الأربعاء - 1 أكتوبر 2014 - 11:09
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية » بحوث ودراسات

أرشيف القسم : بحوث ودراسات

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

19-8-2014-13-d

حيدر حب الله ..

 تمهيد
موضوع هذه المحاضرة أو الكلمة ـ المبنية على التبسيط ـ هو الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد، ونحن هنا لن ندخل في أبحاث تخصصية أو دراسات قد تتناسب مع الجوّ الاستدلالي الحوزوي، وإنّما نريد الإطلالة فقط على هذا الموضوع من زاوية عامة.

الفقيه بين النزعة الانكماشية والاقتراب من الحدث السياسي والاجتماعي

بدايةً، نحن نعرف أنّ الفقه الشيعي واجه ـ نتيجة عدم خوضه لفترات طويلة في تجربة الدولة والعمل السياسي ـ مشكلةً أطلق عليها (أحد العلماء الأجلاء) عنوان: “النزعة الفردية الانكماشية”؛ فالفقيه لم يواجه منذ فترة طويلة تجربةً سياسية واسعة النطاق، كان يجلس في بيته، ويقتصر عمله في الغالب على المشكلات التي تأتيه وهو في البيت، كالعلاقات الزوجية والتجارة وغيرهما. وعندما تتراكم أمامه مجموعة مستجدات أو ما يسمى >فقه المستحدثات< يأخذ هذا الأمر المستجد فيبحث فيه، وعندما ينجز الفقيه الأوّل البحث في هذا الموضوع المستجد، يأتي الفقيه الآخر ليعلّق على كلام الأول.. وهكذا تدخل هذه المسألة إلى جسم الفقه الإسلامي.

هذا هو الشكل الطبيعي في الدراسات الدينية في الحوزات والمعاهد، فليس الفقيه مدير بنك يشرف على مئات من العمليات دفعة واحدة، ولم يكن وزير اقتصاد ليرى كلّ يوم المئات من أنواع الشركات التي تدخل وتخرج وتستجد، لم يكن الفقيه ينظر إلى هذا الواقع من الأعلى، والظروف أيضاً ما كانت تسمح له أن يكون في موضع الإشراف على حركة الأمور؛ لأسباب كثيرة؛ منها عزل هذا المذهب وفقهائه عن إدارة شؤون المجتمع.

وقد بدأ هذا الوضع بالتحوّل ـ شيعياً ـ منذ الحركة الدستورية في إيران >المستبدة والمشروطة< بداية القرن العشرين، فقد صار الفقيه هذه المرّة أقرب إلى الأحداث، وغدا يتداول قضايا السلطة على أعلى المستويات: هل الملك قادر على أن يبت في كلّ ما يريد دون أن نشرط قراراته بلجنة أو برلمان أو مجلس دستوري يشرف عليها أم لا؟.. كانت هذه من المرات القلائل التي يقترب الفقيه فيها من الواقع السياسي، لكنّ التجربة فشلت، واصطدمت بمشكلات عميقة، مع ذلك لم يتوقف المسار التصاعدي؛ فاستمرّ العمل السياسي للفقيه ـ ولو متقطعاً ـ يدفعه للاقتراب من الحدث، فجاءت مجموعة ثورات وحركات سياسية، من ثورة العشرين في العراق مروراً بحركة مصدّق، وصولاً إلى الثورات والحركات الإسلامية في إيران والعراق ولبنان وغيرها.

ظهور التقسيمات الجديدة للفقه: فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام

صار الفقيه هنا أكثر حضوراً وأكثر تماساً مع التحولات المعقدة في هذه الفترة؛ وإذا راجعنا كتابات وأدبيات هذه المرحلة سنلاحظ ظهور مقولات ومصطلحات جديدة لم تكن من قبل، نسمع علماء يتكلّمون عن فقه فردي وآخر اجتماعي، بعضهم يقول: فقه فردي شخصي أو فقه خاص وفقه عام، ويقصدون بالفقه العام فقه الدولة والسياسة والاجتماع، وقد تمّ تنشيط هذه المقولات إلى أن صار عندنا نوعان من الفقه، وإلا فقبل هذه الفترة لا نجد وضوحاً ولا ظهوراً لهذا التفكيك بين أنواع الفقه بهذه الطريقة، ليس هناك إثنينية جليّة.

من هذه المقدّمة ندخل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أنّ كثيراً من العلماء قسّموا الفقه إلى فقه فردي وفقه اجتماعي، فقه خاص وفقه عام، إلى أن تكلّم (مرجع راحل) ببعض الكلمات التي نتصل بهذا الموضوع، والتي ربما يمكن أن نستوحي منها أنه لا يوجد عندنا شيء اسمه فقه خاص وفقه عام، (…)

نظرية الاندماج والتواشج بين الفقهين: الخاص والعام
إذن ماذا يوجد؟

يوجد فقه واحد، لكن ليس هو الفقه الفردي، كما كان في الحال السابق، بل هو الفقه الذي يحمل من ناحيةٍ الفردية، ومن الناحية الثانية البعد الحكومي العام، أشبه بالكثرة في عين الوحدة كما يعبرون في الفلسفة.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أقول من باب المثال: الآن لو فرضنا أن الفقيه يتشدّد في أمر الطهارة، فمن الطبيعي أنّه إذا أراد الإنسان أن يغتسل للجنابة فسوف يحتاج إلى مياه كثيرة، المواطن هنا ينظر إلى حياته الفردية، فلا يحسب حجم التأثير الاقتصادي والعام لهذه الفتاوى، ويعتبرها فتاوى فردية فحسب، لكنّها ليست كذلك؛ لأنك لو ذهبت إلى المسؤول عن المياه في هذه الدولة ربما تترك هذه الفتوى البسيطة بالنسبة إليه تأثيراً على صرف المياه في هذا البلد.

كذلك الحال ـ على مستوى مثال آخر ـ مسألة طهارة أو نجاسة أهل الكتاب، فقد يتصوّر أنّها محض شخصية فردية، لكنّك لو نظرت إليها من الأعلى وتصوّرت عشرات الجاليات المسلمة المنتشرة في العالم بعشرات الملايين من الناس، وأخذت تجربتهم وتأثير هذه الفتوى على حياتهم وطبيعة اختيارهم لأعمالهم، وعلى علاقاتهم الاجتماعية.. ستجد أنّها لم تكن فتوى شخصيّة فقط، وإنما هي عامّة ذات تأثير اجتماعي على ملايين الأشخاص.

من هنا، نرى أنّ الفتوى ـ ولو كانت فردية بسيطة ـ لها مساس بالشأن الاجتماعي والسياسي العام، فلا يمكن فصل الجانب الفردي في الفقه عن الجانب الاجتماعي، بل هما مندمجان في بعضهما، ولعلّ هذا هو مقصود الإمام الخميني فيما يقوله من أن الفقه بأكمله، مظهره ومكان تجسّده هو الدولة.

الموضوعات الخارجية بين المكلّف والفقيه

وإذا تخطّينا هذا كلّه، يمكن تقسيم قضايا الفقه الإسلامي وتطبيقاته إلى قسمين آخرين:
1 ـ مسائل فقهية توكل شؤون تطبيقها إلى آحاد المكلفين، أي أنّها بهذا المعنى تكون فرديةً، توكل إلى الفرد نفسه، فهو يحسب حسابات كيفية تطبيق هذه الفتوى أو تلك.
ومثال ذلك: إذا شككت أنّ هذا الماء نجس أو طاهر؟ فإجراء أصالة الطهارة أو الاستصحاب هنا يرجع إلى المكلف نفسه؛ حيث يقول له الفقيه في هذه الحالة: إنّ الموضوع الخارجي موكل إليك. وفي هذا النوع من الموضوعات الخارجية يمكن للفرد نفسه أن يدرس ملابسات الموضوع ويطبّق القاعدة الشرعيّة التي أعطاه إيّاها الفقيه مسبقاً.
هذا ما نسمّيه نحن هنا بالفقه الفردي، لكن بمعنى أنّ الفرد هو الذي يأخذ الفتوى ويتصرّف بها على أرض الواقع.
2 ـ القضايا الفقهية التي نسمّيها هنا بالفقه غير الفردي، لكن بمعنى آخر هذه المرّة، ولتوضيح ذلك نأخذ المثال التالي: محاربة إسرائيل، إذ لا يوجد نصّ قرآني أو من السنّة على محاربة هذه الدولة باسمها في هذا العصر، لكن عندنا قاعدة عامة تقرّر >الدفاع عن بلاد المسلمين<، فإذا قلت لعامّة الناس: >يجب عليكم أن تقاتلوا العدو إذا لم يكن في مقاتلته مفسدة<. يأتي زيد يقول: >أنا شخّصت لا توجد مفسدة فيجب أن أُقاتل<. ثمّ يأتي عمرو فيقول: >أنا شخّصت مفسدة فلا يجب القتال<.

في قضية طهارة الماء المعيّن هذا أو ذاك يرجع الأمر إلى المكلّف نفسه، لكن حينما توكل قضية عامّة إلى آحاد الناس كي يختار كلّ واحد منهم موقفاً أو يحدّد: هل هناك مصلحة أو مفسدة في الإقدام على مقاتلة إسرائيل؟.. في هذه الحال يختلف الأمر، فهناك لا يلزم أيّ محذور من إيكال الأمر إلى الآحاد، أمّا هنا فيلزم الهرج والمرج، فهذا يقاتل وذاك يمنع عن القتال وهكذا..

هذا النوع من الفتاوى والأحكام إذا ألقيناه إلى آحاد المكلفين على مستوى التطبيقات الخارجية يلزم الفوضى، واضطراب أمور الناس؛ لهذا لا تقبل الدول في العالم بذلك، من هنا لا نعتبر مثل هذه الأحكام فرديةً، على خلاف قضية طهارة هذا الماء أو ذاك، فهي قضيّة فردية بمعنى مرجعية نظر الفرد في الحكم عليها وممارسة فعل التطبيق في موردها.

بهذا نخرج ـ بعد أن أبطلنا وجود فقه خاص فردي وآخر عام سياسي واجتماعي منفصل كلّ واحد منهما عن الآخر ـ بوجود هذين الفقهين، لكن بمعنى آخر؛ يتبلور عبر القاعدة التي ستقول: كل حكم شرعي إذا أوكلته إلى آحاد المكلفين يلزم منه الهرج والمرج، لا يكون تحديده الموضوعي ـ بمعنى تحديد ملابسات الحكم ميدانياً ـ بيد الناس، بل بيد شخص آخر، وكلّ حكم لا يلزم من إيكاله للآحاد من الناس ذلك، يكون شأنه راجعاً للمكلّف نفسه؛ لعدم وجود دليل على ولاية أحد على المكلّفين في أمر التطبيق فيه. وربما تكون هذه القاعدة متفقاً عليها.

معنى جديد للفقه الخاص والعام

إذن، لا يوجد فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام، فهما في حالة دمج وانصهار، لكن يمكن أن نؤسّس لهما بتصوّر آخر، وهو أنّ الفقه الفردي هو الفقه الذي يمكن أن يحيل فتاواه وأحكامه ـ ميدانيّاً ـ إلى آحاد المكلفين ليكون أمره بيدهم فلا يحتاجون إلى مراجعة جهة أخرى، أما الفقه غير الفردي فهو الفقه الذي لا يمكن إيكاله إلى آحاد المكلفين للزوم الهرج والمرج من ذلك، فيكون شأن البتّ فيه لجهة أخرى.

من هذا الفقه العام غير الفردي ـ بهذا المعنى ـ بالذات، ندخل إلى فكرتنا الرئيسة حول قضية الجهاد؛ حيث يقول الفقهاء في كتابي: القضاء والاجتهاد والتقليد: mالفتوى هي الحكم الكلي على الموضوع الكليn؛ فالفقيه يقول: يحرم شرب الخمر، ولا يقول: يحرم شرب هذه الخمر، فلا  يتكلّم باسم الإشارة (هذا وهذه) ، وإنّما يأخذ الشرب كمفهوم كلي ويأخذ الخمر كمفهوم كلي، ويأخذ الحرمة أيضاً في السياق نفسه، فيقول لك: الحكم بالحرمة مترتب على الشرب المتعلّق بالخمر. فمن الواضح أنّ الواقع الخارجي ليس من شأن الفقيه، وإنّما هو من شأن القاضي الذي يتدخل في الواقع الخارجي باستخدام اسم الإشارة، حيث يقول: هذا المال لزيد وليس لعُبَيد، فبينما كان المفتي يضع الحكم الكلي على الموضوع الكلي، كان القاضي يطبّق الحكم على المصاديق الخارجية على أرض الواقع.

دور الحاكم في الفقه العام بالمعنى الجديد

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التمييز بين الفتوى والحكم، فتوى المفتي وحكم القاضي، يمكننا أن نضع القضايا التي لا يمكن إيكالها إلى الآحاد من الناس، أو القضايا العامة أو ما يسمّيه العلامة شمس الدين >الفقه المجتمعي<، نضعها بيد الحاكم الشرعي؛ فهنا لا يمارس الحاكم موقع المفتي؛ فلا يكتفي بالفتوى الكلية، بل يقترب من موقع القاضي، ليدخل للمصداق ويحدّد موقفه منه، فهذه هي الطريقة التي ترفع الهرج والمرج، ولا أقلّ هي إحدى الطرق الممتازة.

أزمة الفردية في البحث الفقهي حول الجهاد

إذا جئنا إلى قضيّة الجهاد، نلاحظ أنّ الجهاد لا يمكن أن يكون فقه أفراد، رغم أنّ الكثير من الأبحاث الفقهية تعاملت معه ـ وبكامل الأسف ـ تعاملها مع الفقه الفردي، وأضرب مثالاً على ذلك مسألة ما إذا كان عدد العدوّ على الضِّعْفِ من عدد المسلمين، فكثير من الفقهاء يقولون: إذا كنت تقاتل في المعركة وجاءك ثلاثةٌ من الأعداء فلا يجب عليك القتال، بل يجوز الفرار. فنحن نلاحظ هنا بوضوح كيف أُخِذ مفهوم القوّة أخذاً فرديّاً، ولم تحسب المسألة على مستوى علاقة جيشين تابعين لدولتين، وإنما حصرت بفرد يقابله فردان أو ثلاثة في زاوية من زوايا المعركة، نعم، لقد نظر إلى هذا الموضوع الهامّ جداً نظرة بحت فردية!!

هذا النمط من قراءة بحث الجهاد بالغ الخطورة؛ حيث يؤدي إلى حصول نتائج خاطئة في الاستنتاج الفقهي العام، فيما نلاحظ أنّ الخطابات القرآنية الموجهة في قضايا الجهاد خطابات مجتمعية عامّة وليست فردية فقط؛ لأنّ الجهاد شأن مجتمعي عام لا يدخل في دائرة الفقه الفردي الذي توكل قضاياه إلى آحاد الناس، وهذا أمر عقلائي قامت عليه السيرة العقلائية في قضايا الحرب والسلم.

مشروعات تعطيلية ذات قراءة اجتهادية

وبهذه الخطوة التي خطوناها، نريد الآن أن ننظر لقضيّة الجهاد بأنواعه وأشكاله، لنرصد طبيعة حركة إدارته في المجال السياسي والاجتماعي؛ فنحن نلاحظ أنّ الفقه الإسلامي بمدارسه، وليس فقط الفقه الشيعي، قسّم الجهاد إلى قسمين: ابتدائي، ودفاعي. بل يعتبر بعضهم أنّ الأصل في الجهاد هو الابتدائي، أما الدفاعي فيلحق إلحاقاً بالجهاد. وعندما تحدّث الفقهاء عن أحكام هذين النوعين من الجهاد قالوا بأنّ الجهاد الابتدائي مربوط بالمعصوم، أما الدفاعي فليس كذلك بل ولا يرتبط بالحاكم الشرعي أيضاً؛ وهذا معناه أنّ الجهاد الابتدائي خاص بالمعصوم بحيث لو جاء الحاكم العادل ـ ولو كان فقيهاً ـ لا يمكنه أن يمارسه، فيما الجهاد الدفاعي ليس مربوطاً بأحد على الإطلاق، لا بالمعصوم ولا حتى بالحاكم الشرعي ولا غير الشرعي، فقيهاً كان الحاكم أم غير فقيه. بل أيّ فرد يمكنه أن يمارس الجهاد الدفاعي من تلقاء نفسه، تماماً كما يتعامل مع طهارة ماء منزله في هذا الإبريق أو ذاك.

هذا التعاطي مع قضيّة الجهاد ليس شأناً خاصّاً به، بل نحن نجد أنّ هناك عدّة فرائض كبرى ربطت ـ على صعيد بعض النظريات في الفقه الشيعي ـ بالإمام المعصوم، مثل وجوب صلاة العيدين، وكذلك صلاة الجمعة، وكذا إقامة الحدود والتعزيرات، وعلى المنوال عينه إقامة دولة إسلامية، وهكذا.

ولن نخوض في بحث فقهي استدلالي في هذا المضمار؛ فقد بحثنا هذه النقطة في محلّه، لكن ما يبدو أنّه السبب الأبرز الذي دفع الفقهاء إلى مثل هذه القناعات التي عطّلت بعض الفرائض في زمن الغيبة، هو وجود كلمة >إمام< في بعض الروايات التي تحدثت عن هذه الفرائض، وقد حصل إسقاط وتأثر بالدراسات الكلامية على هذه الموضوعات الفقهية، ونتيجة رسوخ التلازم بين هذا التعبير وبين الإمام المعصوم تصوّر بعض الفقهاء أنّ المقصود بالإمام هنا هو المعصوم.

على سبيل المثال، رواية مشهورة في كتاب الجهاد تعرف بخبر بشير الدهان، عن أبي عبد الله×: إني رأيت في المنام إني قلت لك أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. فقلت لي: >نعم هو كذلك<. فقال الإمام أبو عبد الله: “هو كذلك، هو كذلك”.

معنى هذه الرواية ـ عندما نفسّر كلمة الإمام فيها بالمعصوم ـ أنّه يحرم على الإنسان أن يقاتل أو يجاهد إلا بحضور المعصوم.
في السياق نفسه خبر آخر هو رواية الأعمش، قال: >والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحمه ونفسه فهو شهيد<. فالجهاد من خلال هذه الرواية مربوط أيضاً بالمعصوم.

دعونا نتأمل هاتين الروايتين ومعهما العديد من الروايات الأخرى، سنجد قضيّتين:
 
1 ـ نقد نظرية ربط الجهاد بالمعصوم

من الواضح أنّ هذه الروايات لا تقييد فيها بالجهاد الابتدائي، بل تتحدث عن مطلق حرب وقتال، ما لم يكن دفاعاً شخصيّاً عن النفس، إذاً فالمفترض أن نحرّم الحرب والجهاد حتى الدفاعي إلى ظهور الإمام، فأيّ معنى للتمييز بين نوعي الجهاد المتقدمين؟!
لا يوجد في أي رواية شيعية ولا سنيّة عبارة جهاد ابتدائي وأمثال ذلك، فلماذا نقيّد شرطية حضور المعصوم بمورد الجهاد الابتدائي دون الدفاعي؟! وإذا قلت لي: إنّ الجهاد الدفاعي ليس جهاداً، قلت لك: هذا تحكّم، فقد خاض النبي عدّة حروب دفاعية وكانت تسمّى جهاداً، وها نحن اليوم نخوض حروباً دفاعية في المنطقة أليست هذه جهاداً وقتالاً في سبيل الله؟! ألا يصدق عليها المفهوم القرآني للقتال؟! وما هو الدليل بعد اعتراف العرف والعقلاء بأنّها قتال؟ إذاً فالمفترض أنّ هذه الروايات تشمل نوعي الجهاد معاً، فهل يلتزم الفقهاء بذلك؟ أليس ذلك منبهاً على خطأ النتيجة الفقهية التي تربط الجهاد بالمعصوم؟
نعم الدفاع الشخصي ليس جهاداً وإن كان للمدافع أجر الشهيد، فليس مربوطاً بالإمام؛ لذلك ميّز الإمام في الرواية بين من يقتل دون ماله وعرضه وبين أصل مسألة الجهاد؛ فالدفاع الشخصي ليس مربوطاً بالإمام، ولكنه ليس جهاداً.

2 ـ تأصيل نظرية ربط الجهاد بمطلق الإمام العادل

لا يوجد عندنا في أيّ رواية من روايات هذا الموضوع تعبير (المعصوم)، وإنّما لدينا كلمة >إمام<، وهي ليست مصطلحاً خاصّاً بالمعصوم في لسان الروايات، وإنّما هي مطلقة بحسب دلالتها اللغوية والعرفية.

إذن، من ناحية لا يوجد عندنا في هذه الروايات تمييز بين الجهاد الدفاعي والابتدائي، ومن ناحية أخرى نجد أنّ هذه الروايات تربط الجهاد بأن يكون مع إمام عادل، ولا تقيّد هذا الإمام العادل بأن يكون معصوماً أو منصوصاً عليه من قبل الله تعالى؛ ممّا يجعلها تشمل كلاً من الجهاد الابتدائي والدفاعي من جهة والإمام المعصوم وغيره من جهة أخرى.

يضاف إلى ذلك، أنّ الجهاد الدفاعي كالابتدائي من القضايا العامّة التي تترتب عليها مصالح ومفاسد، ولا يمكن إيكالها إلى آحاد الناس؛ إذ لو استقر عدوّ مثل الكيان الصهيوني اليوم في بلد إسلامي كفلسطين، لا يمكن جعل قضية مواجهته بيد الآحاد، لاسيما مع اختلاف الأنظار، وهذا معناه أنّه يجب أن يكون الحاكم الشرعي الجامع للشرائط هو المشرف على قضية الجهاد الابتدائي والدفاعي معاً، باستثناء الدفاع الشخصي كما قلنا.

وبهذا يتبيّن أنّ ربط الجهاد الابتدائي بالمعصوم لا أساس له يمكن الركون إليه، كما أنّ تحرير الجهاد الابتدائي والدفاعي من الارتباط بالحاكم الشرعي هو الآخر يقع على خلاف متون الروايات، وعلى خلاف البناء العقلائي في إحالة مثل هذه القضايا إلى الجهات المشرفة على الشأن العام؛ فالصحيح ربط أيّ مواجهة تخوضها الأمة بإشراف الحاكم الشرعي.

وننبّه أخيراً، إلى أنّنا لا نحدّد هنا من هو الحاكم الشرعي، وما هي مواصفاته، وإنّما نأخذ مطلق الدولة الشرعية أو الجهة الشرعية التي لها إشراف على القضايا العامة للمسلمين، أمّا تحديد الأمور بشكل تفصيلي فهو بحث موكول إلى مسائل الفقه السياسي الإسلامي.

ذكرى شهادة الإمام محمد الجواد عليه السلام .. عبق من سيرته العطرة

25-9-2014-0564

      السلام عليك يا جواد الأئمة يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا ..

حياة الإمام محمد الجواد عليه السلام

اسمه: محمد وهو الإمام التاسع .

ألقابه: الجواد، التقي، القانع، الزكي، باب المراد.

كنيته: أبو جعفر.

والده: الإمام علي الرضا (عليه السلام).

والدته: الخيزران، ويقال لها أيضا (درة) و (سبيكة) و (سكينة).

ولادته: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان المبارك عام195هـ بالمدينة المنورة .

عمره: 25 سنة.

معاصروه: عاصر إمامنا الجواد من الملوك بقية ملك المأمون والمعتصم.

من زوجاته: أم الفضل بنت المأمون.

أولاده: الإمام علي الهادي، وموسى، وفاطمة، وأمامة، وحكيمة، وزينب.

صفته: كان (عليه السلام) أبيضا معتدل القامة عليه ملامح الأنبياء.

مع أبيه: عاش إمامنا الجواد مع أبيه7 سنين فقط، وقيل أقل من ذلك، ثم هاجر الإمام الرضا إلى خراسان بأمر المأمون.

مدة إمامته: سبعة عشر سنة.

هجرته: هاجر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد بأمر من المعتصم العباسي، وأقام فيها تحت الرقابة المشددة إلى أن استشهد صلوات الله وسلامه عليه .

شهادته: استشهد إمامنا الجواد (عليه السلام) متأثرا بسم أمر به المعتصم العباسي، سقته إياه زوجته أم الفضل بنت المأمون سنة220هـ.

قبره: في بغداد (الكاظمية) إلى جنب جده الإمام الكاظم، فاطلق عليهما (الجوادين) و (الكاظمين).
نقش خاتمه: نعم القادر الله.

حرزه: يا نور يا برهان يا مبين يا منير يا رب اكفني الشرور وآفات الدهور وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور.

الولادة المباركة
عندما حملت السيدة (سبيكة) بالإمام الجواد ازداد تكريم الإمام الرضا (عليه السلام) لها وأحاطها بعناية فائقة حتى اقترب موعد الوضع، فأرسل الإمام الرضا إلى شقيقته السيدة حكيمة وأمرها أن تلازم أم الإمام الجواد وتكون بخدمتها، فقامت حكيمة بالأمر على أحسن ما يرام إلى أن جاء الوليد العظيم، وغمرت الإمام الرضا دفعات من الأفراح والابتهاج بهذا الإمام الذي سيليه.
وضمته والدته إلى صدرها وهي فرحة مستبشرة به، وكانت والدته من أهل بيت مارية القبطية زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كانت على درجة عالية من الكمال المعنوي والنسب الشريف.
تقول حكيمة: فجاء الإمام الرضا (عليه السلام) وأخذ ابنه الجواد فوضعه في المهد وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده.
قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقمت فزعة وأخبرت الرضا فقال: ماترون من عجائبه أكثر.
شخصية الإمام (عليه السلام)
لقد أضفى الله تبارك وتعالى على الإمام الجواد هالة من الهيبة والوقار، فعلى رغم أنه كان في صباه إلا أن كل من يدخل عليه كان يتهيبه ويقف إليه بكل إجلال واحترام، لما يترشف من شخصيته العظيمة من البهاء والنور.
فقد كان للإمام الصادق (عليه السلام) ولد اسمه علي بن جعفر وكان كبير السن أبيض اللحية طاعنا في العمر، وكان عالما من علماء أهل البيت، عاصر الإمام الجواد (عليه السلام)، لقد كان علي بن جعفر على رغم كبر سنه ومكانته يقوم للإمام الجواد إذا دخل ويقف له ثم يأخذ يد الإمام الجواد فيقبلها فيقول له الجواد: يا عم اجلس رحمك الله، فيقول علي: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم، ثم يجلس عندما يجلس الإمام، وإذا قام الإمام يقوم علي بن جعفر فيرتب له نعليه بكل تواضع، فكان بعض الرجال يوبخون علي بن جعفر على فعله فيقول لهم: اسكتوا إن الله لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه.
علم الإمام الجواد (عليه السلام)
إن الشيء الملفت للنظر هو كثرة الأسئلة التي وجهت إلى الإمام الجواد في فترة حياته القصيرة.
وكان الإمام يجيب عن المئات من الأسئلة في اليوم الواحد، وكانت هذه الأسئلة تنطلق من حب معرفة الإمام وامتحانه، وحاول المخالفون أن يسخروا من إمامنا الجواد لأنه صبي، فجالسه كبراء علمائهم وناظروه على مختلف الأصعدة فرأوا بحرا لا ينفد وعطاء علميا لا ينضب.
فقد روي أن الإمام الجواد صعد منبرا في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) بعد رحيل والده فقال: أنا محمد بن علي الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال ووثوب أله الشك لقلت قولا تعجب منه الأولون والآخرون.
ومن جملة المناظرات العقائدية
التي نقلت عن الإمام الجواد هذه:
عقد المأمون العباسي حوارا مفتوحا بين يحيى بن أكثم وهو مرجع أهل السنة في زمانه وبين الإمام الجواد وهو ذو تسع سنوات.
فقال يحيى: ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي أنه نزل جبرئيل على رسول الله وقال: يا محمد: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك سل أبا بكر هل هو عني راض فإني عنه راض؟

فقال الإمام: إن هذا الخبر لا يوافق كتاب الله قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فالله عز وجل خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل من مكنون سره؟ هذا مستحيل في العقول.
فقال يحيى: وقد روي أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرائيل وميكائيل في السماء.
فقال الإمام (عليه السلام): وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن اسلما بعد الشرك وكان أكثر أيامهما في الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما.
فقال يحيى: وقد روي أيضا أنهما سيدا كهول أهل الجنة فما تقول؟
فقال الإمام: وهذا الخبر أيضا باطل لأن أله الجنة كلهم يكونون شبابا ولا يكون فيهم كهل وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبر الذي قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين بأنهما سيدا شباب أهل الجنة.
فقال يحيى: وروي أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة.
فقال الإمام: وهذا أيضا محال لأن في الجنة ملائكة الله المقربين وآدم ومحمد (صلى الله عليه وآله) وجميع الأنبياء والمرسلين لا تضيء بأنوارهم حتى تضيء بنور عمر؟!!.
فقال يحيى: وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لو لم أبعث لبعث عمر.
فقال الإمام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث: (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه وكان الأنبياء لم يشركوا طرفة عين فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نبئت وآدم بين الروح والجسد، حتى سكت يحيى وانهزم من جولة الحوار.
عبادة الإمام الجواد (عليه السلام)
قلنا سابقا أن عبادة المعصوم تمثل التكامل والاقتراب والفناء في الله تبارك وتعالى وبنفس الوقت تفيض على الناس بركة وعطاء.
فكان إمامنا الجواد كثير النوافل يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة الإخلاص سبعين مرة، وكان كثير الصيام، بل يأمر بعض أصحابه المقربين ومن في بيته من الجواري والنساء أن يصوموا في أيام الاستحباب، وهكذا يروي عنه الرواة أفعاله العبادية في الحج وأدعيته وأحرازه المشهورة.
وسجل الإمام الجواد درسا رائعا في سجل الإنسانية عندما أعرض وهو في ريعان الشباب عن الأموال الطائلة التي كان يبعثها إليه المأمون وعن حياة الترف والبذخ، فهذا درس للزاهدين ونهج للمتقين أن لا يغتروا بالمال والمتاع.
وقد رآن الحسين المكاري في بغداد وكان الإمام محاطا بالتعظيم والتكريم من قبل الأوساط الرسمية والشعبية، فحدث نفسه أنه لا يرجع إلى وطنه بل يقيم عند الإمام في هذه النعم، فعرف الإمام قصده فانعطف عليه وقال: يا حسين خبز الشعير وملح الجريش في حرم جدي رسول الله أحب إلي مما تراني فيه.

25-9-2014-S-01
من معاجز الإمام الجواد (عليه السلام)
المعجزة حالة موجودة عند جميع الأنبياء والأوصياء، فهي كل أمر خارق للعادة يزود الله بها أولياءه لتدلل على صدق دعوتهم ولا تكون إلا ضمن أسباب عقلانية.
ومن المعاجز المهمة في هذا الصدد هذه القصة الظريفة:
المتهم بادعاء النبوة:
يقول علي بن خالد: كنت في العسكر فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام وقالوا أنه ادعى النبوة، فوصلت إليه فرأيته رجلا فاهما ولا يدعي النبوة وأن ما قيل عنه كذبا.

فقلت له: ما قصتك وما أمرك؟
فقال: كنت أعبد الله في الموضع الذي يقال له موضع رأس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا في عبادتي إذ أتاني شخص فقال: قم بنا، فقمت معه وإذا نحن في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد، قلت: نعم هذا مسجد الكوفة، فصلينا، ثم أخذ بيدي وإذا نحن بمدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصلينا ثم قمنا، وإذا نحن بمكة، فلم أزل معه حتى أرجعني في طرفة عين إلى موضعي في الشام، ثم مضى الرجل.
فلما كان العام القادم وفي أيام موسم الحج جاءني وفعل بي كما فعل في أول مرة، ولما أراد أن ينصرف قلت له: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت إلا أخبرتني من أنت؟، فقال: أنا محمد بن علي بن موسى، ثم ذهب عني.
بعد ذلك قصصت هذه الأمور على بعض الأصحاب فتسرب إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، فبعث إلي بالشرطة فأخذوني وحملوني إلى العراق وقالوا عني أنني أدعي النبوة.
فقال له علي بن خالد: ارفع قصتك في ورقة وابعثها على الوزير.
فكتبها وبعثها إليه، فلما قرأها الزيات كتب خلفها: قل للذي أخرجك في ليلة من الشام إلى الكوفة ومن الكوفة إلى المدينة ومن المدينة إلى المكان أن يخرجك من حبسك.
يقول علي: فغمني ذلك، ثم ذهبت بعد يوم إليه لأراه، فرأيت الشرطة وصاحب السجن ومجاميع أخرى عند السجن، فقلت: ما هذا؟، فقالوا: المحمول من الشام الذي تنبأ افتقد البارحة ولا ندري خسفت به الأرض أو اختطفه الطير.
فعلم الجميع أن الذي أخرجه هو الإمام الجواد (عليه السلام).
ويقول علي: كنت زيديا ولكن بعد هذه الحادثة قلت بالإمامة وحسن اعتقادي.
حضوره إلى والده الرضا وعودته في نفس الليلة:
ومن معاجز الإمام الجواد (عليه السلام) هو حضوره من المدينة إلى خراسان بطرفة عين ليحضر مراسم وفاة والده العظيم.
يقول أبو الصلت الهروي وكان خادما للإمام الرضا:
عندما تناول الإمام الرضا السم دخلت معه إلى البيت وأمرني أن أغلق الباب فغلقته وعدت إلى وسط الدار، فرأيت غلاما عليه وفرة ظننته ابن الرضا ولم أك قد رايته من قبل ذلك، فجلس مع الرضا مدة تناجيا فيها ثم ضمه إلى صدره، بعدها تمدد الإمام الرضا على السرير وغطاه ابنه محمد بالرداء وقال: يا أبا الصلت: عظم الله أجرك في الرضا فقد مضى، فبكيت، قال: لا تبك، هات الماء لنقوم في تغسيله، ثم أمرني بالخروج، فقام بتغسيله وحده وكفنه وحنطه إلى أن قام الإمام بجميع مراسيم الوفاة ثم عاد في نفس تلك الليلة إلى المدينة.
الجواد يؤكد قداسة آبائه المعصومين ومظلومية الزهراء
يروي زكريا بن آدم يقول: إني لعند الرضا (عليه السلام) إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام) وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيديه إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام): بنفسي فيم جال فكرك؟.
فقال: فيما صنع بأمي فاطمة (عليها السلام) أما والله لأخرجنهما ثم لأحرقنهما…).
فنلاحظ أن مأساة سيدتنا الزهراء كانت في طليعة هموم وغموم الأئمة الكرام.
ودخل عليه رجل فقال له: إني طفت يوما نيابة عن رسول الله ويوما عن أمير المؤمنين ويوما عن الحسن ويوما عن الحسين ويوما عن السجاد وهكذا بقية الأئمة، إلى أن قال: وطفت يوما عنك وربما طفت عن أمك فاطمة (عليها السلام).
فقال له الجواد: إذا والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره، استكثر من هذا فإنه افضل ما أنت عامله إن شاء الله.

وهذا التأييد منه بمثابة تأكيد هذه العقيدة والإشادة بمواقع آبائه الأطهار.
استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) : سنة 220 للهجرة النبوية الشريفة
وأخيرا حاول جعفر بن المامون أن يتصل بأخته (أم الفضل) زوجة الإمام الجواد (عليه السلام)، وكانت أم الفضل منحرفة في سلوكها، وقد عرف جعفر غيرتها من زوجة الإمام الأخرى (أم الإمام الهادي)، فأخذ يبث إليها سمومه وكلماته وشرح لها الخطة في القضاء على أبي جعفر فوافقت، فأعطاها جعفر بأمر من المعتصم سما فتاكا جعلته له في الطعام، يقال أنها وضعته في العنب الرازقي الذي كان الإمام يحبه، فلما أكل منه الإمام أحس بالآلام والأوجاع.
ثم ندمت أم الفضل لعنها الله على فعلها فأخذت تبكي فقال لها الإمام: والله ليضربنك بفقر لا ينجي وبلاء لا ينستر، فبليت بعلة في بدنها فأنفقت كل مالها على مرضها هذا فلم ينفع إلى أن نفذ مالها كله.
وأما جعفر فإنه سقط في بئر عميقة فأخرج ميتا.
وانتقل الإمام الى جنة المأوى فقام ابنه الإمام علي الهادي (عليه السلام) بإجراء مراسم الوفاة عليه وحفر له قبرا ملاصقا إلى قبر جده الكاظم (عليه السلام).
وهكذا ختمت صفحة بيضاء وأفل نجم من نجوم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

التحولات البنيوية في المجتمع العراقي بعد 2003 .. مقاربة أولية تشخيصية

19-8-2014-12-d
د. محمد سعيد الأمجد

     مر المجتمع العراقي بعد 2003 بمرحلة من التحولات الكبيرة هي الأقسى منذ أن تشكلت دولة العراق عام (1921) ، بسبب ما خلفته من ردود الفعل الاجتماعية حينما تم اختبار إدخال المكونات العراقية في نوع من القبول بالاخر ، لكن هذا المستوى من العيش المشترك لم يرق إلى التعاقد الاجتماعي الذي يحقق نقلة نوعية في العلاقات الاجتماعية لا بسبب التعددية التكوينية في الوسط العراقي بل بسبب كوابح وموجهات سياسية مختلفة.

وعلى الصعيد الاجتماعي فقد لا نجانب الصواب كثيرًا حينما نذهب أو يذهب أي باحث آخر إلى أنه حتى المتغيرات السياسية غدت خاضعة لظروف وعوامل أخرى أغلبها اقتصادية- اجتماعية، فالتعامل مع أية ظاهرة عبر زاوية واحدة هي الزاوية السياسية ينطوي على تبسيط مبالغ فيه جدا نظرا لما يجري من تفاعلات وتناقضات وتصادمات فوق سطح المجتمع- أي مجتمع- وتشكل ملامحه المتغيرة.

شهد العراق منذ العام (1921) الكثير من الانقلابات وإسقاط أنظمة وحكومات،لكن تغييراً سياسياً كبيراً حصل بعد التغيير السياسي عام  2003 ، كما رافق ذلك حصول تخلخل وتشظٍّ في بنية المجتمع العراقي.

إن هذا الموضوع على اشد ما يكون من التعقيد والتشابك ليس بسبب تعقيدات البنية الاجتماعية العراقية بحد ذاتها حسب، بل لأسباب متعددة منها أننا نتحدث عن أقدم المجتمعات في العالم وعن مجتمع لا يقتصر على عمقه الزمني، بل على مركزيته الجغرافية في كل من العالم القديم وعالم اليوم أيضا.. أما البعد الآخر، فان مجتمع العراق مزيج من بقايا ثقافات وحضارات متنوعة وعديدة، فضلا عن كونه فسيفساء من السلوكيات التي افرزت هذا (التنوع) في الالوان وهذا التعدد في الأطياف. وبدءًا لا بد من القول إن هنالك جملة من العوامل التكوينية التي شكلت هذه التعددية في المجتمع العراقي خلقتها العديد من التبدلات في الأقوام التي وفدت أو عبرت أو حاربت أو هاجرت إلى ارض ما بين النهرين والتي اختارت العراق سكنا لها بالإضافة إلى غلبة العشائرية التي تتنقل بين العراق والدول المحيطة به ثم تحولت هذه العشائر من البدوية إلى النهرية، فامتهن العديد منها الزراعة في الوقت الذي استمرت فيها هجرة قبائل يدوية من الصحراوات المجاورة في الجنوب والوسط والشرق.

كما أن هنالك قوى رئيسية فاعلة في تشكيل هذه المراحل الأربع هي : الحكومة ، والشعب العراقي عموما والحوزة العلمية ،والنخب العراقية المختلفة.  ولكل رؤيته وآلياته للتعامل مع المجتمع.

بقى المجتمع العراقي منقسما إلى ريف وحضر لرفد الزراعة وبناء الدخل الوطني، ثم توسع السوق وتم انفتاح السوق العالمية على السوق العراقية، وبدأ الثراء يدخل ميزانية الدول الملكية، فتوسع الإنفاق الحكومي وتركز ذلك في المدن وبغداد بالذات لوجود الدولة ودوائرها فيها كما انها ضمت الملاكات المثقفة والمدربة الأقدر على أن ما وصلها من واردات النفط إلى إنجازات بلغت أوج تفوقها في تأسيس مجامع الإعمار في الخميسينيات من القرن الماضي.

ولقد كان للتجنيد رغم أن الغرض منه الولاء للدولة بعلمها ورموزها إلا انه لعب دورًا في تمكين العديد من مجنديه -وهم ريفيون- بناء سلوكيات انضباطية مما حوله إلى شبه مدرسة للتدريب على الحياة المقبلة في الأوساط الحضرية-المدن.

والخطأ الذي وقعت فيه الوسطى العراقية مع كل ما أحدثته في هز الركود العراقي الذي وصل إلى حد التسليم وتوقع المكروه إذ أخذت الوسطى العراقية تبشر بان الفقر ليس قدرا وان المرض ليس ابتلاء وان الاحتلال ليس عقابا وفاقا على البطر والقناعة وعدم الألفاظ عن هم أكثر سوءًا منا، فان الوسطى العراقية مالت إلى دعم الدولة وذلك للتسريع بعملية التحول والإعمار بالذات وبذلك وقعت فريسة للدولة.

لكن سياسيا فالعراق طيلة هذه الفترة الزمنية السابقة على 2003 كانت سياسته قائمة على أساس العنف والإقصاء وتهميش الأكثرية طبقية كانت أو طائفية ، الأمر الذي صنع منه وبسبب هذه التراكمات غير الصحيحة عنصرا تمييزيا (طبقيا) أعان عليه الاعتقاد الذي ساد بعد التغيير هو أن من كان يحكم سابقا وهو مضطهد أولى بالحكم الآن ، تلك النظرة التي أصبحت عاملا مجهضا لديمومة العراق في شكله الإنساني المرتبط بخيارات المواطنة والمجتمع المتعدد المشاركة والهويات مادامت هناك جميع هذه القوى المتصارعة فيما بينها بشكل عنفي وإقصائي.

وامتازت العلاقة السياسية بمعادلة غريبة مفادها هيمنة الأقلية على الأكثرية على طول تاريخ الإسلام في هذا البلد وأن هذه الهيمنة رافقتها عمليات عنف وتحجيم لدور كثير من الطوائف والإثنيات ، ومحاصرة للنتاج الثقافي والديني، وأحياناً الاعتداء على المقدسات الإسلامية.

وهكذا مرت سنوات عصيبة استمرت منذ (1968) حتى انهيار النظام في 2003 ثم بدأت الحركة التغييرية بسقوط النظام الدكتاتوري وتحديثات بول بريمر التي تركزت على تنشيط فعاليات المجتمع المدني للحد من محاولة إعادة إنتاج العهد التسلطي ومحاولة توزيع الديمقراطية على جميع مكونات المجتمع العراقي.

وبعد أن تم تشخيص ما أصاب النسيج الاجتماعي في العراق من تقطع لبعض جوانب انشداداته رغم أخطاء حكوماته التي قصرت في إيجاد حلول لمشكلات علاقاته وانصب اهتمامها على تمكين بنية الدولة بعد التغيير السياسي (2003) ، فإن المشكلات الأساسية يمكن تلخيصها بأنها ذات طبيعة ميدانية اجتماعية سياسية تطرح ثنائية الثورة/ الدكتاتورية. والتغيير إذا لم يستطع أن يتحول إلى البناء فإنه يلجأ إلى الشعارات والعنف وبذلك يصاب المجتمع بما يدفع به للتحول نحو الديكتاتورية قد ينزل بالتغيير إلى مجرد انقلاب وانقطاع للاستمرارية وتراجع في التجربة ما يجعلنا نكرر البدء في الصفر دون تراكم وبناء مؤسسات.

وقد شخص المفكر الاجتماعي علي الوردي سبب النكوص الحضاري إلى غلبة الوعظ والوعاظين في أوساطنا وزاد بان قرن بين ماسماه وعظ المعممين ووعظ المتمدنين فالممارسة نفسها لذا فقد مال المتمدن إلى التعليل دون التحليل إذن لابد من كسر دائرة الوعظ والواعظين كي ينطلق الفرد العراقي رغم تأكيد الوردي بان السوء طبع إنساني علمًا أن السلوك ومهما كان فانه متعلم لذا فان علينا ألا نخاف السلطان ولا نخشى الشيطان كما أورد ذلك جمال الدين الافغاني مع إضافة ونعمل لمصلحة الإنسان والإنسان العراقي.

وطرح حنا بطاطو إشكالية ملخصها أن الطبقات والتقليدية بالذات رغم أنها مقبولة إلا أنها بعيدة عن العصر ما يدفع بالأجيال الشابة إلى الانتظام بحركات ثورية لتفكيك هذه الطبقات وبعد أن يتم ذلك فإنهم يبدؤون بالشعور بالذنب لفقدهم جذورهم التقليدية ما يجدد حضور الطبقات التقليدية.

والخلاصة أن ما تعرض له المجتمع العراقي من قلق وعنف وآلام هو ناتج لمخاضات غير مثمرة وتراكم سلبياتها لذا يتوجب إعادة بناء الطبقة الاجتماعية بشكل عادل وفق معايير الكفاءة وان يوكل إليها إعادة هيكلة المجتمع المدني وحقوق الإنسان عندها يكون مثل هذا المجتمع مؤهلاً لدعم دولة المؤسسات.

لقد أساءت قطاعات من الشعب/المجتمع في العراق قراءة المشروع الأميركي فنسجت على منواله وبذلك توقفت جهود هذه المكونات عند ردود الأفعال وان أخذت تدرك ضرورة التشكل المجتمعي المتماسك بعد أن دفع الشعب/المجتمع العراقي ثمنا فادحا من أمنه وخدماته وبناه التحتية بفعل عوامل الإرهاب والتخريب والتطرف والطائفية ، والذي تمثل في تهجير العديد من ابنائه واغتيال كفاءاته إلى غيرها من الأفعال الغريبة على السلوك العراقي والذي طبع على مر تاريخه الاجتماعي بالغيرة والتسامح والتعايش.

وعلى الرغم من محاولات الاحتواء ظهر الرد المتوقع الأمر الذي سهل ظهور عمليات (القتل على الهوية) و(التهجير) الحدثان الأبرز على الساحة العراقية بعد التغيير بفترة قصيرة ، ( فالفعل العنفي هو نتاج لحالات من التوتر الفارد أو الجامع، وفي كل فعل يتلازم الخير والشر، اللاعنف والعنف، إذا أخذنا بالاعتبار وضع الفاعل والقابل، ونسبة الفعل وتفسيره. وحتى لا نخفض السلوك العنفي إلى مجرد مقولة أو مصادرة فلسفية، نقول: إنه ظاهرة اجتماعية واقعة، تجد تفسيرها في التاريخ الإنساني ذاته، وفي تواجه الطاقات النفسانية والاجتماعية والاقتصادية، أي طاقات القوة نحو تنازع الوجود وتغالب الإرادات ومما لا ريب فيه أن الفرد أو الجماعة يكتسبان السلوك العنفي/ اللاعنفي من خلال الثقافة التي توجه المجتمع، وتحكمه أو لا تحكمه من خلال أدوات الضبط العنفي ومعايير السلوك وقيم السياسة.

عقل عربي أم إسلامي؟ .. قراءة حول مشروع محمد عابد الجابري

13-9-2014-6-d

يحيى محمد ..
مبدئياً، وقبل الدخول في تحديد دقيق للمسألة، قد يقصد بالعقل العربي الإسلامي ما يمثل النتاج الفكري لكافة نواحي العلوم العربية والإسلامية كالفقه والكلام والتفسير وغيرها. كما قد يقصد به ما يمثل الطريقة التي تتشكل عليها عملية الإنتاج المعرفي لتلك العلوم. وواضح أن الموقف الأخير ليس منفصلاً عن الموقف الأول، فهما مربوطان برباط التوليد والإنتاج.
ولأول وهلة، قد يرى الناظر أن التساؤل عما إذا كان العقل الخاص بتراثنا عربياً أو إسلامياً، هو تساؤل ليس له معنى ولا جدوى، فهو عقل عربي إسلامي، لاستحالة التفكيك بينهما مثلما يستحيل التفكيك بين الماهية والوجود في الفلسفة. إذ الثقافة العربية هي في غالبها ثقافة إسلامية، والثقافة الإسلامية غالباً ما تكون ثقافة عربية هي الأخرى، وبالتالي فإن العربية بما تكنّه من خصوصية لغوية وثقافية هي بمثابة الإسلام كشريعة. حتى أن بعض القدماء صوّر هذه العلاقة كما هو الحال مع أبي عمرو بن العلاء بقوله: «علم العربية هو الدين بعينه»(1).
لكن بالرغم من الصورة التي تشهدها حقيقة عدم التفكيك بين طبيعة الزوج الثقافي الديني العربي؛ فإن معرفتنا لطبيعة العامل الذي يتحكم في العقل العربي الإسلامي ويشكّل بنيته العامة، إن كان يعود إلى الحقل الديني أو إلى الحقل العربي، كواقع أو لغة أو جنس.. كل ذلك سيحدد لنا حقيقة هذا العقل، لا بما يعبّر عما يحمله من ثقافة التراث التي سبق أن انتهى تكوينها، بل والأهم من ذلك بما يشكل من أداة فاعلة؛ لها القابلية على إنتاج الفكر حاضراً ومستقبلاً، مثلما كان لها القابلية على عملية الإنتاج المعرفي لتكوين التراث ذاته.
لقد كان من المفروغ منه، أن العقل العربي الإسلامي يستمد روح موضوعه الأساس من النص المقدس كمادة خام، فأداته تنهج نحو توظيف النص في تشكيل الثقافة العلمية وإنتاجها. وحيث أن النص المقدس يمتلك في حد ذاته اعتبارين أساسيين، فهو من جهة يمثل ذات اللغة العربية، لكنه من جهة أُخرى له قدسية شرعية خاصة أضفاها الشارع الإسلامي عليه، وبالتالي فهو ليس كأي لغة ولا كأي نص كان، بل هو نص لغوي محمّل ومشحون بالقدسية الدينية.. لذا فإن العقل العربي الإسلامي يصبح ذاته حاملاً لمادة ذات طبيعة مزدوجة، فهي من جهة مادة لغوية قد تساهم بدرجة ما في حمل صورة الواقع العربي وعكسه على صعيد العقل، لكنها من جهة أُخرى عبارة عن مادة دينية ذات صبغة معيارية قائمة في الأساس على نظرية التكليف بما تعبّر عن علاقة المكلِّف بالمكلَّف. فإذا كان هذا الازدواج قائماً في ذات النص والذي ينعكس بدوره على العقل الذي يستمد غذاءه من النص؛ لذا يصبح من الواضح ضرورة التمييز والكشف عن حقيقة البنية الأساسية للعقل وطبيعة العامل الفاعل في النشاط الابستمولوجي الذي يقوم به في عملية الإنتاج المعرفي.
وحقيقة الأمر أننا ما زلنا نفتقر افتقاراً مطبقاً لأي محاولة تسعى إلى وضع الحدود الفاصلة بين البنيتين اللغوية والمعيارية داخل العقل العربي الإسلامي، بل ولا نمتلك دراسة جادة تسعى للكشف عن صميم بنية هذا العقل إلا لدى مشروع (نقد العقل العربي). فهذه الدراسة رغم أنها لم تهتم في البحث عن الحدود الفاصلة بين البنيتين، ولم تستهدف التمايز بينهما، ولا حتى التعرض للكشف المفصل عن طبيعة البنية المعيارية، إذ كان غرضها ينصب مباشرة وبشكل واضح نحو إثبات الطبيعة العربية للعقل الذي تشكّل ولا زال يمارس دوره من خلال بنيته اللغوية.. رغم ذلك يُلاحظ أنها يمكن أن تعرفنا ولو بطريقة السلب عن حدود الاعتبارات المعيارية في قبال اعتبارات (الخاصية القومية) المضفاة على العقل العربي الإسلامي، ما دام هذا الأخير يقع بين أن يكون إما محكوماً بسلطة المزيّة الأُولى أو الثانية.

مبررات الأخذ بعروبة (العقل)

لا شك أن هناك بعض المبررات التي فرضت نفسها على المفكر محمد عابد الجابري لجعل مشروعه موسوماً بـ (العقل العربي) بدلاً عن (العقل الإسلامي). وهو وإن لم يتعرض صراحة إلى علة هذا الترجيح والتفضيل ضمن طيّات مشروعه الضخم، إلا أن كثرة  إلحاح  السائلين عن ذلك حدتْ به إلى أن يقدّم لنا عدة مبررات. فذكر في بعض المناسبات أن ذلك يعود إلى ما في اللغة العربية وعلومها من دور كبير وحاسم في تشكيل آليات المعرفة وبناء أُسسها. كذلك فلأن عبارة (العقل الإسلامي) لا يمكن أن تدل في حقل الثقافة العربية إلا على مثل ما تدل عليه عبارة (العقل المسيحي) في الثقافة الأوروبية، مع أنه ـ كما يذكر ـ ليس من اهتمامه ولا من اختصاصه التحرك في إطار (العقل الديني) إسلامياً كان أو مسيحياً(2).
وفي مناسبة أُخرى أوضح أن اختياره هو اختيار استراتيجي، مبدئي ومنهجي، وذلك لاعتبارين؛ أحدهما يتعلق بحدود إمكاناته الخاصة، إذ يتصور أن عبارة (العقل الإسلامي) من المفروض أن تضم كل ما كتبه المسلمون أو فكروا فيه، سواء باللغة العربية أو غيرها، مع أنه ـ كما ذكر ـ لا يتقن في هذا المجال إلا اللغة العربية. أما الاعتبار الآخر فيتعلق بطموحاته، ذلك لأنه لا يطمح إلى إحياء وإنشاء علم كلام جديد، وعبارة (العقل الإسلامي) لا تتجرد من المضمون اللاهوتي، في حين أن مشروعه قائم على البحث الابستمولوجي في أدوات المعرفة وآلياتها، وهو متوفر في اللغة العربية ذاتها، خاصة وأن هذه اللغة وعلومها لها الدور الكبير والحاسم في تشكيل آلية المعرفة ورسم صورة العالم، بعيداً عن مجال الدراسات اللاهوتية الكلامية وغيرها(3).
على أن الاعتبار الأول غير مقنع تماماً. إذ لو آمنا به لكان من الصعب أن نجد شخصاً يحق له التحدث باسم (العقل الإسلامي) والثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، مادام ليس بقدرته معرفة جميع اللغات التي تتناول الفكر الإسلامي، وهو الأمر الذي يفضي إلى تضييع الثقافة الإسلامية والخصوصية التي تحملها.
والحقيقة إنه لما كانت اللغة العربية تمثل العمود الفقري للثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، فأغلب ما كُتب عن الفكر الإسلامي علوماً ومناهج واتجاهات كان بتلك اللغة، لذا فأيّ كتابة أُخرى عن الثقافة الإسلامية أو (العقل الإسلامي) لا يمكنها أن تستغني عن اللغة العربية وثقافتها ولو بصورة غير مباشرة، إذ إن أيّ دراسة علمية تهدف للتعرف على (العقل الإسلامي) فسوف تتعرف عليه من خلال روح النص المقدس، أو من خلال ثقافة الاجتهادات الفكرية التي تتحرك في دائرة النص أو على مقربة منه، وجميع ذلك قد تمّ انجازه من خلال اللغة العربية ذاتها.
أما الاعتبار الثاني فصحيح أن الاستناد إلى آلية اللغة العربية كأساس للبحث الابستمولوجي يجعل من التفكير دائراً في حدود (العقل العربي)، لكن ليس من الصحيح أن البحث في إطار (العقل الإسلامي) يتضمن بالضرورة الطابع اللاهوتي، مثلما لا يصح أن يقال أن البحث في إطار (العقل العربي) يتضمن الطابع العرقي بالضرورة. فلا مانع من أن يكون أساس البحث في (العقل الإسلامي) هو البحث الابستمولوجي بعيداً عن اللاهوت، مثلما هو الحال في دائرة التفكير اللغوية. ومع ذلك فإنه لا توجد حدود فاصلة بين الأمرين، إذ البحث الابستمولوجي يؤثر على البحث اللاهوتي، والعكس صحيح. كما أن البحث في حدود العلاقات اللغوية له مداخل في المضامين اللاهوتية، والعكس صحيح أيضاً.

مهما يكن فإن إجلاء الفارق بين عبارة (العقل العربي) و(العقل الإسلامي)؛ لا تتضح من نفس طبيعة البحث إن كان ابستمولوجياً أو لاهوتياً، مادام البحث في (العقل الإسلامي) يمكن أن يكون ابستمولوجياً بعيداً عن اللاهوت. وعليه فإن الفارق بينهما وتمييز أحدهما عن الآخر؛ يتحدد بملاحظة مقومات البحث إن كانت تدخل في الطرح القومي أم الديني. فمن أهم مقومات الطرح القومي هي اللغة والجغرافية والجنس والتاريخ. في حين أن من أهم مقومات الطرح الديني هي العقيدة والشريعة بما تحملان من طابع معياري تحدده أساساً نظرية التكليف باعتبارها قطب التفكير الديني.

فالطرح القومي يجعل من العقل مبنياً على بحث اللغة من جهة اللفظ والمعنى، أو على الجغرافية من جهة تأثر الانسان بمحيطه الخاص، أو على أساس الجنس من جهة عرقية، أو على التاريخ إن كان له خصوصية فريدة؛ فلا يكون مسبوقاً بتاريخ آخر لقومية أُخرى، ولا يكون مقترناً مع خصوصية منافسة ليست ملحقة ضمن حقل الاعتبارات القومية، كما هو الحال مع خصوصية (المعيار) التي لا تتماهى مع مزية الإطار القومي.

قبلاً كانت هناك العديد من الدراسات التي استهدفت التمييز بين الأنظمة الفكرية أو عقول العالم؛ على أساس العرق والجنس. إذ ظهر العديد من المفكرين الغربيين يحملون نظرية تقسيم شعوب العالم إلى جنسين أُطلق عليهما بالجنسين الآري والسامي. وقد تولّدت فكرة الجنس الآري أساساً من ملاحظة بعض التشابه بين اللغات الهندية واللغات الآرية في أوائل القرن الماضي. ففي عام  0 8 8 1م قارن (شله جل) بين اللغتين السانسكريتية والألمانية فوجد بعض المشابهات في أُصولها واستدل بذلك على وجود قرابة نسلية بين الأقوام الهندية والأقوم الجرمانية، فأوجد بذلك فكرة العرق الهندوجرماني. وهناك من استدل على القرابة حتى بين الأقـوام الهندية وسائر الأقـوام الآرية(4). وتبعاً لـهذا التقسيم جاء الفيلسوف المستشرق ارنست رينان (2 3 8 1م ـ  2 9 8 1م) ليوظف نظرية الجنس في النظام المعرفي والعقلي، بل وأقام التفاضل العرقي بين الجنسين، حيث جعل من الجنس الآري متفوقاً على الجنس السامي. وقد تُوّجت هذه النظرية أخيراً لدى بعض أتباع رينان من المستشرقين، كما هو الحال مع (ليون غوتييه) في أوائل القرن العشرين، حيث ميّز العقل السامي عن العقل الآري، معتبراً أن العقل الأول عاجز عن أن يرى الأشياء مترابطة، فرؤيته تجزيئية إنفصالية ينقصها الانسجام والارتباط، بخلاف ما هو الحال في العقل الآري الذي له القدرة على الربط بين الأشياء والعقد فيما بينها بعقدة الاتصال والانسجام بوسائط تدريجية. لهذا فهو يرى أن الفلسفة اليونانية على خلاف تام مع الدين العربي الإسلامي، فالأُولى ترجع إلى الجنس الآري وهي لهذا قائمة على الوصل والارتباط، بينما يرجع الثاني إلى الجنس السامي، وهو يقوم على الفصل والتجزئة(5).

وقد راجت هذه النظرية لدى عدد من المتغربين العرب، من أمثال أحمد ضيف وأحمد أمين وأمين الخولي وإسماعيل أدهم وسلامة موسى ولويس عوض، كذلك لدى رينان مصر الضرير (طه حسين) كما نعتته بعض الصحف الفرنسية، حيث إنه طبّق التقسيم العرقي على الأدب العربي، وقال في تمييزه بين الأدبين العربي والفرنسي: «الفرق بين الأدب الفرنسي والأدب العربي هو في الواقع فرق ما بين العقل السامي والعقل الآري. فالأدب العربي سطحي يقنع بالظواهر، والأدب الفرنسي عميق دائم التغلغل. وفي الأدب الفرنسي وضوح وتحديد لا وجود لهما في الأدب العربي، والأديب الفرنسي إذا عالج موضوعاً ألمّ بالتفصيلات وهو مع ذلك لا ينسى الكل والمجموع. أما الأدب العربي فيجتزىء، يأخذ وردة من البستان أو لوناً من الوردة ولا يفكر في البستان. فالمزاج العربي هو المزاج السامي الذي لا يحيط بالموضوع أجزائه وكلياته، ولا ينزع إلى التحليل ودرس التفاصيل..»(6).

البيئة وتكوين العقل العربي

تكاد النتائج الرئيسية التي توصل إليها الجابري في اعتبار تفاوت العقول المعرفية وتفاضلها واعتبار العقلية العربية (البيانية) عقلية فصلية تجزيئية؛ تتشابه تماماً مع النظرية العرقية التي نظّر لها رينان وأتباعه. مع هذا فمن الخطأ الفاحش إتهام نظرية الجابري بالعرقية استناداً إلى وحدة النتائج، ذلك أن طرحه لا يتعالى على الحقيقة الإنسانية، فلا يذهب إلى صياغة العقل بالارتداد إلى الجنس كجنس، بل يربط بنية العقل وتكوينه بالجغرافية أساساً، ومن ثم باللغة كجهاز استلام وإرسال يضمر في داخله حقائق البيئة ذاتها. لهذا كانت مفاهيم اللفظ والأعرابي والصحراء والنحو والبلاغة وغيرها هي من أهم المفاهيم الموظّفة في مشروعه للتعرف على كنْه العقل العربي. فالجغرافية هي أهم ما في المشروع من أساس لتحليل تكوين العقل وبنيته، منهجاً ورؤية.

بادىء ذي بدء، يرى الجابري أن أداة المعرفة العربية التي يطلق عليها (العقل العربي) هي نتاج الثقافـة العربية حتى في مظهرها الفاعل(7). فهي عبارة عما خلّفتـه وتخلفـه الثقافـة العربية في الإنسان العربي بعد أن ينسى ما يتعلمه في هذه الثقافة من الآراء والمعتقدات والآيديولوجيات. فما يبقى هو (الثابت)، وما ينسى هو (المتغير).. فما يبقى هو ذات العقل أو الأداة بعد نسيان ما أفرزته من آراء ومذاهب، مستلهماً ذلك من التعريف المشهور للثقافة بأنها عبارة عن «ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء»(8). واستناداً إلى بعض الغربيين اعتقد الجابري أن التعريف العلمي المعاصر للعقل هو عبارة عن «القدرة على القيام بإجراءات حسب مبادىء»، أو هو «لعب حسب قواعد»، مؤكداً أن «العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع»، وبالتالي فإن العقل هو جملة قواعد مستخلصة من موضوع ما، أي  من الموضوع الذي يتعامل معه الإنسان، فتعدد أنواع المنطق والقواعد العقلية يأتي من تعدد أنماط الحياة الاجتماعية. فمثلاً أن اليونان لم يتعاملوا مع الكون والطبيعة إلا بإسقاط نفس القواعد التي استخلصوها من حياتهم الاجتماعية عليها، وإن أرسطو قد صاغ منطقه المتمثل بمبادئ العقل من اعتبار الخصائص المشاهدة في الأجسام الصلبة، كالحضور والغيابـ (مبدأ الهوية) والترابط والجوار (مبدأ السببية)، لذا كان المنطق الأرسطي ـ كما يقول كونزيت ـ عبارة عن فيزياء اتخذت الجسم الصلب موضوعاً لها، بخلاف ما حصل في الوقت المعاصر من منطق جديد لاختراق الأجسام والوصول إلى عالم الذرة، وإنشاء أنواع جديدة من المبادئ والعلاقات كاللا حتمية التي بشّر بها هايزنبرج وغيرها(9).

إذاً فالتعامل مع الفكر العربي الإسلامي عند الجابري لا يتخلّف عن قاعدة إسقاط البيئة عليه، فهو ليس بأكثر بداهة من المبادئ الضرورية للمعرفة البشرية التي صاغها أرسطو، كمبدأ الهوية والسببية العامة، ومع ذلك فقد جعلها مرتدة إلى بيئة الأجسام الصلبة في الحياة اليونانية. لكن إذا كانت الأجسام الصلبة والحياة الاجتماعية هي التي أدت إلى تكوين العقل اليوناني؛ فإن اقتران الفكر العربي بالصحراء الرملية والحياة البدوية هو الذي أدى إلى تكوين (العقل العربي)، سواء على صعيد المنهج أم الرؤية: «فالفكر العربي.. هو عربي، ليس فقط لكونه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبّر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضاً لأنه نتيجة طريقة أو اسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه»(0 1).

لقد صوّر الجابري عملية خضوع (العقل العربي) لسلطان البيئة بأنها تتخذ طابعاً مركباً وقائماً على الحمل والإرسال. فالبيئة العربية عكست صورتها مباشرة على اللغة وعلى العقل العربي بوصفه يمثل ثقافة ساذجة عامية، لكنها من جهة أُخرى أثرت على الثقافة العلمية بصورة غير مباشرة، وذلك عبر اللغة التي سبق لها حمل صورة الواقع العربي بشكل مباشر. وإذا ما كانت عملية التأثير للبيئة العربية تتحكم بكل من الرؤية أو المنهج؛ فإنه في الثقافة العامية التي سبقت الثقافة العلمية كان التحكم أولاً ببناء الرؤية أو المضمون الفكري قبل عملية بناء المنهج ذاته، وفي هذه الحالة كانت الرؤية هي المباشرة في تأسيس المنهج وليس العكس، خلاف ما حصل في الثقافة العلمية، حيث أن الرؤية أصبحت من إفرازات المنهج الاستدلالي ذاته(11).

النشأة العامية والدلالة الصحراوية على عروبة العقل

طبقاً لمشروع (نقد العقل العربي) لو حاولنا التعرف على التكوينات الأولية لـ (العقل العربي) لتطلب الأمر أولاً السفر عبر التاريخ لنشرف على كيفية خضوع الثقافة العامية للبيئة العربية الصحراوية. فـ «إذا نحن فحصنا بيئة الأعرابي الجغرافية والاجتماعية والفكرية من زاوية الاتصال والانفصال، وجدنا الانفصال يطبع جل معطياتها: فالطبيعة رملية، والرمل حبّات منفصلة مستقلة، مثلها مثل الحصى والأحجار والطوب المؤلف منها.. كل الأجسام في الصحراء وحدات مستقلة والعلاقات التي قد تربطها هي علاقات المجاورة لا التداخل، وهذا يصدق على النبات والحيوان أيضاً.. وتلك أيضاً حال الإنسان فيها، فهو فرد، وحدة ضائعة في أرض شاسعة.. والمباني غير موجودة، وإنما خيام منفصلة متمايزة ومتنقلة. أما القبيلة فهي مجموعة من الأفراد المتفردين، مجموعة من أجزاء لا تتجزأ، تجمعهم علاقة خفيّة، علاقة الدم التي تضيع مع مرور الأيام لتحلّ محلها علاقة الجوار، وهي في كلتا الحالتين علاقة قرابة، والقرابة ليست اتصالا، وإنما هي تخفيف من الانفصال وتقليص من مداه، وسواء تعلق الأمر بالعشيرة أو القبيلة أو الحي، فالفرد دوماً (جوهر فرد)، وحدة مستقلة في إطار من التبعية.. وبالجملة فالعلاقات في مجتمع رعوي هي علاقات انفصال. أما الاتصال فهو من خصائص مجتمع المدينة ومن مميزات البيئة البحرية، إن الاتصال هو من خصائص أمواج البحر وليس من خصائص قطرات الغيث في الصحراء ومثل كائنات أرض الصحراء كائنات سمائها: السماء صافية كالمرآة، ونجومها في الليل نقط بل ذرات، بعضها متناثر كالحصى وبعضها متقارب كحبّات الرمل (المجرات) ولكن لكل منها كيانه الخاص، هو إشعاعه وحجمه وحركته وموقعه»(2 1).

ثم إن هذه الرؤية الانفصالية تجد طريقها في اعتبار المكان والزمان على أن كلاً منهما يحمل الطابع الانفصالي أيضاً. كما وإنها تجد طريقها نحو مبدأ التجويز الذي ينفي وجود علاقات سببية ضرورية بين الأشياء. إذ «إن البيئة الصحراوية بيئة تسود فيها الرتابة فعلاً ولكنها رتابة تقطعها تغيرات مفاجئة. هناك من جهة عادة مستقرة وهناك من جهة أُخرى خرق لهذه العادة بين حين وآخر. وهناك اطراد فيما يخص الحر وشظف العيش وقساوة الطبيعة.. الخ، ولكن هناك أيضاً رياح وأمطار غير دورية ولا منتظمة، وهناك الرمال التي تصل جاثمة حتى تبدو كأنها خالدة في مكانها، ولكن هناك أيضاً كثبان ترحل فتصبح أثراً بعد عين بين عشية وضحاها، وهناك الرياح والزوابع التي تهب من غير توقع. نعم هناك النجوم الثابتة التي يهتدي بها المسافر ليلاً فلا يضل سبيله، ولكن لا أحد يمكن أن يجزم، لا المسافر ولا غيره، بأنه سيصل وقت كذا.. وإذن فالمبدأ الذي يؤسس وعي سكان هذه البيئة لن يكون السببية ولا الحتمية بل سيكون: الجواز، كل شيء جائز. الاطراد قائم فعلاً، ولكن التغير المفاجىء الخارق للعادة ممكن في كل لحظة»(3 1).

على أن تلك الرؤية التي تشكّل بنية العقل لدى أعراب الصحراء والتي تؤسسها البيئة العربية ذاتها هي نفسها تعتبر علة مباشرة لقيام المنهج الاستدلالي عند أُولئك الأعراب. فالرؤية هي التي تؤسس المنهج حين تكون الثقافة عامية كثقافة أعراب الصحراء. وطبيعة هذا المنهج طبقاً لتلك الرؤية الانفصالية التجويزية هي طبيعة المقاربة والتشبيه في الاستدلال.

وتظهر هذه الآلية من إنتاج المعرفة على مستوى الشعر (ديوان العرب) وعلى مستوى معارف العرب وعلومهم، إذ يحكمها «فعل عقلي واحد هو المقاربة». وكلاهما مترابطان «فالرؤية القائمة على الانفصال وعدم الاقتران الضروري تجعل الجهد العقلي محصوراً في المقاربة بين الأشياء بعضها مع بعض لا يتعداها»(4 1) . بذلك سعى مشروع (نقد العقل العربي) لـيبرهن على أن بنية هذا العقل حاضرة في الشعر وعلوم عرب الجاهلية. فالشعر قائم على التشبيه والانفصال معاً، إذ المطلع على القصائد العربية يجد كل قصيدة قائمة على الانفصال، أي استقلال كل بيت بنفسه، وبناء البيت الواحد على تشبيه أو ما يؤول إليه، فتصبح الصورة التي تقدمها القصيدة العربية عبارة عن مشاهد منفصلة متتالية كل مشهد منها يُنسي الآخر أو يلغيه، وغالباً ما تكون المشاهد حسية، فالتشبيه يستهدف الانتقال بالمخاطب من المعقول إلى المحسوس(5 1). كما أن العلوم القائمة على الأثر والأمارة كلها تستند إلى آلية ذهنية واحدة هي المقاربة، تؤسسها الرؤية المتمثلة بالتجويز أو عدم السببية الضرورية، كما هو الحال مع النجامة والقيافة والفراسة والعيافة والكهانة والعرافة. فجميع هذه العلوم تستدل بالأثر على المؤثر، أو بالأمارة كعلامة على الشيء، استدلالاً ظنياً تخمينياً لا يقوم على يقين العلاقة التي تربط بين الأشياء كعلة ومعلول(6 1).

 النشأة العلمية والدلالة اللغوية على عروبة العقل

إذا كان ما قدّمنا إنما يدور في الثقافة العامية حيث تأثير المحيط المباشر وتكوينه لبنية (العقل العربي) لا شعوراً، على صعيد كل من الرؤية والمنهج؛ فإن تأثير هذا المحيط على الثقافة العلمية لم يكن مباشراً، بل كان من خلال اللغة التي حملت صورة العالم العربي الصحراوي، باعتبارها المتأثر المباشر بالبيئة الجغرافية للعرب. لذلك قدّم الجابري عدة معطيات تبرر حق الأولوية للغة العربية في دراسة مكونات (العقل العربي)، كان أهمها ما للغة من دور في حمل صورة الواقع وعكسه على (العقل العربي) ذاته. وهو يشير إلى تلك المبررات؛ معتبراً أن الإنسان العربي «يحب لغته إلى درجة التقديس، وهو يعتبر سلطتها عليه تعبيراً ليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضاً، فهو الوحيد الذي يستطيع الاستجابة لهذه اللغة والارتفاع إلى مستوى التعبير البياني الرفيع الذي تتميز به.. فالعربي (حيوان فصيح). فبالفصاحة وليس بمجرد العقل تتحد ماهيته». ومن هذه المبررات أن الدين الإسلامي بقي عربياً دون الاستغناء عن العربية، فلا يمكن نقل القرآن إلى لغة أُخرى دون المساس به. فالعربية جزء ماهية القرآن، كما يقول علماء أُصول الفقه. كذلك فإن هناك دوراً بالغ الأهمية للغة في الدراسات الإسلامية، حيث أن الكثير من الخلافات تنشأ عن الاعتبارات اللغوية. يضاف إلى أن الخلافات السياسية والمذهبية قد شدّدت من استغلال مطاوعة اللغة لصالحها.

يبقى أن أهم مبرر لدراسة اللغة لدى مشروع الجابري هو مساهمتها الأساسية في تحديد نظرة الإنسان إلى الكون، خصوصاً إن اللغة العربية ربما تكون الوحيدة في العالم التي ظلت دون أن تتغير منذ أربعة عشر قرناً، فلها على ذلك أثر عظيم على (العقل العربي) ونظرته للأشياء، وخصوصاً ـ أيضاً ـ إن أول عمل علمي منظّم مارسه (العقل العربي) هو جمع اللغة العربية ووضع قواعد لها، فمن المنتظر أن يكون هذا العمل نموذجاً لسائر الأعمال الأُخرى لسائر العلوم. فالمنهجية التي اتبعها اللغويون والنحاة الأوائل وكذلك المفاهيم التي استعملوها والآليات الذهنية التي اعتمدوها هي أصل لما اعتمده مؤسسو العلوم الإسلامية. وعليه فإن اللغة العربية هي «محدد أساسي ولربما حاسم للعقل العربي بنية ونشاطاً»(7 1).

من هنا نفهم أن المشروع الآنف الذكر هو محاولة جريئة لأن يجعل من الفكر العربي الإسلامي فكراً محدداً باللغة العربية البدوية الصحراوية، مؤيداً ذلك بما كان العلماء يحكّمون فيه آراءهم بالرجوع إلى الأعراب في البوادي، إخلاصا للمحافظة على أصالة اللغة من اللحن والعجمة، حتى أصبح «السماع من الأعرابي قد رسم حدود العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها»(8 1)، ذلك أن الأعرابي قد عكس البيئة الصحراوية البدوية على بنية العقل والثقافة العلمية. فالأعرابي هو صانع العالم العربي: «العالم الذي يعيشه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم والوجدان»(9 1). وبقدر ما يكون عالم الأعرابي ناقصاً فقيراً ضحلاً جافاً حسياً لا تاريخي بقدر ما يعكس أن يكون (العقل العربي) الذي خضعت بنيته تحت سلطة الأعرابي متصفاً بتلك المواصفات.

هكذا إن دراسة (العقل العربي) إنما هي دراسة اللغة العربية، باعتبارها الأساس للتكوين والبناء، سواء من حيث اعتماد اللغويين على أعراب البادية في جمع الكلمات الفصحى، أو من حيث التقنين النحوي واللغوي، إذ العلماء قننوا الكلام وقعّدوه ضمن قوالب مطلقة ونهائية، أو من حيث البلاغة التي تعطي للعلوم العربية الإسلامية طابعها الاستدلالي.

فأهم ما في المشروع هو محاولته تكوين جسر يجعل من نظرة الأعرابي الساذجة وطريقته في التقريب والتشبيه تمتد إلى النظرة العلمية داخل الفكر العربي الإسلامي، وذلك عبر عملية استضمارية، يكون فيها العلماء قد استضمروا قوانين الخطاب الجاهلي والإسلامي كما يستضمر علماء الطبيعة قوانينها، أو كما يستضمر الفرد قوانين محيطه الاجتماعي(0 2). ذلك أن العلماء المسلمين قد أخذوا عن عرب الجاهلية ـ لا شعوراً ـ المبادئ الثلاثة الأساسية (الانفصال والتجويز والمقاربة)(1 2)، الأمر الذي يعنـي أنهم قد استلهموا مـنهم كـلاً مـن الرؤية والمنهج.

فعلى صعيد الرؤية إن نظرية (الجوهر الفرد) القائمة على اعتبار وجود جواهر متجاورة؛ هي التي تحدد الرؤية البيانية المتمثلة بالانفصال والتجويز(2 2)، حيث إن هذا التجاور يجعل من الأشياء منفصلة غير متصلة، فتكون بذلك خارجة عن أن يتحكم بها قانون التأثير والسببية الضرورية، بل تخضع إلى قانون آخر يقع على نقيضه، وهو (التجويز). وهذه الرؤية لم تكن مفصولة عن الرؤية العامية السائدة لدى أعراب الصحراء. فالجابري يعتبر أن ما أوقع علماء الكلام في تلك الرؤية هو رجوعهم كغيرهم من أصحاب البيان إلى المعاجم اللغوية التي تظهر فيها بصمات حياة الأعرابي وبيئته البدوية. لذلك فقد استشهد بما كان يفعله علماء الكلام من الاستعانة بتلك المعاجم لتحديد المعاني اللغوية للموضوعات الكلامية التي يريدون تحريرها، ثم بعد ذلك يقومون بعملية التأسيس النظري لهذه الموضوعات، مما يجعلها حاملة لبصمات لغة الأعرابي وحياته، كما هو الحال مع المفاهيم النظرية لكل من المـكان والزمـان والسببية وغيرها(3 2). إذ البيانيون ينطـلقـون دائـماً في تـحديد مـفاهيمهم ومصطلحاتهم من السلطة المرجعية الأُولى في حقلهم المعرفي (اللغة)(4 2).

أما من حيث  المنهج فإن المحاولة البديعة التي شيّدها مشروع (نقد العقل العربي) إيفاءً بعروبة هذا العقل هو أنه جعل من أحد فروع اللغة والأدب العربي أساساً منهجياً للاستدلال، لا فقط في حدود الجانب اللغوي فحسب، بل حتى في سائر العلوم العربية والإسلامية كالفقه والكلام. لقد كان هذا العلم هو علم البيان، وهو من علوم البلاغة الثلاثة (علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع)، حيث كشف المشروع عن أن سائر العلوم العربية والإسلامية كلها فروع لعلم البيان، أو أنها على الأقل ذات موضوع واحد هو (البيان)، لذا أطلق على النظام الذي يعالج العلوم العربية الإسلامية بالنظام البياني لمبررات عديدة، فالأمر لا يتوقف على ما في اللغة من خاصية البيان والتبيان، حتى يصبح موضوع (العقل العربي) الأساسي هو البيان ذاته، كما انه لا يتوقف على ما تحمله لفظة (البيان) وما تنقله من صورة مصغرة عن العالم الذي تنتمي إليه، ولا على ما تدل عليه اللفظة لغوياً من معنى الانفصال، حيث مصدرها (بيْن) التي لها دلالة الفرق والانفصال، بل ولا كذلك اعتبار مختلف العلوم العربية والإسلامية فروعاً لهذا المفهوم كما عبّر الشافعي في رسالته للأُصول، بل الأهم من كل ذلك هو أن البيان عبارة عن منهج استدلالي بلاغي أكسب قيمته العالم البلاغي السكاكي بعد نفاد العلوم العربية الإسلامية ووصولها إلى المدى الأقصى. ذلك أن السكاكي قد جعل كتابه معنوناً (مفتاح العلوم) وليس (مفاتيح العلوم)، إذ أراد بذلك ـ كما استكشف المشروع ـ أن يجعل الأدب العربي هو الذي يمتلك صورة الاستدلال كأساس لسائر العلوم الإسلامية، خاصة وإنه قد عالج موضوعي الحد والاستدلال المنطقيين جنباً إلى جنب سائر علوم الأدب الأُخرى، الأمر الذي جعل الجابري لا يدشّن نظرية ثرية جديدة خاصة بتاريخ البلاغة العربية فحسب(5 2)، بل ويكشف في الوقت نفسه عن أن أساس العلوم العربية الإسلامية هو أساس واحد يعبّر عن المنطق الداخلي لتلك العلوم. حيث أن الصورة البيانية والبلاغية هي إما على هيئة تشبيه أو استعارة أو كناية أو تمثيل، وكلها ترجع إلى أصل واحد هو التشبيه، والتشبيه عبارة عن قياس، والمجاز هو ضرب من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله.

هكذا فإن جوهر البلاغة هو التشبيه، وأن التشبيه عبارة عن قياس (لمثال سبق)، ففي البلاغة إن المثال متمثل بمعنى لشعر شاعر قديم، وحاله كحال القياس النحوي والفقهي، إذ المثال الذي يقاس عليه فيهما هو النص، ففي النحو يكون النص عبارة عن كلام عرب البادية، وفي الفقه يكون النص عبارة عن الكتاب والسنة(6 2). كما إن حال القياس الكلامي في الاستدلال بالشاهد على الغائب لا يختلف عن حال التشبيه أو المقاربة أو القياس.

وبذلك يصبح منهج القياس والمقاربة البلاغية هو الذي يؤسس الرؤية التي تكرس مبدأ الانفصال والتجويز للعالم في الثقافة العلمية، على عكس ما كانت تقيمه هذه الرؤية من تأسيس لمنهج القياس في الثقافة العامية الأعرابية. كما إنه من الناحية التاريخية أن القياس عبارة عن تشبيه، على عكس ناحية المنهج المنطقي التي بيّنتها الثقافة العلمية من أن التشبيه عبارة عن قياس(7 2).

 اختلال المشروع وتناقضه
 
هكذا إن اختيار تسمية الفكر العربي الإسلامي بـ (العقل العربي) هو اختيار معرفي استراتيجي دون أدنى شك، فهناك مبررات عديدة تجعل من تلك التسمية لائقة ومتفقة مع طبيعة البحث. فهو مكرس للكشف عن أثر اللغة والمحيط على تكوين العقل وتأسيس بنيته وآلياته الاستدلالية، فكيف لا يكون عربياً؟!

لكن تظل هذه التسمية تسمية اكسيمية. بمعنى أن التعامل مع مشروع (نقد العقل العربي) هو تعامل قائم على اعتبار النظام الكلي من ذاته وداخله، لا بفرض الاعتبارات الخارجية غير المتفقة معه. وبالتالي فإن إطلاق عبارة (العقل العربي) تتوقف على الاعتقاد بصدق هذه المنظومة، أما مع عدم التسليم بصدقها فإن تلك العبارة تصبح فاقدة لشرطها المقوم.

إن الاختيار الآخر الذي يقف أمام عبارة (العقل العربي) هو (العقل الإسلامي)، إذ فيها يكون الطرح الاكسيمي للمنظومة الفكرية مبنياً على الاعتبارات المعيارية التي تتفق مع الروح الدينية. فبقدر ما تكون أكسمة هذه المنظومة دقيقة؛ بقدر ما تحافظ على معياريتها، مثلما هو الحال مع منظومة (العقل العربي). فرغم أن مشروع (نقد العقل العربي) يعترف بوجود النظرة المعيارية العامة التي تحكم العقل العربي وتوجّهه(8 2)؛ لكنه مع ذلك يحاول الحفاظ على نظامه الكلي عن طريق تغييب العقل المعياري بادغام تلك النظرة وإهمالها، حتى وإن كان يراها مفرزة من مفرزات الجغرافية العربية. فطريقته التي رسم فيها تشكيلة بنية العقل بصورتها اللا شعورية في الثقافة العامية وبصورتها الواعية في الثقافة العلمية؛ لا تضع مجالاً لافتراض وجود بُعد معياري في التأسيس والتأثير. لذلك فهو لم يشأ أن يجعل الطابع المعياري لمفهوم (العقل) كما تمّ تحديده من قِبل العلماء والعرب عبر المعاجم اللغوية؛ ينجرّ على فهمنا لـ (العقل العربي) ذاته. فالجابري صريح في التمييز بين العقل كمفهوم ذي طابع معياري عـند العـرب، وبين (العقل العربي) نـفسه(9 2). ومع ذلـك فالأمـر لا يعني براءة هـذا الأخير من ذاك، بل اختزاله وتذويبه.

ومع هذا فالملاحظ إن مشروع (نقد العقل العربي) لم يحافظ على توازن نظامه الاكسيمي. إذ كان يعاني من التناقض الذاتي إلى الدرجة التي يمحي فيها خصوصية (العقل العربي) ذاته. فإضفاء طابع (العروبة) على العقل يعود أساساً إلى اعتبارات اللغة والبيئة العربية، وهي بالفعل متحققة تماماً في المشروع، حيث نجد الحرص الكامل لإعطائها الدور الحاسم في عملية إرساء بنية (العقل العربي) وتكوينه. إذ ظل عاملا اللغة والبيئة يواكبان مسيرة هذا العقل في نشأته وتطوره والنتائج المترتبة عليه. مع ذلك فالمشروع يضيق عن الاعتراف بأن هذا العقل هو (العقل العربي) بكليته، فهو يضعه كنظام منفصل وسط ثلاثة أنظمة متضاربة، كلها داخلة فيما يطلق عليه (العقل العربي)، وهي النظام البرهاني الفلسفي والنظام العرفاني الصوفي، مضافاً إلى النظام البياني الذي يستقل بالدلالة اللغوية المتسقة مع تنظير المشروع للغة العربية واعتبارها أساس (العقل العربي).

فمن مبررات إضفاء طابع (العروبة) على تسمية العقل؛ هو أن اللغة العربية كانت ومازالت المرجع المعرفي الأول لكل مفكر بياني، إذ اللغة هي السلطة المرجعية الأُولى والأخيرة للـنظام البياني(0 3). فتسمية النظام الذي يقوم على اللغة العربية بالنظام البياني هي تسمية في محلها. وأهم ما في هذه التسمية من دلالة هو ما وصل إليه السكاكي البلاغي من تشييد لطبيعة الاستدلال في العلوم الأدبية ـ خاصة علم البيان ـ واعتبارها أساساً لسائر العلوم الأُخرى، كالفقه والكلام وغيرهما، حيث يصبح الاستدلال قائماً منهجياً على اللغة ذاتها، من حيث إنها نحو وأدب وبيان. يضاف إلى ذلك ما للبيان من دلالة على الانفصال كما تشير إليه المعاجم اللغوية مما ينسجم تماماً مع نظرية الانفصال التي تكرسها الرؤية العلمية لعلم الكلام، ناهيك عن رؤية الأعرابي وعرب الجاهلية للعالم الخارجي. فبقدر ما كان هذا النموذج يتسق مع خصوصية (العروبة) و (العقل العربي)، إذ مردّه إلى اللغة والبيئة؛ بقدر ما كان النظامان الآخران على خلاف معهما. فهما من حيث المصدر يقعان خارج نطاق دائرة البيئة العربية، ولا علاقة لهما بلغتها، وهو ما يؤكده الجابري بنفسه إذ يقول: «.. على الرغم من الأهمية الكبرى التي نوليها لدور اللغة العربية في تشكيل الفكر العربي وتوجيه آلياته فإننا لا نعتبرها العنصر الوحيد المؤسس له. إننا ننظر إلى (العقل العربي) بوصفه نتاج الثقافة العربية الإسلامية التي تأسست على نظم معرفية ثلاثة: نظام معرفي لغوي عربي الأصل، ونظام معرفي غنوصي فارسي هرمسي الأصل، ونظام معرفي عقلانـي يونانـي الأصـل…»(1 3). علـى ذلـك اعتـبر أن شعـراء الجاهـلية والصحـابة والكلاميين والفلاسفة والعرفاء الإسلاميين والمحدثين المعاصرين وغيرهم من العرب؛ كلهم يقفون على خشبة مسرح واحد هو مسرح الثقافة العربية(2 3).

وهنا نسأل: ما هو المبرر الذي جعل مشروع (نقد العقل العربي) يضم نظامي البرهان والعرفان مع النظام البياني في بنية واحدة، رغم ما في هذه النظم من تناقض يجعل من (العقل العربي) متناقضاً في حد ذاته؟ فالنظام البياني بما هو نظام نحوي لغوي بلاغي يناقض النظام البرهاني العقلي، وقد أظهر الجابري انفجار هذا التناقض في مناظرة السيرافي النحوي مع متى المنطقي، مبيّناً أن هناك تناقضاً تاماً بين نظام النحو العربي ونظام المنطق الأرسطي. كما ان هناك تناقضاً بين النظام العرفاني القائم على (اللا معقول) وبين النظامين البرهاني والبياني. فما مبرر جعل (العقل العربي) يتناقض إلى هذا الحد؟

لا يخفى إن الجابري قد قام بتقديم بعض المبررات التي تجعل من النظامين الآنفي الذكر داخلين ضمن بنية (العقل العربي). فهو يرى أن الموروث القديم للعرفان والفلسفة ليس دخيلاً ولا أجنبياً على تاريخنا القومي، إذ كانت مواطنه عربية لمدة عشرة قرون قبل عصر التدوين، في الإسكندرية وأنطاكية وأفامية وحران والرها ونصيبين ثم في بغداد، بل ومن قبلها جميعاً في بابل ومصر واليمن، «والأهم من  ذلك كله هو أن ذلك الموروث القديم قد دخل كجزء لا يتجزأ في الثقافة العربية الإسلامية التي تشكل أهم عنصر في الشخصية العربية الإسلامية منذ أن أخذت تعي ذاتها في عصر التدوين ذاته». ومع هذا فإن الجابري يستدرك ويقرر: «نعم لقد اعتبر الموروث القديم علوماً دخيلة في عصر التدوين نفسه، وهذا صحيح، ولكن بمعنى أنه داخل الدائرة العربية البيانية وضايقها..»(3 3).

والواقع إن هذا التبرير لا يخفي التناقض الذي يطال (العقل العربي). فالجابري يعي أن نماذج الفكر العربي الإسلامي هي نماذج  متعارضة لا يجمعها جامع، لا من حيث الطريقة ولا الرؤية. وهذا التعارض يعني بالنتيجة تناقض (العقل العربي) ذاته، حيث يصبح الحال أن هناك عقولاً ثلاثة متخالفة فكيف يمكن ضمّها في عقل واحد؟!

لا شك إن هذا التناقض غير غائب على مشروع (نقد العقل العربي)، لذلك فهو يسعى أحياناً للتخفيف من حدّته عبر تحديده للعلاقة بين الفلاسفة الإسلاميين والثقافة العربية، حيث جعل من هؤلاء الفلاسفة يقرأون الثقافة اليونانية بواسطة الثقافة العربية. وهو يضع قاعدة (عرفية) تتحدد بموجبها (الجنسية الثقافية) لكل مفكر، من حيث إن التفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها، لذا اعتبر «الفارابي مثلاً الذي فكّر في قضايا الثقافة اليونانية هو مفكر عربي لأنه فكّر فيها بواسطة الثقافة العربية ومن خلالها». وفي نفس الوقت إن «التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثيّاتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان كما تحددها مكونات تلك الثقافة»(4 3).

والواقع إن المشروع حاول أن يعكس علاقة الفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين بالثقافة العربية الإسلامية كي يجد مجالاً لحشرهم ضمن بنية (العقل العربي) ولو أفضى ذلك إلى التناقض. فهو يجعل الفلاسفة الإسلاميين وكأنهم يفكرون في قضايا يونانية بواسطة الثقافة العربية، مع أن العكس هو الصحيح، إذ إنهم يفكرون في قضايا يونانية وإسلامية بواسطة الثقافة اليونانية ذاتها، وبواسطة (العقل اليوناني)، فهو الأساس، وإلا فكيف يعترف المشروع أن أساس ما يقوم عليه الفلاسفة الإسلاميون هو البرهان والعقل الكوني الذي هو أداة (العقل اليوناني) كما نظّمه أرسطو تأثراً ببيئته وظروفه الخاصة؟!

وكما حاول المشروع أن يعكس العلاقة في طبيعة ارتباط الفلاسفة الإسلاميين بالثقافة العربية واليونانية، لهدف ضم النظام البرهاني ضمن (العقل العربي) فإنه حاول بنفس هذا الاتجاه والهدف ليجعل من تاريخ العلوم الدخيلة المتمثلة أساساً بالنظامين البرهاني والعرفاني؛ تاريخاً قومياً مديداً، رغم أن هناك فرقاً بين اعتبار امتداد التاريخ العربي للعلوم الدخيلة وبين العلوم العربية ذاتها، إذ بقدر ما كانت نشأة العلوم العربية من نفس الوسط العربي، فإن العلوم الدخيلة كانت مكتسبة بالأساس من وسط آخر، سيما الوسط اليوناني الذي ولدت فيه الفلسفة بما تعبّر عن تنظير علمي للوجود والواقع، ثم بعد ذلك جاء العرفان كرد فعل على العقل الفلسفي.

ومع ذلك لو جارينا المشروع وقبلنا معه أن الفلاسفة الإسلاميين يقيمون ثقافتهم أساساً على الثقافة العربية، ولو قبلنا معه ـ أيضاً ـ أن تاريخ الفلسفة والعرفان عريق ومديد عند العرب منذ القدم، مما يبرر أن تكون مثل هذه الأنظمة داخلة ضمن النظام العربي.. لكن ماذا سيبقى بعدُ من خصوصية لـ (العقل العربي)؟! فهذا التصور يجعل من (العقل العربي) في حد ذاته غير عربي، أي أنه (عقل عالمي)، فليس هناك فرق بين ما هو عربي وما هو غير عربي، إذ جميع العقول الأساسية في العالم تصبح عبارة عما نطلق عليه (العقل العربي)، الأمر الذي يجعل من هذا الإثبات علامة نفي معاكسة لخصوصية العروبة للعقل.

لقد كان من المحتّم على مشروع (نقد العقل العربي) أن يقع في التناقض بنفي الخصوصية الذاتية لعروبة العقل التي كرّس ذات المشروع لإيجاد المجال الواسع لإثباتها وترسيخها، ولم يكن ذلك إلا لتهاون المشروع في تعامله غير العادل مع الأنظمة المعرفية الثلاثة التي تمثل عقولاً معرفية تختلف فيما بينها تبعاً للنظرة الاكسيمية داخل نفس المشروع وليس خارجه.

على أنه من حقنا التساؤل: لماذا وقع المشروع في عملية إفناء ذاته؟ فكما علمنا فهو قد حاول أن يثبت عروبة العقل عن طريق نفيه بنفي الخصوصية الذاتية، مما يعني أن ذات المشروع قائم على نفي ذاته، فهل كان الجابري غافلاً عن هذه الحقيقة المترتبة على مشروعه ككل؟ خصوصاً وإنه يحصر عقول العالم ـ بما تعبّر عن تنظير علمي ـ في ثلاثة هي العقل اليوناني والعقل العربي والعقل الغربي الحديث؛ معتبراً وجود الثبات والاتفاق بين العقلين اليوناني والغربي الحديث، مما يجعلهما في بنية عقلية واحدة، حيث أنهما يقومان على نقطة معرفية مركزية هي المطابقة بين العقل والطبيعة، وأن العقل يكتشف نفسه في الطبيعة ومن خلال التعامل معها(5 3) .

فإذا صحّ ما يقوله الجابري بأن (العقل العربي) يختلف عن العقلين الآنفي الذكر؛ بتمحور علاقاته حول ثلاثة أقطاب، إذ هناك  قطبـ (الله) المضاف إلى قطبي (الإنسان والطبيعـة) الذين يتعامل معهما مـفكرو اليونـان والغـرب الحـديث(6 3).. فهـل كـان الفـلاسفـة الإسلاميون يختلفون في تعاملهم مع هذه الأقطاب عن اليونان والغرب الحديث؟

الواقع إنه لم تكن هذه التسوية التي اصطنعها الجابري سليمة. فمن جهة إن الفلاسفة الإسلاميين يقومون على ذات العقل الذي يقوم عليه الفكر اليوناني، ويفكرون من خلال نفس المنظار، وإن أضافوا بعض الإشكاليات النظرية التي لم يسبق لليونانيين أن فكروا فيها وعالجوها، بحكم بعض العوامل والتي منها الظرف الإسلامي الذي عاشوا في كنفه. ومع ذلك فإن هذه الإشكاليات خضعت بدورها لنفس التفكير والنهج والأساس، كما هو الحال مع إشكاليات (العقل والنص، والعقل والوحي، والعقل والكشف، والوجود والماهية.. الخ).

من جهة أُخرى هناك فارق أساسي بين العقلية اليونانية والعقلية الغربية الحديثة، لا فقط في حدود الإشكالية التي يبحثان فيها، إذ الإشكالية اليوناية هي إشكالية العقل والوجود عامة، والإشكالية الغربية الحديثة هي إشكالية العقل والطبيعة بالخصوص.. بل كذلك إنهما يختلفان أساساً حول سير المعرفة وطريقتها ونوع العلاقة التي تربط بين العقل والطبيعة. فالتفكير اليوناني يجعل من العقل أساساً في التفكير، وهو يصدر عن رؤية فوقية تؤسس نسغاً نزولياً تبعاً لطريقة البرهان القياسية. أما التفكير الغربي فهو في الغالب على العكس، إذ يجعل من التجربة الطبيعية أساساً لتفكيره، ويصدر عن رؤية دونية تؤسس نسغاً صعودياًًً تبعاً لطريقة العلم الاستقرائي(7 3). وهو في ذلك لا يجعل من (الله) قطباً مضافاً إلى قطبي العقل والطبيعة أو الإنسان والطبيعة، بخلاف ما هو الحال في التفكير اليوناني، إذ إن محور العقل مستمد بكليته من قطبـ (الله) باعتباره يمثل العقل الكلي كله، والذي عليه تتدرج قابليات سائر العقول المتنزلة عنه بما في ذلك العقل البشري أو الإنسان.

وعلى العموم يخطئ الجابري حين يتصور وجود مماثلة بين الحضارتين اليونانية والغربية تتمثل في كون العقل الغربي يتبنى كنظيره اليوناني الاعتقاد بمطابقة العقل لقوانين الطبيعة، مستشهداً على ذلك بديكارت وغاليلو والعلم المعاصر عن الذرة والفضاء، بل وبما فهمه (العلم المعاصر) عن العقل بأنه جملة من القواعد المستخلصة من موضوع ما، مما يعني ضمـنياً المطـابقة بينه وبين قـواعد المـوضوع(8 3). فـإذا صدق هـذا التصور ـ نسبياً ـ على عصور ما قبل القرن العشرين ابتداء من النهضة فعصر التنوير ثم الحداثة؛ فإنه لا يصدق أبداً مع عصر ما بعد الحداثة. فقد كاد يصبح من المسلم به أن قوانين الطبيعة الأساسية عبارة عن صياغات عقلية مفترضة لا تعبر بالضرورة عن مطابقتها للطبيعة. فعلى الأقل فيما يتعلق بالنظريات ذات التعميم العالي والنظريات التي تتناول الظواهر البعيدة عن مجال الخبرة والتجربة الحاسمة؛ تقرر أن من المستحيل إثباتها على وجه اليقين. فما من نظرية من تلك النظريات إلا وتعبر عن بعض الافتراضات التي تُعزز بالشواهد والتجارب، لكن دون أن تصل إلى مرحلة الحسم. لهذا فقد تتنافس أكثر من نظرية على تفسير ظاهرة ما، وفي هذه الحالة يميل العلم المعاصر إلى الأخذ بالنظرية التي يتوفر فـيها عنصر البساطـة والاقـتصاد والجمـال بشكـل أعـظـم(9 3)، فضلاً عـن التـعزيز بالمشاهدات والتجارب.

وعليه لا يمكن تصور أن ما عرف عن الذرة وعن الفضاء يطابق بالضرورة الواقع كلياً، فمازالت هناك فروض وتقديرات تزداد بقدر ما كانت الظاهرة بعيدة أكثر عن مجال الخبرة المباشرة. فضلاً عن أن العلم المعاصر يؤمن بأن معرفة الموضوع الخارجي كـ (شيء في ذاته) أصبح من المستحيلات مثلما كان يراه (عمانوئيل كانت)، ذلك أن تأثر الموضوع بوسائل المعرفة المسلطة عليه كالأشعة مثلاً يجعل من المستحيل على العقل البشري أن يطابق ما هو عليه الموضوع الخارجي، وهو بهذا الفهم لا يكون مؤيداً للنظرية الهيجلية التي تركز على الصيرورة التاريخية في تحقيق المطابقة بين العقل ونظام الطبيعة كـما يوهـم الجابري(0 4). أما تعـريف العقـل ـ الآنـف الذكـر ـ فـإنه لا يطابق واقـع الافتراضات العقلية البعيدة عن مجال الخبرة المباشرة، ذلك أنها ليست مستخلصة من الموضوع الخارجي ذاته. لكنّا مع ذلك نرى أن هناك مماثلة بين الحضارتين (اليونانية والغربية) من نوع آخر سبق أن فصلنا الحديث عنها في كتاب (مدخل إلى فهم الإسلام)(1 4).

مهما يكن فلو تسامحنا بعض الشيء إزاء ما فعله الجابري في ضمّه للعقلين اليوناني والغربي في بنية واحدة، وذلك باعتبارهما متوجهين نحو إشكالية مشتركة هي إشكالية الطبيعة أو العالم الخارجي بالرغم من الاختلاف بينهما في حدود هذه الإشكالية.. إلا أننا لا نجد عذراً بشأن الخطأ الخاص بضمّه للعقول الثلاثة (البياني والعرفاني والبرهاني) ضمن بنية عقلية واحدة هي (العقل العربي)، مع ادراكه أن العقل البرهاني هو العقل اليوناني ذاته، فكيف يُضم تحت طاولة (العقل العربي)؟ ومن أين نجد الفارق بينه وبين بقية العقول، كالعقل الغربي، إذا ما كان هذا الأخير متحداً مع العقل اليوناني؟ فالنتيجة تصبح أن (العقل العربي) هو ذاته متحد مع العقلين معاً.

 الدافع الأيديولوجي للمشروع

لا شك أن هناك دافعاً هاماً يقف خلف مشروع الجابري ككل. فلقد سبق أن ذكر ـ وكما عرفنا ـ أن إضفاء وسام (العروبة) على مشروعه في العقل، أو العقل في العروبة؛ كان لبعض الدواعي، وليس المهم فيما ذكره من هذه الدواعي، بل الأهم هو ما سكت عنه بالذات، حيث هناك الدافع الآيديولوجي كهدف واضح في المشروع. إذ المشروع يهدف إلى نهضة، وهذه النهضة تريد أن تتكىء على نموذج صالح للانطلاق منبعث من نفس التاريخ العربي، ولما كان النظام البياني لا يفي بهذا الشرط من الصلاحية، وأن ما يراه المشروع كنموذج صالح للنهضة إنما هو الاعتماد على طريقة البرهان (العقلانية)؛ لذا فمن غير المعقول أن يكون المشروع يهدف إلى نهضة عربية من خلال عقل غير عربي، في الوقت الذي يطرد النموذج العربي البياني الأصيل. وعليه كان من الضروري أن يجعل من النموذج اليوناني عربياً حتى يتسق مع برنامج النهضة ذاتها، في الوقت الذي يحقق من خلاله إيصال تاريخنا بالتاريخ الثقافي العالمي.

وبالفعل إن الجابري عقيب ضمّه للعلوم الدخيلة ضمن تاريخنا القومي؛ أعلن عن مهمته في النظر بروح نقدية لمختلف مكونات تراثنا كسبيل صحيح يمكننا «من امتلاكه فعلاً والتحرر بالتالي من نماذجه التي تستعبدنا وبكيفية خاصة النموذج الجاهلي البدوي (الأعرابي) الذي مازال حضوره قوياً في وجـداننـا ورؤانا (العقلية) »(2 4). لذا اعتبر أن دعوتـه هـذه لا فـقـط توصل تاريخنا بالتاريخ الثقافي العالمي، بل أيضاً ـ وهو الأهم ـ  «من أجل تبيان مكونات الثقافة العربية الإسلامية وفحصها ونقدها وصولاً إلى اعادة بناء الذات العربية على أُسس جديدة قوامها التخلص من رواسب النماذج السلـبية المـاضية..»(3 4). ثم إنـه جعـل رائـده في ذلك «خدمة قضية العقلانية في الفكر العربي»(4 4).

وإتماماً للمطاف يرى أن إعادة بناء الذات العربية لا تتحقق إلا من خلال النظام البرهاني الأرسطي. لذا فهو يدعو إلى قطع الصلة بالجنبة المشرقية البيانية والعرفانية من العلم العربي، وإبعاث الجنبة المغربية المغيّبة والقائمة أساساً على البرهان الفلسفي الأرسطي كما لدى ابن رشد. وقد كلّفه ذلك أن يخلط بين مفكري الأندلس والمغرب ليضعهم في قائمة أرسطية واحدة، بالرغم من أن بعضهم ينتمي صراحة إلى العرفان كما هو الحال مع ابن طفيل، والبعض الآخر إلى البيان كما هو الحال مع إبن حزم والشاطبي وابن خلدون.

كل ذلك كان من صنيع المشروع باعتباره يدعو إلى عصر تدوين جديد يعيد الحياة إلى النظام البرهـاني الذي ببنيته قـام الفكر الغـربي الحديث والمعاصر(5 4)، معتبراً أنه لا بد لـهذا العصر الجديد من بداية هي نقد السلاح، نقد (العقل العربي)(6 4). وبهذا يكون المـشروع عبارة عن بداية هذا العصر، الأمر الذي يعني أن كتاب (نقد العقل العربي) لا يمكن أن يحقق غرضه من إبعاث النهضة في الأُمة العربية ما لم يثبت أن النظام البرهاني كنموذج سليم وصالح هو نموذج عربي، أو هو داخل في بنية العقل العربي الذي يراد له النقد والإصلاح والتجديد والنهضة.

  المشروع واغتيال اللغة والعقل

لو تجاوزنا ما تقدَّم من تناقض المشروع الذي شهدنا فيه إفناءه لخصوصية العروبة في العقل؛ فرغم ذلك تظل بنية (العقل العربي) حسب الأكسمة التي هندسها صاحب المشروع هي بنية قائمة في الأساس على اللغة بما تعكسه وتنشره من أثر المحيط والبيئة الصحراوية. وطبقاً لهذا الاعتبار فبقدر ما تكون اللغة غنيّة بقدر ما يكون العقل غنياً، وكذا بقدر ما تكون اللغة فقيرة بقدر ما يكون العقل فقيراً ضحلاً.

لقد استنتج مشروع (نقد العقل العربي) ضحالة اللغة بضحالة البيئة وفقرها، وقد جعل ذلك منعكساً على (العقل العربي) ذاته، فهو ضحل ضئيل لا يعرف أن يفكر خارج حدود النص، فمنه يبتدىء وإليه ينتهي، حتى لدى الذين عرفوا بالنزعة العقلية كالمعتزلة.

ونحن لو تجاوزنا الأثر المبالغ للغة على العقل إلى الدرجة التي تطوقه تطويقاً كاملاً، وغضضنا الطرف عن المحيط الصحراوي بما له من دور في تحديد معرفة الانسان، وأردنا أن نتعرف على اللغة العربية ذاتها، فسنجد أنها تمتاز بصفة لا تنافسها أيّ لغة أُخرى، وهي ثباتها وقدرتها على الصمود أمام طول تغيرات الحياة عبر القرون، فضلاً عن تاريخها المديد، إذ لا يعرف لها تاريخ محدد، فلا يعرف لها طفولة ولا شيخوخة، بل كل ما عرف عنها هو النضج والكمال، بخلاف نظائرها من اللغات التي طغت على العالم، كالاسبانية والانجليزية، إذ يقدر تاريخهما ببضع قرون محدودة. حتى أن (أرنست رينان) على الرغم مما عرف عنه بالعنصرية والتعصب؛ قد شهد لها في كتابه (تاريخ اللغات السامية) فاعتبرها قد بدأت فجأة على غاية الكمال، وانتشرت سلسة غنية وكاملة لم يدخل عليها أيّ تعديل مهم، وهو يرى أن بدايتها الكاملة هي من أغرب ما وقع في تاريخ البشر ويصعب حلّه(7 4) .

وفوق كل ذلك فإن اللغة العربية لها امتياز خاص بكثرة موادها وكلماتها، فهي من هذه الجهة تتفوق على ما سواها من اللغات العالمية المعروفة. فعدد كلمات اللغة الفرنسية (5 2) ألف كلمة، وكلمات اللغة الانجليزية مائة ألف كلمة، أما العربية فعدد موادها (0 0 4) ألف مادة، وإذا نظرنا إلى معجم لسان العرب وحده لوجدنا أنه يحتوي على
(0 8) ألف مادة لا كلمة (8 4). ويكفي أن نعرف أن الخليل الفراهيدي في كتابه (العين) قد أحصى عدد كلمات العربية بما يزيد على اثنتي عشرة مليون كلمة، وأن ما يلفظ منها هو أكثر من ستة ملايين ونصف المليون كلمة، لكن لا يستعمل منها إلا أكثر بقليل من خمسة آلاف ونصف كلمة.

ومع ذلك اتهمت هذه اللغة بعدة اتهامات لها دلالة على عدم الصلاحية، ووصفت بالعي والقصور منذ القرن الماضي حتى كُللت أخيراً بيد الجابري. فالبعض اتهمها بعدم صلاحيتها للتكلم بخلاف ما في العامية، كما أن هناك من دعى إلى تمصيرها كما هو الحال مع دعوة لطفي السيد، الذي كتب عدداً من  المقالات في (الجريدة) عام  3 1 9 1م؛ اتهم فيها العربية بأنها واسعة في القاموس، ضيقة في الاستعمال، مخصبة في المعاني والمسميات القديمة، مجدبة في المعاني الجديدة والاصطلاحات العلمية، وأن رقيّها قد انقطع منذ قرون طويلة، وبالتحديد منذ أيام النهضة العباسية. كما أن محرر المرأة (قاسم أمين) اعتبر اللغة العربية قد مرت عليها قرون طويلة وهي واقفة، بينما أخذت اللغة الاوروبية في التحول والرقي كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم. كما وكتب عبد الله حسين في صحيفة (الأهرام) عام  6 2 9 1م؛ فادعى أن العربية عجزت عن تأدية العبارة الدقيقة لحياة الصناعة وأسرار الطبيعة، وقد ظهر ذلك حين أراد المترجمون أن ينقلوا إلى اللغة العربية كتب الأدب، فاجتهد كل مترجم بتصرفه الشخصي. وهذا ما جعله يشير إلى ضرورة الأخذ باللغة العامية باعتبارها ـ حسب تعبيره ـ أداة التعبير الحقيقية عن مطالبنا وأحاديثنا(9 4).

مهما يكن من أمر فقد ظهرت دعوات لتهذيب اللغة وإصلاحها أدت إلى إنشاء عدد من المجامع العلمية، حيث بدأت فكرة انشاء أول مجمع في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتبلورت الفكرة (عام  3 9 8 1م)، إذ عُقدت عدة جلسات أُتفق خلالها على عدد من الكلمات الخاصة بتسمية بعض مظاهر الحضارة الحديثة. ثم بعد ذلك ظهرت هناك عدة مجامع لغوية أهمها المجامع الأربعة التالية: المجمع العلمي في دمشق (عام  9 1 9 1م)، والمجمع اللغوي في القاهرة (عام  2 3 9 1م) (0 5) ، والمجمع العلمي في بغداد (عام  7 4 9 1م)، وأخيراً المجمع الاردني (عام  6 7 9 1م) (1 5).

على إنا لا نجد تنظيراً دقيقاً ومنظماً في اتهام اللغة العربية، إلا لدى مشروع (نقد العقل العربي) ذاته، فهو مكلل لتلك النتائج، ذلك إنه يذكر خاصيتين للغة العربية، هما: لا تاريخيتها، أي كونها جامدة غير متطورة، وكذلك طبيعتها الحسية. فالخاصية الأُولى راجعة إلى الطريقة الاشتقاقية الصارمة للقياس اللغوي للفراهيدي، حيث صارت اللغة العربية جامدة ومحددة في إطار المجموعات الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية، دون أن يكون اللغويون قـد راعـوا وضع قواعـد تـحافظ على إمـكانية التطـور والتـجدد (2 5). إذ بدأت العملية بعملية التماس سند واقعي لفرض نظري: «فالكلمات صحيحة لأنها ممكنة وليس لأنها واقعية»(3 5). أما الخاصية الثانية، خاصية طبيعتها الحسية، فهي لأنها قد جُمعت من الأعراب البدو ذوي الحياة الحسية، مما ترك فيها بصمات الأعرابي وظروفه المحدودة، إلى درجة أن الجابري استشهد بقول الأرسوزي من أن «الكلمات العربية ذات أُصول في الطبيعة، وأن مبدأ الصحة فيها قد تعيّن من قبل الفطرة لا من قبل العرف والعادة»، بحيث إن كل كلمة لا يمكن إرجاعها إلى صورة صوتية مقتبسة من الطبيعة لهي كلمة دخيلة على اللغة العربية(4 5). على ذلك اتهمها بأنها تحمل غنى بدوي في قبال الفقر الحضاري، يتمثل في كثرة المترادفات، كثرة راجعة في جزء منها إلى الاشتقاق الصناعي على طريقة الخليل، وفي جزء آخر إلى السماع من قبائل مختلفة. فأصبح هناك تضخم في الكلمات التي لها معنى واحد ومن أصل واحد فصار هناك فائض في الألفاظ بالنسبة للمعنى. وهذا هو علة جمود العقل العربي، فكما «إن السماع من الأعرابي قد رسم حدود العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها.. فإن صناعة اللغويين والنحاة قد قولبت بدورها العقل الذي يمارس فعاليته في هذه اللغة وبواسطتها». فالنحاة فضلاً عن اللغويين قد قننوا الكلام وحجّموه بواسطة قوالب اعتبروها مطلقة ونهائية، إذ كرسوا في اللغة «صيغاً منطقية تتحكم في ديناميتها الداخلية وبالتالي تقـتل إمكانية التـطور فـيها»(5 5). وهو يعـتبر أن هـذا الفـقر المعـنوي مصحوب بغـنى سحري، إذ «النغمة الموسيقية في اللغة العربية تعوض أو تغطي فقر المعنى، وتجعل الكلام الذي يجرّ معه فائضاً من الألفاظ ذا معنى حتى ولو لم يكن له معنى»، حيث أن الأُذن أصبحت تنوب عن العقل في الرفض والقبول(6 5).

لكنه في الوقت نفسه يُلقي باللائمة في ذلك الفقر وعدم التطور على اللغويين والنحويين لانصرافهم عن النص القرآني عند جمعهم اللغة ووضع قواعدها، وكذلك لانصرافهم عن المراكز الحضارية والقبائل المتحضرة، كقبيلة قريش والمجتمع المكي والمديني على عهد الرسول والخلفاء، إذ لا تنقل المعاجم اللغوية أسماء الأدوات وأنواع العلاقات التي عـرفـها ذلـك المجتمع(7 5).

على أن نقد الجابري يلوح المعاجم بالدرجة الرئيسية أكثر مما يلوح التقنين اللغوي والنحوي. ذلك إن عملية التقنين وإن كانت قد حددت الكلام العربي ضمن قوالب ثابتة، إلا أنها لم تؤثر أبداً على ناحية الافتقار اللغوي، وذلك لوجود الوفرة اللغوية من جهة، ولكون عملية الاشتقاق في التقنين قد ساعدت بإعطاء الفائض من المعنى في غالب الأحيان. فليس من الصحيح اتهام هذه العملية بإفاضة المرادفات ذات المعنى الواحد، بل العكس هو الصحيح، حيث هناك اختلاف واضح في المعاني بين المشتقات ذاتها وبينها وبين مصادرها اللغوية، بالرغم من وجود الجامع المعنوي المشترك الذي يضمها جميعاً في خانة واحدة. فمثلاً هناك تمايز بين المصدر (خرج / خروج) وبين مشتقاته مثل (أخرج / تخرج / استخرج / مخرج / إخراج / استخراج.. الخ)، كذلك هناك فرق بين المشتقات ذاتها، فهي ألفاظ لها دلالات مختلفة وإن كانت تنتمي إلى المشترك العام من المعنى.

يظل أن حملة الجابري الأساسية شُنّت على ما جُمع من ألفاظ لغوية فقيرة المعنى قد أثرت بدورها على مختلف العلوم العربية والإسلامية، في الوقت الذي أُهملت الاصطلاحات العلمية والفلسفية دون أن تدوّن في القواميس اللغوية لاعتبارها دخيلة على لغة الأعراب الأقحاح. وعليه اعتبر اللغة العربية في القواميس لا تسعف الإنسان العربي بالكلمات الضرورية عندما يريد أن يعبّر عن أشياء العالم المعاصر، رغم أنها على درجة عالية من الرقي من حيث آلياتها الداخلية للتفكير والكتابة(8 5).

والملاحظ قبال الاعتراضات الأساسية التي أُثيرت على اللغة العربية هو أن حقيقتها لم تُثر اتجاهها بالخصوص، بل أُثيرت حول المعاجم اللغوية التي اهتمت بألفاظ أصبح الكثير منها لا يُستعمل، في الوقت الذي تخلو فيه من التعبير عن الحاجات العصرية، وهذا ليس قصوراً في اللغة، بل في الجامعين لها لأغراض تخصهم، ولإمكاناتهم المحدودة في ظرف لم يشهد تطوراً في علوم الطبيعة مثلما عليه اليوم، لهذا نجد المعاجم القديمة تخلو من أسماء آلاف النباتات والحيوانات، وهي تعاني من الاضطراب في الخلط في التسميات أحياناً وعدم الدقة في وصف تلك الكائنات وتصنيفها أحياناً أُخر(9 5). لكن بخصوص العلوم الفلسفية والإسلامية وبعض العلوم الطبيعية التي لا تحتاج إلى التسميات الكثيرة مثلما هو الحال في علمي النبات والحيوان؛ فقد كانت مثقلة بالمعاني والاصطلاحات العلمية، ولم يكن هناك شعور ما بأيّ فقر لغوي أو معنوي، إذ الألفاظ والعبارات غنيّة بالمعاني لكثرة استخدام المجاز والسعة في التعبير، وقد ساعد ذلك على كتابة الملخّصات العلمية المضغوطة دون نقص في المعنى ولا زيادة في ذكر الألفاظ. مما يعني أن هذه اللغة لا تحمل قوة في المعنى فقط، بل كذلك إن طابعها المجازي جعل من الخطأ اعتبارها لغة حسية. فلفظة اليد تعني في التعبير هذه اليد الجارحة، وفي تعبير آخر لها دلالة على القوة والقدرة، وكذلك على السيطرة، وعلى الملكية… الخ. وكذا مفهوم الرأس، كرأس دابة، ورأس مال، ورأس قوم، ورأس العين، ورأس الأمر… الخ. وعليه فالمسألة تخرج عن حدود المعاجم بما تحمله من ألفاظ، فحيثما تتحول إلى عبارة فإنها في الغالب تأخذ طابعاً آخر هو المجاز والتجرد للمرونة التي يفيضها سياق النص على الكلمة.

لهذا شهدت الثقافة الإسلامية خلافاً حاداً بين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من جهة، وبين من سبقهما من العلماء من جهة أُخرى؛ حول ما إذا كان هناك مجاز في اللغة أم لا؟ لكثرة ما وجد من الدلالات المختلفة الصور والمتباينة التجريد والمعنى للكلمة الواحدة، فمنـهـا دلالات حسية، وأُخرى غير حسية (0 6). وهو ما جعـل المتصوفـة كالغزالي وغيره يوظّفون هذه المزية لإعطاء اللفظ عدداً هائلاً من المعاني الحسية والماورائية، كما هو الحال مع لفظة (الميزان)، فكما يقول صدر المتألهين الشيرازي: إن «كل ما يقاس به الشيء بأي خصوصية كانت؛ حسية أو عقلية يتحقق فيه حقيقة الميزان ويصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة والشاقول والكونيا والاسطرلاب والذراع، وعلم النحو وعلم العروض وعلم المنطق وجوهر العقل، كلها مقاييس وموازين توزن بها الأشياء، إلا أن لكل شيء ميزاناً يناسبه ويجانسه، فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة.. والمنطق ميزان الفكر يعرف به صحيحه عن فاسده، والعقل ميزان الكل إن كان كاملاً..»، كذلك الحال مع اللوح والقلم واليد والوجه والصورة وغيرها(1 6) .

فواقع الأمر إن هناك فرقاً بين اللفظ كمادة خام وبين استخدامه في العبارة. فمهما كان اللفظ محدوداً في مادته؛ يصبح في العبارة غنياً في المعنى بما يفيض عليه سياق النص.

وربما تكون أول ممارسة علمية إسلامية يظهر فيها ادراك التعدد في اللفظ الواحد حسب تباين السياق؛ هي تلك التي تعود إلى مقاتل بن سليمان، إذ صنف كتاباً بعنوان (الأشباه والنظائر)؛ معتبراً أن هناك وجوهاً مختلفة للفظ الواحد، أحدها يكون المعنى الأصلي، وسائر المعاني عبارة عن فروع لهذا المعنى. ثم بعد ذلك أخذت هذه الممارسة حيزها الطبيعي وسط العلماء في مختلف الدراسات، خاصة الدراسات القرآنية ضمن موضوع ما يسمى (الوجوه والنظائر)(2 6) .

وعليه لو صحّ ما ذكره الجابري من أسباب فقر المعنى التي حددها بكونها مستلهمة من الأعرابي، ولكونها مقننة من قبل اللغويين والنحاة.. لو صحّ هذا لكانت الجملة العربية في مختلف ميادين النشاط العلمي والأدبي جملة محددة محكومة بالحس والبساطة، من غير أن تكون قادرة على إعطاء الكثير من المعاني والمحتملات التي تصل أحياناً إلى تفسير نص ما من النصوص بتقديم العديد من المفاهيم والمعاني. فكل ذلك يدل على ما في اللغة من معنى، بحيث إنه لهذه الغزارة قد يصعب ضبط المعنى المطلوب وتحديده.

نعم يمكن لحديث الجابري أن يصدق بخصوص الأدب في كثير من الأحيان، كما في الشعر والنثر الموزون، إذ كثيراً ما يفتقر إلى المعنى مع احتفاظه بمزيّة النغمة الموسيقية. لكن هذا الافتقار لا ينسحب على بقية العلوم، وإلا كيف نفسّر كثافة الاصطلاحات والمفاهيم العلمية التي تزخر بها الكتب العلمية بما فيها العلوم الإسلامية؟ وكيف نفسّر رغبة العلماء من غير العرب تفضيل الكتابة باللغة العربية على لغاتهم في مختلف المجالات؟ وكيف نفسّر دخول الحضارات الأُخرى ضمن الحضارة العربية دون أن يحول ذلك من استخدام العربية ذاتها ؟ كما كيف نفسّر كثرة تعريب الكتب العلمية بدقة ومهارة، كالفلسفة والطب والفلك والكيمياء وغيرها، فضلاً عما نراه من شروحات وتنظيرات خاصة داخل وعاء اللـغة العربية لمعالجة العـديد من الموضوعات والإشكاليات العلمية؟

على أن ما ذكرناه لم يمنع كون العرب وجدوا أنفسهم بعيدين بلغتهم عن الحاجات العصرية التي فرضتها الحضارة العلمية، وذلك منذ مطلع القرن التاسع عشر. لكن هذا لا يعود إلى عيّ وقصور في اللغة، بل يرجع إلى أننا وجدنا قضايا العلم جاهزة أمامنا من دون تفكير مسبق بالعلاقة التي تربط اللغة بالعلم، خاصة وإن عملية إنتاج العلم لم تكن في دارنا العربية. ومع ذلك فهناك محاولات مثمرة للتعريب تقوم بها بعض المراكز المعنيّة في الوطن العربي؛ استطاعت أن تبلور آلاف المصطلحات في شتى فروع العلوم الطبيعية(3 6)، مما يؤكد قدرة اللغة العربية على الاستيعاب والتكيف بقوة لا تقل عن سائر اللغات إن لم تتفوق عليها، لما فيها من زيادة في المواد، ولما فيها من قابلية كبيرة على الاشتقاق.

والعجيب إن مشروع الجابري قد حكم على نفسه بنوع من التناقض. فادعاؤه السافر بقصور اللغة العربية ونقصها من أن تستوعب اللغة العلمية والمعنوية.. هذا الادعاء يناقضه نفس المشروع الضخم الذي شيّده. إذ إن هذا المشروع يعبّر لا فقط عن عبقرية (عقل عربي) قلما نجد قبالها عبقرية أُخرى طوال «قرني النهضة»، بل يعبّر أيضاً عن الكفاءة المذهلة للغة العربية التي وظفها في مشروعه وجعلها طيّعة لأن يرمي بها إلى الدخول في أبعاد عميقة وسحيقة، أدت بالنهاية إلى نوع من المفارقة والتناقض، بين التوظيف المذهل لهذه اللغة كوسيلة، وبين المعنى الذي استهدفه في اغتيالها واغتيال العقل من بعدها.

   عود على بدء

نعود الآن إلى صلب موضوعنا الأساس في اختيار الوصف المناسب للعقل إن كان عربياً أم إسلاميًّا، وذلك بحسب ما تفيضه مادة العقل المسلّط عليها ضوء الدراسة من دلالات تخص طبيعتها والعوامل التي تؤثر عليها في توجهات العقل، فنحن في واقع الأمر بين فرضين محتملين، فإما أن تكون هذه الدلالات ذات مغزى معياري، أو هي ذات مغزى قومي لغوي أو جغرافي. وبقدر ما ينجح مشروع (نقد العقل العربي) من إثبات قوة تحكّم التأثير اللغوي والجغرافي على مادة العقل وتوجهاته؛ بقدر ما يكون وصفه صالحاً وناجحاً ومن ثم تكون تسميته بإضفاء صفة العروبة صحيحة. وكذا بقدر ما يثبت قوة انشداد تلك المادة إلى المفاهيم المعيارية بقدر ما يكون الوصف والتسمية لصالح (العقل المعياري)؛ متمثلاً بالاتجاه الإسلامي للخصوصية الزائدة التي يضيفها واقع الفكر الإسلامي على المعيار الديني عامة.

  نقد النشأة العامية لبنية العقل

على ذلك لو عدنا مرة أُخرى إلى صياغة (العقل العربي) حسب المشروع الآنف الذكر؛ لوجدنا أن مادته البنيوية قائمة أساساً على مفاهيم (الانفصال والتجويز والمقاربة)، وهي المادة التي سعى المشروع أن يثبت أُصولها بواسطة البيئة العربية، فاعتبرها مترسخة في أعماق العقل الباطني لقدماء عرب الجاهلية. وقد علمنا أن حجج المشروع قائمة على عدة دعاوى: فمن جهة أن الجابري حاول انتزاع مفهومي الانفصال والتجويز من بيئة الأعرابي، معتبراً أن البيئة هي التي جعلت لهذين المفهومين نوعاً من الحضور والظهور في علوم العرب وأشعارهم، ثم بواسطة الاستضمار تحولا إلى الثقافة العلمية لعلماء البيان كافة.

فنحن هنا قبال فرضية ترد المفهومين العلميين إلى الجغرافية كأثر حاسم، في قبال فرضية أُخرى تردهما إلى عامل (المعيار) من حيث أقرب الطرق للتأكيد على إرادة الله وقدرته. فكيف نحدد أقرب الفرضين إلى الحقيقة؟ مع أننا لو جمعنا دلالات الفرض الأول لحصلنا على عدة قرائن تصب في محور هذا الفرض، كما فعل الجابري حيث استخلص دلالة الانفصال من خصائص الطبيعة الصحراوية لعرب البادية، مثل الرمال والحصى المنفصلة، والنباتات والحيوانات المتفرقة، وقطرات المطر المتقطعة، والنجوم المتناثرة، وغيرها.. وكذا الحال فيما لو جمعنا القرائن الدالة على الفرض الثاني، بما في ذلك نفس القضايا الفكرية التي لها دلالة الإنفصال كنظرية الجوهر الفرد وقضايا الزمان والمكان واللا سببية واللا حتمية وغيرها مما لها دوافع ظاهرة تصب في محور (المعيار)، كإثبات قدرة الله وإرادته.

فأي الفرضين أصلح للتفسير؟ هل نعلل بنية العقل ونردها إلى الجغرافية أم إلى ما ورائها؟ وهل أن العلوم الإسلامية مبعثها الحس أم الدين، البيئة أم المعيار؟

قبل كل شيء لا بد من التأكيد على أن القرائن حينما تجمع لصالح فرضية ما؛ فإن القيمة الاحتمالية الكلية عن الفرضية لا تستخلص من قيم إحتمالات تلك القرائن بصورة متساوية. فقيم الاحتمالات تختلف لاختلاف القرائن ذاتها من حيث النوع، لهذا فالأمر لا يعود إلى كثرة الشواهد، فقد تكون قرينة واحدة أقوى من عدد كبير من القرائن. وإذا ما أخذنا بهذا الاعتبار أصبح من الممكن النظر إلى نوع التأثير في القيمة الاحتمالية للقرائن المقدمة لصالح الفرضية (4 6). وطبقاً لهذه القاعدة إذا ما أردنا أن نختبر فرضية الجابري في حشد القرائـن التي تؤكد على الجذور الصحراوية لنظرية الانفصال واللا سببية التي تنتمي اليها؛ سنجد أن هذه القرائن مع كثرتها لا تحظى إلا بقيمة احتمالية ضعيفة جداً، وهذا ما يُعرف بالاستقراء وملاحظة الواقع، إذ من الواضح أن تأثير ما ذكره الجابري من رمال منفصلة ونباتات متفرقة ونجوم متناثرة وغيرها؛ لا يمتلك من القوة التي تجعله الحاسم في بناء مادة بنية (العقل العربي) بصورته الساذجة، ولا في تأسيس التصور النظري العلمي لمفهوم الانفصال ونظريته، خاصة إذا ما لاحظنا أمرين مضادين لهذا الفرض، أولهما إن هذه الأُمور المنفصلة لا تخلو منها أيّ بيئة مهما كانت متماسكة، فالانفصال موجود في جميع الأماكن. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فهناك في قبال تلك الأُمور الانفصالية أُمور اتصالية ربما يكون بعضها ذا أثر أقوى، خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، حيث إن تأثيره أقوى من الجانب الطبيعي ذاته. فمن الواضح أن الحياة البدوية هي حياة ملتحمة بالنسب تكوّن أساس العصبية كـما يقول إبن خـلـدون(5 6)، الأمر الذي له دلالة على الاتصال بدرجة أقـوى من رمال الصحراء والنباتات المتفرقة، فالإنسان يتأثر بالعقل والحياة الجمعية بدرجة أكبر مما يتأثر بالطبيعة.

ومما يلفت النظر أن الجابري، حتى مع ظاهرة الالتحام الاجتماعي لعرب البادية، حاول أن يضفي عليها المدلول الانفصالي ليظل محافظاً على وحدة نسق مشروعه، فلم يعبّر عنها بالاتصال والالتحام، بل عبّر عنها بالانفصال المخفف.

كما ينطبق الحال السابق على مفهوم السببية والتجويز. فما استخدمه الجابري من مؤشرات عربية دالة على غياب فكرة السببية الضرورية، كما في النجامة والكهانة والقيافة والفراسة والعيافة وغيرها؛ يوجد قبالها قرائن مضادة من وجهين. فمن جهة لا يختص مبدأ التجويز بالبيئة الجغرافية الضيقة، فالعقول البشرية تمارسه في مجالات كثيرة يقتضيها الظرف والموضوع ذاته. فالنجامة والكهانة مثلاً ربما يعتبران موضوعاً مناسباً لممارسة التجويز، وهي ليست من علوم عرب الجاهلية وحدهم، بل سبقهم في ذلك غيرهم كبلاد فارس والهند والروم، حتى أن النص الذي استشهد به مشروع (نقد العقل العربي) كشاهد بخصوص النجامة على التجويز عند العرب؛ كان يتضمن وجود ذلك العلم عند غير العرب من الفرس والهند والروم(6 6)، وظاهر النص يوحي بوجود فهم قائم على أساس فكرة السببية الضرورية ولـيس التجـويز(7 6).

ومن جـهـة أُخرى فإن العـرب كـغيرهم كانوا يتحسسون بثبات الظواهر الطبيعية واطرادها. فبيئتهم  لم تكن بيئة خارجة عن سنن الطبيعة، كما لا ينقصها وفرة وجود علاقات السببية. فهم يرون احتراق الأشياء بالنار وموت الحيوانات وطلوع الشمس والقمر وتناوب الليل والنهار وغير ذلك من سنن الطبيعة الثابتة. ولا شك أن كثرة هذه الظواهر وقدرتها في التأثير على تأسيس بنية عقل الانسان أعظم من الحوادث المفاجئة والطارئة، فكيف استحوذت البيئة غير المطردة على عقولهم دون المطردة منها؟!

كذا الحال مع طريقة الاستدلال التي يرجعها الجابري إلى نفس نظرية الانفصال والتجويز، فهو يذكر أمثلة خاصة ومناسبة على استخدام هذه الطريقة من الاستدلال بالشاهد على الغائب والوصول إلى نتيجة لا تحظى بدرجة اليقين القطعية، لكنه لا يلتفت إلى وجود نوعين من القرائن المضادة لتلك القرينة. فمن جهة أن استخدام تلك الطريقة وما تتضمنه من عدم الارتقاء إلى رتبة اليقين إنما هي من مقتضيات أيّ بيئة وليست حكراً على البيئة العربية، باعتبار أن علاقات أيّ بيئة لا بد وأن تكون منقسمة إلى علاقات تبرر الوصول إلى درجة اليقين، وعلاقات أُخرى لا تبرر الوصول إلى ذلك، الأمر الذي يكون فيه استخدام طريقة الظن لا غنى عنه، سواء كانت هذه الطريقة هي عين الاستدلال بالشاهد على الغائب أم غيرها. ومن جهة أُخرى إن وجود علاقات مطردة كثيرة في البيئة العربية الصحراوية تحتّم على أن يتعامل العرب معها تعاملاً قائماً على اليقين بالفطرة، سواء عزينا ذلك إلى الاعتماد على ذات طريقة الاستدلال بالشاهد على الغائب، أو كان الأمر يعود إلى طريقة أُخرى يتعامل معها الإنسان العربي القديم فطرياً لعدم توفر الثقافة العلمية.

هكذا نحن مضطرون إلى التعامل مع ذلك الفرض على هذا المقياس من الاحتمالات، حيث يظهر لنا افتقاره لقوة الاحتمال الكافية لأن يكون معقولاً أو مقبولاً بالترجيح. وما يؤيد نظرنا هو أن الجابري حينما ردّ في بعض الندوات على تهمة كونه يدعو إلى الحتمية الجغرافية، أجاب ببساطة إنه لا يدعو إلى ذلك ولا يؤمن بهذه الحتمية، بل ذكر أمثلة مظاهر الصحراء التي لها دلالة على الانفصال لتصوير بياني «يهدف إلى المقاربة قصد الإيضاح والإيحاء» دون أن يكون هناك علاقة من نوع علاقة العلة بالمعلول (8 6). وهو بهذا لا يجعل ما ذكره من شواهد لها دلالة ملزمة على المطلوب، وكأنه يتبع بذلك أسلوب البيانيين في المقاربة والتجويز، إذ من جهة يجعل شواهده المعدّة كشاهد غير مؤدي بالضرورة إلى إثبات النتيجة كغائب، مما يعني افتقارها لأن تكون منضوية تحت الطريقة البرهانية الأرسطية التي يدعو لها دون غيرها، في الوقت الذي يجعل مسلكه قائماً على طريقة التجويز التي يتبعها البيانيون، حينما ينفي أن يكون للبيئة الجغرافية طابع حتمي في تكوين وبناء بنى العقول البشرية. فهناك مسافة (تجويزية) بين العلة المتمثلة بالبيئة الجغرافية، وبين المعلول المتمثل ببنية العقل.

مهما يكن، فإن اعتبار ما ذكره من مظاهر الصحراء كشواهد بيانية تهدف إلى التصوير والمقاربة؛ تفرض عليه وضع نظريته الأساسية في التأثير الجغرافي موضع الفرض المحتمل، حتى لدى شخصه بالذات، مما يعني أن ما بناه لا يتعدى الاحتمال على وجود أصل لمفاهيم (الانفصال والتجويز والمقاربة) في دنيا العرب الأرضية، مثلما يعني إمكانية أن يكون هذا الأصل أمراً موهوماً.

 نقد النشأة العلمية لبنية العقل

لو أردنا أن ندرس نظرية الانفصال بخصوص الثقافة العلمية التنظيرية؛ سنجد أنها ليست شاملة ولا مطلقة، كما أنها لا تختص بالثقافة العلمية العربية، سواء على نحو علاقة اللفظ بالمعنى في العلوم العربية، أو على نحو الرؤية العلمية للعالم في العلوم الكلامية الإسلامية. فعلى صعيد علوم اللغة إن البيانيين في مختلف علومهم قد فصلوا بين اللفظ والمعنى ككيانين مستقلين، ولم ينظروا إليهما نظرة اتحادية تعبّر عن كون الألفاظ دالة على المعاني بذواتها، الا ما ندر. وهو الموقف المعقول الذي يفسّر العلاقة اللغوية تفسيراً واقعياً منسجماً مع جريان الأمور، فضلاً عن إنه لا يختلف عن مواقف الاتجاهات الألسنية للغات العالمية الأُخرى. وفيما عدا ذلك فإن البيانيين العرب غالباً ما لجأوا إلى عملية الوصل لا الفصل في دراساتهم اللغوية.

فهذا عبد القاهر الجرجاني، البلاغي المعروف، يعتبر أن الكلمة ليس لها عطاء واضح في المعنى، بل يُفهم المعنى الواحد من مجموع الكلمات التي ينتظمها الكلام، فلا تعرف الأغراض الا من مجموع الكلام كمعنى حاصل. بل ويذهب إلى أكثر من ذلك كدلالة على الاتصال، فيرى أن البلاغة هي صنعة الجمع بين (أعناق المتنافرات المتباينات في ربقة) والعقد (بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة). فعبارات الجرجاني الدالة على الوصل والاتصال؛ هي ذاتها التي ينقلها الجابري عن كتابيه ( دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة) دون أن يتوقف عندها ويعطيها حقّها من النظر والتحليل(9 6). فلو عرفنا أن جوهر البلاغة قائم على التشبيه، والتشبيه عبارة عن قياس واستدلال كما يوظفه البلاغي السكاكي؛ فلا مناص من القبول بقيام جوهر عملية الاستدلال البياني على الاتصال لا الانفصال، إذ إنها أساساً تجمع في قياسها بين المتنافرات لوجود نوع خاص من الشبه بينها.

أما بخصوص نظرية الانفصال داخل الرؤية العلمية للعالم؛ فالملاحظ أنها لا تختص بالفكر العربي الإسلامي، بل ان امتداداتها تظهر لدى كل من الحضارة الهندية واليونانية بما هو معروف بالنظرية الذرية كما قال بها ديمقريطس والتي نافستها نظرية أرسطو في الجسم المتصل. كذلك فإن العلم المعاصر ومنذ بداية القرن العشرين أخذ يتجه صوب المفهوم الانفصالي في تحليل المادة، كما يسلم بذلك صاحب مشروع (نقد العقل العربي)(0 7). فإذا كان للتفكير اليوناني والغربي مبرراته العلمية في اتخاذ مبدأ الانفصال لتفسير الواقع الموضوعي؛ فالأمر لا يختلف مع الفكر الكلامي الإسلامي الذي يقيم نظريته وراء مبرراته المعيارية. يضاف إلى ما لنظرية الانفصال من انسجام مع التفكير الفطري للإنسان، فهي أقرب إلى البساطة والاستيعاب لدى ذهن الإنسان العادي، باعتبارها لا تفضي إلى فكرة التسلسل واللانهاية مثلما هو الحال مع النظرية الاتصالية.

وكذا الحال مع فكرة اللا ضرورة السببية أو التجويز، فهي وإن كانت تبدو غائبة لدى التفكير العقلي اليوناني تبعاً للمنظومة الفلسفية، لكنها ليست غائبة لدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر، بل يلاحظ أن العلم المعاصر أخذ يروّج هذه الفكرة مع فكرة الانفصال والطفرة بشهادة نفس صاحب المشروع(1 7). مما يعني أنها ليست من مختصات الفكر العربي الإسلامي.

يضاف إلى أنه رغم انقسام الثقافة الإسلامية على ذاتها بعض الشيء إزاء فكرة التجويز، فالملاحظ أنه حتى القائلين بهذه الفكرة لم يقولوا بها على إطلاق، فقد حصروها ـ فقط ـ في حدود العلاقات الخاصة للسببية، ولم يسحبوها على العلاقة العامة لها. وكم تمنينا أن يضع المشروع لهذه الناحية من حساب، ويفرق بين (السببية الخاصة) التي يختلف حول ضرورتها مفكرو العرب، وبين (السببية العامة) التي لا يختلف عليها أحد، فكما أن فكرة التجويز التي تلوح (السببية الخاصة) تقوم على فصل العلة عن المعلول، واعتبار جواز عدم حدوث المعلول مع وجود العلة، وجواز إبدال العلة بغيرها في عملية إنتاج المعلول؛ فإنه لا مجال لهذه الفكرة مع (السببية العامة). إذ ليس هناك من يقول بجواز وجود المعلول من غير علة مطلقاً. وبذلك  فإنهم يختلفون مع نظرية (ديفيد هيوم) التي يمتد تجويزها إلى كلا العلتين أو السببيتين، الخاصة والعامة(2 7).

هكذا إن قبول المفكرين الإسلاميين للتجويز بهيئة (السببية الخاصة) وعدم سحبه على (السببية العامة)؛ له دلالة عظمى على دافعهم المعياري. إذ إن حصر التجويز في العلاقات الخاصة مع الاحتفاظ بمبدأ (السببية العامة)؛ يجعل من الفكر العربي الإسلامي منسجماً مع مفهوم (المعيار)، من حيث الحفاظ على علة الوجود الأصلية (الله)، في الوقت الذي يجوز لهذه العلة أن تمارس عملية القهر لـ ( السببية الخاصة) وتقلب علاقات الطبيعة وسننها كيفما تشاء. وهذا التفكير كما هو واضح أقرب إلى ( المعيار) منه إلى العامل الجغرافي البيئي، وإلا فلماذا لم يُجوّز مفكرونا فصل العلة عن المعلول على سبيل الإطلاق كما هو الحال مع نظرية (ديفيد هيوم)؟! مما يعني أن التجويز وإن كان ينسجم مع فكرة الإنفصال، إلا أنه للسبب المذكور آنفا لا يصح جرّه إليه مطلقاً.

وكذا الأمر مع طريقة الاستدلال التي لا تفضي إلى القطع واليقين، فهي ليست من مختصات الفكر العربي الإسلامي، بل يشاطره في ذلك العلم المعاصر. وإذا ما كان هذا العلم قد وجد موضوعه الفيزيائي بعيداً عن متناول العقل البشري؛ فإن الفكر الإسلامي هو الآخر قد وجد موضوعه المعياري واللغوي – في الغالب – بعيداً عن أن يحدده العقل بدقة، سواء كان ذلك بالإمعان في نظرية التجويز تبعاً لروح  (المعيار)، حيث الاعتقاد بأن الإرادة الإلهية هي وحدها التي يمكنها أن تجمع وتفصل بين المقدمة الاستدلالية ونتيجتها، كما يصرح بذلك بعض الأشاعرة.. أو بسبب الموضوع ذاته لعدم قابليته تحقيق اليقين، كما في القياسات الفقهية واللغوية، لطبيعة الفقه واللغة.

***

هكذا ننتهي إلى أن إضفاء خاصية (العروبة) على العقل في مشروع (نقد العقل العربي)  لم يصادف بنظرنا النجاح لعلتين: فمن جهة إن (العقل العربي) وكما أوضحنا كشف عن إفنائه لذاته لضمه النماذج الأجنبية على طابعه (القومي). ومن جهة أُخرى فإن قرائن تأثير البيئة على العقل لم تكن قرائن كافية لإقناعنا بقبول تفسير تكوين وبناء بنية هذا العقل. وبالتالي فإن تطوافنا الطويل مع مشروع الجابري قد أكد لنا بأن تاريخنا وتراثنا الفكري لا يصح قراءتهما بالطريقة التي يهيمن عليها العامل البراني. بل يمكن القول إن هناك مفارقة قصوى يمكن ملاحظتها بين التحضيرات التمهيدية التي بلغت القمة في التنظيم والعقلانية، وبين النتيجة الساذجة التي انتهت إليها هذه التحضيرات. فكأن الجابري بذلك قد وصل في تحضيراته إلى منتهى (العقل البرهاني) لا لشيء، إلا لأجل تفريخ (العقل المستقيل) الذي يرميه باللا معقول، فهو كما يقول المثل: (تمخض الجمل فأولد فأرًا).

(1) زيدان، جرجي: تاريخ آداب اللغة العربية، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج 2، ص 7 1.

(2) التراث والحداثة، ص 1 3 1.

(3) التراث والحداثة، ص 0 2 3 ـ  1 2 3.

(4) الجندي، أنور: معالم الفكر العربي المعاصر، مطبعة الرسالة، ص 2 3 2 ـ  3 3 2.

(5) عن: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، نفس المعطيات السابقة، ج 1، ص 9 1 1.

(6) الجندي، أنور: الفكر العربي المعاصر ، مطبعة الرسالة، ص 9 4 3. كذلك: الجندي، أنور: الثقافة العربية المعاصرة، مطبعة الرسالة، ص 3 3 1.

(7) تكوين العقل العربي، ص 5 1.

(8) نفس المصدر، ص 8 3.

(9) تكوين العقل العربي، ص 4 2 ـ  5 2.

(0 1) المصدر السابق، ص 2 1.

(1 1) بنية العقل العربي، ص 9 3 2 و 5 4 2.

(2 1) المصدر السابق، ص 1 4 2 ـ  2 4 2.

(3 1) المصدر السابق ، ص 2 4 2 ـ  3 4 2.

(4 1) المصدر السابق، ص 7 4 2.

(5 1) تكوين العقل العربي، ص 9 2 1.

(6 1) بنية العقل العربي، ص 5 4 2 ـ  7 4 2.

(7 1) تكوين العقل العربي، ص 5 7 ـ  6 7.

(8 1)  المصدر السابق، ص 9 8.

(9 1) المصدر السابق، ص 8 8 ـ  9 8.

(0 2) التراث والحداثة، ص 1 1 3.

(1 2) بنية العقل العربي، ص 7 4 2.

(2 2) المصدر السابق، ص 9 3 2.

(3 2) المصدر السابق، ص 1 8 1و  9 8 1.

(4 2) المصدر السابق، ص 5 1 2.

(5 2) لاحظ المصدر السابق، ص 9 8.

(6 2) تكوين العقل العربي، ص 9 2 1 و  0 3 1.

(7 2) المصدر السابق، ص 0 3 1.

(8 2) لاحظ: تكوين العقل العربي، ص 1 3 ـ  3 3.

(9 2) التراث والحداثة، ص 2 9 2.

(0 3) بنية  العقل العربي، ص 8 0 2 و  3 1 2.

(1 3) التراث والحداثة، ص 2 4 1.

(2 3) تكوين العقل العربي، ص 8 3 ـ 9 3.

(3 3) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(4 3) المصدر السابق، ص 3 1.

(5 3) المصدر السابق، ص 7 1و  8 2.

(6 3) المصدر السابق، ص 9 2.

(7 3) انظر بهذا الخصوص خاتمة كتابنا مدخل إلى فهم الإسلام، كذلك مقالنا: الحضارة العربية بين الحضارة اليونانية والحضارة الغربية، مجلة الوحدة، العدد المزدوج  1 0 1 /  2 0 1،  3 1 4 1هـ ـ 3 9 9 1م.

(8 3) لاحظ: تكوين العقل العربي، ص 8 2.

(9 3) فرانك، فيليب: فلسفة العلم، ترجمة الدكتور علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأُولى،  3 8 9 1م، الفصل الأخير.

(0 4) تكوين العقل العربي، ص 3 2.

(1 4) يلاحظ بهذا الصدد خاتمة كتابنا: مدخل إلى فهم الاسلام.

(2 4) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(3 4) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(4 4) المصدر السابق، ص 3 9 1.

(5 4) المصدر السابق، ص 4 6 5.

(6 4) المصدر السابق، ص 6 6 5.

(7 4) عن: الفكر العربي المعاصر، ص 1 8 5.

(8 4) عن: معالم الفكر العربي المعاصر، ص 4 1 2.

(9 4) عن: الفكر العربي المعاصر، ص 7 6 5 ـ  9 6 5.

(0 5) الجميعي، عبد المنعم الدسوقي: مجمع اللغة العربية / دراسة تاريخية، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  3 8 9 1م، ص6 1.

(1 5) مجمع اللغة العربية في عيده الخمسيني لرئيس المجمع ابراهيم مدكور، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،  1 8 9 1م، ص 9.

(2 5) تكوين العقل العربي، ص 2 8 و  6 8.

(3 5) المصدر السابق، ص 3 8.

(4 5) المصدر السابق، ص 6 8.

(5 5) المصدر السابق، ص 8 8 و  9 8.

(6 5) المصدر السابق، ص 0 9.

(7 5) المصدر السابق، ص 7 8.

(8 5) المصدر السابق، ص 9 7.

(9 5) لاحظ حول عيوب المعاجم العربية: المصطلحات العلمية في اللغة العربية، لرئيس المجمع العلمي العربي الأمير مصطفى الشهابي، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق، الطبعة الثانية،  5 6 9 1م، ص 3 3 ـ  0 4.

(0 6)  انظر حول ذلك: إبن تيمية: الايمان، دار الكتب العلمية في بيروت، الطبعة الاولى،  3 0 4 1هـ ـ  3 8 9 1م، ص 0 8 وما بعدها. وإبن الموصلي، شيخ محمد: مختصر الصواعق المرسلة لإبن القيم الجوزية، تصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الامام  3 1 في مصر، ص 3 4 2 وما بعدها.

(1 6) الشيرازي، صدر المتألهين: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت،  1 8 9 1م، ج 9، ص 9 9 2.

(2 6) أبو زيد، نصر حامد: الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانية،  3 8 9 1م، ص 7 9 ـ  8 9 .

(3 6) كما هو الحال مع مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي. لاحظ: عبد الرحمن، وجيه حمد: اللغة العربية والحضارة الانسانية، مجلة دراسات شرقية، العددان الخامس والسادس،  0 9 9 1م.

(4 6) بخصوص نظرية الإحتمال اوضحنا أن القرائن المختلفة كيفاً لا يمكن اعطاؤها مقادير متساوية من القوة الإحتمالية، وبالتالي فهي لا تقبل التقدير الكمي، وذلك في كتابنا (الاستقراء والمنطق الذاتي، مؤسسة الانتشار العربي، 2005م، الفصل الثالث من القسم الثالث).

(5 6) لاحظ: الفصل الثامن من مقدمة إبن خلدون والمعنون: (في أن العـصبية انما تكون من الالتـحام بالنـسب أو ما في معناه).

(6 6) لاحظ: بنية العقل العربي، ص 5 4 2.  كذلك: إبن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الرابعة،  2 1 4 1هـ ـ  2 9 9 1م، مادة نوء، ج 1، ص 6 7 1.

(7 6) إذ جاء في النص ما قوله: «كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد أن يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينـسبون كل غيث يكـون عند ذلك النـجم فيقولون مطرنا بنوء الثريا والدَّبران والشمال» (لسان العرب: مادة نوء، نفس المعطيات السابقة).

(8 6) لاحظ: التراث والحداثة، ص 9 0 3 و 1 1 3 و  2 1 3.

(9 6) لاحظ كلاً من: بنية العقل العربي، ص 6 8 ـ 9 8. والتراث والحداثة، ص 2 5 1.

(0 7) الجابري، محمد عابد: الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة، 8 8 9 1م، ص 2 6 1.

(1 7) المصدر والصفحة السابقة.

(2 7) انظر حول ذلك المـصادر التالية: مـحـمود، زكي نجـيب: ديفـد هـيوم، دار المـعارف،  8 5 9 1م، ص 1 7 ـ  2 7 و  6 8. ريشنباخ، هانز: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية،  9 7 9 1م، ص 5 8. بيرلين، ايسايا: عصر التنوير، ترجمة الدكتور فؤاد شعبان، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي بدمشق،  0 8 9 1م، ص 9 3 2.

تناقضات السلفية التكفيرية: ابن تيمية يعتبر”الأيزيديين” من أهل السنة والجماعة وتلامذته يستبيحون دماءهم ويسبون نساءهم

7-9-2014-S-05
الحكمة (خاص): د. إبراهيم العاتي(*)

      يشكل تراث ابن تيمية الحراني (ت 728هـ) المرجعية الفكرية والفقهية للتيارات السلفية التكفيرية منذ بدايتها في القرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب (ت 1206هـ/ 1791م) وحتى ظهور الجماعات الاسلامية المسلحة كالتكفير والهجرة والسلفية الجهادية والقاعدة وداعش، منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

 وقد خالف ابن تيمية في أيامه جمهور المسلمين فاصطدم مع فقهاء الاحناف والشافعية والمالكية، بل والحنابلة أيضا، كما انتقد الاشاعرة –وهم المذهب الاعتقادي الأغلب لأهل السنة والجماعة- وهاجم المعتزلة والصوفية والشيعة بجميع فرقهم. كان الشيخ ابن تيمية يعتقد بالتجسيم والتشبيه، وينسب الى الله تعالى صفات الاجسام، كالوجود في جهة والاستواء على العرش حقيقة، والحركة والانتقال، وأن الوجه والأعين والارجل المذكورة في بعض الآيات والأحاديث إنما هي على الحقيقة دون المجاز، وقد أكد ذلك الرحالة ابن بطوطة فيما رواه عنه مشاهدة أن ابن تيمية كان يقول على منبر جامع دمشق: إن الله تعالى ينزل الى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر! (1)

 وكانت القضية الاخرى التي اصطدم فيها مع جمهور المسلمين هي موقفه السلبي من زيارة النبي المصطفى (ص) والتوسل به، وتكذيبه للأحاديث الصحيحة التي أجمع عليها أهل العلم والحفاظ المشهود لهم بالتضلع في السنة النبوية المطهرة. وقد وسع ابن تيمية الشقاق في هذه المسألة، (وأكثر من جداله فيها، حتى رمى جميع من لا يرى رأيه بالشرك، والمشابهة باليهود والنصارى، والغلو وعبادة القبور، ولم يسلم حتى اصحابه من نيل هذه الألقاب والقذف بها) (2).

 ولما كان ثابتا في السنن الصحيحة قول رسول الله (ص): ((من زار قبري وجبت له شفاعتي))، وأحاديث مشابهة اخرى كثيرة، فضلا عما درج عليه المسلمون منذ عصر الصحابة بزيارة القبر الشريف دون ان ينبزهم أحد بعبادة القبور او الشرك، فقد تصدى لهذه الفتنة أحد كبار فقهاء الشافعية في عصره وهو الإمام الشيخ تقي الدين السبكي (ت 756هـ) ورد على مشعلها ابن تيمية في كتاب سماه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) اعتبر فيها ان التشكيك في زيارة سيد المرسلين (ص) (مما القى الشيطان على لسان بعض المخذولين، التشكيك في ذلك في قلوب الموحدين، وإنما هي نزعة من مخذول، لا يرجع وبالها الا عليه، ولا يترتب عليها إلا ما ألقى بيده اليه) (3).

 وبسبب مواقف ابن تيمية تلك، ثارت عليه ثائرة علماء المذاهب السنية الاربعة، وردوا عليه، واتهموه بمخالفة مذهب اهل السنة في التوحيد والتنزيه. ورغم حماية سلطان المماليك له لفتاواه التي تدعو الى طاعة السلطان حتى وان كان فاجراً او ظالماً، فان سخط العلماء كان شديدا، فوضعه في سجن بقلعة دمشق، ولكن في قاعة حسنة، غير انه مرض مرضا شديداً ادى الى وفاته (4).

 كان التكفير اسهل كلمة يتفوه بها ابن تيمية ويحكم بها على مخالفيه، كما هو حاله مع المتصوفة عموماً، ومع الشيخ محي الدين بن عربي خصوصا. والناظر لما نقله ابن تيمية عن ابن عربي يجد أنه لم يرد على لسانه او في كتبه، بل هو تحريف واضح لأقواله حتى يسهل تكفيره واخراجه من الملة!! والشيء نفسه فعله مع الفرق الأخرى.

 ولكن ابن تيمية حينما يصل الى فرقة (الآيزيدية) أو (اليزيدية) نراه ناعما جداً ويلتمس لهم الأعذار، بل ويعتبر زعيمهم من أهل السنة والجماعة!!رغم الشبهات التي تحوط عقائد هذه الجماعة ومخالفتها لمباديء الإسلام، كغلوهم في يزيد بن معاوية وتقديسهم لإبليس وغير ذلك من العقائد التي تخرجهم من الدين -حسب ثوابت ابن تيمية- لو كان عشرها موجوداً عند فرق أخرى.

 وقد كتب لهم رسالة مطولة سميت (الوصية الكبرى) يبدو فيها ناصحاً وصديقا محباً، فيقول: ( من أحمد بن تيمية إلى من يصل اليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين الى أهل السنة والجماعة، والمنتمين الى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عديّ بن مسافر الأموي –رحمه الله- ومن نحا نحوهم، وفقهم الله لسلوك سبيله، وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله –ص- وجعلهم معتصمين بحبله المتين، مهتدين لصراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،…)(5).

 فأول ما نلاحظه في مقدمة رسالته هو اعتباره اليزيديين مسلمين ينتسبون لأهل السنة والجماعة، وأن شيخهم عدي بن مسافر (الأموي) (ت 557هـ) هو العارف والقدوة!! وتبحث عن الشيخ عدي فيما قدمه محققا هذا الكتاب فتلاحظ ثناء واطراء على شخصه ورفعه الى درجات عليا من قبل ابن تيمية وتلامذته.

 يقول ابن تيمية: (الشيخ عدي، قدس الله روحه، كان من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية، ما يعرفه أهل المعرفة بذلك، وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور) (6).

 وقال عنه الذهبي: الشيخ الامام الصالح القدوة، زاهد وقته، ووصفه ايضاً بأنه شيخ العارفين (السابق، ص 27). بل ان ابن تغري بردي صاحب (النجوم الزاهرة) ينقل عن احد الأقطاب قوله عن الشيخ عدي: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر!! (7).

 ويخلص محققا الكتاب الى أن (عقيدته- الشيخ عدي- المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم … وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة)(8).

 والسؤال الموجه لابن تيمية وأتباعه: هل يوجد في مذهب اهل السنة والجماعة ما يشير الى تقديس عدي بن مسافر وجعل قبره في لاليش قرب الموصل قبلة لأتباعه، واستحقاقه مرتبة الألوهية؟ وهل عندهم ما يسمى طاووس الملك عظيم الملائكة الذي يعتبر هو (ابليس أو الشيطان) في الأدبيات الإسلامية، والذي لا يجوز النيل منه أو لعنه؟ وهل عند أهل السنة كتاب سماوي يسمى (الجلوة) و(مصحف رش) أو (المصحف الأسود)؟.. والأسئلة كثيرة في هذا المقام، ولا اعتقد أن عندهم إجابة علمية او موضوعية حينما يحاصرون من اهل العلم بالحجة والبرهان، سوى الهبوط الى مستوى متدنٍ من الحوار، فيلجأون الى الافتراء والشتم والتكفير، وهذا ديدنهم منذ عصر ابن تيمية وحتى يومنا هذا!

 والسؤال الأكبر لأتباع ابن تيمية سواء منهم من افتى بحلية سبي النساء اليزيديات أمثال الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار (العلماء) في السعودية، أو من نفذ هذه الفتوى كمجرمي داعش الذين اختطفوا مئات النساء اليزيديات وصاروا يبيعوهن في سوق النخاسة، هو: هل اطلعوا على رأي منظّرهم الأكبر -أو شيخ الاسلام كما يسمونه- ابن تيمية وتأملوا في موقفه الايجابي من اليزيديين ام انهم غفلوا عن ذلك؟

 وسؤال اخير لمشايخ الوهابية: توجد في المملكة السعودية ودول الخليج العربية الأخرى جاليات كبيرة العدد، منها الوثني كالسيخ والهندوس والبوذيين، ومنها الكتابي كالمسيحيين واليهود … فهل تسري فتاواهم على أمثال هؤلاء، أو هل يمتلكون الجرأة أصلاً على القول بشمول فتاواهم لأمثال هذه الجاليات؟ لاشك عندنا بأنهم لا يفكرون بذلك ولو في الأحلام!..لا بل انهم اقاموا كنائس في بعض دولهم لكي يؤدي فيها المسيحيون صلواتهم، واكثر من ذلك فإن دولة مثل البحرين ترسم السعودية سياستها، وترابط فيها قواتها العسكرية، عينت سيدة يهودية بحرينية سفيرة لها في عاصمة دولة كبرى هي اميركا، رغم ان عدد اليهود في البحرين لا يتجاوز العشرات..كل ذلك إرضاء للوبي الصهيوني المهيمن على السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، حتى تغض الطرف عن جرائمها بحق الشعب البحريني وثورته السلمية المطالبة بالإصلاح السياسي!!

  فلماذا إذن يتظاهرون بالشجاعة والتمسك الديني على الاقليات الدينية في العراق وسوريا وغيرهما من البلدان العربية، رغم أن هؤلاء مواطنون يضربون بجذورهم في اعماق التاريخ، وعمرهم من عمر الحضارات التي نشأت في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر، والتي وضعت فيها اولى القوانين والمعارف العلمية والحضارية والرسالات الدينية، ولكن أنّى لأصحاب (الفقه البدوي) – كما عبّر عنه الشيخ محمد الغزالي- ان يرتقوا لمعرفة الفقه الحضاري؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1-   رحلة ابن بطوطة، ج1، ص43.

2-   حسين محمد علي شكري: مقدمة كتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي، ص6، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009.

3-   تقي الدين السبكي: شفاء السقام في زيارة خير الأنام، ص85.

4-   صائب عبد الحميد: ابن تيمية – حياته وعقائده، ص67، ص84، الغدير للدراسات والنشر، بيروت.

5-   ابن تيمية: الوصية الكبرى، ص37، تحقيق: محمد النمر وعثمان جمعة ضميرية، مكتبة الصديق، ط1، الطائف، السعودية، 1987.

6-   المصدر نفسه، ص27.

7-   م. ن: ص28.

م. ن: ص30.

(*)أكاديمي وباحث إسلامي

الحادي عشر من ذي القعدة .. ذكرى ميلاد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

7-9-2014-S-12

      أبو الحسن علي بن موسى الرضا ثامن أئمة الشيعة الإثني عشرية (148 -203 هـ.ق)، من أشهر ألقابه «الرضا». يكنى بأبي الحسن. أبوه الإمام الكاظم عليه السلام الإمام السابع للشيعة الإمامية. واختلفوا في اسم أمّه بين: أم البنين ، تكتم و …

 ولد الإمام الرضا عليه السلام في المدينة المنورة ومنها انتقل الى خراسان بضغط من المأمون العباسي لمنحه ولاية العهد مكرهاً. وفي طريقه وهو في نيشابور روی حديث سلسلة الذهب. اشتهرت مناظراته التي كان يعقدها المأمون بينه وبين كبار علماء الأديان والمذاهب الأخرى. استمرّت إمامته 20 عامّاً. توفّي بطوس مسموماً علی ید المأمون، ودفن بمدينة مشهد وصار مرقده مزاراً تقصده الملايين من مختلف البلدان.[١]

النسب

هو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام (ولد في المدينة 148- وتوفي في طوس 203 هـ – ق).[٢] أبوه الإمام السابع للشيعة الإمامية. أمّه جاريةٌ تُدعى أم البنين.[٣] ویری الشيخ الصدوق أن: أمّه أم ولد یقال لها «تكتم» قد سميّت بهذا الإسم عندما كانت مُلكاً للإمام الكاظم عليه السلام[٤] ثمّ سمّاها الطاهرة عندما ولدت الإمام الرضا عليه السلام.[٥] يقول الشيخ الصدوق: وقد روى قوم أن أم الرضا عليه السلام تسمّى سكن النوبية وسميت أروى وسميت نجمة وسميت سمان وتكنى أم البنين.[٦] ویری صاحب قاموس دهخدا أنّ: أمّه أم ولد طاهرة تُدعى نجمة ابتاعتها حميدة أم الإمام الكاظم عليه السلام ووهبتها لابنها حيث سمّتها بالطاهرة بعد ولادة الإمام الرضا عليه السلام في الأول من عام 148 أو153 هـ.ق.[٧] وقيل أنّ أم الإمام الرضا (عليه السلام) من أهالي مدينة نوبة.[٨]

الولادة والوفاة

رُوي أنّ ولادته كانت في يوم الخميس أو الجمعة 11 من ذي الحجة أو ذي القعدة أو ربيع الأول سنة 148هجرية او 153هجرية[٩] واختار الكليني أن ولادته كانت عام 148هـ[١٠] وهو الرأي المشهور بين الاعلام والمؤرخين.[١١]

استشهد يوم الجمعة أو الاثنين في الأيام الاخيرة من شهر صفر، أو في السابع عشر منه، وهناك من ذهب الى أنّ شهادته كانت في 21 رمضان وهناك رأي ثالث يذهب إلى القول أن شهادته كانت في 18 جُمادى الأولى ورابع يرى أنّها في 23 من ذي القعدة أو آخرها سنة 202، أو 203، أو 206.[١٢] وروى الكليني أنّ وفاته كانت في شهر صفر سنة 203 عن عمر ناهز 55 عاماً[١٣] وهذا هو المشهور بين أكثر المؤرخين [١٤] وحددها الطبرسي في الآخر من صفر.[١٥]

ونظراً للإختلاف الموجود في تاريخ ولادته ووفاته فقد اختُلف أيضاً في تحديد عمره الشريف فكان ما بين 47 -57 إلّا أن المستفاد من الرأيين المشهورين في ولادته ووفاته يكون (عليه السلام) قد ناهز الـ 55 عاماً.[١٦]

قال الإمام الرضا (ع): «اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يَكُونَ زَمَانُكُمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ وَ سَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ وَ سَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ وَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَكُمْ عُيُوبَكُمْ وَ يُخْلِصُونَ لَكُمْ فِي الْبَاطِنِ وَ سَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَ بِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ سَاعَاتٍ».[١٧]

زوجاته

ذكروا أنّ من زوجاته أم ولد يقال لها سبيكة من أَهل بيت ماريَةَ القبطية أُمِّ إِبراهيم بنِ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم.[١٨] وجاء في بعض المصادر التاريخية أنّ المأمون اقترح على الإمام الرضا (عليه السلام) تزويجه بإبنته «أم حبيب فقبل الإمام بذلك. وذكروا أنّ هدف المأمون هو التقرّب من الإمام والنفوذ الى بيته [١٩] يعتقد اليافعي أنّ اسم ابنة المأمون التي زوجها من الإمام الرضا عليه السلام هو: أم حبيبة.[٢٠] أما السيوطي فقد ذكر خبر تزويج ابنة المأمون من الإمام الرضاعليه السلام من دون أن يتعرض لذكر اسمها.[٢١]

أولاده

إختلفت كلمة الباحثين والمؤرخين في عدد أولاده (عليهم السلام) وأسمائهم، فقد ذكروا له خمسة من الذكور وبنتا واحدة، وهم: محمد القانع، حسن، جعفر، إبراهيم، حسين وعائشة.[٢٢] وذكر ابن الجوزي أنّ له أربعة من الذكور هم: محمد (أبو جعفر الثاني)، جعفر، أبو محمد الحسن، إبراهيم ومن الإناث واحدة لم يذكر اسمها.[٢٣] وقيل أنّ له ابنٌ دُفن في مدينة قزوين كان عمره سنتين أو أقلّ والمعروف حالياً بإسم حسين، توفي عندما سافر الإمام اليها سنة 193هـ.[٢٤] أما الشيخ المفيد فلا يعتقد بأنّ له ولدٌ غير محمد بن علي (عليه السلام).[٢٥] وهذا ما يذهب اليه كل من إبن شهر آشوب والطبرسي.[٢٦] وذكر بعضهم أنّ له بنتاً تدعى فاطمة.[٢٧]

إمامته

7-9-2014-S-09

كانت مدة إمامته 20 عاماً ما بين (183- 203 هـ) عاصر خلالها خلافة كل من هارون الرشيد(10 سنوات)، محمد الأمين (ثلاث سنوات و25 يوماً)، إبراهيم بن المهدي المعروف بإبن شكلة (14 يوماً)، محمد الأمين مرةً أخرى (سنة وسبعة أشهر)، والمأمون (5 سنوات).[٢٨] دلائل إمامته (عليه السلام)

روى النص على إمامته من قبل أبيه موسى بن جعفر عليه السلام كل من: داود بن كثير الرقيّ، محمد بن إسحاق بن عمار، علي بن يقطين، نعيم القابوسي، الحسين بن المختار، زياد بن مروان، المخزومي، داود بن سليمان، نصر بن قابوس، داود بن زربي، يزيد بن سليط ومحمد بن سنان.[٢٩]

قال الإمام الرضا (ع): «إِنَّ لِكُلِّ إِمَامٍ عَهْداً فِي عُنُقِ أَوْلِيَائِهِ وَ شِيعَتِهِ وَ إِنَّ مِنْ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَ حُسْنِ الْأَدَاءِ زِيَارَةَ قُبُورِهِمْ فَمَنْ زَارَهُمْ رَغْبَةً فِي زِيَارَتِهِمْ وَ تَصْدِيقاً بِمَا رَغِبُوا فِيهِ كَانَ أَئِمَّتُهُمْ شُفَعَاءَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة». [٣٠]

وهذه النصوص هي:

عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم – يعني موسى الكاظم عليه السلام-: فداك أبي إني قد كبرت وخفت أن يحدث بي حدث ولا ألقاك فأخبرني من الإمام من بعدك؟ فقال: ابني علي (عليه السلام).[٣١]

وعن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول– الكاظم- عليه السلام: ألا تدلني على من آخذ منه ديني؟ فقال: هذا ابني علي‏ …[٣٢]

بالإضافة الى الروايات العديدة، فإنّ مقبوليّة الإمام الرضا عليه السلام بين شيعته وأفضليته العلميّة والأخلاقيّة هي التي أثبتت إمامته على الرغم من أنّ قضية الإمامة كانت معقدّة جداً في أواخر حياة الإمام موسى بن جعفرعليه السلامولكنّ أكثر أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام سلّموا بخلافة الإمام الرضاعليه السلام من بعده.[٣٣] سفره الى خراسان

ذكروا أنّ هجرة الإمام الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو كانت في سنة 200 هـ.ق[٣٤] وقال مؤلف کتاب الحياة الفكرية والسياسية لأئمة الشيعة (عليهم السلام): لقد كان الإمام الرضا عليه السلام في المدينة حتى سنة 201 ودخل مرو في رمضان من نفس السنة.[٣٥]

وجاء في تاريخ اليعقوبي أنّ المأمون أمر الرجاء بن الضحاك وهو من أقارب الفضل بن سهل بجلب بالإمام الرضا عليه السلام من المدينة إلى خراسان عن طريق البصرة.[٣٦] وقد حدد المأمون مسيراً خاصّاً لقافلة الإمام خشية من أن يمرّ الإمام على المناطق التي تقطنها الشيعة ويلتقي بهم فأمر أن لا يأتوا به عن طريق الكوفة بل عن طريق البصرة وخوزستان وفارس ومنه الى نيشابور.[٣٧] فهكذا ستكون حركة الإمام استناداً لكتاب أطلس الشيعة: المدينة، نقره، هوسجة، نباج، حفر أبي موسى، البصرة، الأهواز، بهبهان، إصطخر، أبرقوه، ده شير (فراشاه)، يزد، خرانق، رباط بشت بام، نيشابور، قدمكاه، ده سرخ، طوس، سرخس، مرو.[٣٨]

من أهم وأوثق ما حدث في هذا الرحلة الطويلة، حديث الإمام في مدينة نيشابور المشهور بحديث سلسلة الذهب.[٣٩] «لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي فلمّا مرّت الراحلة نادانا بشروطها وأنا من شروطها».—حديث سلسلة الذهب، عيون أخبار الرضا، ج2، ص135

ذكر الشيخ المفيد أن المأمون قد أنفذ إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة وفيهم الرضا علي بن موسى عليه السلام فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم وكان المتولي لأشخاصهم المعروف بالجلودي فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا وأنزل الرضا علي بن موسى عليه السلام داراً وأكرمه وعظم أمره.[٤٠] ويختلف الشيخ المفيد في روايته هذه مع اليعقوبي في كون رسول المأمون لجلب الإمام هو الجلودي لا الرجاء بن الضحاك.

ولاية عهد المأمون

روى الشيخ المفيد- أنه وبعد إقامة الإمام في مرو- أنفذ إليه المأمون قائلاً: إني أريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها فما رأيك في ذلك؟

فأنكر الرضا عليه السلام هذا الأمر وقال له: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد. فرد عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي فأبى عليه الرضا إباء شديدا فاستدعاه إليه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرئاستين ليس في المجلس غيرهم وقال له: إني قد رأيت أن أقلدك أمر المسلمين وأفسخ ما في رقبتي و أضعه في رقبتك فقال له الرضاعليه السلام: الله الله يا أمير المؤمنين إنه لا طاقة لي بذلك و لا قوة لي عليه.

قال له: إني موليك العهد من بعدي! فقال له: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين. فقال له المأمون كلاما فيه كالتهدد له على الامتناع عليه وكان مما قال فيه: إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وشرط فيمن خالف منهم أن تضرب عنقه ولا بد من قبولك ما أريده منك فإنني لا أجد محيصا عنه!!.

فقال له الرضا عليه السلام: فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنني لا آمر ولا أنهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولي ولا أعزل ولا أغير شيئا مما هو قائم. فأجابه المأمون إلى ذلك كله‏.[٤١]

وهكذا بايع المأمون الإمام على ولاية العهد في يوم الإثنين لسبعٍ خلون من شهر رمضان سنة 201 وأمر الناس بلبس الخضرة بدلاً من السواد (وهو لباس أبي مسلم الخراساني وأصحابه تقليداً للون راية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمأو حزناً على شهداء أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم).[٤٢] وكتب بذلك إلى الآفاق وأخذ البيعة للإمام الرضا عليه السلام وخطبوا بإسمه على المنابر وضربوا الدرهم والدينار ولم يبق أحد إلاّ ولبس الأخضر إلّا إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي الهاشميّ.[٤٣]

وأقام المأمون حفلاً دعا فيه الخطباء والشعراء وكان منهم دعبل بن علي الخزاعي والذي كافأهُ الإمام الرضا عليه السلام.[٤٤]

أرسل المأمون عيسى الجلودي إلى مكة ليُبلّغ أمره ببيعة الإمام الرضاعليه السلام وقد كان حينها إبراهيم بن موسى بن جعفر والياً عليها ويدعو باسم المأمون، فعندما وصل الجلودي باللباس الأخضر وبيعة الرضا عليه السلام أسرع لإستقباله وبايع أهل مكة الرضا عليه السلام وارتدوا الخضر.[٤٥]

تحليل ٌ لقضية ولاية العهد

سلّم المأمون ولاية العراق إلى الحسن بن سهل وبقي هو في مرو. حينها ثار بعض العلويين الطامعين في الخلافة وانضمّ إليهم الكثير من أهل العراق لسخطهم على الحسن بن سهل. فاضطرب المأمون لسماعه هذا النبأ فهرع الى الفضل بن سهل ذي الرئاستين يستشيرهُ حيث أشار عليه باختيار الإمام الرضا (عليه السلام) وليّا للعهد علّهُ يستطيع إجبار باقي العلويين على الطاعة.[٤٦]

إنّ قضية ولاية العهد من القضايا المهمة في الحياة السياسية للإمام الرضاعليه السلام. ولدراسة هذه القضية ينبغي التحقيق في التاريخ الإسلامي وتاريخ بني أمية وكيفية وصول العباسيين إلى الخلافة. لقد كانت الأوضاع العامّة للبلاد الإسلامية حتى عام 203 للهجرة (السنة التي توفي فيها الإمام الرضا (عليه السلام)) بهذه الصورة إجمالاً: لايخفى على الجميع ظلم الأمويين لأنهم لايعرفوا من الخلافة إلا الحكم إلاّ عمر بن عبد العزيز الذي لم تدُم حكومته. ولهذا ظهرت الكثير من الثورات ذات الطابع الديني ضدّ الحكم الأموي. وكان الجميع يعقدون الامل على أولاد علي عليه السلام- المعروفين آنذاك بأهل البيت (عليهم السلام)- بإحقاق الحق والعدل والمساواة. فإستغلّ العباسيّون هذا الرغبة والامل والحب لأهل البيت (عليهم السلام) وجيّروا ذلك لصالحهم وتظاهروا بأن ثورتهم إنّما هي من أجل التخلّص من التعسّف والظلم الاموي وإعادة الحق الى أهله تحت شعار الرضا من آل محمد، وقد مرت الثورة العباسية بعدّة مراحل:

1. الدعوة للعلويين حصراً في بداية الأمر.

2. الدعوة الى أهل البيت (عليهم السلام) و العترة.

3. الدعوة للرضا من آل محمد.

4. إدّعاء ميراث الخلافة لهم.[٤٧]

بعد أن استقرّت الخلافة للعباسيين نقضوا عهودهم وعمدوا إلى إيذاء العلويين وحبسهم وقتلهم. فسخطت الأمة على العباسيين نتيجة أعمالهم الشنيعة التي ارتكبوها ضدّ أولاد عمّهم، تبلورت على شكل حركات تمرّد ضد نظامهم الحاكم. فقد انتشرت الفوضى والاضطرابات أكثر من السابق في عهد المأمون كما حدث الكثير من الثورات الموالية لآل علي (عليه السلام) في أكثر الولايات والمدن. ولذلك قرّر المأمون القيام ببعض الأمور للتخلص من تلك الإضطرابات فقام بما يلي:

1. قمع ثورات العلويين.

2. إجبار العلويين على الإعتراف بشرعيّة حكم العباسيين.

3. إزالة حالة الحبّ والإحترام المتزايدة والتي كانت تغمر قلوب الناس للعلويين بطريقة لاتُثير الشبهة والشك.[٤٨] وخصوصاً الإمام الرضا (عليه السلام) فكان كلامه يتضمن حقيقة مفادها: عدم أهلية الإمام الرضا (عليه السلام) للخلافة.

يُذكر أنه حينما اعترض حميد بن مهران وبعض العباسيين على المأمون في قضية ولاية العهد أجابهم: كان هذا الرجل مخفيّاً عنّا فهو يدعو الناس لنفسه، أردنا أن يكون ولي عهدنا كي تنتهي الأمور لصالحنا.

وقد أدرك الإمام الرضا عليه السلام هدف المأمون وغايته حيث قال له: أنت تريد أن يقول الناس: لا يُعرض علي بن موسىعليه السلام عن الدنيا بل إنّ الدنيا أعرضت عنه ألا ترونَ كيف قبِلَ بولاية العهد طمعاً بالخلافة.[٤٩] وتجلى هذا المنطق في جواب من كانوا يسألون الإمام عن سبب قبوله لولاية العهد قائلاً: قبلتها مكرهاً.[٥٠] والدليل على ذلك الشروط التي وضعها الإمام (عليه السلام) لقبوله ولاية العهد فهي في الحقيقة إعلانٌ لبراءته من حكومة المأمون. ومع ذلك كله لم يدم الأمر طويلا حتى ثار العباسيون في بغداد وخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم المهدي من جهةٍ، وادرك العلويون مكر المأمون فواصلوا ثوراتهم وتمرّدهم ضد حكومة المأمون وبهذا تيقّن المأمون أنّ مخططه قد فشل فقرر تصفية الإمام الرضا والقضاء عليه.[٥١]

7-9-2014-S-10

المناظرات

بعد قدوم الإمام الرضا عليه السلام مكرها إلى مرو قام المأمون بعقد مجموعة من المناظرات العلمية التي حضرها مختلف العلماء وكانت تتمحور في الغالب حول المسائل العقائدية والفقهية. وقد ادرج الطبرسي قسما منها في كتابه الموسوم بالإحتجاج[٥٢] ومن تلك المناظرات:[٥٣]

الإحتجاج في باب التوحيد والعدل

الإحتجاج في باب الإمامة

الإحتجاج مع المروزي

الإحتجاج مع أبي قرة

الإحتجاج مع أهل الكتاب (الجاثليق)

الإحتجاج مع أهل الكتاب (رأس الجالوت)

الإحتجاج مع المجوس

الإحتجاج مع رأس الصابئة

تحليل لجلسات المناظرة

كان المأمون يهدف إلى إزالة الإعتقاد السائد لدى عامّة الأمّة حول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من أنهم ذوو (علم لدُنيّ)، وفي هذا يقول الشيخ الصدوق: كان المأمون يجلب على الرضا عليه السلام من متكلمي الفرق و الأهواء المضلة كل من سمع به حرصا على انقطاع الرضا (عليه السلام) عن الحجّة مع واحد منهم وذلك حسدا منه له ولمنزلته من العلم، فكان لا يكلم أحداً إلا أقرّ له بالفضل والتزم الحجة له عليه‏.[٥٤]

ولما احس المأمون في نهاية المطاف بتمكن الامام من افحام المناظرين وأنّ الأمر بدأ ينعكس عليه سلباً أخذ بالحدّ منها، وقد أشار الى ذلك عبد السلام الهروي حيث قال: رُفِع‏ إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى (عليه السلام يعقد مجالس الكلام والناس يفتتنون بعلمه فأمر محمد بن عمرو الطوسي حاجب المأمون فطرد الناس عن مجلسه وأحضره فلما نظر إليه المأمون زبره واستخف به فخرج أبو الحسنعليه السلام من عنده مغضبا وهو يدمدم بشفتيه..داعيا عليه‏.[٥٥]

صلاة العيد

بعد أن بويع للإمام بولاية العهد في السابع من شهر رمضان عام 201 للهجرة. أطلّ الأول من شوال عيد الفطر فطلب المأمون من الإمام الرضا عليه السلام أن يصلّي صلاة العيد روي عن ياسر الخادم والريان بن الصلت أن المأمون لما عقد للرضاعليه السلام بولاية العهد أمره بالركوب إلى صلاة العيد فامتنع وقال: قد علمت بما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر فاعفني من الصلاة فقال المأمون إنما أريد بذلك أن يعرفك الناس ويشتهر فضلك وترددت الرسل بينهم فلما ألح المأمون عليه قال: إن أعفيتني كان أحب إلي وإن أبيت فإني أخرج كما كان يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام فقال المأمون: اخرج كيف شئت وأمر القواد والجند والناس يبكروا بالركوب إلى باب الرضا (عليه السلام. فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه وصار القواد والجند إلى بابه فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس فاغتسل ولبس ثيابه وتعمم بعمامة قطن بيضاء وألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه ومس طيبا وأخذ عكازا وقال لمواليه: افعلوا كما فعلت فخرجوا بين يديه وهو حاف وقد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبّر، وكبّر مواليه معه، ثم مشى حتى وقف على الباب. فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة سقطوا إلى الأرض وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة جاجيلته ونزعها وتحفى وكبر الرضا عليه السلام وكبر الناس معه، فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا وسمعوا تكبيره و بلغ المأمون ذلك فقال له الفضل: إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا على دمائنا! فبعث إليه المأمون: قد كلفناك شططا وأتعبناك ولا نحب أن تلحقك مشقة فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم. فدعا بخفّه فلبسه وركب ورجع‏.[٥٦]

قضية استشهاده

جاء في تاريخ اليعقوبي،إنطلق المأمون في عام 202 للهجره من مرو الى العراق مصطحباً معه وليّ عهده الرضا عليه السلام ووزيره الفضل بن سهل ذا الرئاستين .[٥٧] ولما صار إلى طوس توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بقرية يقال لها النوقان أول سنة 302 ولم تكن علته غير ثلاثة أيام، فقيل إن علي بن هشام أطعمه رمانا فيه سم، وأظهر المأمون عليه جزعا شديدا. واضاف اليعقوبي: حدثني أبو الحسن بن أبي عباد قال: رأيت المأمون يمشي في جنازة الرضا عليه السلام حاسرا في مبطنة بيضاء، وهو بين قائمتى النعش يقول: إلى من أروح بعدك، يا أبا الحسن! وأقام عند قبره ثلاثة أيام يؤتى في كل يوم برغيف وملح، فيأكله، ثم انصرف في اليوم الرابع .[٥٨]

قال الإمام الرضا (ع): «مَا زَارَنِي أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي عَارِفاً بِحَقِّي إِلَّا شُفِّعْتُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [٥٩]

وروى الشيخ المفيد أن عبد الله بن بشير قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري عن العادة ولا أظهر لأحد ذلك ففعلت ثم استدعاني فأخرج إلي شيئا شبه التمر الهندي، و قال لي: اعجن هذا بيديك جميعا ففعلت ثم قام و تركني فدخل على الرضا (عليه السلام) فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحا. قال له: أنا اليوم بحمد الله أيضا صالح فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم؟ قال: لا. فغضب المأمون و صاح على غلمانه ثم قال: خذ ماء الرمان الساعة فإنه مما لا يستغنى عنه ثم دعاني فقال: ائتنا برمان فأتيته به فقال لي أعصره بيديك ففعلت وسقاه المأمون الرضا (عليه السلام) بيده فكان ذلك سبب وفاته‏.[٦٠]

وقد نقل الصدوق روايات بهذا المضمون ذكر في بعضها أنّ المأمون دسّ اليه العنب وفي بعضها العنب والرمّان.[٦١]

وذكر جعفر مرتضى الحسيني ستة آراء حول وفاة واستشهاد الإمام الرضا (عليه السلام).[٦٢]

كتب ابن حبان وهو من محدثي القرن الرابع الهجري، في كتابه الثقات عند ترجمته لـ علي بن موسى الرضا: ومات علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين سقاه إيّاها المأمون فمات من ساعته، وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين.[٦٣]

دفنه المأمون في بيت حميد بن قحطبة الطائي أي البقعة الهارونية الواقع في قرية سناباد[٦٤] حيث يقع الحرم الرضوي اليوم في إيران في محافظة خراسان الرضوي مشهد المقدّسة.

لماذا قتل المأمون الإمام الرضا عليه السلام؟

تناول الباحثون قضية استشهاد الإمام الرضا عليه السلام وذهبوا الى جملة أسباب أدّت إلى مقتله على يد المأمون ومن أهمها أولا: انتصاره وتغلبه على علماء عصره في حلقات المناظرة.[٦٥] ثانيا: ما حصل من وقائع أثناء صلاة العيد حيث أنّ المأمون شعر بالخطر الشديد مما حدث في تلك الحادثة فجعل عليه عيوناً تراقبه خشية أن يقوم بما يعدّ مؤامرة ضدّ المأمون،[٦٦] يذكر أن الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن ليخشى المأمون بل كان كثيراً ما يردّ عليه بطريقة تثيره وتُؤذيه الأمر الذي زاد من غضب المأمون وعدائه للإمام رغم عدم بوح المأمون بذلك.[٦٧] وقد روي أنّ المأمون جاء يوماً إلى الإمام الرضاعليه السلام فرحاً مسروراً بإحدى فتوحاته العسكرية فقال له الإمام : إتق الله يا أمير المؤمنين في أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أوكلك الله تعالى به! لقد ضيّعت أمور المسلمين و…[٦٨]

7-9-2014-S-07

المؤلفات المنسوبة للإمام الرضا عليه السلام

ذكر بعض المؤرخين جملة مؤلفات وكتبٍ تُنسب إلى الإمام الرضا عليه السلام فضلاً عن الأحاديث والأخبار الواردة عنه فعلى سبيل المثال ذكر أنّ للإمام كتاب أطلق عليه عنوان: ”عيون أخبار الرضا” وهو من مصادر هذا المقال، حيث نقل الكثير من هذه المسائل، كما روي وجود تأليفات أخرى لكن لايمكن القطع بنسبتها للإمام منها: كتاب ”الفقه الرضوي” لكن المحققون من العلماء لا يؤكدون حقيقة انتسابه إلى الإمام الرضا عليه السلام[٦٩] ومما نُسب إليه ”الرسالة الذهبية” في الطبّ. فقد ورد أنه أرسلها الى المأمون سنة 201 للهجرة ولأهميتها أمر المأمون بكتابتها بالذهب وحفظها في دار الحكمة. وكتب الكثير من العلماء شروحاً عليها.[٧٠]

ومما نُسب إليه ”صحيفة الرضا” في الفقه لكن لم يثبت حقيقة انتسابها له من قبل العلماء.[٧١] وهناك كتاب آخر اطلق عليه ”محض الإسلام وشرائع الدين” والظاهر أن العلماء لم يطمئنوا أن الكتاب من تأليف الإمام الرضا (عليه السلام).[٧٢]

مختارات من كلامه

إن مشي الرجال مع الرجل فتنة للمتبوع ومذلة للتابع.[٧٣]

صديق كلّ امرىءٍ عقله وعدوه جهله.[٧٤]

مَن جَلَسَ مَجلِسا يُحيى فيهِ أمرُنا ، لَم يَمُت قَلبُهُ يَومَ تَموتُ القُلوُبُ [٧٥]

مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [٧٦]

يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ [٧٧]

أصحابه

ذكر بعض المؤرخين أنّ عدد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ورواته بلغ 367 شخصاً نشير إلى بعضٍ منهم:

يونس بن عبد الرحمن

موفق (خادم الإمام الرضا عليه السلام)

علي بن مهزيار

صفوان بن يحيى

محمد بن سنان

زكريا بن آدم

الريّان بن الصلت

دعبل بن علي

كلمات كبار علماء العامّة في حقّه

ابن حجر: «كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب».[٧٨]

اليافعي: «توفّى الإمام الجليل المعظّم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أحد الأئمة الأثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم ،……..».[٧٩]

وقال عنه ابن حبان: «وقبره بسناباد خارج النوقان مشهور يزار بجنب قبر الرشيد قد زرته مرارا كثيرة وما حلت بي شدة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر على بن موسى الرضا صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عنى إلا أستجيب لي وزالت عنى تلك الشدة وهذا شئ جربته مرارا فوجدته كذلك أماتنا الله على محبة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وسلم الله عليه وعليهم أجمعين».[٨٠]

7-9-2014-S-11

————-
الهوامش
الدخيل، 1429هـ ق، صص 76-77.
المفيد، 1428، ص 447.
المفيد، 1428، ص 447.
الصدوق، ج 1، 1373، ص 26.
الصدوق، ج1، 1373، ص 27.
الصدوق، ج1، 1373، صص 30-31.
دهخدا، ج8، ص 12109، مدخل رضا.
جعفريان، 1381، ص 425.
فضل الله، 1377، ص 43.
الكليني، 1363ش، ص 486.
العاملي، 1430ه.ق، ص 168.
فضل الله، 1377، ص 43.
الكليني، ج 1، 1363، ص 486.
العاملي، 1430ه.ق.، ص 169.
الطبرسي، 1417، ص 41.
راجع: القرشي، ج 2، صص 503-504.
فقه الرضا، ص337
الكليني، الكافي، تصحيح محمد آخوندي، بلا تا، ج 1، ص 492.
القرشي، ج 2، 1429ه، ص 408.
يافعي، ج 2، 1417، ص 10.
السيوطي، بلا تا، ص 307.
فضل الله، محمد جواد، المصدر السابق، ص 44.
الجوزي، بلا تا، ص 123.
جعفريان، 1381هـ، ص 426.
المفيد، المصدر السابق، ص 464.
فضل الله، 1377، ص 44.
راجع: قمي، 1379، ص 1725-1726.
الطبرسي، ج2، 1417ه.ق.، صص 41-42.
المفيد، المصدر السابق، ص 448.
الكافي، ج4، ص567
المفيد، ص 448.
المفيد، ص 448. للاطلاع على الاحاديث من هذا القبيل راجع: المصدر السابق، صص 448-451.
جعفريان، 1381، ص 427.
عرفان منش، 1374، ص 18.
جعفريان، 1381، ص 426.
اليعقوبي، ج 2، 1378، ص 465.
مطهري، ج 18، 1381، ص 124.
جعفريان، 1387، ص 95.
فضل الله، 1377، ص 133.
المفيد، المصدر السابق، ص 455.
المفيد، المصدر السابق، صص 455-456.
دائرة المعارف تشيع، ج 1، 1366، صص 440-439.
اليعقوبي، المصدر السابق، ص 465.
المفيد، المصدر السابق، صص 458-459.
يعقوبي، المصدر السابق، ص 466.
دهخدا، ج 8، 1377، ص 12109، مدخل رضا.
حسيني، جعفر مرتضى، 1381، ص 20.
حسيني، جعفر مرتضى، 1381، ص 127.
الصدوق، ج 2، 1373، صص 314-315.
راجع: الصدوق، ج 2، 1373، صص 309، 312-313.
الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)، جعفر مرتضى العاملي، نقلاً عن لغت‌نامه دهخدا، ج 8، 1377، صص 12110-12111.
جعفريان، 1381، ص 442.
راجع: الطبرسي، ج 2، 1403ه.ق.، ص 396 وما بعدها.
عيون أخبار الرضا، ج1، ص 152، نقلاً عن جعفريان، ص 442.
جعفريان، 1381، ص 442-443.
جعفريان، 1381، ص 443-444.
اليعقوبي، المصدر السابق، ص 469.
اليعقوبي، المصدر السابق، ص 471.
من ‏لا يحضره ‏الفقيه،ج2، ص583
المفيد، المصدر السابق، ص 464.
راجع: الصدوق، ج2، 1373، صص 592 و 602.
راجع: الحسيني، جعفر مرتضي، 1381، صص 202-212.
ابن حبان،ج 8، 1402، صص 456-457؛ جعفريان، 1376، ص 460.
المفيد، المصدر السابق، ص 464.
جعفريان، 1376، ص 443.
جعفريان، 1376، ص 444.
جعفريان، 1376، ص 444-445.
العطاردي، 1413، ص 84-85.
فضل الله، 1377، ص 187.
فضل الله، 1377، صص 191-196.
فضل الله، 1377، ص 196.
فضل الله، 1377، ص 197-198.
اليعقوبي، المصدر السابق، ص 471.
الصدوق، ج 2، 1373، ص 3.
عيون أخبار الرضا، ج1، ص294
الكافي، ج2، ص200
الكافي، ج4، ص11
العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج 7، ص 389.
اليافعي، ج 2، 1417ه.ق. ص 10.«توفّي الإمام الجليل المعظّم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن‌موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن‌علي بن أبي طالب،أحد الأئمّة الأثني عشر،أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم،و قصروا بناء مذهبهم عليه.»
ابن حبان،ج 8، 1402ه.ق.، صص 457.

أبنا

رسالة يسوع حول لحم الخنزير

3-9-2014-3-d

لربما حرم يسوع لحم الخنزير إما اعتمادا على ما جاء في التوراة التي اقرّها ولم ينسخها كما نرى ذلك واضحا في إنجيل متى 5: 17 ((لا تظنوا أني جئتُ لأنقضَ الناموس. . ما جئت لأنقض بل لأكمل)).
والناموس أو التوراة صريحة وواضحة جدا في تحريم لحم الخنزير ولكل مشتقاته. فاكتفى يسوع بذلك حيث يقول الناموس كما في سفر التثنية 14: 8 (( والخنزير فهو نجسُ لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا)).
أو انه حرّمهُ في الإنجيل ، ولكن النص ضاع بضياع الإنجيل كله.
ولما دوّن التلاميذ سيرة يسوع ، لم يذكروا حلالا ولا حراما أبدا فلا (معاملات ولا عبادات ) ولذلك نرى الإنجيل يخلو من أي ذكر للأمور الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية ، بل حفل الإنجيل فقط ببعض ما قام به يسوع وشاهده التلاميذ من أعمال.
(هكذا قال يسوع ، هكذا فعل، أخرج شياطين . أولى معجزاته صناعة الخمر. اخذ حمارا وجلس عليه شفى بعض الأمراض دعى على شجرة التين فيبست يسحبه الشيطان ليختبره . حتى أنه لم يعلمهم الصلاة ولا الصوم) باعتراف هذه الكتب نفسها كما نقرأ ذلك واضحا في إنجيل لوقا 11: 1 (( وإذ كان يُصلي في موضع، لمّا فرغ، قال واحدُ من تلاميذه: يارب علمنا أن نُصلي كما علُم يوحنا أيضا تلاميذه)).
فإذا كان يسوع لم يُعلّم تلاميذه حتى الصلاة ، فهل يُعقل أن ينهاهم عن المحرمات الأخرى . ولذلك ترى انه لا شيء حرام في المسيحية.
ولكن مع كل هذه الفوضى كنت اقلب الرأي دائما حول نص ورد في كل من إنجيل متى، لوقا ، مرقص . هذا النص عبارة عن رسالة وجهها يسوع إلى الناس حول خطورة لحم الخنزير وانه غير صالح للأكل لأنه مأوى كل المفاسد التي لا تصلح أن يتناولها الإنسان لأنها تقوم بتخريب داخلي في شخصيته وتعطيل مروّع لغرائز الغير والشرف والشهامة ، ولكن هذه الرسالة مع الأسف لم يستطع التلاميذ نقلها كما هي بل ان صياغتها بالطريقة التي نقلها التلاميذ شوشت هذه الرسالة.

ولذلك نرى نفس الرسالة نقلها مرقس لا كما نقلها متى ، وأما لوقا فقد خربط أحوال الرسالة وجعلها غير صالحة للبحث ، ولكن بتجميع الأنقاض المتبقية يظهر لنا من خلالها تفسيرا مفاده أن يسوع ترك رسالة مهمة حول حرمة ونجاسة لحم الخنزير وخطورته .
سألت بعض الآباء المقدسين ، فلم أجد عندهم شيئا لا بل لم أجد لهم علما حتى أن بعضهم أكد لي بأنه لم يخطر في باله أن يكون هذا النص له علاقة بتحريم لحم الخنزير، وان بحثي فيه فاجأ الكنيسة.
ولكن الأب غسان أيوب روبير راعي كنيسة القوش أيد رأيي عندما قلت له : لماذا اختارت الأرواح النجسة والشياطين أن تدخل في الخنازير ، ولم تختر الدخول في الأغنام والأبقار أو الحمير حيث كانت موجودة في المكان . هل هي رسالة من يسوع لنا علينا أن نفك رموزها ؟
فقال : تفسير منطقي جيد استمري فيه واعرضي النتائج علي لأراها.
فماذا ورد في هذه الرسالة ؟
أولا تعال معي أخي القارئ لترى الاضطراب في النقل بين الأناجيل .
متى في إنجيله يقول بأن الذي استقبل يسوع اثنين من المجانين كانا يسكنان في المقابر .
في حين أن مرقس يقول أنه مجنون واحد خرج ليسوع من المقابر.
وأما لوقا فقال انه مجنون واحد ولكنه خرج من المدينة وهو يعيش في القبور.

النص يقول كما في إنجيل متى 8 : 30 ((ولما جاء ـــ يسوع ـــ إلى كورة الجرجيسيين، استقبلهُ مجنونان خارجان من القبور هائجان جدا، حتى لم يكن أحدٌ يقدرُ أن يجتاز من تلك الطريق. صرخا قائلين : ما لنا ولك يا يسوع ابن الله ؟ أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟ وكان بعيدا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين: إن كنت تخرجنا، فأذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير . فقال لهم امضوا. فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير ، وإذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه)).
طبعا المسيحية برمتها لا تستطيع أن تعطينا تفسيرا لتصرف الخنازير هذا ، لماذا انتحرت الخنازير وألقت بنفسها في البحر بمجرد دخول الأرواح النجسة فيها ؟؟؟؟؟!!!!
أما في إنجيل مرقس فيقول بأن في هذا المجنون روح نجس كما في 5 : 2 ((استقبله من القبور إنسان به روح نجس)).
مما تقدم نفهم أن يسوع أرسل رسالة إلى أتباعه مفادها أن أجساد الخنازير فيها قابلية استقبال (الشياطين ، والأرواح النجسة الشريرة) ولربما هو رمز للبكتريا والفايروسات الخطيرة (1) لأن كلمة شياطين والجن تعني كل مستتر لا يُرى بالعين إما لكونه متناهي الصغر أو لخاصية في ذاته.
وأن الإشارة إلى أن الخنازير بعد أن دخلتها هذه الخبائث رمت نفسها بالبحر وانتحرت وماتت . هذا رمزُ إلى انه يجب رمي هذه اللحوم وعدم أكلها لما فيها من ضرر بالغ على جسم الإنسان.
ولذلك ترى ان الخنزير يقترن ذكره دائما بالأماكن النجسة الغير طاهرة والموحشة كما نرى ذلك في سفر إشعياء 65: 4 (( يجلس في القبور، ويبيتُ في المدافن. يأكلُ لحم الخنزير)). فجمع النص بين القبور والمدافن ولحم الخنزير.
لقد كان المؤمنون الأولين ملتزمين جدا بالشريعة حتى لو عُذبوا العذاب الشديد فإنهم لا يقربون لحم الخنزير لأنه محرم عليهم فكانوا يُفضلون الموت على أكل لحم الخنزير ، فكان الملوك يُعذبوهم بالمقارع والسياط ويلقونهم في الطواجن والقدور الحامية ويتم قطع لسان من لا يأكل لحم الخنزير ويُسلخ جلد رأسه وتُجدع أطرافه ويُقلى بالزيت وهو حي . (2)
فعلا بعد أن أتممت البحث أرسلته للأب غسان، الذي أجابني بعد حين بقوله: (( أنا لا أفتي بحرمته ولكني لا آكله بعد الآن)).
المصادر والتوضيحات ــــــــــــــــ
1- في موقع الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل يقول القس قاسم إبراهيم في معرض رده على سؤال : هل إن لحم الخنزير يُسبب بعض الأمراض فيقول : إن لحم الخنـزير يتأثر بالبكتريا، أي الجراثيم أسرع من غيره، فإنه يعطب قبل غيره من اللحوم. وعندها فإن تناوله يضرّ الصحة، وقد يسبب أحياناً بعض الأمراض الخطيرة. ، والمعروف أن أحد الأمراض الشائقة التي يسببها لحم الخنـزير المريض “هو التريشينويز” الذي يؤثر على الجهاز العصبي عند الإنسان، وقد تكون الإصابة به خطيرة إن لم يعالج جيداً.
2- انظر سفر المكابيين الثاني 7: 1 (( فأخذ الملك يُكرههم على تناول لحوم الخنزير المحرمة، ويُعذبهم بالمقارع والسياط. فانتدب أحدهم للكلام وقال: إنا لنختار أن نموت ولا نُخالف شريعة ــ الله ــ فحنق الملك وأمر بإحماء الطواجن والقدور، وان يُقطع لسان الذي تكلم ، ويُسلخ جلد رأسه وتُجدع أطرافهُ امر بأن يؤخذ إلى النار وفيه رمق من الحياة ويُقلى)).

إيزابيل بنيامين ماما اشوري

“دولة الخلافة” تتجه نحو “الانتحار” والزوال بشكل يشابه نشأتها و”تمددها” السريع

30-6-2014-S-05

      بعد 16 شهراً على إعلان ولادته رغم رفض التنظيم الأم “القاعدة” الذي يحمل فكره وإيديولوجيته، استطاع تنظيم “الدولة الإسلامية” السيطرة على حوالي نصف مساحة العراق وثلث مساحة سوريا، ليتحول إلى مصدر تهديد ورعب حقيقي على المستويين الإقليمي والدولي.

إلا أن بعض المراقبين والمتتبعين لمسيرة التنظيم الوليد، يرون أن تمدده الكبير والذي اعتمده شعاراً واستراتيجية خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً، بالإضافة إلى كثرة خصومه واتساع التحالف الدولي المعارض له، وحالة الغرور بقوته وإمكاناته التي تعتريه، ينذرون جميعا بأنه يتوجه حتماً نحو “الانتحار” السريع.

النشأة:

أعلن أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم ما كان يسمى “الدولة الإسلامية في العراق”، الذي نشأ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 كفرع لتنظيم القاعدة، في تسجيل صوتي له أبريل/ نيسان 2013 أن جبهة “النصرة” في سوريا هي جزء من التنظيم الناشط في العراق.

وأوضح البغدادي أن الهدف من هذا الضم هو إقامة دولة إسلامية في سوريا والعراق، وإعلان إقامة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو ما عرف إعلامياً وقتها بـ”داعش”.

فيما أعلن أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة، في اليوم التالي للإعلان المذكور مبايعته لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ورفض قرار البغدادي، الأمر الذي تطور بين الرجلين إلى اشتباكات مسلحة بين تنظيميهما ما تزال مستمرة منذ نهاية العام الماضي، وأدت لمقتل المئات من الجانبين.

ولم تكن جبهة النصرة معروفة قبل بدء الاحتجاجات في سوريا في مارس/ آذار 2011، لكنها برزت كقوة قتالية ميدانية مع تبنيها تفجيرات استهدفت مراكز عسكرية وأمنية للنظام في الشهور الأولى للاحتجاجات.

الظواهري بدوره رفض قرار البغدادي بإعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ودعاه في تسجيلات صوتية بهذا الخصوص كان آخرها مايو/أيار الماضي إلى التفرغ لما وصفه بـ”العراق الجريح”، والعودة إلى الأمير(الظواهري) بـ”السمع والطاعة”، وهو ما رفضه التنظيم الجديد سريعاً وشن هجوماً على الظواهري وطالبه بمبايعة البغدادي كأمير، وذلك في تسجيل لأبو محمد العدناني، الناطق باسم التنظيم.

ومع تنامي قوة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وسيطرته على نحو نصف مساحة العراق وثلث مساحة سوريا، أعلن العدناني، نهاية يونيو/حزيران الماضي، عن تأسيس “دولة الخلافة”، في المناطق التي يتواجد فيها التنظيم في البلدين الجارين، وكذلك مبايعة زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي “خليفة للمسلمين” بعد مبايعته من قبل مجلس شورى التنظيم، وذلك بحسب تسجيل صوتي منسوب له بثته مواقع جهادية.

ودعا العدناني باقي التنظيمات الإسلامية في شتى أنحاء العالم لمبايعة “الدولة الإسلامية”، بعد شطب اسم العراق والشام من اسمه.

مناطق السيطرة:-

يسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق على معظم مساحة محافظة نينوى التي سيطر عليها مع حلفائه من المقاتلين السنة في العاشر من يونيو/حزيران الماضي، وذلك بعد انسحاب قوات الجيش العراقي منها بدون مقاومة تاركين كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد.

كما سيطر أيضاً في الوقت نفسه، على مناطق واسعة في محافظة صلاح الدين وخاصة مركزها مدينة تكريت وبدأ بتهديد بلدة سامراء ذات المكانة الدينية لدى الشيعة والاستراتيجية لقربها من بغداد، وأيضاً مناطق في محافظة ديالى حيث سيطر مؤخراً على ناحية جلولاء القريبة من الحدود الإيرانية وأيضاً على أجزاء من محافظة كركوك الغنية بالنفط.

وقبلها بأشهر سيطر “الدولة الإسلامية” والمتحالفون السنة على مدن بمحافظة الأنبار الحدودية مع سوريا وأكبر محافظات العراق مساحة.

أما في سوريا فيسيطر التنظيم على محافظة الرقة بشكل شبه كامل منذ نحو عام والتي تعد المعقل الأساسي للتنظيم في البلاد، في حين سيطر مؤخراً على معظم مساحة محافظة دير الزور الغنية بالنفط والتي تمتلك امتداداً جغرافياً مع المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق، ويسيطر التنظيم أيضاً على مناطق في الريف الشمالي لمحافظة حلب ويسعى للسيطرة على مناطق أوسع فيها.

المرجعيات الإيديولوجية:-

لا توجد مرجعية فكرية أو دينية معلومة أو يعلن عنها تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أن بعض الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية، يرون أنه “يتبع الفكر السلفي الجهادي، كوسيلة وحيدة للتغيير، وبناء الدولة الإسلامية التي تطبق فيها تعاليم وأحكام الشريعة، ويسعى التنظيم لتطبيق ذلك بطريقة متشددة وبفرض العقاب وإقامة الحدود على من يخالفها عن طريق المحاكم الشرعية التي ينشئها””.

وأعربت العديد من المؤسسات الدينية الإسلامية كالأزهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين غير الحكوميتين وغيرهما، عن عدم اتفاقها ورفضها للمنهج الذي يتبعه التنظيم في تطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية وتكفير الآخرين وتطبيق الحدود، حيث وصفته بعض تلك المؤسسات في بيانات أصدرتها مؤخراً بـ”الكيان الشيطاني.. التتار الجدد.. أعداء الإسلام.. خوارج العصر.. صنيعة المخابرات”.

العقيدة القتالية:-

يعتمد تنظيم “الدولة الإسلامية” في معاركه التي يخوضها ضد خصومه في كل من سوريا والعراق على أسلوب فرض الرعب على الطرف الآخر، متخذا من “الانغماسيين” و”الذبِّيحة” ذراعين أساسيتين لتحقيق هذا الأسلوب.

ويحاول التنظيم الذي يقول مراقبون إن عدد مقاتليه لا يتجاوز 15 ألف عنصر دون عدد المتحالفين معه، تعويض النقص العددي لديه مقارنة بخصومه، حيث يعمل على تصوير مقاتليه على أنهم مستعدون للموت عبر القيام بما يسميها “عمليات استشهادية” ينفذها “الانغماسيون” ضد الأعداء.

كما يلّوح لأعدائه أيضاً بأن مصيرهم يتعدى الموت في المعارك معه، وإنما سيواجهون الذبح وقطع الرؤوس الذي ينفذه بعض العناصر المتخصصين لديه والذين يلقبهم العوام في كل من سوريا والعراق بـ”الذبِّيحة” بتشديد الباء وكسرها، بحسب المفردة العامية هناك التي تدل على كثرة القتل ذبحاً.

ويختلف “الانغماسيون” عن “الاستشهاديين” أو “الانتحاريين” كونه لا يشترط أن ينفذ “الانغماسي” عملية استشهادية أو انتحارية تودي بحياته، وحصل عدة مرات أن قام “انغماسيون” بقيادة عربة ملغومة إلى هدف تابع للعدو وتفجيرها عن بعد، بعد تمكنه من الانسحاب منها عقب ركنها في المنطقة المستهدفة، وذلك للقيام بعملية أخرى، بحسب ما صرّح عدد منهم في مقاطع الفيديو التي بثها تنظيم “الدولة الإسلامية” لتوثيق عملياته.

الرايات والشعارات:-

يرفع عناصر التنظيم راية تنظيم القاعدة (العلم الأسود المكتوب عليه باللون الأبيض عبارة، لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويطلق عناصره، وغالبيتهم من غير السوريين، هتافات إثر كل معركة أو انتصار يحققونه على قوات الأعداء مثل “قائدنا للأبد سيدنا محمد” و”الله أكبر” التي تتعالى بها أصواتهم أيضاً خلال الاشتباكات.

كما يرفع مقاتلو “الدولة الإسلامية” وأنصاره عبارة “باقية وتتمدد” شعاراً للتعبير عن فكر “دولتهم الإسلامية” التوسعي والتي تتعدى حدودها حدود سوريا والعراق، وكذلك بقائها على الرغم من معارضة خصومها وأعدائها الكثر.

الأعداء والخصوم:-

يتخذ التنظيم كل من يخالفه في العقيدة خصماً له ويعتبره “مرتداً” وعقوبته القتل، ولا يقتصر إطلاق “الردة” على المسيحيين أو اليهود أو الإيزيديين وغيرها من الطوائف، وإنما يسبغ التنظيم هذا الحكم حتى على المسلمين من الشيعة وحتى السنة ممن لا يتبعون التعاليم التي يراها التنظيم أنها هي التعاليم الصحيحة والحقيقية للدين.

أما بالنسبة لأعداء التنظيم فإن الأخير يقاتل في العراق كل من الجيش العراقي والميليشيات الطائفية الموالية للأخير وقوات البيشمركة وقوات عشائرية مناهضة للتنظيم، إضافة إلى مسلحين محليين ممن يرفضون سيطرة التنظيم على مناطقهم وآخرين متوحدين دينياً أو عرقياً مثل الإيزيديين والتركمان وغيرهم.

وتلقى كل تلك القوات دعماً لوجستياً أمريكياً وغربياً في مواجهة التنظيم خاصة بعد سيطرته قبل أسابيع، ،على مناطق قريبة من أربيل عاصمة إقليم كردستان، كما دخلت إلى معادلة الصراع المباشر ضد “الدولة الإسلامية” مؤخراً وبشكل محدود، القوات الأمريكية حيث أمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل أكثر من أسبوع بشن ضربات جوية ضد أهداف للتنظيم شمالي العراق بعد تهديده “المصالح الأمريكية وإقليم شمال العراق المستقر”، وكذلك “استهدافه للأقليات”.

أما في سوريا، فيقاتل التنظيم كلاً من جيش النظام والميليشيات الشيعية الموالية له، إضافة إلى قوات الدفاع الوطني(ميليشيات مسلحة غير نظامية)، إلى جانب حزب الله اللبناني الذي يقاتل إلى جانب النظام في عدد من المناطق السورية.

وإلى جانب هؤلاء يقاتل التنظيم قوات المعارضة من جيش حر وفصائل إسلامية معارضة للنظام مثل الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة وغيرهما، فضلاً عن ميليشيات كردية في بعض المناطق التي تسيطر عليها تلك الميليشيات شمالي البلاد.

القيادة والتنظيم:-

لـ”الدولة الإسلامية” هيكل تنظيمي يرأسه زعيم التنظيم “الخليفة” أبو بكر البغدادي إضافة إلى أمراء للمناطق ومجالس شورى المجاهدين، إضافة إلى قيادات ميدانية، إلا أن تلك الأمور التنظيمية يكتنفها سرية تامة، في حين يشير باحثون في الشؤون الإسلامية إلى أن تبعية قادة “الدولة الإسلامية” في سوريا تعود لأمراء التنظيم في العراق.

أما “الخليفة” أبو بكر البغدادي واسمه الحقيقي “ابراهيم بن عواد”، فهو من مواليد مدينة سامراء ويبلغ من العمر 43 عاماً، وتولى منصبه كزعيم لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” بعد مقتل زعيمه السابق أبو عمر البغدادي عام 2010 بقصف جوي أمريكي، وذلك بحسب ما يعرف به التنظيم وما تذكره مواقع مقربة منه.

وتذكر المواقع المقربة من التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعي، أن البغدادي تتلمذ على يد أبو مصعب الزرقاوي (أردني الجنسية) الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق الذي قتل في قصف أمريكي عام 2006، واعتقل من قبل القوات الأمريكية في العراق لمدة أربع سنوات قبل إطلاق سراحه عام 2009.

وأظهر البغدادي تمرده على قرارات زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، خاصة بعد اعتراض الأخير على قرار البغدادي بإعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

ويدين التنظيم للبغدادي بتحقيق أكبر مساحة توسع منذ تأسيس تنظيم القاعدة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

الأذرع الإعلامية:-

على الرغم من الاتهامات التي تواجه التنظيم بالتشدد والتضييق على عمل وسائل الإعلام واعتبار بعض من يعمل فيها “مرتداً” ما لم “يبايع الدولة الإسلامية”، إلا أنه يمتلك آلة إعلامية متقدمة إلى حد كبير.

حيث أصدر التنظيم مؤخراً صحيفة رسمية ناطقة باسمه باللغتين العربية والإنكليزية تحت اسم “دابق”، إضافة إلى اعتزامه إصدار صحيفة أخرى مماثلة باسم “خلافة2″، بحسب بيانات أصدرها على صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمل الصحيفتين على نقل أفكار التنظيم والتعريف بـ”دولة الخلافة” التي أعلنها مؤخراً.

كما أطلق التنظيم مؤخراً عدداً من الإذاعات المحلية باسمه تبث في المناطق الخاضعة لسيطرته في كل من سوريا والعراق مثل “البيان”، كما يملك التنظيم ما يسميها مؤسسات إعلامية ناطقة باسمه أبرزها “مؤسسة الفرقان”، وأيضاً يمتلك صفحات رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي يخصص كل واحدة منها لكل “ولاية” وينشر عليها صوراً وفيديوات لما يسميها “تغطيات” إعلامية لنشاطاته والمعارك التي يخضوها مقاتلوه، وذلك عن طريق المكاتب الإعلامية التي ينشئها بكل ولاية.

مصادر التمويل:-

في بداية نشأته اعتمد التنظيم على التمويل الخارجي، إلا أنه لا يعلن عادة عن مصادر ذلك التمويل، كما لا تعلن تلك المصادر عن تقديمها الدعم له خوفاً من العقوبات الدولية عليها خاصة أنه موضوع على لوائح “الإرهاب الدولية”.

إلا أنه خلال الفترة الماضية بدأ بالاعتماد على موارد ذاتية بعد سيطرته على حقول وآبار للنفط والغاز في كل من سوريا والعراق، وقيامه ببيع كميات منها عن طريق مهربين إلى بعض دول الجوار.

العدد والعتاد:-

يرى متخصصون في شؤون الجماعات الإسلامية أن عدد مقاتلي “الدولة الإسلامية” لا يتجاوز 15 ألف مقاتل، أكثر من 80% منهم من جنسيات غير سورية أو عراقية، غالبيتهم حسب ما يعلن التنظيم من الشيشان والسعودية والأردن ودول المغرب العربي ومصر وليبيا وغيرها.

وهذا العدد مرجح للتزايد بسرعة بعد حملة المبايعات الكبيرة للتنظيم خاصة من بعض فصائل المعارضة المسلحة شرقي سوريا، وإعلان “دولة الخلافة” التي تستقطب مهاجرين إليها تلبية لدعوات أطلقها التنظيم.

أما بالنسبة للسلاح والعتاد فيمتلك التنظيم أسلحة ثقيلة ونوعية تصل إلى صواريخ بالستية من طراز “سكود” التي استعرض واحداً منها قبل فترة في شوارع مدينة الرقة شمالي سوريا استولى عليها من بعض مواقع النظام العسكرية التي سيطر عليها.

إضافة إلى مدافع ثقيلة ودبابات وعربات مصفحة أمريكية بكميات كبيرة استولى عليها من المواقع والفرق العسكرية التي فر منها الجيش العراقي قبل شهرين، وكذلك عربات ودبابات روسية الصنع التي كان يمتلكها النظام السوري قبل أن يستولي عليها مقاتلو التنظيم من بعض فرقه العسكرية التي سيطروا عليها.

ويعتمد مقاتلو التنظيم بالشكل الأبرز على القواذف الصاروخية (آر بي جي) وقذائف الهاون بعياراتها المختلفة فضلاً عن الأسلحة الفردية مثل بنادق “الكلاشينكوف” الروسية والرشاشات المتوسطة والثقيلة المثبتة على العربات رباعية الدفع، وذلك في معاركه ضد أعدائه على الجانبين السوري والعراقي.

احتمال الانتحار:-

يرى مراقبون لمسيرة “الدولة الإسلامية” أن التوسع السريع لمناطق سيطرة التنظيم وانتشار مقاتليه فيها، وكثرة الخصوم والأعداء الذين يقاتلهم في نفس الوقت بكل من سوريا والعراق، والدعم الأمريكي والدولي لأولئك لوجستياً وعسكرياً، مع إثارة التنظيم نقمة سكان المناطق التي يسيطر عليها بقيامه بتطبيق الحدود الشرعية من جلد ورجم وذبح وقطع للرؤوس، وبدء “انتفاضات” شعبية مسلحة ضده خاصة في شرق سوريا، يوحي ذلك أن “دولة الخلافة” تتجه نحو “الانتحار” والزوال السريع بشكل يشابه نشأتها و”تمددها” السريع، في الوقت الذي لا يؤمن مقاتلو التنظيم بذلك ويصرون على أنها “باقية”.

واي نيوز

إلى الأعلى