): «اذا قام مهدينا أهل البيت قسّم بالسوية وعدل في الرعية».
والتقسيم بالسوية له احتمالات عديدة ومنها:
1. التقسيم على الناس جميعاً.
2. التقسيم على العاملين في الجهاز الحكومي.
3. التقسيم على العاملين في الجهاز الحكومي وغيره.
وهذه الاحتمالات جميعها واردة لانّ المال سيكون كثيراً في عهد الامام المهدي(عج) وانّه يكفي للتقسيم على جميع الناس ويستوعبهم جميعاً.
وعلى جميع الاحتمالات فانّ تقسيم الأموال سيكون بالتساوي بلا تفاوت ولا تمييز بين عامل وآخر وموظف وآخر، ولا ينظر الى المهنة أو الاختصاص، فليس لها أي دخل بكمية المال المُعطى، فالطبيب كالمهندس وكالعامل وكالقاضي وكالموظف الاداري، فالاجور تعطى لهم بالتساوي لانهم يبذلون طاقتهم لخدمة الانسانية وخدمة الحكومة المهدوية بلا تقصير ولا خلل، وانّ التفاوت في الذكاء وفي الطاقة الجسدية أمر خارج عن إرادتهم، وهذا التساوي في الاجور له فائدته على الجميع، لانّ الانسان سيتوجه الى الاختصاص الذي يرغب فيه، أو الاختصاص الذي يساعده على الابداع وعلى خدمة الحكومة والمجتمع، على عكس مانلاحظه في واقعنا المعاصر، فالانسان يتوجه الى العمل أو الاختصاص الذي يعود له بكثرة المال والراحة والرفاهية.
وطريقة القسمة المتساوية تساعد على تجاوز كثير من الأخطاء والاشتباهات، وتجعل الانسان متفاعلا مع اختصاصه وعلى ضوء طاقته وقدرته، وقد تدفعه لتقديم خدمة اضافية في اختصاص آخر.
وهذه الطريقة لاظلم فيها بل هي عين العدل، لانّ حكومة الامام المهدي(عج) لا تقتصر على هذا العطاء، بل انّها تقدّم العطاء في مجالات اخرى ولا تبخل على أحد في العطاء، وفي هذه الحالة فانّ كلّ موظف في الحكومة أو كلّ عامل فيها أو في خارجها يمكنه الحصول على ما يحتاجه من المال من الحكومة نفسها.
والأهم من ذلك انّ الغنى هو غنى النفس حيث يصل التكامل الى مراحل متقدمة تسمو فيه النفس الانسانية وتتعالى على أثقال الأرض، وتتوجه الى المعنويات والمثاليات لتكسب الربح والأوفر وهو رضوان الله تعالى ورضوان الامام المهدي(عج) ، ومع هذه المعنويات لايجد ايّ إنسان غبناً في العطاء والتوزيع بهذه الطريقة المتساوية.
نظام الرواتب والمخصصات
النظام الذي يتبعه الامام المهدي(عج) يختلف عن بقية الأنظمة الادارية والاقتصادية المعمول بها في جميع العصور، حيث انّ التوزيع سيكون كلّ اسبوعين مرة، وهنالك عطاء ـ الظاهر انّه اكثر من المخصص ـ يوزع في السنة مرتين، أي كل ستة أشهر.
والتوزيع بهذه الصورة مرغوب فيه من قبل الانسان، حيث يحصل على ما يحتاجه كلّ اسبوعين يستطيع تنظيم مصروفاته على ضوئها وترتيب أوضاعه وأحواله دون قلق أو اضطراب.
روي عن الامام محمد الباقر(ع) انّه قال: «كأنني بدينكم هذا لا يزال موليّاً يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين».
العطاء الجديد المتميّز
انّ عطاء الامام المهدي(عج) عطاء متميز، لم يشابهه أحد قبله من قائد أو حاكم أو رئيس أو تاجر، وهذا يعني انّ عطاءه غير محدود، وانّه لايردّ أحداً في الكم والنوع، ولا يبخل عليه بشي، وبالتالي فهو يشبع جميع حاجاته ورغباته.
روي عن رسول الله(ص) أنّه قال: «… يجمع اليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا الى ماقطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ماحرّم الله عزّوجل، فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله».
وروي عنه(ص) انّه قال: «يكون عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له المهدي عطاؤه هنيئاً» .
العطاء بغير عدّ
اذا تتبعنا عطاء القادة والحكّام والرؤساء والفقهاء وغيرهم وجدنا انّه عطاء محدّد ومعدود، حيث يأمر المعطي باعطاء مبلغ محدّد لطالبه، ويسجل هذا العطاء في سجل خاص، وكذا الحال لو خصصت الحكومة مساعدات ومنح مالية في الاقاليم التابعة لها، فانها ستكون معدودة بعدد، وهذا اللون من العطاء لا وجود له في حكومة الامام المهدي(عج) حيث سيكون العطاء بلا عدّ، وهذه طريقة فريدة في العطاء يختص بها الامام المهدي(عج) كما ورد في الروايات الشريفة.
عن رسول الله(ص) انّه قال: «يكون في امتي خليفة يحثي المال حثياً لايعدّه عداً» .
والحثو: هو الحضن باليدين لكثرة المال.
وفي رواية: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسّم المال ولا يعده».
وعنه(ص): «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي المال بغير عدد».
وفي رواية عنه(ص): «يخرج رجل من أهل بيتي عند إنقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً».
وقد يشكل البعض على ذلك العطاء بانّه حالة أو ظاهرة مثالية لا يساعد عليها الواقع وان كان في ظل حكومة الامام المهدي(عج) ، والجواب على ذلك: انّ أغلب الناس في ذلك الزمان يعيشون الغنى النفسي أولا والمادي ثانياً فلا يطلبون شيئاً من الامام أو من حكومته، وبالنتيجة انّ المحتاجين للمال سيكونون قلة قليلة، وهم مهما كثروا فانّ الأموال كافية لاشباعهم.
التشجيع على طلب الحاجات
روي عن رسول الله(ص) انّه قال: «ابشركم بالمهدي يبعث في امتي على اختلاف من الناس …، فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحاً بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب امة محمد(ص) غنى ويسعهم عدله، حتى يأمر منادياً فينادي، فيقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس الاّ رجل واحد، فيقول: أنا.
فيقول: اين السدان يعني الخازن، فقل له: انّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالا.
فيقول له: احث حتى اذا جعله في حجره وابرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً أو عجز عني ما وسعهم، فيرده، فلا يقبل منه.
فيقول: انّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه…».
والرواية تدل دلالة واضحة على تشجيع المحتاجين على طلب حاجاتهم احتياطاً في إشباعها، فلعل البعض يتردد في الطلب أو إبراز الحاجة، ولكنّه سيندفع حينما يجد كرماً ولطفاً ومنادياً ينادي باشباع الحاجات.
والنداء يحفظ للانسان كرامته أو ما يسمى ماء وجهه لانّه لم يكن إبتداءً من طالب الحاجة، وانّما استجابة لنداء الحكومة التي يدير شؤونها خير أهل الأرض في ذلك الزمان.
إجابة المحتاجين
روي عن رسول الله(ص) انّه قال: «انّ في امتي المهدي… فيجي اليه رجل فيقول: يامهدي اعطني اعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله».
وفي رواية: «… فيقوم الرجل فيقول: يامهدي اعطني فيقول: خذ».
وفي رواية: «… يأتيه الرجل فيسأله فيحثي له».
وهذا الانجاز وغيره من الانجازات يساهم في إشباع حاجات جميع الناس فلا يعقل أن يبقى محتاج أو محروم، في ظل حكومة عادلة تعرض خدماتها على الجميع وتستجيب الى طلبات الجميع، وفي ظل مجتمع يتفاضل بالمفاهيم والقيم الصالحة، ويتنافس على أعمال البر والخير والاحسان.
وهكذا يتنعم الناس بنعمة فريدة من نوعها حيث الرفاهية والرخاء، والغنى النفسي والغنى المادّي.
إنتهاء الفقر
قال الامام علي(ع): «امّا وجه الصدقات فانّما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب ولا في العمارة حظّ ولا في التجارة مال ولا في الاجارة معرفة وقدرة، ففرض الله في أموال الأغنياء ما يقوتهم ويقوم به أودهم».
والظاهر من الروايات ان هذه الأصناف لا وجود لها في حكومة الامام المهدي(عج) ولا وجود للمحتاجين للصدقة، فلا يبقى فقير ولا محروم ولا محتاج.
قال رسول الله(ص): «تصدقوا فانّه يوشك أحدكم أن يخرج بصدقته فلا يجد من يقبلها منه».
وقال(ص): «… وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم ربّ المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي فيه».
وقال أيضاً: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لايجد أحداً يأخذها».
وانتهاء الفقر نتيجة طبيعية للتطبيق العادل في ظل حكومة الامام المهدي(عج) ووصول البشرية الى مراتب متقدمة من الايمان والاخلاص والا رتباط بعالم الغيب والدنو من المعنويات والتعالي على أثقال الأرض.
والرفاهية التي يتمتع بها الناس في عهد الظهور نتيجة طبيعية لكثرة المال وكثرة الخيرات وتوفر المواد الغذائية والا ستهلاكية، وفي ذلك يقول ابن كثير: (وفي زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم والعدو راغم، والخير في أيامه دائم).
ووفرة المواد والمال معاً يؤديان الى انخفاض السعر، وبالتالي زيادة القدرة الشرائية.
ومن العوامل المؤثرة في الأسعار:
1. قانون العرض والطلب.
2. تدخل الدولة.
3. سياسة التجّار.
4. أساليب الاستهلاك.
وهذه العوامل تؤثر متظافرة على الأسعار، وفي أجواء الايمان والسمو والتكامل تنطلق السياسة العادلة ويتوجه الجميع نحو تطبيق القيم الصالحة ومنها إشباع حاجات المحتاجين، وينتهي الطمع والجشع لدى التجار، وتكون علاقات التوزيع والاستهلاك عادلة، وبالتالي تقل قيمة الأسعار.
وحول قانون العرض والطلب فان المعادلة الاقتصادية تكون كالتالي:
قيمة السلعة = ندرة السلعة × الرغبة في الطلب.
والسلع في ظل حكومة الامام المهدي(عج) متوفرة بشكل واسع، ويكون الطلب
عليها قليلا جداً، بمعنى انّه طلب طبيعي، وكل سلعة ستكون في متناول اليد لوفرتها وقلة قيمتها النقدية.
والظاهر أنّ المفاهيم والقيم الاسلامية ستكون حاكمة على جميع العلاقات والممارسات، وحينما تكون المعنويات سائدة في المجتمع فانّ كثيراً من القوانين الاقتصادية والتجارية ستتغيرّ أو لا يعمل بها، ومنها: قوانين مرونة العرض، وقوانين مرونة الطلب.
المقياس العددي لمرونة العرض = الزيادة النسبية في الكمية المعروضة
الزيادة النسبية في السعر
المقياس العددي لمرونة الطلب = الزيادة النسبية في الكمية المطلوبة
النقص النسبي في السعر
حيث انّ السلع متوفرة بشكل واسع، وبالتالي معروضة بشكل واسع، اضافة إلى انّ الحكومة تقوم بخدمات مجانية، أو أن انخفاض السعر يصل إلى حد المجّان وخصوصاً إذا كان الإخاء هو السائد في العلاقات الاقتصادية وانّ الانسان يبحث عن الثواب والحصول على الحسنات قبل بحثه عن المال.
شبهة وجواب
إذا كان الامام المهدي(عج) يعطي من لم يسأله ومن يسأله ويشبع جميع حاجات الانسان، وانّ المال متوفر بشكل واسع وان الاسعار منخفضة جداً، فانّ جميع ذلك يدفع الانسان إلى عدم العمل والكسل وانعدام الابداع والابتكار مادام يحصل على مايريد حيث تموت فيه روح المنافسة فيخلد للراحة وللرخاء لانه يحصل على حاجاته سواء بذل جهداً أم لم يبذل!
والجواب: انّ التربية التي تسود في عهد الامام المهدي(عج) تجعل العمل وظيفة شرعية ومسؤولية دينية يتوجه اليها الانسان بشوق وإندفاع ذاتي، وتتعدد دوافع العمل ودوافع الابداع والابتكار ومنها:
1. الدافع الشرعي وهو طاعة الامام المهدي(عليه السلام) وطاعة الحكومة المهدوية العادلة.
2. الحصول على رضوان الله تعالى ورضوان الامام المهدي(عليه السلام).
3. اعتبار هذه المسؤولية كمسؤولية الجهاد حيث انّ الناس يتوجهون للجهاد بأموالهم وأنفسهم من أجل اداء التكليف الشرعي والمسؤولية الشرعية، فمن الأولى التوجه إلى العمل والابداع والابتكار.
4. الدافع الانساني للعمل لتأمين الغذاء والسلع والخدمات لأبناء دينه وأمته ومدينته.
5. الحب الذاتي للعمل وللاختصاص وللمهنة.
6. إحترام الأعراف الاجتماعية السائدة.
7. الانقياد للموازين الاسلامية المتحكمة في الحياة والتي تقدّم منفعة الناس على المنافع الشخصية والذاتية.
والدوافع المعنوية والروحية للعمل تجعله يختلف عن العمل بدافع الحصول على اجور مادية، فهو يتميز عنه في أغلب الأحيان بنقطتين أو بميزتين:
1. الإخلاص في العمل.
2. الإتقان في العمل.
امثلة من الواقع
وفاءً منّا للمخلصين وللصالحين نذكر نماذج عملية من واقعنا عاشت الاخلاص للعمل والاخلاص للدين والاخلاص للقيم دون ان تبحث عن اجر من أُجور الدنيا، وهذه النماذج تتكرر كل حين وكل زمن وتصل إلى القمة في عهد الامام المهدي(عليه السلام) بعد التمحيص الذي تمر به الانسانية:
1. الكثير من التجّار الايرانيين رفدوا الجبهة بأموالهم، واشتركوا في الخطوط المتقدمة لها حباً للثواب وحباً للامام الخميني(رضي الله عنه) وإخلاصاً للدين والوطن.
2. الكثير من قوات التعبئة الايرانية كانوا ينفقون مخصصاتهم الشهرية على المحتاجين من اخوانهم المجاهدين.
3. الكثير من المجاهدين العراقيين المتطوعين في قوات الشهيد الصدر في معسكر «غيور أصلي» في الثمانينات كانوا لايستلمون المساعدات والمعونات المقدّمة لهم لأنّهم يرون انهم لايحتاجونها وهم في الخطوط الأمامية للجهاد، وان الشهادة هي هدفهم.
4. الشهيد أبو علوي الموسوي كان يتبرع براتبه ـ قبل الزواج ـ للمحتاجين من المجاهدين، وقد وصلت له هدية من أخيه في فرنسا تعادل ثلاثين ضعفاً لراتبه الشهري، فتبرع بها.
5. المجاهد «عدنان الأسدي» أبو غسان يترك محلّه في السوق ويلتحق هو وإبناؤه وأبناء أخيه بجبهات القتال ويفضل التضحية على الحياة الرغيدة، فيقدّم ولديه شهيدين في سبيل الله، وهو قادر على ان يصبح من الرأسماليين المتقدمين بمساعدة ولديه له، ولكنّه توجه للجهاد بلا أجور أو باجور لا تعادل عُشر مايحصل عليه من العمل.
6. حينما خرج إقليم كردستان العراق عن سيطرة الحكومة المركزية بقي الموظفون من اطباء ومهندسين ومعلمين وعمّال وشرطة وغيرهم يعملون في دوائرهم دون أُجور لعدة أشهر حباً منهم للعمل، وهم غير مضطرين للعمل وبامكانهم الخروج من كردستان، ولكنّهم اثروا خدمة شعبهم على الاجور.
7. الكثير من المعلّمين يقومون بتدريس طلاب الابتدائية والمتوسطة والثانوية في العطلة الصيفية وبلا اجور لارتباطهم النفسي والعاطفي بحب التعليم، ونذكر منهم السيد طالب جواد المرعبي.
8. عشرات بل مئات بل آلاف المبلغين الذين يبلّغون للاسلام مجاناً، بل يقدمون أنفسهم وأرواحهم من أجل تبليغ المفاهيم والقيم الاسلامية.
المعالم العمرانية
في عصر الظهور يصل العمران إلى مراحل متقدّمة في جميع المجالات والميادين، وتتظافر الجهود من أجل الإحياء والبناء وعمران الأرض والحياة، وتساهم جميع العوامل المؤثرة في دفع حركة العمران نحو الأمام، ومن هذه العوامل:
1. الرعاية الالهية.
2. وجود القائد المعصوم.
3. وجود الممّحصين المخلصين.
4. الاندفاع الذاتي.
5. الإخلاص.
6. طواعية الطبيعة.
وفي جميع الأحوال فانّ أي أمر يمكن تحققه بدون معجزة، فهو يتحقق تبعاً للظروف والأحوال والقوانين الطبيعية التي أو دعها الله في الكون والحياة، وليس من الضروري أن تكون الأمور قائمة بالمعاجز، فقد يصل الوعي الانساني إلى قمّته فيكون قادراً على الابداع والابتكار وتذليل الطبيعة وتسخيرها بما ينفع البشرية وينسجم في نفس الوقت مع الثوابت الشرعية.
وفيما يلي نستعرض المعالم العمرانية في عهد الظهور:
أولاً: الثروة الزراعية
في عصر الظهور ستصلح جميع الأراضي لتكون قابلة للزراعة أو غير الزراعة كما ورد عن الامام محمد الباقر(ع) انّه قال: «… ولا يبقى في الأرض خراب إلاّ عمر».
ووردت روايات تتحدث عن عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً وذكرت أرض
العرب باعتبارها معهودة في اذهان أبناء المدينة آنذاك، بالاضافة إلى انّها تملك صحاري شاسعة.
قال رسول الله(ص): «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله لا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».
ووردت روايات عديدة عنه(ص) حول إخراج الأرض نباتها، وهي اشارة إلى نمو الثروة الزراعية بشكل واسع.
قال(ص): «يخرج المهدي في أمتي يبعثه الله غياثاً للنّاس تنعم الامة، وتعيش الماشية، وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحاً» .
وفي رواية قال(ص): «فيبعث الله عزّ وجلّ رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً; يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلاّ اخرجته، ولا السماء من قطرها شيئاً الاّ صبته عليهم مدراراً… تتمنى الإحياء الأموات ممّا صنع الله عزّ وجلّ بأهل الأرض من خيره».
ووردت عملية اخراج الأرض للنبات بصيغ اخرى، منها: قوله(ص): «… ولا تحبس الأرض شيئاً من نباتها» .
وقوله(ص): «… وتخرج الأرض بركاتها».
وقوله(ص): «… وتنبت الأرض ضعف اكلها».
وقد وصف الامام علي(ع) إزدهار الثروة الزراعية قائلاً: «لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها… حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لاتضع قدميها إلاّ على النبات…» .
وفي رواية: «حتى تمشي بين العراق والشام لا تضع قدماً إلاّ على النبات» .
ثانياً: الثروة المائية
قال رسول الله(ص): «… وتزيد المياه في دولته، وتمدّ الأنهار».
وفي رواية عنه(ص): «… تمدّ الأنهار وتفيض العيون».
وزيادة المياه ناجمة عن زيادة المطر، وينجم عنها زيادة الأنهار وتوسعها طبيعياً.
وأحياناً تكون التوسعة بأمر من الامام المهدي(عج) وكما ورد عن الإمام محمد الباقر(ع) أنّه قال: «… ثم يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين(ع) نهراً يجري إلى الغريين حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته القناطير والارحاء…».
وزيادة المياه تساعد على انشاء المراكب للنقل وللسياحة وللنزهة أو العمل، وما شابه ذلك.
قال الامام علي(ع): «ثم يأمر المهدي بانشاء مراكب فيبني أربعمائة سفينة في ساحل عكا».
وحفر الانهار وانشاء السفن لا يقتصر على ماذكرته الرواية، فلعلّها ذكرت ذلك من باب المثال، أو ذكرت مصداقاً من مصاديق العمران، وإلاّ فانّ التوسعة في العمران ستكون ممتدة في جميع بقاع الأرض.
ثالثاً: الثروة الحيوانية
توفير المياه والنبات يؤدي إلى نمو الثروة الحيوانية، فمن الطبيعي ان تكثر الحيوانات الأليفة والصالحة للأكل، وقد دلت الروايات على ذلك.
قال رسول الله(ص): «يخرج المهدي في أمتي يبعثه الله غياثاً للناس تنعم الامة وتعيش الماشية وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحاً».
وقال(ص): «يخرج في آخر امتي المهدي، يسقيه الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية وتعظم الامة» .
ولكثرة الماشية أسباب وعوامل ممكنة وهي اهتمام حكومة الامام المهدي(عليه السلام)بهذا الأمر ووجود رغبة عند الكثير من الناس لاقتناء الماشية وتكثيرها، وليس ببعيد ان يقوم الانسان بتربيتها أو تنميتها في بيته، وقد دلت الروايات على أهمية هذا العمل، وعلى ايجابيات تدجين الحيوانات، واقتنائها في البيوت، وخصوصاً إذا آمنا بانّ البيوت ستتوسع في مساحتها وشكلها، أو قد يملك الانسان بيتين أحدهما للسكن والثاني لتربية الماشية.
وقد يصبح تدجين الحيوانات وتربيتها، أو يصبح الرعي ظاهرة مدنية وحضارية في نظر أهل ذلك الزمان، لانه يقع في طريق خدمة الناس.
رابعاً: الثروة المعدنية
قال رسول الله(ص): «المهدي من ولدي… يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك».
وقال(ص): «وتقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الاسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً».
وعن الامام جعفر الصادق(ع) انّه قال: «… وتظهر الأرض من كنوزها حتى يراها الناس على وجهها».
وفي رواية عن رسول الله(ص) قال: «… ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها».
وظهور المعادن أو اكتشافها أو استخراجها أمّا ان يكون بشكل اعجازي في بعض الأحيان وهذا ممكن، وأمّا ان يكون عن طريق العمل والبحث، وأحياناً تصبح لدى الناس خبرة بالأرض التي تحتوي على المعادن عن طريق شكل الأرض أو بعض العلامات.
وظهور وكثرة المعادن ظاهرة طبيعية، فالامام الهدي(عج) كقائد للحكومة سيأمر باستخراج المعادن فيتوجه المهندسون والعمّال لهذا العمل، وأحياناً يفسح المجال لعموم الناس لاستخراج المعادن، وفي كلتا الحالتين فانّ العمل سيكون قائماً في هذا المجال بعد توفر التسهيلات من قبل الحكومة، وبعد تظافر الجهود والطاقات للعمل معاً.
خامساً: البناء والتعمير
قال الامام جعفر الصادق(ع): «انّه إذا تناهت الامور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كل منخفض من الأرض، وخفض كل مرتفع منها حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فايّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها».
وهذا الترتيب في الأرض امّا ان نحمله على العمل الاعجازي وهو ممكن أو نحمله على العمل الطبيعي، أو نحمله على كليهما، حيث يأتي الاعجاز في المجالات التي يتوقف عليها حين يعجز الانسان عن عملها، وإلاّ فكل أمر مقدور من قبل الانسان يترك له للعمل بلا حاجة إلى معجزة.
وكذا الحال في الخبر المرفوع عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق، لو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقاً).
ومن انجازات الامام المهدي(ع) في مجال البناء بناء أوسع مسجد في العالم.
قال الامام جعفر الصادق(ع): «إذا قام قائم آل محمد(ع) بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء».
ولا مبالغة في مساحة هذا المسجد; لأنّ الناس سيقدمون من جميع أنحاء العالم للصلاة خلف الامام المهدي(عج) ، ومع كثرتهم لايسعهم إلاّ مسجد كهذا له ألف باب، اضافة إلى ذلك فانّ الكوفة ستصبح عاصمة للعالم، وهذا يستلزم كثرة السكان فيها، وكثرة المسافرين والزوّار اليها، ففيها الامام المهدي(عج) وفيها الصالحون من أنصاره، وفيها مقام الامام علي(ع) ومقام الامام الحسين(عليه السلام) حيث تتصل الكوفة بكربلاء، وفيها مقام العشرات من الأولياء والصالحين.
ومن انجازاته(عج) كما ورد عن الامام الباقر(ع): «إذا قام القائم(عج) سار إلى الكوفة وهدم بها أربع مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلاّ هدمه وجعلها جماً، ووسع الطريق الاعظم، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والميازيب، ولا يترك بدعة إلاّ ازالها، ولا سنة إلاّ أقامها»
وفي رواية عن الامام الباقر(ع) قال: «… ويوسع الطريق الاعظم فيصير ستين ذراعاً، ويهدم كل مسجد على الطريق».
وقال الامام جعفر الصادق(ع): «إذا قام القائم(عج) هدم المسجد الحرام حتى يردّه إلى أساسه، وحوّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه».
وفي رواية اخرى عنه(ص) انّه قال: «القائم يهدم المسجد الحرام حتى يردّه إلى اساسه، ومسجد الرسول(ص) إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه، واقامه على اساسه…».
سادساً: التطور التقني
عن الامام جعفر الصادق(ع) قال: «انّ قائمنا إذا قام مدّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم، حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون اليه، وهو في مكانه».
وقال(ع): «انّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى اخاه الذي في المشرق».
وهذه الأخبار كان ينظر اليها كأمور اعجازية إلى وقت قريب، ناهيك عن عصر صدورها، امّا في زماننا الحاضر فانّ الامر معقول جداً بعد انتشار الانترنيت وما يرتبط به من تطورات، إضافة إلى النقل المباشر عبر الفضائيات، والظاهر من الروايات ان هذا التطهور التقني سيدخل في كلّ بيت وليس محدوداً كما هو الحال في هذا العصر، فهو محدود لعدم قدرة الجميع على شرائه في ظروف الفقر والجوع والحرمان، وسيكون التطور التقني في عصر الظهور رحمة للناس جميعاً، وأول الرحمة انهم يرون إمامهم ويكلمّونه.
ووردت روايات عديدة حول التطور التقني، ظاهرها الحمل على الأمر الاعجازي، ويمكن حملها على التطور التقني، ويمكن الجمع بينهما.
عن الامام جعفر الصادق(ع) قال: «إذا أذن الامام دعا الله باسمه… فاتيحت له صحابته الثلاثمائة وثلاثة عشر قزع كقزع الخريف وهم أصحاب الألوية، منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً…».
وفي رواية عن الامام محمد الباقر(ع) يشير فيها إلى طي الأرض قائلاً: «… وتصير اليه شيعته من اطراف الأرض، تطوى لهم طياً حتى يبايعوه».
وعن عبد الله بن عجلان قال: ذكرنا خروج القائم عند أبي عبد الله(ع) فقلت: كيف لنا ان نعلم ذلك؟
قال: «يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ)».
وعن الامام جعفر الصادق(ع) قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض كلّ اقليم رجلاً يقول: عهدك في كفّك، فإذا ورد عليك مالا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها».
وقال(ع): «ويبعث جنداً الى القسطنطينيّة فاذا بلغوا الى الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فاذا نظر اليهم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء فكيف هو؟ فعند ذلك يفتحون لهم باب المدينة فيدخلونها فيحكمون فيها بما يريدون».
وهذه الاخبار امّا ان تحمل على ظاهرها وتفسر بالمعجزة، وامّا أن تحمل على التطور التقني، وقد أشارت اليه الروايات بلغة الرموز لعدم استيعاب عقول ذلك الزمان لهذا التطور، وعدم إدراكهم لحقيقته.
وفي جميع الأحوال فانّ التطور التقني حقيقة موضوعية، وانّ الحياة متوجهة نحو التطور عن طريق الابداع والابتكار، والتطور ضروري في عهد الامام المهدي(عج) لقيام الحكومة الواحدة وهي بحاجة الى سرعة المواصلات والاتصالات.

آثاريون: الخارطة الرافدينية تمتد إلى تركيا وإيران .. والعراقيون سومريون .. والعنصر العربي لديهم ضئيل

12710

كشف آثاري بريطاني، اليوم الثلاثاء، عن وجود ادلة على امتداد الخريطة الرافدينية القديمة من جنوبي تركيا إلى شمالي مصر والجزيرة العربية وإيران، في حين دعا أكاديمي عراقي إلى إعادة كتابة التاريخ برؤية جديدة في ظل تأكيد علم الجينات الحديث عن الأصول السومرية للعراقيين و”ضآلة” العنصر العربي في تكوينهم.

جاء ذلك خلال محاضرة عن الكتابة المسمارية ولسانياتها، ألقاها أستاذ اللسانيات في جامعة مانشستر البريطانية، جون نيكنز، على قاعة المتنبي، في كلية التربية بجامعة ذي قار، وحضرتها (المدى برس).

وقال الآثاري البريطاني، إن “الاكتشافات الأخيرة في مجال السومريات والرقم الطينية التي تم اكتشافها قبل ثلاث سنوات في موقع قريب من ديار بكر، جنوبي تركيا، تدلل على أن الخريطة الرافدينية القديمة كانت تمتد من جنوبي تركيا إلى شمالي مصر والجزيرة العربية وإيران”.

وأضاف نيكنز، الذي يعمل ضمن بعثة التنقيب البريطانية العاملة حاليا في تل خيبر (45 كم غرب الناصرية)، أن “الرقيم الطيني صور بمحتواه المكتوب باللغة المسمارية، قصة إبعاد مجموعة من النساء السومريات من مكان لآخر وصولاً إلى جنوبي تركيا”.

من جانبه قال أستاذ اللسانيات في جامعة ذي قار، سعيد جعفر، في مداخلة له على ما طرحه نيكنز، إن “تطور علم الجينات الحديث كشف عن الأصول السومرية للعراقيين وضآلة العنصر العربي في تكوينهم”، عاداً أن ذلك “يتطلب إعادة نظر في كتابة التاريخ برؤية جديدة”.

بدوره ركز الباحث أمير دوشي، خلال تقديمه المحاضرة، على أهمية “التثقيف بالإبداع الرافديني المتمثل باختراع الكتابة منذ 3000 سنة قبل الميلاد، الذي شكل نقلة نوعية في التطور الحضاري الإنساني”، داعياً إلى “التعرف على الدفتر اللساني للتراث اللغوي الرافديني الذي كان أصل اللغات العيلامية والأكدية والآشورية والسومرية التي استخدمت الحرف المسماري”.

وأوضح دوشي، أن “الحكومة المحلية دعت أعضاء بعثات التنقيب الدولية العاملة في ذي قار لإلقاء محاضرات للطلبة الجامعيين وتدريب الملاكات التنقيبية المحلية لتسهم في تطوير واقع الآثار في المحافظة التي تضم 1200 موقعاً منها”.

وكانت باحثة بريطانية، أعلنت في (الـ18 من شباط 2014)، عن وجود أكثر من 1200 موقع أثري بمدينة الناصرية، تعود لحقب تاريخية قديمة، وفي حين توقعت أن تسفر التنقيبات الأثرية في المدينة عن “معلومات جديدة ومغايرة للقصص التوراتية”، عدت تدمير أي جزء من الآثار “سرقة من الماضي”.

وكان مصدر في مفتشية آثار محافظة ذي قار، كشف في (الثامن من كانون الثاني 2014)، عن وصول بعثة بريطانية للتنقيب في تل (خيبر) الأثري غربي الناصرية، وأكد أن البعثة ستستأنف عملها الذي بدأته في الموسم الماضي، فيما أشار إلى أن اعمال التنقيب تجري وفقا لعقد موقع بينها وبين وزارة السياحة والآثار يمتد لخمس سنوات.

وتعد البعثة التنقيبية البريطانية ثالث بعثة تنقيب دولية تنقب في الناصرية منذ عام 1990، إذ سبقتها بعثة أميركية من جامعة نيويورك بقيادة الدكتورة اليزابيث ستون قامت بالتنقيب في محيط مدينة أور التاريخية نهاية 2011 وبعثة تنقيبية دولية أخرى برئاسة الدكتور فرانكو دي اغستينو وهي تعمل حاليا في موقع أبو طبيرة الأثري (8 كم جنوب الناصرية).

وتضم محافظة ذي قار، يبعد مركزها الناصرية (350 كم جنوب العاصمة بغداد)، نحو 1200 موقع آثاري يعود معظمها إلى عصر فجر السلالات والحضارات السومرية والأكدية والبابلية والأخمينية والفرثية والساسانية والعصر الإسلامي، وتعد من أغنى المدن العراقية بالمواقع الآثارية المهمة، إذ تضم بيت النبي إبراهيم وزقورة أور التاريخية، فضلا عن المقبرة الملكية، وقصر شولكي ومعبد (دب لال ماخ) الذي يعد أقدم محكمة في التاريخ.

المدى برس/ ذي قار

 

 

 

كيف تسللت الوهابية إلى مصر

00015483

 

المعروف ان الوهابية ، بكل تشعباتها ، تتعارض بالمرة مع الروح المصرية ، لسبب بسيط ، وهو تعارض الفكر الوهابي القادم من صحراء نجد والقائم على قراءة خاطئة ومتزمتة ومتخلفة للدين ، مع الروح المصرية السمحة المنفتحة والقائمة على الاسلام الصوفي والأشعري.

الكثير من المؤرخين والسياسيين ورجال الفكر ذهبوا مذاهب شتى في شأن كيفية تسلل الوهابية ، بكل ما تحمل من خواء فكري رهيب وتخلف فاضح ، إلى مصر ، ومن بين هؤلاء المفكرين أحمد صبحي منصور ، الذي يرى ان الوهابية تسللت عبر عدة طرق منها ،  “الجمعية الشرعية” التي أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1913 بعد ان انقلب على التصوف وألف كتبا في الدفاع عن السلف على الطريقة الوهابية ، وسار ابنه أمين السبكي على نهجه من بعده ، وبالنفوذ والمال السعودي انتشرت مساجد الجمعية الشرعية، وهي الآن أضخم جمعية في مصر، تسيطر على أكثر من ألفي مسجد وألوف الأئمة والوعاظ .

وكذلك عبر “جمعية أنصار السنة” أقامها في العام 1926 الشيخ حامد الفقي أحد الأزهريين، وقد أنشأ له عبد العزيز آل سعود منزلاً في حي عابدين كان مقراً للدعوة الوهابية، وتخصصت هذه الجمعية في نشر الفكر الوهابي ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم، كما أنشأ مجلة الهدى النبوي سنة 1936 ولا تزال تصدر.

 

وكذلك عبر جمعية “الشبان المسلمين” التي  أنشأت عام 1927 وتولى رئاستها عبد الحميد سعيد. يغلب على هذه الجمعية الاتجاه الحركي وقد انتشرت وسط الشباب، وكان حسن البنا هو أهم الشباب فيها.

وعبر “جماعة الإخوان المسلمين” التي أنشات عام 1928 وهي الاتجاه الحركي السياسي المسلح للحركة الوهابية في مصر، أنشأها حسن البنا بتوجيه من أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة وابنه عبد الله نصيف الذي يتزعم رابطة العالم الإسلامي والتي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي إلى العالم الاسلامي حتى اليوم  . وقد اعترف حسن البنا ، كما يقول أحمد صبحي منصور ، في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، كما اعترف جمال البنا شقيق حسن البنا بالصلة بين شقيقه الاكبر ووالده والسلطات السعودية في كتابه (خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه). ويشير الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية إلى معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936، وكيف أن حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فان الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالي وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد (جمال البنا: خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه: 62، دار الفكر الإسلامى.د. محمد أبو الأسعاد: السعودية الإخوان المسلمون 67: 79) ومن خلال هذا الدعم المالي السعودي استطاع البنا، وهو المدرّس البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان المسلمين فى مصر من الإسكندرية إلى أسوان، ومن مصر امتدت هذه الحركة لتعم أغلب البلاد العربية بتسميات مختلفة بقي أبرزها على الدوام اسم (الإخوان المسلمين).

هذه هي الثغرات التي تسللت منها الوهابية إلى مصر من وجهة نظر الاستاذ  أحمد صبحي منصور، إلا ان هناك من يرى ان هذه الطرق ، وان كانت قد زرعت بذور السلفية في الارض المصرية ، إلا انها ظلت محصورة عند نطاق ضيق ولم تتأقلم مع الروح المصرية المجبولة على حب اهل البيت عليهم السلام والصاحبة الكرام ، والتي تتعارض مع سخف وجلف الوهابية الكارهة لكل شيء.

العامل الاساسي الذي جعل فيروس الوهابية يضرب جسد مصر ، وينتشر فيها بهذا الشكل الوبائي ، كان سياسية الانفتاح التي انتهجها الرئيس المصري السابق انور السادات ، وهجرة مئات الالاف من الايدي  العاملة والخبرة المصرية إلى السعودية منذ سبعينيات القرن المنصرم ، وعودة الكثير من هؤلاء إلى مصر وهم يحملون فيروس الوهابية للأسف الشديد.

هذه الظاهرة الخطيرة حذر منها الكثير من المفكرين والكتاب المصريين ، واخص بالذكر هنا الكاتب الراحل اسامة انور عكاشة، الذي قرع اكثر من مرة خلال مقالاته ولقاءاته وأعماله الدرامية ، جرس الخطر من تفشي الوهابية في مصر ، ولكن للأسف الشديد ، لم تجد هذه التحذيرات آذانا صاغية ، في خضم فوضى تدفق دولارات النفط السعودي الملوثة بالوهابية إلى مصر ، حيث ظهرت على شكل مساجد ومنابر ودعاة و فضائيات وإذاعات وصحف ومجلات ودور نشر ومعاهد وجمعيات خيرية تحت عناوين واسأمي متنوعة.

ان الوهابية التي كانت محصورة في السعودية بسبب قصورها الذاتي وتعارضها مع الفطرة الانسانية ، استطاعت ان تتغلب على هذا النقص الخلقي ، من خلال المال وشراء ذمم بعض رجال الدين المصريين ومن خلال تجنيد بعض المصريين الذين كانوا يعملون في السعودية ، كدعاة عبر مدهم بالمال وتوفير كل ما يلزم من امكانات.

الخطير ان مرجعية السلفية الوهابية في مصر ، هي السعودية ، ويكفي رصد سلوكيات حزب النور السلفي وباقي الاحزاب السلفية الاخرى ، للتأكد من ذلك ، فالسلفية الوهابية المصرية ، تجردت من كل ما كانت تعتبره محرمات شرعية ، لتنخرط في العملية السياسية بعد سقوط الرئيس المصري محمد مرسي ، وتوافق على كل الخطوات التي اعقبت فشل حكم الاخوان في مصر ، دون ان تكون مقتنعة بهذه الخطوات والإجراءات اصلا.

الكثير من مراقبي المشهد المصري يرون ان السلفية الوهابية ومن ورائها السعودية ، ترمي من خلال التماشي مع الوضع الموجود ، إلى التغلغل في الساحة المصرية ، مستغلة غياب الخط الاخواني ، للتمدد في كل مفاصل الدولة ، السياسية والاقتصادية والإعلامية وحتى العسكرية ، والاكتفاء بالوعظ  والإرشاد ، حتى تسنح الفرصة للانقضاض على الحكم ، عبر تسخين الشارع ، الذي تعتقد انه سيقف إلى جانبها في حينها.

ان تصادم الوهابية مع الشارع المصري ، لا محالة واقع ، وان الامر ليس الا مسألة وقت ، والسبب ، هو ان الوهابية في مصر عبارة عن سباحة عكس التيار ، ولن تجد السلفية مكانا يمكن ان تلوذ به في مصر ، بعد ان تهدأ الاوضاع في هذا البلد ، وبعد ان يخرج البعض من سحر المليارات السعودية التي قدمتها لمصر عقب سقوط وفشل الاخوان  ، لا لسواد عيون شعبها ، او لنشر الديمقراطية في ربوعها ، بل لتكبيلها بالسلفية الوهابية ، وهو تكبيل ترفضه الروح المصرية التي بنت الاهرامات والأزهر.

 

سامح مظهر / شفقنا

 

ملامح آخر الزمان ودولة الإمام (عليه السلام)

imagesCAHYRQY7

تطلق لفظة (آخر الزمان) ويراد بها الزمان المقارب لنهاية عمر الكرة الأرضية والنظام الكوني، أو يراد بها الحساب الزمني الذي يرتبط بالتاريخ البشري، آخر زمان البشر، أو آخر فترة يعيش فيها الإنسان .

إننا نعلم ومن خلال النصوص الشريفة، من القرآن الكريم والسنة النبوية، أنّ نهاية البشرية تقترن بنهاية الكون، قبيل القيامة. وهذه النصوص تتحدث عن قرب الساعة.. وأنّ هذه الساعة هي ساعة يوم القيامة، فمن القرآن الكريم، قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ) وقوله تعالى: (وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذينَ كَفَرُوا…) وفي السنّة الشريفة نجد الروايات كثيرة ومنها: أنّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبّابة والوسطى، وقرّب بينهما، كناية عن القرب الشديد) وقال صلى الله عليه وآله وسلم في نص آخر (إنّي لأجد الساعة بين كتفيّ) يعني أنّها تأتي خلفي مباشرة، كذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المضمون مثلما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام (أنا والساعة كفرسي رهان وإن كانت لتسبقني).

 والحديث هنا في عدة محاور   :

١. إنّ الساعة قريبة.

٢. دولة العدل الإلهي غير مرتبطة بحياة الإمام عليه السلام.

٣. الملامح العامة لآخر الزمان.

١. إنّ الساعة قريبة:

يقول تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً*وَ نَراهُ قَريباً ).

وربّما يقال هنا إنّ القرب ليس بحساب الزمن وإنّما القرب بالنسبة لله، لأنّ كل بعيد هو عند الله قريب.. فالله تعالى تتساوى عنده الأمكنة والأزمنة بل هو عزوجل فوق الزمان والمكان، وهو الذي خلق الزمان والمكان.. وقد يكون المراد من اقتراب الساعة ليس بحساب الزمن البشري وانّما بحسابات إلهيّة.
أي يتصور البعض أنّ القضية قريبة كما في الحسابات الإلهية باعتبار (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً*وَ نَراهُ قَريباً) فكل شيء يراه البشر بعيداً فهو عند الله قريب. وإنْ كانت هذه الآية قد فسّرت بعصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام وليس بيوم القيامة، والظاهر من النصوص الشريفة هو القرب بالحساب الزمني البشري، ولذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين(
وقد يقول قائل: لقد مضى على وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرابة أربعة عشر قرناً ولم تأت الساعة، فأيّ قرب هذه فيكون المقصود _والله أعلم_ ليس قرب الأيام والشهور وانّما القرب بحساب عمر الأرض وعمر الكون وعمر الدنيا.
فالمقصود من نهاية الدنيا وآخر الزمان، وقرب الساعة، هو أنّ الدنيا التي نقدّر لها.. مضى أكثر عمرها.. ولم يتبقّ إلاّ القليل.. ومن هنا جاء القرب، والدليل على ذلك أنّ قول الرسول هذا جاء في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم قبيل المغرب والناس يتهيؤون للصلاة، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم (إنّما مضى من الدنيا فيما بقي منها مثلما مضى من يومكم هذا مما بقي منه..(.
بمعنى أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يريد أنْ يقول: إنّه مضى أكثر اليوم وبقي قليله.. كذلك هو عمر الدنيا.

فالمراد من فترة آخر الزمان هي الفترة الأخيرة من حياة الأرض والكون.
٢. دولة العدل الإلهي غير مرتبطة بحياة الإمام عليه السلام:
من خلال متابعة الروايات الواردة في ذلك يبدو أنّ دولة العدل والدولة الإلهية العادلة والكاملة غير مرتبطة بعمر الإمام عليه السلام.

وهنا يرد السؤال وهو: من يحكم بعد الإمام عليه السلام.. هل أناس مهديون من ذريته؟ فيرد الجواب وكما في الروايات أنّه أوّل من يحكم بعد الإمام الحجة عليه السلام هو الإمام الحسين عليه السلام، حيث للموضوع علاقة ببدء عصر الرجعة.. وإنّ هذه الدولة تستمر بعد وفاة الإمام عليه السلام.
إنّ مصطلح آخر الزمان ليس آخر الزمان بحساب اللحظات والدقائق والأيام والسنوات وانّما هو عصر وحقبة ربانيّة، ومرحلة من مراحل البشرية ومراحل الأرض.
إنّ آخر الزمان بحسب النصوص بدأ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسير بخطّ تصاعديّ.. لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو آخر الأنبياء، والإسلام آخر الأديان.

وإنّ الروايات عندما تذكر آخر الزمان فإنما تقصد عصر الإمام المهدي عليه السلام لانّ عصره يقع آخر الزمان.

وإنّ دولته عليه السلام تقع في الحقبة الأخيرة من عمر البشرية، وهي حقبة ممتدّة.
٣. الملامح العامّة لآخر الزمان:
الحديث النبوي الشريف يقول متحدّثاً عن الإمام المهدي عليه السلام: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).
إنّ إمتلاء الأرض _قطعاً_ لا يقع في لحظة تاريخية واحدة.. بل يظهر هنا الملئ تدريجياً.. فإنّ الأرض في مشوارها الطويل، بدأ بها الظلم يتراكم ويتراكم وهكذا حتى تمتلئ، ثم يأتي من يملؤها إثر ذلك قسطاً وعدلاً، وهو الإمام المهدي عليه السلام.
وإنّ المهدي من أشراط الساعة، حيث الشرط هو العلامة.
إن الروايات التي وردت حول الحديث عن ملامح آخر الزمان والتي من أهمها وأكبرها ظهور الإمام المهدي عليه السلام.. وهذا لا يختلف عليه إثنان.. وإنّ الروايات هذه يمكن تصنيفها الى اصناف، فمنها ما يتحدث عن الملامح الاجتماعية.. والاخلاقية.. الاقتصادية.. والملامح الكونية لتلك المرحلة.
ومنها تلك التي تتحدث عن الملامح الكونية لآخر الزمان حيث أمور تحدث قبل الظهور المفدّى، وأمور تحدث بعده..

فهناك روايات تحدّثت عن تغييرات مناخيّة كبيرة تقع على مستوى الأرض، مثل كثرة الزلازل.. أو تصاعدها بوتيرة كبيرة جداً، أو كثرة الفياضانات المفاجئة أو كثرة الأمطار أو قلّتها.. أو الاضطرابات المناخية.. التي يمكن إرجاعها إلى التخريب الكبير الذي عمله الإنسان في الأرض من حيث يدري او لا يدري، فغيّر ذلك في موازين البيئة..، فحدث فيها ما حدث من أمور كالإحتباس الحراري وما اليه.

.كذلك الضنك الاقتصادي الشديد الذي يعيشه الناس في آخر الزمان.. بحيث يتمنّى المؤمن الموت صباحاً ومساءً لما يرى من تكالب الناس.. ونتيجة المذاهب الاقتصادية الأرضية التي لم تجلب للناس إلاّ مزيداً من الفقر والمعاناة.

.فإذا جاء الأمل الجديد.. الأمل الإلهي.. الإمام المهدي عليه السلام.. فسوف يكون الخير كله.. وسوف تكون الفترة المتبقية من عمر البشرية، والكرة الارضية سوف تكون فيها نعمة لم تنعم بمثلها قط.
هذا وتوجد في صفحة المركز العديد من المحاضرات المهدوية يمكنك عزيزي القاريء متابعتها والاستفادة منها في بناء أفكارك المهدوية.

 صحيفة صدى المهدي عليه السلام العدد ٥٢

 

 

 

يجمع الله له أصحابه

2014_1_22_13_16_46

الشيخ علي الكوراني ..

ينبغي أن نلفت إلى عدة أمور في أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) منها ، أن عددهم الوارد في مصادر الفريقين أنه بعدد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في بدر ، ثلاث مئة وثلاثة عشر ، يدل على الشبه الكبير بين بعث الإسلام مجدداً على يده عليه السلام ، وبعثه الأول على يد جده رسول الله صلى الله عليه وآله . بل ورد أن أصحاب المهدي عليه السلام تجري فيهم عدة سنن جرت على أصحاب الأنبياء الأوائل عليهم السلام .
فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن أصحاب موسى ابتلوا بنهر ، وهو قول الله عز وجل: إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ . وإن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك). (البحار:52/332) .

ومنها ، أن المقصود بهؤلاء الأصحاب خاصة أصحابه عليه السلام وخيارهم ، وحكام العالم الجديد الذي يقوده الإمام المهدي عليه السلام .

ولكنهم ليسوا وحدهم أنصاره وأصحابه ، فقد ورد أن عدد جيشه الذي يخرج به من مكة عشرة آلاف أو بضعة عشر ألفاً ، وجيشه الذي يدخل فيه العراق ويفتح فيه القدس قد يبلغ مئات الألوف .

فهؤلاء كلهم أصحابه وأنصاره ، بل وملايين المخلصين له في عصره ، من شعوب العالم الإسلامي .

ومنها ، أنهم من حيث التنوع ، من أقطار العالم الإسلامي ، ومن أقاصي الأرض ، ومن آفاق شتى ، ومن ضمنهم النجباء من مصر، والأبدال من الشام، والأخيار من العراق ، وكنوز الطالقان وقم ، كما تذكر الروايات .

قال ابن عربي في الفتوحات المكية عن جنسياتهم: ( وهم من الأعاجم ما فيهم عربي ، لكن لا يتكلمون إلا بالعربية) ، لكن الأحاديث المتعددة تدل على أن فيهم العديد من العرب ، ومنها الحديث المشهور: (فيهم النجباء من أهل مصر ، والأبدال من أهل الشام ، والأخيار من أهل العراق) (البحار:52/334) ، ويشبهه ما في مخطوطة ابن حماد ص95 وغيره من المصادر .

كما تدل روايات أيضاً على أن فيهم العديد من العجم ، وأن عمدة جيشه عليه السلام من إيران .

ومنها ، أن بعض الروايات تذكر أن من بينهم خمسين امرأة كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام (البحار:52/223) وفي رواية ثلاث عشرة امرأة يداوين الجرحى .

وفي ذلك دلالة على المكانة المهمة والدور العظيم للمرأة في الإسلام وحضارته، التي يقيمها الإمام المهدي عليه السلام ، وهو دور معتدل مبرأ من الخشونة البدوية في النظرة إلى المرأة ومعاملتها ، التي ما زالت موجودة في بلادنا ، ومبرأ من إهانة المرأة وابتذالها في الحضارة الغربية .

ومنها، ذكرت بعض الروايات أن أكثرية أصحابه عليه السلام شباب ، بل ذكر بعضها أن الكهول فيهم قليلون جداً مثل الملح في الزاد ، كالحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أصحاب المهدي شباب لاكهول فيهم إلامثل كحل العين والملح في الزاد ، وأقل الزاد الملح) . (البحار:52/334 ).

ومنها ، أنه وردت أحاديث كثيرة في مصادر الفريقين في مدحهم ، وبيان مقامهم العظيم ومناقبهم ، وأنه يكون مع المهدي عليه السلام صحيفة فيها عددهم وأسماؤهم وصفاتهم ، وأنهم تطوى لهم الأرض ، ويذلل لهم كل صعب ، وأنهم جيش الغضب لله تعالى .

وأنهم أولو البأس الشديد الذين وعد الله تعالى أن يسلطهم على اليهود في قوله تعالى: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيد .

وأنهم الأمة المعدودة الموعودة في قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ .

وأنهم خيار الأمة مع أبرار العترة ، وأنهم الفقهاء والقضاة والحكام ، وأن الله يؤلف بين قلوبهم فلا يستوحشون من أحد ، ولا يفرحون بأحد دخل فيهم ، أي لاتزيدهم كثرة الناس حولهم أنساً ولا إيماناً .

وأنهم أينما كانوا في الأرض يرون المهدي عليه السلام وهومكانه ويكلمونه !

وأن أحدهم يعطى قوة أربعين رجلاً ، أو ثلاث مئة رجل !

بل ورد أنهم أفضل من أصحاب جميع الأنبياء عليهم السلام ، ففي بصائر الدرجات للصفار رحمه الله ص104: (عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين ، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا ، إنكم أصحابي ، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني ، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم ، من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم ، لأحدهم أشد بقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء ، أو كالقابض على جمر الغضا . أولئك مصابيح الدجى ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة ).

وفي صحيح مسلم النيسابوري:1/150: ( وددت أنا قد رأينا إخواننا . قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ، ألا يعرف خيله ؟ قالوا: بلى يا رسول الله . قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال! أناديهم ألا هلمَّ ، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك! فأقول سحقاً سحقاً !). انتهى.

إلى آخر ما ذكرت الأحاديث الشريفة من خصائصهم وكراماتهم .

وذكرت بعض الروايات أن أهل الكهف يبعثون ويكونون منهم ، وأن منهم الخضر وإلياس عليهما السلام . وذكرت الروايات أن بعض الأموات يحيون بأمر الله تعالى ويكونون منهم .

ومنها، أن الروايات تدل على أنهم يكونون قرب ظهوره عليه السلام ثلاث مجموعات أو فئات: فئة تدخل معه مكة ، أو تصل إليها قبل الآخرين . وفئة يسيرون إليه في السحاب أو الهواء ، وفئة يبيتون ذات ليلة في بيوتهم في بلادهم فلا يشعرون إلا وهم في مكة .

فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب وأشار إلى ناحية ذي طوى (وهي من شعاب مكة ومداخلها) ، حتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم هاهنا؟فيقولون:نحو من أربعين رجلاً فيقول كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو يأوي الجبال لأوينا معه ! ثم يأتيهم من القابلة فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة . فيشيرون له إليهم ، فينطلق بهم حتى يأتوا صاحبهم ، ويعدهم إلى الليلة التي تليها) . (البحار:52/341).

والظاهر أن منظور الرواية غيبته عليه السلام في الفترة القصيرة التي تسبق ظهوره . وأن هؤلاء الأصحاب غير الأبدال الذين يكونون معه ، أو على صلة به ، وغير الاثني عشر الذين يجمع كل منهم على أنه قد رآه فيكذبونهم ، بل يكونون من الأخيار الباحثين عنه ، من أمثال العلماء السبعة الذين تقدم ذكرهم .

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يقبل القائم عليه السلام في خمسة وأربعين رجلاً من تسعة أحياء: من حي رجل ، ومن حي رجلان ، ومن حي ثلاثة ، ومن حي أربعة ، ومن حي خمسة ، ومن حي ستة ، ومن حي سبعة ، ومن حي ثمانية ، ومن حي تسعة . ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد) . (البحار:52/309 ) .

والمقصود أنه يقبل في مقدمات ظهوره ، أو يقبل إلى مكة ، ولا يبعد أن تكون المجموعتان المذكورتان في الروايتين مجموعة واحدة ، وهي التي تصل إلى مكة قبل بقية الأصحاب .

ويبدو أن أصحابه المفقودين عن أفرشتهم ، الذين ينقلون من بلادهم إلى مكة برمشة عين بقدرة الله عز وجل أفضل من الذين يصلون قبلهم .

أما الذين يسيرون إليه نهاراً في السحاب كما تذكر الروايات ، ويكونون معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم ، أي يأتون إلى مكة بشكل طبيعي لايثير الناس ، فهم أفضل أصحابه على الاطلاق !

ولايبعد أن يكونوا هم الأبدال الذين يعيشون معه ، أو يقومون بأعماله في أنحاء العالم، ويعرفون موعد ظهوره بالتحديد ، فيصلون في الموعد .

فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن صاحب هذا الأمر محفوظة له أصحابه ، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه ، وهم الذين قال فيهم الله عز وجل: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين . وهم الذين قال الله فيهم: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)(البحار:52/370)

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة ، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً ، يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه . قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً ؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً). (البحار:52/368).

ومعنى سيرهم في السحاب نهاراً أن الله تعالى ينقلهم إلى مكة بواسطة السحاب على نحو الكرامة والإعجاز ، كما يحتمل أن يكون معناه مجيؤهم بواسطة الطائرات كسائر المسافرين ، بجوازات سفر بأسمائهم وأسماء آبائهم، وتكون الأحاديث الشريفة عبرت بذلك لأن الطائرات لم تكن موجودة .

ولعل السبب في أن هؤلاء أفضل من المفقودين عن فرشهم ليلاً ، أنهم الأبدال الذين يعملون معه عليه السلام كما أشرنا ، أو أصحاب اتصل بهم قبل غيرهم في تلك الفترة وكلفهم بأعمال ، بينما المفقودون عن فرشهم يبيتون تلك الليلة وواحدهم لايعلم أنه عند الله تعالى أحد أصحاب الإمام المهدي عليه السلام ، ولكن مستوى تقواهم وعقلهم ووعيهم يؤهلهم لهذا المقام العظيم ، فيصطفيهم الله تعالى ، وينقلهم ليلاً إلى مكة المكرمة ، ويتشرفون بخدمة المهدي عليه السلام .

وقد ورد في بعض الروايات أنهم بينما يكونون نائمين على أسطح منازلهم إذ يفتقدهم ذو وهم وينقلهم الله إلى مكة . وفيها إشارة إلى أن ظهوره عليه السلام يكون في فصل الصيف أو بين الصيف والخريف كما سنشير إليه ، وإشارة إلى أن عدداً من هؤلاء المفتقدين عن فرشهم يكونون من أهل المناطق الحارة التي ينام أهلها على سطوح منازلهم أو في ساحاتها .

وقد ورد أن اجتماعهم في مكة يكون في ليلة جمعة ليلة التاسع من شهر محرم، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يجمعهم الله في ليلة جمعة، فيوافونه صبيحتها إلى المسجد الحرام ولايتخلف منهم رجل واحد) (بشارة الإسلام ص210). وهو ينسجم مع ما ورد في مصادر الفريقين من أن الله تعالى يصلح أمر المهدي عليه السلام في ليلة واحدة ، فعن النبي صلى الله عليه وآله قال: (المهدي منا أهل البيت يصلح الله أمره في ليلة . وفي رواية أخرى: يصلحه الله في ليلة) (البحار:52/280) لأن تجميع أصحابه من ألطاف الله تعالى في إصلاح أمر وليه .

وينسجم أيضاً مع الروايات المتعددة التي تحدد بداية ظهوره في مساء يوم الجمعة التاسع من محرم ، ثم في يوم السبت العاشر من المحرم.

 

الوهّابيَّة والتّحالف الخفي مع الصّهيونية

ar-1164054

مصطفى قطبي  ..

 بدون مقدمات، أزالت المملكة الوهّابية القناع عن وجهها الوهّابي وكشفت عن أوراقها كلها دفعة واحدة، فهي تطلب قطع العلاقات مع هذا البلد وتأمر بتجميد العلاقات مع ذاك البلد الآخر، وتموّل العصابات التكفيريّة، وتصدّر الجهاد الوهّابي إلى الدول التي لا ترضى عنها أمريكا وإسرائيل. وكأنها تريد استدراك الوقت في موسم المزايدة على الدول العربية. فهي تعمل ليل نهار لأجل اصطفاف مذهبي تخطط له الإدارة الأمريكية ويتمسك به اليمين الليكودي كرافعة لضمان أمن إسرائيل.
ولا غرابة في الأمر… فمن كان ”الظواهري” على يمينه، وشياطين القاعدة وعصاباتها على شماله، بوسعه أن يتفوه وأن يتطاول في الحديث.
الوهابية اليوم تتزعم صدارة المشهد الإرهابي في العالم العربي دون منازع، واستولدت من التنظيمات الرديفة بدءاً من تنظيم القاعدة وليس انتهاء بـ ” جبهة النصرة” مروراً بـ ”دولة العراق وبلاد الشام الإسلامية” و”الجبهة الإسلامية”… ما تحتاج إليه من بنية سياسية، وأضافت عليها المسحة العقائدية بجوهرها الديني الإلغائي، وتقدمت نحو فرض شروطها ونمط حضورها وفق المنهج الصهيوني.‏
ومما يثلج الصدر أنه تنادت اليوم في العديد من دول العالم لتأسيس منظمات وجمعيات ومؤسسات تكشف زيف وخداع وتطرف الفكر الوهابي السعودي. أكاديمي بريطاني من جامعة ”أكسفورد” قال إن الفكرة ولِدت بعدما تزايد نفوذ الوهابية والأدوار التي تلعبها في عمليات التحريض على القتل الجاري في العديد من البلدان العربية، فضلاً عما لعبته وتلعبه في أماكن أخرى من جاكرتا شرقاً إلى نيويورك غرباً.
فالمبادرة الوليدة التي يتبناها مفكرون وسياسيون ومثقفون لاعتبار الفكر الديني المتطرف (الوهابي) مثالاً فكراً عنصرياً لا يقل عدوانية عن التمييز العنصري في جنوب أفريقيا أو غيرها أو عن النازية التي دمرت نصف العالم بفكر يعتقد أنه الأفضل، هي مبادرة هامة ويجب علينا جميعاً الإسهام فيها كل حسب موقعه وجهده.‏
فالمذهب الوهّابي التكفيريّ (أقيم) لتدعيم حركة سياسية بريطانيّة ذات أهداف لم تعد خافية في المنطقة، جانبها السلطوي آل سعود، ووجهها المذهبي أتباع الوهّابيّة، وقد انتشرت بقوة السيف الذي كان يأخذ شرعيته في بلاد نجد والحجاز من مذهبيته، وهذه الخطوة الأساس مازالت متبعة حتى الآن في بقاع العرب والمسلمين حيث وجدت الوهّابية التكفيرية، فالمال الذي كان في البداية يصرف بريطانيّاً، صار يؤخذ من عوائد النفط الذي يضع اليد عليه آل سعود، وتأمين العنصر البشري… الوقود… له أكثر من نافذة، فمَن أمكن استجراره دعويّاً، بسطوا له الأسلوب الدّعوي، ومَن كان يريد المال فالمال موجود.
وإذا نحن دققنا في تاريخ نجد والحجاز منذ أن تسلط عليهما آل سعود فسنجد أنه تاريخ حافل بالتنفيذ الخبيث للمخططات الغربية بعامّة، فهم صنيعة الغرب، وحلفائه الممتازين، والكلّ يعلم أنّ (بعض) عوائد النفط الفائضة، لو وظِفت في البلاد العربية لما كان فيها فقير واحد، فما الذي يجعل أهل ذلك المال يضعونه في مصارف العواصم الغربية، وهي في معظمها صهيونية الانتفاع؟
نسأل هذا السؤال ولا ندري ما إذا كانت الأيام ستكشف أنّ سرّ إيداع تلك الأموال هو لدعم الحركة الصهيونيّة، أو تشبيكاً مع تلك اليد الخفيّة؟!
وحين نسرد بعض الأحداث التي قامت بها الوهابية، فلكي نضع رؤيتها مترجمة على الأرض بين أيدي الناس، بعيداً عن التعصب الأعمى، وبمنأى عن أثر الريال السعودي، أو العملة الخليجية، لأن الدراهم مراهم، عند البعض، يتداوى بها وهابيون صرحاء، وعدد من العلمانيين، والذين سافروا زمناً طويلاً في عربات اليسار، حتى إذا انكسرت الدولة المركز، (الاتحاد السوفياتي) بحثوا عن مركز آخر، فهم أبداً يبحثون عن موقع، يرونه مناسباً، وليس مهماً مدى تناسبه مع مصلحة الوطن في مقطع زمني بالغ الخطورة،‏
في واحدة من غارات الوهابية، في بداية دعوتهم، أغارت الوهابية على الحرمين، وما أقاموا حرمة لتلك البقاع الشريفة، فنهبوا الأموال، وسبوا النساء، وقتلوا العلماء والعامة، وسرقوا محتويات الحجرة النبوية الشريفة في مكة والمدينة، ولما دخلوا (الطائف) قتلوا الناس قتلاً عاماً، واستوعبوا الكبير والصغير، والمأمور والأمير، والشريف والوضيع، وصاروا يذبحون على صدر الأم الطفل الرضيع، وكانوا يصعدون إلى البيوت يخرجون من توارى فيها فيقتلونهم، فوجدوا جماعة يتدارسون القرآن فقتلوهم عن آخرهم، وخرجوا إلى الحوانيت والمساجد وقتلوا من فيها، ويقتلون الرجل في المسجد وهو راكع ساجد…‏
لقد حملت الوهّابيّة من جراثيم تكفير الآخر، وهو كلّ مَن ليس وهّابيّاً… حملت الكثير من ذلك الانحراف خارج روحيّة الإسلام، الإسلام المحمّديّ، الذي تعدّدت فيه المذاهب والفرق، ولكنّ واحدة منها لم تصل إلى ما وصلت إليه الوهّابيّة من تحليل لسفك الدّماء والتكفير.
فالوهابيّة تحكم بالكفر على كل مَن ليس وهّابياً، وتقول من الناحية العقدية بالتجسيم والتشبيه، وهي مقولة قالت بها بعض الفرق الإسلاميّة قديماً، وسمّوهم الحَشْويّة، أو المُجسِّمة، فهم يرون أنّ الله سبحانه وتعالى (جسم ـ صورة) وله وجه، وعينان، ويد، ويُرى، ويُجالَس، وبحسب قول أحد القدماء من المجسّمة إنه ”لَيُرى، ويُقبَّل، وتُشمّ رائحته”!
فالوهّابيّة لا يتأوّلون، كأن تكون اليد تعبيراً عن القوّة، بل يأخذون ظاهر النصّ القرآني، وهو عزّ وجلّ منفصل عن العالم، وأنّ العالم أزليّ، أي غير حادث، ويكفرون من يتوسّل بالأنبياء والصّالحين، وترى أنّ أبا جهل وأبا لهب أكثر توحيداً، وأخلص إيماناً من المسلمين الذي يتوسّلون إلى الله بالأنبياء والصّالحين.
وإذا كانت الوهّابيّة تحكم بكفر أهل السنة والجماعة، فهي لم توفر أصحاب الطرق الصوفيّة الإسلامية فاتهمتها بالشرك، وينفون الكرامات عن أولياء الله، ويقولون عن (الأزهر) إنه يخرّج عاهات، ويستبيحون دم مَن صلى على النبي (ص) جهراً بعد الأذان، ويعتبرونه أشدّ من الزنى!
وقد أتيَ لـ ”محمد بن عبد الوهاب” برجل مؤذن صلى على النبيّ بعد الآذان فأمر بقتله، ويرون أنّ طلب الحاجات من الأنبياء والأولياء شرك، ويرون شدّ الرّحال لزيارة قبر النبي سفَر معصية، ومثله قبور الأولياء، وأنّ التمسّح بأبواب قبور الصالحين، وشبابيكها هو الشرك الأكبر، ويحرّمون الاحتفال بعيد المولد النّبوي، أو إقامة الموالد، ويرون أنّ قصيدة البرْدة للبوصيري التي مدح فيها الرسول (ص) جمعت كلّ شيء إلاّ الإيمان.
ومن الحرام زيارة القبور في العيدين، أو أن يقال في تشييع الجنازة ”وحّدوا الله”، كما يحرّمون نصب الشّوادر لقراءة القرآن، وأن يقول قارئ القرآن في ختام التّلاوة صدق الله العظيم، ومثله إهداء الثواب بقراءة القرآن، وكذلك تلقين الميت، ولا يُشرع حمل الجنازة في السيارة، أو أن يوصي إنسان أن يُدفن في مكان ما، ومثله مَن أراد أن يصلي أو يصوم وقال بلسانه نويت أن أصلي أو نويت أن أصوم، ومن قالها يُعذب بالنار، وحرام مصافحة المصلين بعد انتهاء الصّلاة.
وليلة نصف شعبان يحرّمون قيام ليلها، وصيام نهارها، وكذلك حمل السّبحة لذكر الله، ورفع الأيدي في الدعاء عقب الصّلاة وتأمين المأموم، أي أن يقول (آمين)، وتمنع أن يُقال في التّشهّد (السلام عليك أيّها النبيّ) بل يقول (السّلام على النبيّ)، ويرون خروج المرأة إلى العمل ضرباً من ضروب الزّنى، ويحرّمون كشف الوجه واليدين لها لغير زوج أو محرم، ويرون قفل باب تعليم النساء للذكور ولو في المرحلة الإبتدائيّة، وأجازوا طواف المرأة الحائض.
ويقول ”ابن باز” وهو أحد أئمّتهم المعدودين: ”مَن يقول إنّ الأرض تدور يجب قتله”، وتحرّم السفر إلى بلاد الكفار، ويصحّح هذا المفهوم ”ابن باز” فيقول: ”والصّواب أنه لا يجوز السّفر إلى بلاد الكفار للتعلم إلاّ عند الضّرورة القصوى، بشرط أن يكون ذا علم وبصيرة يريد الدّعوة إلى الله والتّوجيه إليه، هذا أمر مُستثنى”.
فهل ينطبق هذا على جميع الذين يسافرون من أهل نجد والحجاز إلى بلاد الكفار…؟!
تلك هي معظم الرؤى في العقيدة الوهّابيّة، وهي في مجملها تُخالف ما عليه المذاهب الإسلاميّة، وهي مذاهب اعتمدت على النصّ القرآني، وعلى سنة رسول اللّه، أمّا الوهّابيّة فقد استندت إلى ما جاء به ”ابن عبد الوهاب”، مستنداً إلى أقوال ابن تيميّة، وابن قيّم الجوزيّة، ولو أنها ظلت مجرّد آراء لَقلنا ذلك رأيهم، أمّا حين تُصبح دعوة لحمل السّلاح، والقتل، وتخريب المجتمعات، فإنّ هذا يضعنا أمام مسؤوليّات فضح هذه الرؤى، والتّصدي لها، ولاسيّما أنّ للوهّابيّة موقفاً (عمليّاً) من الصهيونيّة، ولكلّ موقف عمليّ موقف نظريّ، وهو ما سنعود إليه، في موقفهم من الصهيونيّة …‏
إن من يدقق في مسار الوهّابيّة التكفيريّة يجد أنّ مسارها عكس مسار الإسلامي المحمّدي، فقد بدأ الإسلام من أجل دعوة التوحيد، والتخلص من عبادة الأوثان، ومن ثمّ كان ذلك التنظيم المجتمعي، ولم تكن (الدولة) هدفاً، بل وسيلة، بينما هي في الوهّابيّة عكس ذلك، فقد توسّلت ما أطلقتْ عليه أنه الدين للوصول إلى السلطة، وتثبيتها، وعلى هذا التوافق بين ”ابن عبد الوهاب” و”إبن سعود” قامت تلك الحركة، وظلت قائمة على ذلك التشبيك، بين سلالة السعوديين وأحفاد (الشيخ)، رغم انهزامها أكثر من مرّة…
وها هي الآن، عبر المال الوفير الذي يُحرم منه أهلنا في تلك البقاع، يريدون أن يجعلوا من المال وسيلة العصر الصهيوني… سبيلاً لتحقيق تلك الأهداف.
وحقيقة، يقف العاقلُ، ذو الوجدان الحيّ موقف المندهش في مشاهدة ممارسات الوهّابيّين التّكفيريّين، ونقول ”العاقل ذو الوجدان” لأنّ ثمّة عقلاء في التّصنيف، ولكنّهم يفتقرون إلى الحدود الدنيا من خلجة الوجدان، فقد أعماهم الحقد، وسدّت الثأرية عليهم أبواب الفهم الصحيح.
ولعلّ من أخطر ما نواجهه، على المستويين الإجرائي والثقافي، أن يجعلوا من مشهد تقطيع الأحياء، والتّمثيل بالأموات، مشهداً عاديّاً، عبر التكرار، من خلال الزّعم بوجود فتوى، تُبيح لهم ارتكاب الجرائم! وهي فتوى خاصة بهم، ولا يوافقهم عليها علماء المسلمين، وعبر هذه القنطرة، ومن خلال المزيد من الأفعال الإجرامية تنتقل العدوى، لتصبح علامة من علامات التقاتل الدّاخلي في دنيا العرب والمسلمين، ولتكون شارة من شارات الوحشيّة، والتخلف، وتنكّب الأساليب الإنسانيّة، وهم بشكل ما يقفون في خانة الفظائع الصهيونيّة، وكأنّ ما فعله الصهاينة في تاريخ احتلالهم لهذه الأرض لا يريدون له أن يكون فريداً، بل لابدّ من جرّ آخرين إلى صفوفهم إليه، لا في السياسة فقط بل حتى في الفظيع من الجرائم. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ويقفز بقوة:
هل عرفتْ البلاد العربية مثل هذا التّنكيل والفظاعة…؟
هنا من المهمّ الفصل بين ما فعله التّتار الوثنيّون في بغداد، وفي المنطقة، وما يفعله مَن ينتمي للدين الوهّابي، ولا سيّما الحاكم، حتى حين لا يجسّد شيئاً من قيمه، فهو يُخطب بإسمه، ويدعون له على المنابر، بمعنى أنّ المسلم الذي يفعل ذلك، أو يُفعل في عهده هو مخالف للشرع، ولا ينسجم مع الأخلاق التي أرسى دعائمها، وأيّدها الرسول العربي (ص) والذي جرى في التاريخ تفصلنا عنه أزمنة متطاولة، فكيف ونحن أبناء عصور جديدة كلّ الجدّة، فنحن في العالم ككل، يُفترَض أننا أبناء الحداثة وما بعد الحداثة، سواء كنا في أستوكهولم أو في أقاصي أفغانستان، إذ للأزمنة الحضاريّة سمات وعلامات، لا يمثلها المتخلفون، ولا الذين قبلوا أن يُغلقوا أبوابهم على أنفسهم، ولا يرون إلاّ ذواتهم الافتراضيّة.
لنتذكّر أنّ ما نحن بصدده قد عرفه الوطن العربيّ أوّل ما عُرف في الجزائر، على يد هؤلاء التّكفيريّين الوهّابيّين، واعتمادُ هذا الأسلوب، على تلك الطريقة التي عرفناها في ليبيا وتونس واليمن والعراق ومصر وسوريّة… يعني أنّه أسلوب وطريق لهذه المجموعات، وليست العمليات الانتحاريّة، والتفجيرات التي تودي بحياة مئات الناس، وتخلف الدمار، واليتم، والمقعَدين… إلاّ الوجه الآخر للتقطيع، والتفظيع. فثمّة من احتجّ على هؤلاء التكفيريّين، وثمة مَن صمت، ونذكّر الصّامتين بمقولة: ”الرّاضي بالشيء كفاعله”، فكيف حين التوافق التام، في الحركة، وفي الشعار !
وللغرابة فإن دعوات الجهاد الوهابية لا تقترب من الكيان الصهيوني أبداً! من هنا نلاحظ أنه وفي كل يوم جمعة يسعى شيوخ الوهابية بإيعاز من آل سعود لاستنهاض الهمم، إن كان بالبكائيات على المنابر أو بخطب تتكلم عن انتهاك لحرمات المساجد وحرق للمصاحف وعن اغتصاب وما شابه للمسلمات…
فشيوخ الوهابية تشجع وتحفز الشباب العربي للذهاب إلى الجهاد على الأراضي العربية والتورط بدماء أبنائها الشرفاء للحصول على حوريات شيوخ الوهابية، والمضحك أن كل شيخ منهم وهو يذرف الدمع يقول للرعاع الذين يصغون لبلاهته (والله لو أني أتمكن من الذهاب لذهبت)…
وهنا نسأل هؤلاء التجار بمرتبة رجال دين، لماذا لا تتمكن من الذهاب؟ وكيف تدعو الشبان للذهاب إن كنت لا تعرف كيف سيذهبون؟
أما حين تصدر آراء لها صفة الفتوى، في مسألة الصراع العربي الصهيوني فلا بدّ من التّوقف، والمراجعة، والتساؤل، بل والاتهام، أياً كان موقع القائل، لأنّ الموقع لا يحمي الذين ينحرفون عن نهج المواجهة، وإلاّ لَحمت المواقع الذين فرطوا، ويفرّطون بقضية الصراع العربي الصهيوني، ولعلّ فيما سنقرؤه ما يجيب على السؤال:‏ لماذا لم تقم جيوش الوهابيين التكفيريين الجهاديين، بأيّ عمليّة ضدّ الصّهاينة المحتلين في فلسطين؟!‏
يقول عنهم الشيخ ”فتحي المصري” الأزهري:‏
إنهم يوالون الغرب، ويمهّدون لتثبيت أقدام المعسكر الغربي في قلب البلاد العربيّة والإسلاميّة، فهم ”الأيادي الخبيثة التي يحرّكها أعداء الإسلام كيفما يشتهون”،‏ مصداقيّة هذا الكلام ادّعاؤهم أنّهم ذهبوا إلى أفغانستان لمقاتلة الشّيوعيّة الملحدة، وكأنّ الغرب الذي كانوا منذ البداية أداة بيده، يمثل روح الإيمان الصّافي!
لقد استعملت أميركا الأدوات الوهابية في أفغانستان لتحقيق المصالح الغربية ثم نقلت إلى العراق لتفتك بشعبه وتنشر ثقافة الفتنة الطائفية والتقسيم، خدمة للمشروع الغربي الصهيوني، ثم رحلت إلى شمال أفريقيا لتحقيق المصالح الأميركية عينها، وجيء بها اليوم إلى سورية حيث التزمت الوهابية بإنجاز ما عجزت الولايات المتحدة الأميركية عن تحقيقه بقوة السلاح وإعمالاً لإستراتيجية القوة الصلبة…
وفي الوقت الذي يطرح فيه المخلصون مخرجاً آمناً وحلاً سلمياً للأزمة في سورية، تجاهر الوهابية وبوقاحة كلية بتعطيل ذلك، وتعمل على ضخ كل ما ينشر الإرهاب في سورية، وتجهد السعودية في استجلاب الإرهابيين من أربع جهات الأرض لتزج بهم ضد الشعب العربي السوري الذي ارتكب (خطيئة) التمسك بحريته وقراره المستقل والمطالبة بحقوقه ورفض التبعية والاستسلام والانقياد لأميركا كما هو حال الوهابية.
وقد تبين دعم المملكة الوهابية للجماعات المسلحة بالمال والسلاح والإعلام، ليطفو على السطح صاحب الدور الأساسي المقابل على الأرض السورية وهو ـ جوكر ـ التطرف التكفيري الذي استخدم مجاهداً في أفغانستان لإسقاط حكومة نجيب الله الشيوعية، وبعدها تم تحويله إلى إرهابي بعد 11 أيلول لاستقدام القوات الأميركية إلى أفغانستان، والجوكر ذاته استخدم لابتزاز الرئيس المصري السابق حسني مبارك لمزيد من التنازلات ومن ثم الانقضاض على حكمه، ووقود ما سمي ثورتي تونس وليبيا وتهديد بقية دول المغرب العربي، وفي المستقبل القريب دول الخليج العربي.
ولعلّ اللافت أن يتنبّه عدد من المفكرين، والمثقفين، والناشطين في بلدان الغرب إلى خطر (الوهّابيّة) ويتداعون لعقد الاجتماعات لفضح أخطارها، ولم تفتهم الإشارة إلى نقاط تلاقي الحركة الوهّابيّة مع الجذور الصهيونيّة…
ولابد من الإقرار والتأكيد، أنّ ثمّة تشابه جوهريّ بين الحركة الوهّابيّة والحركة الصهيونية، وهو تكفير الآخر، واستحلال دمه، وماله، وعرضه، من خلال أحاديّة، عمياء، ظالمة، ضلاليّة، وليس من مذاهب المسلمين من يقول بهذا التّكفير غير الوهّابيّين. ولعل من يستغرب أن أقرن الوهّابيّة بالصهيونية، ويستنكر ذلك، ويعتبره مبالغة نابعة من موقف مضادّ، متشدّد، ولكن… تعالوا نناقش أهمّ نقاط التّلاقي العميق بينهما.
فهناك علاقة بين الفكر والسياسة لدى الحركة الصهيونية والحركة الوهابية، ولا يمكنُ فصل أي منهما عن الأخرى. فالفكر الوهابي كما الفكر الصهيوني بطبيعته سياسي وهمّ القائمين عليه في زعزعة الدين الإسلامي وتسييسه لمصالحهم. وكما تغلغل الفكر الصهيوني العنصري في الأدمغة السياسية والأدبية في كثير من دول العالم الغربي، كذلك تغلغل الفكر الوهابي التكفيري في عددٍ من دول العالم العربي حتى بات هذا التغلغل دافعاً لشن حروب ومعارك خدمة للأهداف العدوانية المعتمدة على النظرة التعصبية المتزمتة.
ولو عدنا قليلاً إلى الفكر الصهيوني لوجدنا أنه يعبّر عن انتهازية اليهود ونظرتهم العرقية قبل بروز الفكر السياسي. وقد بدأ هذا الفكر بتلميع صورة اليهودي وتمييزه بالطيب والعفة والطهارة والمروءة ثم تطور إلى أيديولوجيا مع تطور الفكر الاستعماري الغربي الذي لا يمكن فصل العلاقة الجدلية بينهما مثله مثل الفكر الوهابي الذي يعبّر عن تطرّف الوهابيين ونظرتهم التكفيرية.
وعلى اعتبار أن فكر الوهابية والصهيونية ينبعان من منبع واحد ويصبان في مصبّ واحد وهو احتقار الشعوب والتفرد بالعالم وسفك الدماء، فإنه من البديهي أن تبدأ الوهابية بتلميع صورة متبعيها وإظهارهم كدعاة حق وإيمان يمتازون بالعفة والطهارة والأخلاق ولا همَّ لهم إلا إعلاء كلمة الله وتحقيق العدالة بين بني البشر ونشر الفضيلة والقيم السامية (التي هي منهم براء).
وكما تبرّر الصهيونية قيامها بأفظع الجرائم وأشنعها في تاريخ البشرية بحقها في إقامة كيان مستقل يحفظها إلى الأبد، تبرّرُ الوهابية الذبح والقتل والتقطيع والسلب والنهب بحقها في إقامة إمارات إسلامية متعصبة تكون بمثابة نواة لعالمها الديني المزعوم القائم على الاضطهاد والذل والاستعباد والمهانة، والمرتكز على وحشية الفعل وظلامية الفكر.
ومثلما يلجأ الفكر الصهيوني إلى الزيف والنفاق في تبرير احتلال إسرائيل لفلسطين وتسويق فكرة: (أنَّ إسرائيل هي الأداة الجبارة والوحيدة القادرة على إخراج الشعب العربي من العصور المظلمة)، يلجأ الفكر الوهابي لتبرير ممارساته اللاأخلاقية واللاإنسانية واللاحضارية إلى أكذوبة مفادها: (أن الوهابية هي الطريق الأمثل والأوحد لإرساء قواعد الإسلام والحفاظ على الدين الحنيف والسير بالمسلمين على صراط الحق والعدل والإيمان والوصول بهم إلى جنات تختال فيها الحوريات على ضفاف أنهار الخمر والعسل.
وكما يدّعي الفكر الصهيوني أنَّ الصراع بين الإسرائيليين والعرب هو صراع بين أناسٍ لا يريدون اقتحام العلم والمعرفة، وشعب يهودي متحضر يؤمن بتطور الشعوب، يدّعي الوهابيون أنَّ وحشيتهم المسماة (جهاداً) هي من أجل العودة بالناس إلى عالم الصفاء والإيمان وتخليصهم من شرور الدنيا وآثامها ضماناً لخلود أرواحهم في عالم القدس والطهارة.
واللافت أن الوهابية تتجاوز الصهيونية في الكثير من فصولها الدموية، وتسجل ما لم تعهده البشرية في تاريخها، وما لم تشهد له مثيلاً حتى في قصص الخيال والتوحش على القاعدة الصهيونية ذاتها، التي ابتدعت في حينها نماذج من الإرهاب والوحشية ـ لفرض وجودها ـ لم تكن معهودة في حينه ولا هي مطروقة وباتت فصيلاً مستقلاً في التاريخ يشهد على فظاعته.‏
والواضح أن النسخة الوهابية استفادت من التجربة الصهيونية في تطويع الظروف والتطورات لمصلحتها بدءاً من التشويه المتعمد للدين وصولاً إلى ابتداع الأدوات والوسائل والغايات والمفاهيم، بحيث تكون في المكان الذي لا تتجرأ القدم الأميركية على الحضور إليه مجدداً، بعد تجارب مريرة تراكمية ونوعية من الفشل في الحضور العسكري المباشر من جهة، وباعتبارها نافذة للأذرع الإسرائيلية ووكيلاً حصرياً لها، ومؤتمناً على المهمة في الموضع الذي عجزت عن النفاذ إليه من جهة ثانية.‏
ولأن البحث في تحالف وتلاقي الحركة الوهابية والصهيونية على كل الأهداف الغربية طويل ويحتاج إلى مجلدات، يمكن أن نكتفي بالسؤال عن الذي قدمته مملكة الرمل والتخلف للعرب والمسلمين خلال العقود الماضية، هل قدمت غير فعل إشاعة الجهل والتكفير والإرهاب والتخاذل والاستسلام، ولماذا تخرَّج ويتخرَّج العلماء من الأزهر والنجف الشريفين، ومن جامع الزيتونة بتونس كأول جامعة إسلامية في العالم العربي، ولا يسمع العالم في المقابل إلا بتخريج التكفيريين والإرهابيين من حيث كان يجب أن يتخرج كل علماء الأمة؟!
من الذي عطل وصادر مكة المكرمة والمدينة المنورة غير الوهابيين، ومن الذي أسبغ عليهما وعلى أرض الحجاز ونجد الصفة السعودية غير آل سعود القتلة الخونة المغتصبون وأعداء الإسلام والعروبة، ومن الذي سهَّل لوعد بلفور ولاغتصاب فلسطين غيرهم، وما الذي تقوم به ”إسرائيل” بالتعاون مع الغرب والوهابية غير محاولة الترويج لفكرة إقامة الدولة الدينية تبريراً لإقامة ”إسرائيل” اليهودية الخالصة ؟!
فالوهابية والصهيونية داء واحد، وهما كحركتين مدسوستين نشأتا وقامتا على الدعم الغربي، وعلى القتل والتهجير والاغتصاب تحكمان كياني الإرهاب ”السعودية وإسرائيل” بالحديد والنار، وإذا كان أهم ما يميز اليهود قتلهم الملوك والأنبياء، فإن بني سعود يقتلون ويخلعون ملوكهم ”سعود وفيصل نموذجاً” ويتنكَّرون للنبي الأعظم وللعلم والعقل.
وللأسف كما وجدت الصهيونية كتّاباً ومفكرين سخرتهم لنشر أفكارها الشيطانية، وجدت الوهابية شيوخاً ومنظرين وكتّاباً باعوا أنفسهم لها بدراهم بخسة، وقاموا بحملةِ ترويج لأفكارها التكفيرية الظلامية ومعتقداتها العفنة التي لا تتلاقى ولا بشكل من الأشكال مع المنطق والأخلاق والمبادىء العظيمة والأهداف النبيلة.
إن إدراك الأبعاد الكامنة وراء إنشاء الحركة الوهابية يجعلنا نفهم ما تفعله مملكة اليهود من آل سعود الآن على أنه محاولة للهيمنة على كامل المنطقة لإقامة إمارة يسيطر عليها اليهود المتسترون بإدعاء اعتناق الإسلام الوهابي بما يمكن ويساعد الكيان الصهيوني المزروع في فلسطين من فرض سيطرته على المنطقة عبر الدور الذي يلعبه يهود آل سعود وشركاؤهم، وبالتالي فإن هذا التظهير ليهودية آل سعود اليوم ليس من باب الصدفة وبخاصة بعد المجاهرة وبصوت عال عن استمرار آل سعود بدعم الإرهاب في سورية محملة إياه صفة الجهاد، علماً أن الجهاد في الإسلام فرض ضد التكفيريين الذين لا يؤمنون بأي عقيدة أنزلها الله وفي مخالفة واضحة لقواعد الإسلام والإنسانية.
فالوهابية لا تريد فقط أن تستعمر الإنسان والمجتمع بأضاليلها وأكاذيبها وشعوذاتها، بل تسعى لحرمانه من مقومات الفضيلة وهي الضمير والإرادة والقدوة والفكر السليم، لأنّ أي مجتمع يفتقد هذه المقومات تتحلل مناعته، وترعى في كيانه الموبقات فينهار أمام أول هزةٍ يتلقاها، وهذا ما تعمل من أجله هذه الحركة الصهيووهابية، ولكن هيهات هيهات، فحلمها بهذا كحلم إبليس في الجنة.
إنّ الردّ على الوهابيين التكفيريين يكون بالفكر الإسلامي، وهذه هي مرحلته، لدرْء هذا الإعصار الذي نفخت فيه عواصم الغرب المتصهين، ومن الأدلة على ما نقول، أنّ نخبنا الثقافية، ظلت طوال قرن تقريباً تتحدّث عن الديموقراطيّة، وعن الليبرالية، وعن الماركسية، والوجوديّة، والعلمانيّة، والحداثة، وكل المدارس الفكريّة التي أنتجها الغرب، فلم تتعدَّ حدود هؤلاء المثقفين، الذين لا يمثلون عددياً إلا نسبة لا تكاد تظهر.
والمؤكّد عندي أنّ هؤلاء الوهابيّين التّكفيريّين لا يفضحهم إلاّ الفهم الحقّ للرسالة المحمديّة، التي تحتاج إلى مزيد من الحضور، ولاسيّما أنّ ثمّة فضائيّات كثيرة تروّج لمقولاتهم، إذا أردنا ألاّ يصبح الإسلام المجسّد في حياتنا أعيناً تنظر إلى كلّ ما حولها على أنه مَظهَر للشرك، ولحية كبيرة كثّة منفوشة، وجلابيّة قصيرة، وزيّ باكستانيّ أفغاني، برمزيّته الوهّابيّة التكفيرية… إذا أردنا هذا فعلينا أن نبادر إلى طرح الفكر المحمديّ الأصيل.
ولمواجهة المد الديني الوهّابي المتطرف، فقد صار من الملحّ أن تُوضع البرامج الثقافيّة، والفكريّة، في كل ميادين التوعية، والإعلام، بل وأن تُخصَص البرامج لفضح الوهّابيّة، لأنه تعرية للدور السعودي المشبوه الذي كان مهاد هؤلاء، ومنبعهم، وبيت نشأتهم، كما أنه تعرية للحركات التي تتستر بالإسلام لتحقيق أهداف سياسية، وهي في مآلها أهداف يستفيد منها الغرب الاستعماري بقدر ما استثمر فيها من أفكار، ومسارات، وليست التطمينات التي قدمها العديد، لإسرائيل، من تلك الأحزاب، والتشكيلات الوهّابيّة، والإسلامويّة… في حال وصولهم للسلطة… ليست إلاّ الحنجلة في ذلك الرّقص القادم.
لكننا وفي ذروة هذا الانفعال ـ ربّما الصائب ـ سنواصل العصيان على الفتاوى الوهابية والتقارير والبيانات والقرارات والشعارات والاستطلاعات والاستبيانات الكاذبة المضللة التي لفقها ”أطبّاء السياسة ومُرَوّجُو الإعلام المُضلل عن الشعب العربي”… وحسب أبسط بديهيّات التاريخ، فإنّ هذا الضّرب المتواصل على مؤخرة الرأس قد يفضي اليوم أو غداً أو بعد غدٍ إلى ما لا يُسِرُّ الضّاربين.

 

إلى الأعلى