الأربعاء , 27 أغسطس 2014
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية » بحوث ودراسات

أرشيف القسم : بحوث ودراسات

“دولة الخلافة” تتجه نحو “الانتحار” والزوال بشكل يشابه نشأتها و”تمددها” السريع

30-6-2014-S-05

      بعد 16 شهراً على إعلان ولادته رغم رفض التنظيم الأم “القاعدة” الذي يحمل فكره وإيديولوجيته، استطاع تنظيم “الدولة الإسلامية” السيطرة على حوالي نصف مساحة العراق وثلث مساحة سوريا، ليتحول إلى مصدر تهديد ورعب حقيقي على المستويين الإقليمي والدولي.

إلا أن بعض المراقبين والمتتبعين لمسيرة التنظيم الوليد، يرون أن تمدده الكبير والذي اعتمده شعاراً واستراتيجية خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً، بالإضافة إلى كثرة خصومه واتساع التحالف الدولي المعارض له، وحالة الغرور بقوته وإمكاناته التي تعتريه، ينذرون جميعا بأنه يتوجه حتماً نحو “الانتحار” السريع.

النشأة:

أعلن أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم ما كان يسمى “الدولة الإسلامية في العراق”، الذي نشأ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 كفرع لتنظيم القاعدة، في تسجيل صوتي له أبريل/ نيسان 2013 أن جبهة “النصرة” في سوريا هي جزء من التنظيم الناشط في العراق.

وأوضح البغدادي أن الهدف من هذا الضم هو إقامة دولة إسلامية في سوريا والعراق، وإعلان إقامة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو ما عرف إعلامياً وقتها بـ”داعش”.

فيما أعلن أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة، في اليوم التالي للإعلان المذكور مبايعته لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ورفض قرار البغدادي، الأمر الذي تطور بين الرجلين إلى اشتباكات مسلحة بين تنظيميهما ما تزال مستمرة منذ نهاية العام الماضي، وأدت لمقتل المئات من الجانبين.

ولم تكن جبهة النصرة معروفة قبل بدء الاحتجاجات في سوريا في مارس/ آذار 2011، لكنها برزت كقوة قتالية ميدانية مع تبنيها تفجيرات استهدفت مراكز عسكرية وأمنية للنظام في الشهور الأولى للاحتجاجات.

الظواهري بدوره رفض قرار البغدادي بإعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ودعاه في تسجيلات صوتية بهذا الخصوص كان آخرها مايو/أيار الماضي إلى التفرغ لما وصفه بـ”العراق الجريح”، والعودة إلى الأمير(الظواهري) بـ”السمع والطاعة”، وهو ما رفضه التنظيم الجديد سريعاً وشن هجوماً على الظواهري وطالبه بمبايعة البغدادي كأمير، وذلك في تسجيل لأبو محمد العدناني، الناطق باسم التنظيم.

ومع تنامي قوة تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وسيطرته على نحو نصف مساحة العراق وثلث مساحة سوريا، أعلن العدناني، نهاية يونيو/حزيران الماضي، عن تأسيس “دولة الخلافة”، في المناطق التي يتواجد فيها التنظيم في البلدين الجارين، وكذلك مبايعة زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي “خليفة للمسلمين” بعد مبايعته من قبل مجلس شورى التنظيم، وذلك بحسب تسجيل صوتي منسوب له بثته مواقع جهادية.

ودعا العدناني باقي التنظيمات الإسلامية في شتى أنحاء العالم لمبايعة “الدولة الإسلامية”، بعد شطب اسم العراق والشام من اسمه.

مناطق السيطرة:-

يسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق على معظم مساحة محافظة نينوى التي سيطر عليها مع حلفائه من المقاتلين السنة في العاشر من يونيو/حزيران الماضي، وذلك بعد انسحاب قوات الجيش العراقي منها بدون مقاومة تاركين كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد.

كما سيطر أيضاً في الوقت نفسه، على مناطق واسعة في محافظة صلاح الدين وخاصة مركزها مدينة تكريت وبدأ بتهديد بلدة سامراء ذات المكانة الدينية لدى الشيعة والاستراتيجية لقربها من بغداد، وأيضاً مناطق في محافظة ديالى حيث سيطر مؤخراً على ناحية جلولاء القريبة من الحدود الإيرانية وأيضاً على أجزاء من محافظة كركوك الغنية بالنفط.

وقبلها بأشهر سيطر “الدولة الإسلامية” والمتحالفون السنة على مدن بمحافظة الأنبار الحدودية مع سوريا وأكبر محافظات العراق مساحة.

أما في سوريا فيسيطر التنظيم على محافظة الرقة بشكل شبه كامل منذ نحو عام والتي تعد المعقل الأساسي للتنظيم في البلاد، في حين سيطر مؤخراً على معظم مساحة محافظة دير الزور الغنية بالنفط والتي تمتلك امتداداً جغرافياً مع المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق، ويسيطر التنظيم أيضاً على مناطق في الريف الشمالي لمحافظة حلب ويسعى للسيطرة على مناطق أوسع فيها.

المرجعيات الإيديولوجية:-

لا توجد مرجعية فكرية أو دينية معلومة أو يعلن عنها تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أن بعض الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية، يرون أنه “يتبع الفكر السلفي الجهادي، كوسيلة وحيدة للتغيير، وبناء الدولة الإسلامية التي تطبق فيها تعاليم وأحكام الشريعة، ويسعى التنظيم لتطبيق ذلك بطريقة متشددة وبفرض العقاب وإقامة الحدود على من يخالفها عن طريق المحاكم الشرعية التي ينشئها””.

وأعربت العديد من المؤسسات الدينية الإسلامية كالأزهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين غير الحكوميتين وغيرهما، عن عدم اتفاقها ورفضها للمنهج الذي يتبعه التنظيم في تطبيق تعاليم الشريعة الإسلامية وتكفير الآخرين وتطبيق الحدود، حيث وصفته بعض تلك المؤسسات في بيانات أصدرتها مؤخراً بـ”الكيان الشيطاني.. التتار الجدد.. أعداء الإسلام.. خوارج العصر.. صنيعة المخابرات”.

العقيدة القتالية:-

يعتمد تنظيم “الدولة الإسلامية” في معاركه التي يخوضها ضد خصومه في كل من سوريا والعراق على أسلوب فرض الرعب على الطرف الآخر، متخذا من “الانغماسيين” و”الذبِّيحة” ذراعين أساسيتين لتحقيق هذا الأسلوب.

ويحاول التنظيم الذي يقول مراقبون إن عدد مقاتليه لا يتجاوز 15 ألف عنصر دون عدد المتحالفين معه، تعويض النقص العددي لديه مقارنة بخصومه، حيث يعمل على تصوير مقاتليه على أنهم مستعدون للموت عبر القيام بما يسميها “عمليات استشهادية” ينفذها “الانغماسيون” ضد الأعداء.

كما يلّوح لأعدائه أيضاً بأن مصيرهم يتعدى الموت في المعارك معه، وإنما سيواجهون الذبح وقطع الرؤوس الذي ينفذه بعض العناصر المتخصصين لديه والذين يلقبهم العوام في كل من سوريا والعراق بـ”الذبِّيحة” بتشديد الباء وكسرها، بحسب المفردة العامية هناك التي تدل على كثرة القتل ذبحاً.

ويختلف “الانغماسيون” عن “الاستشهاديين” أو “الانتحاريين” كونه لا يشترط أن ينفذ “الانغماسي” عملية استشهادية أو انتحارية تودي بحياته، وحصل عدة مرات أن قام “انغماسيون” بقيادة عربة ملغومة إلى هدف تابع للعدو وتفجيرها عن بعد، بعد تمكنه من الانسحاب منها عقب ركنها في المنطقة المستهدفة، وذلك للقيام بعملية أخرى، بحسب ما صرّح عدد منهم في مقاطع الفيديو التي بثها تنظيم “الدولة الإسلامية” لتوثيق عملياته.

الرايات والشعارات:-

يرفع عناصر التنظيم راية تنظيم القاعدة (العلم الأسود المكتوب عليه باللون الأبيض عبارة، لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويطلق عناصره، وغالبيتهم من غير السوريين، هتافات إثر كل معركة أو انتصار يحققونه على قوات الأعداء مثل “قائدنا للأبد سيدنا محمد” و”الله أكبر” التي تتعالى بها أصواتهم أيضاً خلال الاشتباكات.

كما يرفع مقاتلو “الدولة الإسلامية” وأنصاره عبارة “باقية وتتمدد” شعاراً للتعبير عن فكر “دولتهم الإسلامية” التوسعي والتي تتعدى حدودها حدود سوريا والعراق، وكذلك بقائها على الرغم من معارضة خصومها وأعدائها الكثر.

الأعداء والخصوم:-

يتخذ التنظيم كل من يخالفه في العقيدة خصماً له ويعتبره “مرتداً” وعقوبته القتل، ولا يقتصر إطلاق “الردة” على المسيحيين أو اليهود أو الإيزيديين وغيرها من الطوائف، وإنما يسبغ التنظيم هذا الحكم حتى على المسلمين من الشيعة وحتى السنة ممن لا يتبعون التعاليم التي يراها التنظيم أنها هي التعاليم الصحيحة والحقيقية للدين.

أما بالنسبة لأعداء التنظيم فإن الأخير يقاتل في العراق كل من الجيش العراقي والميليشيات الطائفية الموالية للأخير وقوات البيشمركة وقوات عشائرية مناهضة للتنظيم، إضافة إلى مسلحين محليين ممن يرفضون سيطرة التنظيم على مناطقهم وآخرين متوحدين دينياً أو عرقياً مثل الإيزيديين والتركمان وغيرهم.

وتلقى كل تلك القوات دعماً لوجستياً أمريكياً وغربياً في مواجهة التنظيم خاصة بعد سيطرته قبل أسابيع، ،على مناطق قريبة من أربيل عاصمة إقليم كردستان، كما دخلت إلى معادلة الصراع المباشر ضد “الدولة الإسلامية” مؤخراً وبشكل محدود، القوات الأمريكية حيث أمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل أكثر من أسبوع بشن ضربات جوية ضد أهداف للتنظيم شمالي العراق بعد تهديده “المصالح الأمريكية وإقليم شمال العراق المستقر”، وكذلك “استهدافه للأقليات”.

أما في سوريا، فيقاتل التنظيم كلاً من جيش النظام والميليشيات الشيعية الموالية له، إضافة إلى قوات الدفاع الوطني(ميليشيات مسلحة غير نظامية)، إلى جانب حزب الله اللبناني الذي يقاتل إلى جانب النظام في عدد من المناطق السورية.

وإلى جانب هؤلاء يقاتل التنظيم قوات المعارضة من جيش حر وفصائل إسلامية معارضة للنظام مثل الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة وغيرهما، فضلاً عن ميليشيات كردية في بعض المناطق التي تسيطر عليها تلك الميليشيات شمالي البلاد.

القيادة والتنظيم:-

لـ”الدولة الإسلامية” هيكل تنظيمي يرأسه زعيم التنظيم “الخليفة” أبو بكر البغدادي إضافة إلى أمراء للمناطق ومجالس شورى المجاهدين، إضافة إلى قيادات ميدانية، إلا أن تلك الأمور التنظيمية يكتنفها سرية تامة، في حين يشير باحثون في الشؤون الإسلامية إلى أن تبعية قادة “الدولة الإسلامية” في سوريا تعود لأمراء التنظيم في العراق.

أما “الخليفة” أبو بكر البغدادي واسمه الحقيقي “ابراهيم بن عواد”، فهو من مواليد مدينة سامراء ويبلغ من العمر 43 عاماً، وتولى منصبه كزعيم لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” بعد مقتل زعيمه السابق أبو عمر البغدادي عام 2010 بقصف جوي أمريكي، وذلك بحسب ما يعرف به التنظيم وما تذكره مواقع مقربة منه.

وتذكر المواقع المقربة من التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعي، أن البغدادي تتلمذ على يد أبو مصعب الزرقاوي (أردني الجنسية) الزعيم السابق لتنظيم القاعدة في العراق الذي قتل في قصف أمريكي عام 2006، واعتقل من قبل القوات الأمريكية في العراق لمدة أربع سنوات قبل إطلاق سراحه عام 2009.

وأظهر البغدادي تمرده على قرارات زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، خاصة بعد اعتراض الأخير على قرار البغدادي بإعلان “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

ويدين التنظيم للبغدادي بتحقيق أكبر مساحة توسع منذ تأسيس تنظيم القاعدة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

الأذرع الإعلامية:-

على الرغم من الاتهامات التي تواجه التنظيم بالتشدد والتضييق على عمل وسائل الإعلام واعتبار بعض من يعمل فيها “مرتداً” ما لم “يبايع الدولة الإسلامية”، إلا أنه يمتلك آلة إعلامية متقدمة إلى حد كبير.

حيث أصدر التنظيم مؤخراً صحيفة رسمية ناطقة باسمه باللغتين العربية والإنكليزية تحت اسم “دابق”، إضافة إلى اعتزامه إصدار صحيفة أخرى مماثلة باسم “خلافة2″، بحسب بيانات أصدرها على صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعمل الصحيفتين على نقل أفكار التنظيم والتعريف بـ”دولة الخلافة” التي أعلنها مؤخراً.

كما أطلق التنظيم مؤخراً عدداً من الإذاعات المحلية باسمه تبث في المناطق الخاضعة لسيطرته في كل من سوريا والعراق مثل “البيان”، كما يملك التنظيم ما يسميها مؤسسات إعلامية ناطقة باسمه أبرزها “مؤسسة الفرقان”، وأيضاً يمتلك صفحات رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي يخصص كل واحدة منها لكل “ولاية” وينشر عليها صوراً وفيديوات لما يسميها “تغطيات” إعلامية لنشاطاته والمعارك التي يخضوها مقاتلوه، وذلك عن طريق المكاتب الإعلامية التي ينشئها بكل ولاية.

مصادر التمويل:-

في بداية نشأته اعتمد التنظيم على التمويل الخارجي، إلا أنه لا يعلن عادة عن مصادر ذلك التمويل، كما لا تعلن تلك المصادر عن تقديمها الدعم له خوفاً من العقوبات الدولية عليها خاصة أنه موضوع على لوائح “الإرهاب الدولية”.

إلا أنه خلال الفترة الماضية بدأ بالاعتماد على موارد ذاتية بعد سيطرته على حقول وآبار للنفط والغاز في كل من سوريا والعراق، وقيامه ببيع كميات منها عن طريق مهربين إلى بعض دول الجوار.

العدد والعتاد:-

يرى متخصصون في شؤون الجماعات الإسلامية أن عدد مقاتلي “الدولة الإسلامية” لا يتجاوز 15 ألف مقاتل، أكثر من 80% منهم من جنسيات غير سورية أو عراقية، غالبيتهم حسب ما يعلن التنظيم من الشيشان والسعودية والأردن ودول المغرب العربي ومصر وليبيا وغيرها.

وهذا العدد مرجح للتزايد بسرعة بعد حملة المبايعات الكبيرة للتنظيم خاصة من بعض فصائل المعارضة المسلحة شرقي سوريا، وإعلان “دولة الخلافة” التي تستقطب مهاجرين إليها تلبية لدعوات أطلقها التنظيم.

أما بالنسبة للسلاح والعتاد فيمتلك التنظيم أسلحة ثقيلة ونوعية تصل إلى صواريخ بالستية من طراز “سكود” التي استعرض واحداً منها قبل فترة في شوارع مدينة الرقة شمالي سوريا استولى عليها من بعض مواقع النظام العسكرية التي سيطر عليها.

إضافة إلى مدافع ثقيلة ودبابات وعربات مصفحة أمريكية بكميات كبيرة استولى عليها من المواقع والفرق العسكرية التي فر منها الجيش العراقي قبل شهرين، وكذلك عربات ودبابات روسية الصنع التي كان يمتلكها النظام السوري قبل أن يستولي عليها مقاتلو التنظيم من بعض فرقه العسكرية التي سيطروا عليها.

ويعتمد مقاتلو التنظيم بالشكل الأبرز على القواذف الصاروخية (آر بي جي) وقذائف الهاون بعياراتها المختلفة فضلاً عن الأسلحة الفردية مثل بنادق “الكلاشينكوف” الروسية والرشاشات المتوسطة والثقيلة المثبتة على العربات رباعية الدفع، وذلك في معاركه ضد أعدائه على الجانبين السوري والعراقي.

احتمال الانتحار:-

يرى مراقبون لمسيرة “الدولة الإسلامية” أن التوسع السريع لمناطق سيطرة التنظيم وانتشار مقاتليه فيها، وكثرة الخصوم والأعداء الذين يقاتلهم في نفس الوقت بكل من سوريا والعراق، والدعم الأمريكي والدولي لأولئك لوجستياً وعسكرياً، مع إثارة التنظيم نقمة سكان المناطق التي يسيطر عليها بقيامه بتطبيق الحدود الشرعية من جلد ورجم وذبح وقطع للرؤوس، وبدء “انتفاضات” شعبية مسلحة ضده خاصة في شرق سوريا، يوحي ذلك أن “دولة الخلافة” تتجه نحو “الانتحار” والزوال السريع بشكل يشابه نشأتها و”تمددها” السريع، في الوقت الذي لا يؤمن مقاتلو التنظيم بذلك ويصرون على أنها “باقية”.

واي نيوز

هل مهدت “الوهابية” الطريق لصعود فكر “داعش” التكفيري؟!

19-8-2014-S-01

      يرصد الكاتب والمحلل علي أنوزلا مراحل التطور التاريخي للفكر “الداعشي” في أوساط (الشباب المتدين) الذي تبنى العنف داخل بلدانه لتحقيق قناعاته والذين شكلوا مقاتلي تنظيم “القاعدة”، ويشكلون اليوم إحدى أذرع جيش “داعش” وحطب حربها داخل العراق وسوريا، يغذيهم حلمهم بإعادة حكم الخلافة إلى بلاد العرب، وإقامة دولة الإسلام على الأرض بقوة الحديد والنار.

   ينظر اليوم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، على اعتباره من أكثر التنظيمات عنفاً في تاريخ الحركات الإسلامية، التي تتبنى الفكر السلفي الجهادي التكفيري، بما فيها حتى التنظيم الأم الذي خرج منه، أي تنظيم “القاعدة” الذي انتمى إليه أبو مصعب الزرقاوي، الأب الشرعي لهذا التنظيم المتطرف.  وتعتمد قوة هذا التنظيم على أساس الاستقطاب الطائفي قبل الإيديولوجي. ويعتمد خطابا دينيا متعصبا موجها إلى طائفة بعينها هي طائفة السنة. كما يتبنى العنف والإرهاب كنهج لتحقيق أهدافه.

بداية التأسيس

التاريخ القريب لهذا التنظيم يبدأ في عام 2003 مع الأردني أبو مصعب الزرقاوي، عندما أسس “جماعة التوحيد والجهاد” في العراق، وأعلن مبايعته لأسامة بن لادن زعيم تنظيم “القاعدة” آنذاك. ويمكن اعتبار “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” الذي كان يتزعمه الزرقاوي بمثابة النواة الأولى لـ “داعش”، حيث كان يستقطب أتباعه من طائفة السنة داخل العراق ومن دول أخرى.

وفي عام 2006م حاول الزرقاوي تجميع الجماعات الإسلامية المقاتلة تحت تنظيم “مجلس شورى المجاهدين”، بزعامة أبي عمر عبد الله رشيد البغدادي، لكن هذا المجلس لن يعمر أقل من عشرة أشهر، إذ تم حله في نفس السنة بعد مقتل الزرقاوي، ليحل محله أبو حمزة المهاجر على رأس تنظيم القاعدة في العراق، لكن أبي عمر البغدادي لن يبايعه وسيؤسس”دولة العراق الإسلامية”. وفي عام 2010 قتل أبي عمر  البغدادي لتتم مبايعة  أبي بكر البغدادي أميرا للتنظيم الجديد.

ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، سيجد هذا التنظيم في بلادها مرتعا له للتمدد غربا معلنا حربه المقدسة ضد “النظام النصيري السوري”. وفي العام 2012 سيعلن التنظيم بسط نفوذ دولته في الشام والحرب ضد الحركات الجهادية الأخرى المنافسة له خاصة “جبهة النصرة”،  وسيٌسقط زعيمه بيعته لتنظيم “القاعدة”. وفي عام 2013 أعلن البغدادي “الدولة الإسلامية في العراق والشام” التي سيتم تلخيصها في كلمة: “داعش”.

ورغم تقاسمهما لنفس المرجعية الأيديولوجية المتطرفة، إلا أن تنظيم “النصرة” يتهم مقاتلي “داعش” بالتشدد في تطبيق الشريعة، وقد تحولت خلافاتهما إلى حرب طاحنة بينهما. ولم يستثن تعصب “داعش”، حتى حلفائها الموضوعيين في الأزمة السورية مثل “الجيش السوري الحر” الذي كفره التنظيم  واتهمه بالارتداد عن الدين الإسلامي.

جذور فكر “داعش” التكفيري والجهادي

هناك من يعيد جذور هذا الفكر السلفي الجهادي إلى أول خلاف في فجر الإسلام بين علي ابن أبي طالب(عليه السلام) ومعاوية ابن سفيان، بعد قضية التحكيم بينهما والتي كان من نتائجها انتهاء عهد الخلافة، وتأسيس أول نظام ملكي وراثي في الإسلام  في النصف الأول من القرن الهجري، وكان من نتائج ذلك التحكيم ظهور رافضين له، سموا بـ “الخوارج”.

لكن إذا ما سلمنا بأن “الخوارج” هم من أسسوا لأول فكر متشدد في تاريخ الإسلام، إلا أن فكرهم كان ينطلق من موقف سياسي معارض للتحكيم، الذي اعتمد للحسم في الخلاف بين علي(عليه السلام) ومعاوية وبموجبه انتقل الحكم من زمن الخلافة إلى زمن الحكم  عن طريق الثوريت. وسيذهب الخوارج إلى حد تكفير خليفتهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)

، بعد واقعة “التحكيم” ولم يعترفوا بحكم معاوية، وسيتبنون وجوب الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، أي الأئمة الذين يبررون نتائج التحكيم سواء بتبريره أو بقبوله كأمر واقع أو بالخنوع له.

هذا النوع من التفكير التكفيري سيجد من يؤسس له فقهيا. وسيتجسد بجلاء في المذهب الفقهي لأحمد بن حنبل (780-855م)، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الحنبلي في الفقه الإسلامي. ويقوم هذا المذهب الذي يعتبر من أكثر المذاهب السنية محافظة، على الاعتماد على النص والابتعاد عن الاجتهاد والتأويل واضعا بذلك البنيات الأولى لتأسيس الفكر التكفيري، رغم أن مؤسس هذا المذهب تورع في حياته عن تكفير من كان يحالفه من فرق أخرى كالشيعة والمرجئة والخوارج والمعتزلة.

19-8-2014-S-02

وفي القرن الثامن الميلادي سيواجه صاحب هذا المذهب فكر “المعتزلة”، الذين كانوا يقولون بخلق القرآن، وهو نفس الرأي الذي كان يتبناه خلفاء تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي، وفرضوه على الفقهاء والقضاة، لكن ابن حنبل عارضهم فتعرض للسجن والتعذيب دون أن يثنيه ذلك عن مذهبه الذي صار له أتباع كثر من بعده.

ويعتقد دارسو هذا المذهب أن المحنة التي تعرض لها مؤسسه هي التي أدت إلى تبلور وانتصار الاتجاه المتطرف داخل أهل السنة والجماعة في تاريخ الإسلام. لذلك ينظر إليه كثيرون على اعتباره المؤسس التاريخي للتوجه السلفي، الذي يعتبر اليوم مرجعا للحركات السلفية الجهادية، بما فيها حتى تلك التي لعبت دورا كبيرا في قيام الدولة السعودية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

بداية التشدد الفكري

لكن هذا الفكر سيتخذ منحى متشددًا، وسيتجسد في فتاوي فقيه عاش قبل سبعة قرون، هو أحمد ابن تيمية (661–728م) اتخذ منه مرجعا لتبرير تشدده وتطرفه. فرغم مرور كل هذه القرون مازال فكر هذا الفقيه وفتاويه مثارا للجدل بين جمهور فقهاء الإسلام. فإذا كان أنصاره يعتبرونه مجددا أحيا الدين، فإن خصومه يصفون فكره بالغلو والتشدد، ويتهمونه بنشر الفكر المتطرف والإرهاب.

ويعد إبن تيمية الذي يوصف بـ “شيخ الإسلام” صاحب تأثير كبير على “الصحوة الإسلامية” بتياراتها المختلفة، وخاصةالتيار السلفي الجهادي الذي تعتبر تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش” أحد نتاج هذا النوع من الفكر المتشدد الذي ينتصر للنص على حساب العقل.

فكر أحمد ابن تيمية سيجد من يحييه بعد ستة قرون من وفاته، إنها العقيدة “الوهابية” التي تشترك معه في الكثير من القواسم، بل ويعتبر أتباع هذا الفكر ابن تيمية الأب الروحي لهم. فـ “الوهابية” قامت على أساس أن المسلمين عاشوا ستة قرون في جهل وضياع منذ وفاة شيخ الإسلام، ابن تيمية، إلى أن ظهر محمد بن عبد الوهاب الذي يعتقد أتباعه أنه أحيا الدعوة وأعاد الناس إلى العقيدة الصحيحة. ومن أجل تحقيق هذه الغاية يتبنى فكرة الجهاد كأسلوب لإعادة إقامة دولة الإسلام أو دولة الخلافة.

ما أشبه الليلة بالبارحة

من يعيد استقراء تاريخ بدايات انتشار “الوهابية” في بداية القرن التاسع عشر، سيكتشف الكثير من أوجه الشبه ما بين النهج العنيف الذي كانت تتبعه هذه الحركة بعد تحالفها مع آل سعود لفرض وجودها، وما بين العنف الذي يتبناه تنظيم “داعش” لفرض أفكاره وبسط نفوذه.

فما تشهده اليوم مدن العراق وسوريا من تدمير للمساجد والحسينيات الشيعية وللمزارات والقبور الصوفية، ومن محاكمات شرعية تقيم الحدود وتنفذ الإعدامات الجماعية العشوائية، نكاد نجد شبيها له في تاريخ حركة آل سعود المسنودة بالفكر الوهابي، ما بين عامي 1904 و 1925، حيث قاموا بتدمير مقابر أهل البيت، وصحابة الرسول محمد، واجتثوا المساجد وبيوت الأولياء، ودكوا القباب والمزارات.

يروي أمين الريحاني في كتابه “تاريخ نجد الحديث وملحقاته” (ص: 28 و 29) أن الحادث الخطير في دعوة محمد عبد الوهاب هو قطعه لشجرة “الذيب” في منطقة الجبيلة، التي كان يتبرك بها الناس، فتبعه أنصاره في تدمير القباب وتحطيم القبور بما فيها قبور أصحاب النبي محمد. أما الحادث الثاني الأكثر خطورة حسب الريحاني، في دعوة مؤسس الوهابية، فكان هو رجم إمرأة اتهمت بالزنا في ساحة عمومية. يصف الريحاني: “رجمت الزانية! فسرى خبرها سير البرق في البوادي والحضر، ووقع وقع الصاعقة في القلوب الأثيمة والقلوب الطاهرة، فسكت أناس، وصاح آخرون”.

19-8-2014-S-03

ويذكر الريحاني أن أمير منطقة الإحساء كتب إلى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ينذره ويدعوه إلى التراجع عن غيه، مما حمل الشيخ على الهجرة خوفا على حياته، فتلقفه أمير ذو طموح كبير هو محمد ابن سعود، أمير منطقة الدرعية آنذاك، فتعاهدا على عقد العهد الذي جمع بين عقيدة المصلح وسيادة الأمير. عهد “المذهب والسيف” الذي مازال يجمع بين الوهابيين وآل سعود إلى يوم الناس هذا ويجسده العلم الوطني السعودي الذي يجمع ما بين كلمة التوحيد وصورة السيف المسلول.

وتذكر كتب التاريخ أن حرب آل سعود، المسنودة شرعيا من طرف “الوهابية”، ذهب ضحيتها سبعة آلاف قتيل، وانتهت بإقامة المملكة السعودية التي تعهد ملوكها بتنبي الفكر الوهابي المتشدد كمذهب رسمي للدولة، يقوم على فرض تطبيق الشريعة واعتماد قوانينها الصارمة، وهو ما يقول اليوم تنظيم “داعش” إنه يسعى إلى الوصول إليه.

لكن مع مرور الوقت لم تكن علاقة آل سعود دائما على خير مع “الوهابية”، بحيث كانت تمر كثيرا بلحظات توتر أدت إلى ظهور تيارات فكرية من داخل الفكر الوهابي تعادي النظام السعودي وتدعو إلى مقاتلته. ولعل أبرز هذه التيارات هي تنظيم “القاعدة” الذي أسس أسامة بن لادن معلنا عودة التفكير الجهادي إلى أرض الإسلام.

عودة الفكر الجهادي

هذا النوع من الفكر التكفيري الجهادي سيجد مبررا له للعودة مجددا إلى أرض الإسلام كرد فعل هذه المرة على القمع الذي تعرضت له بعض الحركات الإسلامية في دول قمعية في مصر وسوريا في النصف الثاني من القرن العشرين. ومع حرب أمريكا في أفغانستان سيتم تشجيع هذا الفكر رسميا من قبل أنظمة عربية وقفت إلى جانب أمريكا في حربها ضد الروس في أفغانستان قبل أن ينتقل نفس الفكر إلى العراق، وهذه المرة ضد أمريكا وبدعم من أنظمة عربية كانت تقف ضد التدخل الأمريكي في العراق.

وما بين حرب أفغانستان واحتلال العراق، سينتشر هذا الفكر في أوساط الشباب المتدين الذي سيتبنى العنف داخل بلدانه لتحقيق قناعاته. وأغلب هؤلاء الشباب هم الذين شكلوا مقاتلي تنظيم “القاعدة”، ويشكلون اليوم إحدى أذرع جيش “داعش” وحطب حربها داخل العراق وسوريا، يغذيهم حلمهم بإعادة حكم الخلافة إلى بلاد العرب، وإقامة دولة الإسلام على الأرض بقوة الحديد والنار.

علي أنوزلا
تحرير: لؤي المدهون
علي أنوزلا كاتب وصحفي من المغرب، مدير موقع “لكم. كوم” الذي منعته السلطات المغربية عام 2013، أسس ورأس تحرير عدة منابر صحفية ورقية. حاصل على جائزة “قادة من أجل الديمقراطية” 2013 من منظمة “بوميد” الأمريكية. اختارته منظمة “مراسلون بلا حدود” الفرنسية كأحد “أبطال الإعلام” في العالم عام 2014.

قنطرة

الوهابية والداعشية: تطابق في الفكر والعمل

16-8-2014-1-d

محمد محمود مرتضى..

يخرجون بسيوفهم في الاسواق حين يجتمع الناس على غفلة فينادون “لا حكم إلا لله”، ويقتلون الناس بلا تمييز. لا يصف هذا المشهد ما يحدث اليوم على ايدي التكفيريين المعاصرين، هو وصف لاحد العلماء لمشهد التكفيريين الاوائل في الاسلام اي الخوارج، وما اشبه اليوم بالامس. فبين تكفيريي الامس واليوم عناصر مشتركة ربما الكثيرون لا يعرفونها، فمن اين تبدأ القضية؟

من بلاد “نجد” بدأ التطرف مبكرا فقد كانت المركز السياسي لحركة الردة في اعقاب وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فمن سهل حنيفة ظهر مسيلمة الكذاب وتحالفت معه سجاح التميمية، ومن نفس سهل حنيفة ولد وعاش محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية فيما بعد.

فقد تحول النجديون من مسلمين في عهد النبي الى مرتدين. وتقلبوا الى ان انقلبوا خارجين على علي بن ابي طالب عليه السلام حيث عرفوا باسم “الخوارج” . وأخذوا يرفعون لواء الحاكمية “لا حكم إلا لله” ويقتلون المسلمين في العراق وإيران، فاستباحوا قتل المسلمين.

واصطبغت حركتهم بالعنف المرتبط بتفسير ديني. وهو المبدأ النجدي الاصيل في التعامل مع الاخر حتى قبل دخولهم الاسلام .

ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم تحت اسم القرامطة وامتدت غاراتهم إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم.

ثم ساروا الى بعلبك فقتلوا أهلها، وساروا إلى سلمية وأعطوهم الامان لكنهم اخذوا يعملون فيها قتلا لمن بها من بني هاشم ولم يخرجوا منها الا وليس فيها عين تطرف.

هذه الوحشية قامت على منهج فكري أشار إليه النويري في حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبرى في قصة لشاب اقتنع بالدين القرمطي وهجر أمه وأسرته مقتنعا بالدين الجديد معتقدا باستحلال الدماء.

ثم ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود.

ويكفي ان نعرف ان شعار هذا الحلف كان ” الدم الدم، الهدم الهدم” لنفهم طبيعة هذه الدعوة وما ستؤول اليه الاوضاع في ظل هذا الحلف.

فأعطى ابن عبد الوهاب لآل سعود تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الاخرين بالكفر، كمبرر ديني للغزو والتوسع.

ولا تختلف المدرسة الفكرية للقرامطة في غسل ادمغة الشباب عن الاسلوب الذي اعتمده فقهاء الوهابية. اعداد يدفع بهم “للجهاد” واستحلال قتل من ليس وهابيا، لانك وببساطة ان لم تكن وهابيا فانت لست بمسلم.

بدأ السعوديون-الوهابيون باحتلال نجد كلها ثم ضم الاحساء وتوسعوا في غاراتهم لتصل الى قطر والبحرين والكويت وعمان ، ثم ضموا الحجاز، وحاربوا اليمن، وتطلعوا لاحتلال العراق والشام.

* الوهابية والداعشية: تطابق في الأفكار

ويكفي ما ذكره مؤرخ الدولة السعودية الاولى عثمان بن بشر النجدي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) عن مذبحة كربلاء في أحداث سنة 1216 هجرية يقول : ” وفيها سار سعود (يقصد سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وباديها .. وقصد أرض كربلاء، وذلك في ذي القعدة ، فحشد عليها المسلمون (اي الوهابية) وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الاسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين، وأخذوا ما في القبة وما حولها واخذوا النصبة التي وضعوها على القبر وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الاموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة، وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر ..”.

ويقول عثمان بن بشر النجدي رداً على انتقاد المسلمين لما فعله الوهابيون بأهل كربلاء مفتخرا : “وقولك اننا أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين، ولا نعتذر عن ذلك، ونقول : وللكافرين أمثالها ” ويقول في موضع آخر :”وأقمنا بها عشرة أيام وذبحنا ودمرنا ما بلغك علمه”.

وكان التعليل واضحا فهم يتحدثون ان الوهابية هي الاسلام وغيرهم ليس بمسلم؛ طبقا لما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله.

ففي عقيدة الولاء والبراء يقول ابن عبد الوهاب : “ان الانسان لن يستقيم له اسلام وترك الشرك الا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض” (محمد بن عبد الوهاب: كتاب كشف الشبهات ،و 13 رسالة اخرى .القاهرة .الطبعة الرابعة).

وحكم عبد الوهاب بكفر الشيعة كلهم، واعتبر بلدهم بلد حرب، وقال وان كلهم يشهدون ان لا اله الاالله وان محمدا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما اظهروا مخالفة الشريعة في اشياء دون ما نحن فيه ( فلنلاحظ كلمة ما نحن فيه) اجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وان بلدهم بلد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بايديهم من بلاد المسلمين”؟ ( رسالة كشف الشبهات ).

* حكم بتكفير الجميع بمجرد كلمة.

يقول ابن تيمية : “ان الانسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل وقد يقولها وهو يظن انها تقربه لله كما يظن المشركون”.

من هذه المدرسة تخرج منظرو ما يعرف بالسلفية الجهادية كتنظيم القاعدة وما تفرع عنها، ومنها ما يعرف اليوم ” بداعش”.

* محوران يشكلان العمود الفقري للفكر التكفيري هذا : الحاكمية ، وعقيدة الولاء والبراء.

ورغم انه لا يختلف اثنان من المسلمين حول أن الحكم لله ” إِنِ الْحُكْمُ إِلاَ للهِ ” ( سورة الانعام، الآية 57)، وان الحكم هو حكم الشريعة ولا يجوز الاستناد الى غيرها فضلا عن التحكيم بخلافها ” فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً “( سورة النساء، الآية 65) وقوله تعالى :” أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ” ( سورة آل عمران، الآية 83)، الا ان الفرق بين الطوائف الاسلامية وهذه الجماعات التكفيرية ان الاولى تنظر الى الاختلاف في قراءة النص الديني من خلال الاصول والبنى الفكرية التي يعتمدها العلماء. ومن هنا لا يمكن تكفير كل من خالف رأينا لأن الاصل في الكفر هو انكار الضرورات الدينية، اما الايمان بها والاختلاف في فهم النص الديني فلا يمكن الحكم عليه بالكفر.

اما المنحى الآخر الذي اتخذه التكفيريون تبعا لمؤسس مذهبهم ابن عبد الوهاب، فانهم لا يقرون بتعدد القراءة للنص الديني وامكانية الاجتهاد في فهم النص فيعتبرون ان ما ذهبوا اليه هو الرأي الفارد. فان ذهب احد المسلمين الى غير ما ذهبوا اليه هم، اعتبروا ذلك خروجا عن سلطة النص الديني وتكذيبا لله ولرسوله .

كل ذلك ومدون في كتبهم الصحيحة قصص في التاريخ ان بعض الصحابة دافعوا عن صحابة آخرين اتهموا بالقتل بالقول : اجتهد فاخطأ، فلم يقيموا عليه حدا، ولا رفعوا عليه سوطا، فضلا عن تكفيره واخراجه عن الملة والدين.

وبين الحاكمية والولاء والبراء تتسلل عقيدة اخرى هي اخطر من كل ما تقدم، وهي عقيدة ان الاصل في الناس الكفر ما لم يثبت اسلامهم بدليل، والدليل عندهم ان تؤمن بما يؤمنون به. قاعدة تستحل كل دماء واعراض واموال من عداهم.

ولو قام المسلمون بتطبيق ” القواعد التكفيرية ” التي يستعملها ” التكفيريون” للحكم على كفر من يكفرونه، لاوصلت تلك القواعد الى تكفير كل الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين الى قيام يوم الدين.

بالردة والكفر انطلق هؤلاء باستباحة الدماء والاعراض والاموال، فاصبح الدين مع الوهابية دينا متقوقعا، فبدل ان يكون الاسلام هو الذي يشكل هوية المجتمع وينطلق نحو عالميته التي ارادها الله وبعثت بها الدعوة، تحول الدين معهم الى هوية صغيرة لفئة داخل المجتمع تحتكر الدين.

فانقلب الامر وانكفأ المجتمع الى عقيدة خاصة لا ترى في غيرها اسلاما، وبدل ان يكون الاسلام يهدي الكافرين اليه ويخرج الناس من الظلمات الى النور، اخرج هؤلاء معظم المسلمين عن اسلامهم وكفروهم .

الكتب المهدوية في المطبوعات النجفية خلال قرن واحد من 1327هــ إلى 1426هــ

10-8-2014-2-d

حظيت المطبوعات النجفية التي صدرت عن جامعة النجف الأشرف خلال قرن (من 1327هـ إلى 1426هـ) بمقام خاص،فهذه المدينة المقدّسة تشرّفت بأن تكون عاصمة لأوّل الأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وزادها شرفاً أن تكون مثوى لرفاته الطاهر بعد استشهاده عليه السلام ،ويكفي في جلالتها وعظم شأنها أن نذكر ما ذكره العالم الجليل السيد محمّد مهدي القزويني (ت 1300هـ) في كتابه (فلك النجاة) نقلاً عن مشايخه الكرام، عن أهل بيت الرحمة عليهم السلام  (أن النَّفَس عند علي عليه السلام  يعدل عبادة  أربعمائة عام) وكانت هذه الحاضرة العلمية مصدر إشعاع علمي ومركزاً من مراكز نشر المعرفة في أرجاء العالم الإسلامي، وكان لها إسهامها الوافر في نشر الثقافة الإسلاميّة على مستوى واسع منُذ أن بدأت أولى مطابعها ـ وهي مطبعة حبل المتين ـ بالعمل بعد استقدامها من الهند سنة 1327هـ. وعلى الرغم من قلّة عدد المطابع التي توالت فيما بعد، والتي بلغ عددها سبع عشرة مطبعة، ومع الانتكاســـات الخطيرة التي مُني بها طبع الكتاب الإسلامي إبّان المدّ البعثي وما سبقه من تيارات اخرى حيث طورد الكاتب والمؤلّف الإسلامي تحت كل حجر و مدر،وبيعت المطابع أو صودرت بعد فترة وجيزة من شروعها بالعمل، إلا أنّ ذلك كلّه لم يفتّّ من عزم المخلصين في متابعة نشر معارف أهل البيت عليهم السلام  و المحافظة على تراثهم الذي وصلنا عبر تضحيات جسام ومكابدات، وقد بلغ الأمر في الاهتمام بحفظ هذا التراث النفيس عند علمائنا الأعلام أن أحدهم ـ وهو الشيخ المحّدث النوري رضي الله عنه  ـ باع عباءته وعمامته ليشتري كتاباً من هذه الكتب معروضاً للبيع، ولم يكن يحمل وقتذاك  شيئاً من المال، ولم يتيسر له الاقتراض، وخشي إن هو تريّث في شراء الكتاب أن يباع لغيره فلا يأمن تلفه وعدم المحافظة عليه،وقد بلغ عدد المطبوعات النجفية حسب إحصاء الشيخ محمّد هادي الأميني  في كتابه (معجم المطبوعات النجفيّة) حوالي ألف وثمانمائة وعشرين كتاباً،طبعت ما بين سنة 1327هـ إلى سنة 1386هـ،وكان للمطبوعات المهدوية سهمها الوافر في المطبوعات النجفية، ولا نحتاج في ذِكرنا لعظمة خاتم الأوصياء: مهديّ آل محمّد عليه السلام  إلى كثير عَناء، فعن عبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال: (المهديّ طاووس أهل الجنّة).
أما النهج الذي سلكته في وضع هذا المعجم الذي يعذرني فيه أهل العلم لقلة باعي في هذا الفن فهو ذكر الأمور التالية عن كل كتاب.
أ ـ اسم الكتاب بكامله
ب ـ اسم المؤلف.
ج ـ المطبعة التي طبع فيها الكتاب وذكر نوع الطبعة إن كانت اوفسيت.
د ـ عدد أجزاء الكتاب
هـ ـ السنة التي طبع فيها الكتاب.
و ـ عدد الصفحات حيث رمزت للصفحة (ص).
ز ـ عدد طبعاته، وقد رمزت للطبعة ب(ط).
ح ـ اسم المقدّم للكتاب إن كان لغير المؤلف.
ط ـ ذكر حجم الكتاب و قد رمزت له بــ(ح).
ي ـ ذكر لغة الكتاب.
1) إثبات الرجعة
الشيخ محمّد رضا الطبسي.
النجف الأشرف: مطبعة النجف،1355هــ
2) أربعون حديثاً مع وصايا للشيعة
السيد ناظم الموسوي
النجف الأشرف: مؤسسة النبراس،1425 هـ،60ص،ح رقعي.
3) الأربعون في الإمام المهدي عليه السلام
السيد محمّد صادق الموسوي الخرسان (معاصر)
النجف الأشرف: 1419هـ، 120ص،ح جيبي (أوفسيت).
4) أضواء على دولة الإمام المهدي عليه السلام
السيد ياسين الموسوي (معاصر).
النجف الأشرف: تقديم ونشر (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
1425هـ، 147 ص، ح رقعي.
5) إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب
الشيخ علي اليزدي الحائري ت 1333هـ.
النجف الأشرف: مطبعة النعمان، ط2ـمجلدان، 1383هـ/1963م،495ص،ح وزيري.
6) الإمام الثاني عشر(رد على كتاب سبائك الذهب)
السيد محمّد سعيد الهندي (ت 1387هـ).
تقديم السيد علي الحسيني الميلاني.
النجف الأشرف،اـ ط1 مطبعة الغري، 1355هـ/1936م، 74ص،ح وزيري
ب ـ ط2 مطبعة القضاء، 1392هـ.
7) الإمام المهدي عليه السلام
علي محمّد  علي دخيل (معاصر).
النجف الأشرف: مطبعة الآداب، 1385هـ، 358ص، ح رقعي.
8) الإمام المهدي عليه السلام  زعيم العالم.
مهدي هادي علي
النجف الأشرف: مطبعة النبراس، بدون تاريخ، 176ص، ح جيبي،(اوفسيت)
9) الإمام المهدي عليه السلام  من المهد إلى الظهور
السيد محمّد كاظم القزويني.
النجف الأشرف:مطبعة النبراس،بدون تاريخ،480ص،ح وزيري،(اوفسيت).
10) الإمام المهدي عليه السلام  نورٌ في الشعر العربي
محمّد عباس الدراجي
تقديم:السيد  محمّد محمّد صادق الصدر.
طبع في النجف الأشرف (كتب عليه دار الأضواء ـبيروت للظروف الأمنية الخانقة يومذاك)
بدون تاريخ،0 23ص،ح وزيري.
11) الإمام المهدي   والاحتباس الحراري
المهندس: ثعبان كاظم الزجراوي.
النجف الأشرف: مطبعة  دار نون والقلم، بدون تاريخ،136ص، ح رقعي.
12) الانتظار
مجلة فصلية تعني بالشأن المهدوي
تصدر عن(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: مطبعة دار الضياء.
أ ـ ع1، جمادى الأولى، 1426هـ،122ص،ح وزيري.
ب ـ ع2،شعبان،1426هـ،114ص،ح وزيري.
ج ـ ع3، ذي القعدة، 1426هـ، 100ص،ح وزيري.
13) آيات الظهور في انتظار الفرج والسرور
في تفسير مائة  وعشر أيات من القرآن الكريم  في شأن الحجة عليه السلام  والرجعة.
الميرزا علي قلي الدهخوارقاني  أذر شهري المتخلّص بناصح
النجف الأشرف: أ ـ ط 1،1351هـ.
بـط2،1356 هـ، 131+16ص، (حجرية مع علل الغيبة)
14) بحث حول المهدي عليه السلام
السيد الشهيد محمّد باقر الصدر.
النجف الأشرف: بدون معلومات
15) بشارة  الإسلام
(في علامات المهدي عليه السلام وأحواله)
السيد مصطفى بن أبراهيم الكاظمي ت 1336هـ
النجف الأشرف:أـ 1331 هـ، ج1 في علائم الظهور.
ب ـ ط5، المطبعة الحيدرية، 1382هـ/1963م،307ص.
16) البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام
محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي ت 658هـ
النجف الأشرف: أـ 1352هـ مع كتاب (إلزام الناصب)
بـمطبعة النعمان،1382هـ/1962م،118ص،ح وزيري،تقديم:السيد محمّد مهدي الخرسان.
جـ المطبعة الحيدرية،1390هـ مع كتاب (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب)
تحقيق الشيخ محمّد هادي الأميني
17) تاريخ الإمام الثاني عشر عليه السلام من كتاب (منتهى الأمال في تواريخ النبي والأل)
الشيخ عباس بن محمّد رضا القمي
تحقيق السيد هاشم الميلاني.
تقديم ونشر: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام
1426هـ،199ص، ح وزيري.
18) تاريخ الغيبة الصغرى
السيد محمّد محمّد  صادق الصدر
النجف الأشرف: مكتبة الرسول الأعظم، 1392هـ،672ص
19) تاريخ مقام الإمام المهدي عليه السلام في الحلة
أحمد علي الحلي (كاتب السطور)
تقديم ونشر(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام )
1426هـ،215ص،ح رقعي.
20) ترجمة الإمام المهدي عليه السلام  في كتاب(أعيان الشيعة)
السيد محسن الأمين ألعاملي.
تقديم وتحقيق ونشر(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
ط1426ه،254ص،ح وزيري.
21) التكليف الإسلامي في عصر الغيبة الكبرى
السيد محمّد محمّد صادق الصدر قده.
إعداد وتقديم: محسن الموسوي.
النجف الأشرف،بدون معلومات، (أوفسيت).
22) تنبيه الأمة في إثبات الرجعة
الشيخ محمّد رضا الطبسي الخراسانيّ النجفي.
النجف الأشرف: أ- ط1 مطبعة الغري،1353هـ،ح وزيري، 31ص، لغته الفارسيةـ
ب ـ ط2 مطبعة الغري 1354هـ،48ص،ح رقعي.
جـ ط3 مطبعة النعمان،1377هـ.
23) الحركة الاصلاحية من الحسين إلى المهدي عليهما السلام
السيد صدر الدين القبانجي(معاصر).
تقديم وتحقيق ونشر: (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: قيد الطبع، 1426هـ300ص،ح وزيري.
24) الحكومة العالمية للامام المهدي عليه السلام  في القرآن والسنة
الشيخ محمود شريعة زادة الخراسانيّ
النجف الأشرف: مطبعة النبراس، بدون تاريخ،234ص،ح رقعي.(أوفسيت).
25) خطبة البيان
تُنسب للإمام أمير المؤمنين عليه السلام .
النجف الأشرف:أـ ط1،المطبعة الحيدرية، 48ص،ح جيبي.
بـ ط2 مطبعة النعمان،1385هـ/1965م
26) خمس رسائل في إثبات الحجة
الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان
النجف الأشرف: مطبعة دار الكتب التجارية، 1370هـ،51ص،ح جيبي.
والرسائل هي.
أ ـ الفصول العشرة
ب ـ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية.
ج ـ لو اجتمع على الإمام بصفة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاًً لوجب عليه الخروج.
د ـ ماالسبب في استتار الإمام وغيبته.
هـ ـ الدليل على وجود الإمام عليه السلام صاحب الغيبة.
27) دحض البدعة في إنكار الرجعة
الشيخ محمد علي بن حسن علي السنقري الهمداني
النجف الأشرف: المطبعة العلوية، 1354هـ،64ص،ح وزيري(حجرية)
28) الدليل على وجود الإمام عليه السلام .
راجع رقم (26) من فهرسنا هذا
29) ذكرى ميلاد الإمام المنتظر عليه السلام
إعداد لجنة الاحتفال
النجف الأشرف: مطبعة الآداب،1383هـ، 27ص،ح رقعي.
30) الرجعة
الشيخ:أحمد بن زين الدين الأحسائي.
تحقيق: رياض طاهر.
النجف الأشراف: مطبعة الآداب، 280ص،ح وزيري.
31) الشيعة والرجعة
الشيخ محمّد رضا الطبسي.
النجف الأشرف: أـ ط1،المطبعة الحيدرية، 1375هـ،1955م (جزءآن).
ب ـ ط2، مطبعة الاداب، 1385هـ،371ص(جزء واحد)
ج ـ ط3، 1395هـ،463ص.
32) عصر الظهور
الشيخ: علي الكوراني(معاصر)
النجف الأشرف:مطبعة النبراس،  أوفسيت.
33) عقيدة المهدي عليه السلام  عقيدة للموحدين.
محمّد يوسف حسين الزبيدي.
النجف الأشرف: مطبعة النبراس،64ص،ح رقعي.
منشورات مركز المنار،(أوفسيت).
34) علامات الظهور
جدلية صراع أم تحديات مستقبل؟.
السيد محمّد على الحلو (معاصر).
تقديم ونشر(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط1426هـ،158ص،ح رقعي.
35) عمر الإمام المهدي عليه السلام
السيد علي السبزواري (معاصر).
تقديم ونشر(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف:أـ ط1، 1424هـ،65ص،ح رقعي.
بـط2،1426هـ.
36) الغيبة
الشيخ: محمّد بن الحسن الطوسي ت 460هـ.
النجف الأشرف:أـ ط1 مطبعة النعمان،1385هـ/1965م.
ب ـط2،292ص، ح وزيري تقديم الشيخ آغا بزرك الطهراني.
37) الغيبة والانتظار قراءة تاريخ ورؤية مستقبل
السيد محمّد علي الحلو (معاصر).
نشر (وتقديم مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط 1424هـ،200ص،ح وزيري.

38) الفصول العشرة في الغيبة
(المسائل العشرة)
الشيخ المفيد محمّد  بن محمّد النعمان العكبري ت413هـ.
النجف الأشرف: أـ ط1،المطبعة الحيدرية 1370هـ/1951م، 70ص،ح جيبي
طبع مع نوادر الراوندي ومواليد الأئمّة عليهم السلام .
ب ـط2 , مطبعة دار الكتب التجارية، 1370هـ.
راجع رقم (26) من فهرسنا هذا.
ج ـ 1426هـ تقديم ونشر (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
تحقيق:الشيخ فارس الحسون.
39) فقه علائم الظهور
الشيخ محمّد السند (معاصر).
تقديم ونشر (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط 1425هـ،72ص،ح رقعي.
40) في انتظار الإمام
الشيخ عبد الهادي الفضلي
النجف الأشرف: مطبعة النعمان، 1968هـ، 168ص،ح رقعي.
41) في رحاب حكومة الإمام المهدي عليه السلام
الشيخ نجم الدين الطبسي.
النجف الأشرف: مطبعة النبراس، 282ص،ح رقعي(أوفسيت).
42) في مولد الإمام المنتظر
بقلم: نخبة من ادباء كربلاء.
النجف الأشرف: 1376هـ،24ص،ح رقعي.
43) القائد المنتظر
السيد صدر الدين القبانجي (معاصر).
تقديم ونشر (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط 144،1424ص،ح رقعي.
44) قصة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض
ورد في بعض الفهارس (قصة المدينة الزاهرة).
السيد محمّد الرضي الرضوي(معاصر).
النجف الأشرف: أـ ط1 1370هـ،24ص،ح رقعي.
بـ ط2 مطبعة النعمان 1376هـ،46ص،ح جيبي.
45) كشف الحق أو  الأربعون
أقامير محمّد صادق الخاتون أبادي ت1272هـ.
ترجمة وتحقيق: السيد ياسين الموسوي (معاصر).
تقديم ونشر (مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف:ط 1426هـ،209ص،ح وزيري.
46) الكرة والرجعة في إثبات الرجعة بالبيان العصري
السيد محمّد صادق بن باقر بن محمّد الهندي.
النجف الأشرف:14ص،طبع مع دين الفطرة للمؤلف
47) كمال الدين وتمام النعمة(إكمال الدين واتمام النعمة)
الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن بابويه القمي ت 381هـ.
تقديم: السيد محمّد مهدي الخرسان.
النجف الأشرف:المطبعة الحيدرية،1389هـ/1970م،646ص.
48) لو اجتمع على الإمام…
راجع رقم (26) من فهرسنا هذا.
49) ما السبب في استتار الإمام وغيبته
راجع رقم (26) من فهرسنا هذا.
50) ما يجب على المكلف في عصر الغيبة الكبرى
السيد محمّد محمّد صادق الصدر.
النجف الأشرف: مطبعة النبراس، بدون تاريخ، 107 ص،ح رقعي.
51) محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام  (1)
مجموعة من المحاضرين.
إعداد وتقديم(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: مطبعة البيان، 1425هـ، 212ص،ح وزيري.
52) محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام  (2)
مجموعة من المحاضرين.
إعداد وتقديم(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف:1425هـ،175ص،ح وزيري.
53) محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام  (3)
الشيخ محمّد السند(معاصر)
إعداد وتقديم(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط1425هـ، 100ص، ح وزيري.
54) محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام  (4)
السيد علي الحسيني الصدر(معاصر).
إعداد وتقديم(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف:ط 1425هـ،215ص،ح رقعي.
55) محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام  (4)
الشيخ أحمد الوائلي.
إعداد وتقديم(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف: ط1425هـ، 128ص، ح وزيري.
56) مختصر كفاية المهتدي لمعرفة المهدي عليه السلام
السيد محمّد مير لوحي الاصفهاني.
ترجمة وتحقيق: السيد ياسين الموسوي (معاصر)
إعداد وتقديم:مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام
النجف الأشرف: قيد الطبع،250ص،ح وزيري.
57) مشكلة الإمام الغائب وحلها.
السيد  محمّد جمال الهاشمي ت1397هـ
النجف الأشرف:مطبعة النجف،1378هـ/1958م،ح جيبي،30ص.
58) المصلح المنتظر
الشيخ محمّد رضا شمس الدين.
النجف الأشرف: مطبعة العلمية ،  1375هـ/1956م،72ص،ح وزيري.
59) المصلح المنتظر في أحاديث الأديان
الشيخ محمّد أمين زين الدين
النجف الأشراف: بدون معلومات.
60) مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية
الشيخ محمّد أمين زين الدين
النجف الأشرف:مطبعة دار النشر والتأليف، 1371هـ/1951م، 101ص،ح جيبي.
61) الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر
السيد رضي الدين على بن طاووس ت664هـ.
النجف الأشرف:
أ- ط1، 1365هـ عن نسخة قوبلت بخط المؤلف الموجودة في تستر.
ب ـ ط2، المطبعة الحيدرية، بدون تاريخ، 174ص، ح رقعي.
جـ ـ ط3، المطبعة الحيدرية، 1386هـ، 176ص.
دـ ط4، 1382هـ/1963م، المطبعة الحيدرية، 188ص، ح جيبي.
هــ ط5،1392هـ /1972م، المطبعة الحيدرية، 188ص،ح وزيري.
وــط6، 1398هـ، المطبعة الحيدرية، 224ص.
زـ النجف الأشرف:منشورات الأمير ,مطبعة النبراس,بدون تاريخ.
62) المنتظر على ضوء الحقائق
محمّد حسين الأديب
فرغ منه في كربلاء سنة 1374هـ.
النجف الأشرف: المطبعة الحيدرية، 1376هـ، 36ص، ح رقعي.
63) المنتقى من السلطان المفرج عن اهل الأيمان
السيد علي بن عبد الكريم النيلي ق 8
تحقيق:أحمد الحلي (كاتب السطور)
تقديم ونشر مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام .
النجف الأشرف:قيد الطبع،115ص،ح وزيري.
64) منن الرحمن
في شرح قصيدة  الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان
الشيخ جعفر النقدي ت1370هـ.
النجف الأشرف: المطبعة الحيدريةطبع المجلد الأوّل منه في سنة1344هـ والثاني منه في سنة 1345هـ،ح وزيري.
65) المهدي المنتظر عليه السلام
السيد مرتضى القزويني (معاصر).
النجف الأشرف:ط1386هـ،63ص.
66) المهدي والمهدوية وأحمد أمين
الشيخ محمّد على الزهيري ت 1385هـ.
تقديم:الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.
النجف الأشرف:المطبعة العلمية،1370هـ/1950م،224ص،ح جيبي.
67) مولد الحجة عليه السلام
اصدار مدرسة  الإمام الباقر عليه السلام  في كربلاء
النجف الأشرف:مطبعة النعمان،1385/1965م،32ص.ح جيبي،
68) مولد الإمام الحجة القائم
الشيخ محمّد عبدالله أبو عزيز الخطي.
النجف الأشرف: المطبعة الحيدرية، 1371هـ/1951،84ص،ح رقعي.
69) النجعة في الرجعة
الشيخ محمّد رضا الطبسي.
ترجمة السيد محسن نواب الرضوي.
النجف الأشرف: مطبعةالغري، 1355هـ، 40ص، ح وزيري.
70) ولادة الإمام المهدي عليه السلام
آية الله الشيخ بشير النجفي(معاصر).
تقديم ونشر: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام .
النجف الأشرف: أـ ط1، 1425هـ،114ص،ح وزيري.
بـط2،1426هـ.
71) وظيفة الانام في زمن غيبة الإمام
السيد محمّد تقي الموسوي الاصفهاني.
تقديم ونشر(مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام ).
النجف الأشرف:1425هـ،111ص،ح وزيري.
72) اليماني راية هدى
السيد محمّد علي الحلو(معاصر).
تقديم ونشر: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام .
النجف الأشرف: 1425هـ، 95ص،ح رقعي.

المصادر:
1ـ الدليل البيليوغرافي لمعرض الكتاب في النجف/إصدار جمعية منتدى  النشر.
2ـ شيخ الوراقين في النجف الأشرف / الشيخ محمّد جواد الطريحي.
3ـ مجلة تراثنا /إصدار مؤسسة آل البيت ـ قم.
4ـ المطبوعات النجفية /فهرس ضمن فهارس مكتبة آية الله الحكيم.
5ـ معجم ماكتب عن الرسول واهل البيت صلوات الله عليهم /القسم14 مجلد 9 الشيخ عبد الجبار الرفاعي.
6ـ معجم المطبوعات النجفية /الشيخ محمّد هادي الأميني/مط النعمان 1386ـ1966م

أحمد علي الحلي/ الباحث في الشؤون المهدوية

الجذور التأريخية لظاهرة المقاتل الانتحاري

 

2-8-2014-1-d

    نجحت الميديا الغربية، وبخاصة تلك المعادية صراحة للعرب والمسلمين، في نشر وتكريس فكرة مفادها أنّ العمليات المسلحة الانتحارية، هي اختراع عربي وإسلامي لا سابق له في التاريخ البشري.
المشتغلون في تصنيع الرأي العام في الغرب عملوا طويلاً وبكثافة على هذه الثيمة مستفيدين من إنجازات التنظير الاستشراقي ذي النزعات العنصرية التقليدية، وخرجوا بالكثير من الاستنتاجات والخلاصات المؤسسة على هذه الأكذوبة التاريخية. من تلك الخلاصات قولهم، إن طبيعة الفرد العربي وخصوصية دينه الإسلام هي انتحارية وعنيفة وعدوانية بطبيعتها ومن حيث جوهرها.

    نفتح قوساً هنا لنسجل أن التناول الانتقائي الذي قامت به الأقلام السلفية الجهادية القديمة والمعاصرة لحيثيات عُنفية مجتزأة من التراث العربي الإسلامي العريض، لا يخلو من مثيلاتها أيّ تراث ديني آخر، وتحديداً من فترات التأسيس وقيام دولة النبوة في يثرب والمعارك الدفاعية التي خاضها المسلمون الأوائل بقيادة النبي العربي الكريم(ص) أو من فترات الهبوط الحضاري والحروب الأهلية والفتن التي حدثت في العالم الإسلامي لاحقاً؛ إن هذا التناول السلفي الانتقائي للحيثيات العُنفية ساهم بقوة في توسيع نطاق هذه الفرية وسهّل انتشارها وتصديقها. واكب ذلك إغفال وتغييب الحيثيات والصفحات المعاكسة مضموناً، التي يحفل بها التراث الإسلامي المكتوب كأي تراث ماضوي. وهي صفحات لا يمكن حتى لأعداء العرب والمسلمين نكران أنها سلامية تشع بالتسامح والعطاء والبناء الحضاري الزاهر إلى جانب الصفحات الصعبة التي مرّ بها في أوقات الحروب والاضطرابات والفتن.إن هذا الافتراء، أو الهراء غير العلمي، لا يقوله المتخصصون والمؤرخون الذين يحترمون أنفسهم وأقلامهم لأنهم يعرفون دقائق وحقائق التاريخ، بل يكرره الكتبة المأجورون وخبراء التضليل وغسل الأدمغة ضمن ما بات يُعرف بملفات وتمظهرات «الإسلاموفوبيا»، ويشاركهم في ترديده بعض من السذج والمغرضين من الكتبة والإعلاميين العرب. لتبديد ودحض هذه الفرية نورد أدناه جرداً تاريخياً مبتسراً حول موضوع «المقاتل الانتحاري» في التاريخ البشري: معروف وعلى نطاق واسع أنّ أول حادثة حربية انتحارية في تاريخ الحروب التي دارت في التاريخ البشري هي تلك المسجلة باسم المقاتل الشعبي العبري، القاضي الجبار شمشون بن منوح، الذي سلمه بنو إسرائيل إلى الفلسطينيين بعد أن أثارهم عليهم ليعاقبوه، ولكنه هدَّ معبد الإله داجون على نفسه وعلى أعدائه وآسريه الفلسطينيين، فقتل نفسه وأعداءه (التوراة، العهد القديم، سفر القضاة، الاصحاحات 13 إلى 16. شاعت قصته في القرن 11 قبل ميلاد المسيح). ولولا المسحة الأسطورية بل الخرافية لهذه الحادثة وبطلها (مثلاً، تروي التوراة في سِفر القضاة أنّ شمشون رمى الفلسطينيين بفك حمار ميت فقتل منهم ألف مقاتل!)، لكان ممكناً للمؤرخين أن يعتبروا شمشون العبري، قاتل الفلسطينيين، هو الأب الروحي والحربي لمن يقومون بالعمليات السلفية الانتحارية الفردية في عصرنا.

    تاريخياً أيضاً، تسجل وقائع ومدونات الحروب الصليبية أنّ أول عملية انتحارية بوساطة آلة عسكرية مركبة، هي تلك التي قام بها بحارة محاربون صليبيون أثناء الحملة الصليبية الأولى في القرن الثاني عشر الميلادي ضد بلدان الشرق العربي الإسلامي. حدث ذلك حين قامت سفينة تحمل فرساناً من حركة مسلحة متعصبة دينياً تدعى «فرسان الهيكل» بعملية انتحارية استهدفت بها سفينة حربية للمسلمين واصطدمت بها، فأحرقتها وأغرقتها وقتل في هذه العملية من الصليبيين والمسلمين الكثيرون بينهم مئة وأربعون مقاتلاً من الصليبيين، وأكثر من هذا العدد من المسلمين.

     أمثلة أخرى على العمليات الانتحارية سجل المؤرخون حدوثها خلال الحرب الفرنسية ـ الإسبانية (1785)، وخلال سنوات الحرب الأهلية في إسبانيا (1936 – 1939)، كما نعثر على أمثلة أخرى إبان مواجهة فلاحي فيتنام للمحتلين الفرنسيين التي توجت بمعركة قلعة «ديان بيان فو» عام 1954، التي هزمت فيها القوات الشيوعية بقيادة الجنرال جياب قوات الاستعمار الفرنسي هزيمة منكرة أنهت عهد الاستعمار الفرنسي لهذا البلد. علماً أن العمليات المشار إليها في هذه العناوين التاريخية هي في غالبيتها أقرب إلى عمليات اقتحام جريئة، مشروعة عسكرياً وأخلاقياً، أكثر من كونها عمليات انتحارية غادرة تستهدف طرفاً مدنياً أو عسكرياً ولكنها سجلت في التاريخ العسكري الرسمي كعمليات انتحارية. ولكننا لا يمكن أنْ نحتسب ضمن هذا النوع من الفعل القتالي الانتحاري المستهدف والمؤذي أو القاتل للآخر تلك العمليات الانتحارية الجماعية التي كانت تحدّ من وصول المؤن والأسلحة إلى القوات الاستعمارية الإنكليزية في الهند، حين كانت مجموعات من مئات المتطوعين الانتحاريين العزل من السلاح تحتشد على سكك الحديد لإجبار القطارات المنطلقة بسرعة على التوقف، ذلك لأن مَن يقومون بها عُزّل من السلاح أولاً، ولأنهم يغامرون بأرواحهم هم ولا يؤذون أحداً غيرهم كالمقاتلين الانتحاريين قديماً وحديثاً.

      من أشهر العمليات الانتحارية وأخطرها على الإطلاق في العصر الحديث، ما عرف بعمليات «الكاميكاز» اليابانية التي اشتهرت خلال الحرب العالمية الثانية. و«الكاميكاز» عبارة يابانية مؤلفة من كلمتين تعنيان «الرياح المقدسة» أو «الرياح الإلهية». وتعود العبارة بجذورها التاريخية إلى حادثة حربية يختلط فيها ما هو أسطوري بما هو تاريخي واقعي. ففي القرن الثالث عشر الميلادي، وبالضبط في سنة 1281، غزا أسطول مغولي صيني بقيادة الإمبراطور قوبلاي خان أرخبيل الجزر اليابانية، ولكن إعصاراً قوياً ومدمراً هبّ آنذاك وأغرق الأسطول الصيني وأنقذ اليابان، فأعلن اليابانيون أنّ الآلهة هي التي أرسلت رياحاً مقدسة لإنقاذ اليابان وتدمير الأسطول المغولي.

       هذا بخصوص ظاهرة الفعل القتالي الانتحاري، ويقترب منه أحياناً ويتداخل معه فعل آخر هو تفخيخ العربات وتفجيرها بوساطة انتحاري يقودها، أو عن بعد بوساطة التوقيت، أو بجهاز التوجيه اللاسلكي، بهدف تدمير أهداف معادية عسكرية أو مدنية أو حتى مواطنين عاديين في الأسواق والشوارع وأماكن العبادة والمشافي… إلخ.

     إن الميديا الغربية حاولت على الدوام إخفاء حقيقة أنّ هذا الأسلوب التدميري هو اختراع أميركي ثم إسرائيلي تاريخياً؛ فقد كانت أول عربة شاحنة مفخخة في التاريخ الحديث هي تلك المحملة بثلاثين كيلو غراماً من المتفجرات و 100 كيلوغرام من قطع الحديد، التي انفجرت بتاريخ 16 أيلول 1920 أمام مقر «جي بي مورجان» أو «مورجان هاوس» في شارع وول في نيوريوك فقتلت 38 شخصاً، وأصابت أكثر من 300 آخرين بجروح. أما العربة المفخخة الثانية، والتالية للأميركية تاريخياً، فقد فجرتها منظمة «ليحي» الصهيونية سنة 1948 في قلب مدينة يافا الفلسطينية وكانت ملغمة بعشرات الكيلو غرامات من المتفجرات، فقتلت وجرحت 140 شخصاً من الفلسطينيين العرب بينهم عشرات النساء والأطفال.

      كما يمكن للراصد والمؤرخ إدراج العديد من العمليات الانتحارية التي قام بها مسلحو منظمة «نمور التاميل»، وخصوصا النساء المقاتلات من منظمة «الجبهة النسائية» في سريلانكا منذ بدية الثمانينيات من القرن الماضي. وفي الفترة ذاتها، وقعت أولى العمليات الانتحارية الكبرى في العالم العربي: فبتاريخ 23 تشرين الأول/ أكتوبر قاد مقاتلان انتحاريان من منظمة «الجهاد الإسلامي» الشيعية ـ والتي كان البعض يعتقد أنها اسم آخر لحزب الله في لبنان أو لمجموعة مسلحة انضمت لاحقاً إلى الحزب المذكور ـ شاحنتين مفخختين بالمواد شديدة الانفجار واقتحما مقرّي قيادة القوات الأميركية والفرنسية التي تولت احتلال العاصمة بيروت بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي منها تحت اسم «قوات حفظ السلام الدولية». وقد قتل في التفجيرين 241 عسكرياً أميركياً و56 عسكرياً فرنسياً إضافة إلى السائقين الانتحاريين. وتعدّ هذه العملية المزدوجة من أكبر وأهم العمليات الهجومية العسكرية في التاريخ لاعتبارات عدة: أولها، هو أعداد القتلى والجرحى الكبير من جنود العدو نتيجة لها ولم تماثلها أي عملية أخرى من هذه الناحية حتى اليوم. وثانيها، هو عدم إضرارها بالمدنيين المحليين، وثالثها تحقيقها لأهدافها السياسية الاستراتيجية، فقد هربت القوات الأميركية والفرنسية التي نجت من الموت إلى سفنها الحربية في عرض البحر وتحررت بيروت تماماً من الوجود العسكري الغربي. غير أنّ هذا الإنجاز السياسي والعسكري الباهر الذي تمخضت عنه عمليتا بيروت، والذي لم يتكرر من حيث نتائجه منذ ذلك الحين، لا ينبغي أن يخلط الأوراق ويغري بتأييد مشروط أو استثنائي لهذا النوع من العمليات الانتحارية. فكل عمل قتالي انتحاري، فردياً كان أو جماعياً، ينبغي أن يبقى مرفوضاً ومحظوراً من الناحية الإنسانية والثورية والأخلاقية معاً.

      لقد توالت العمليات الانتحارية لاحقاً ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية التي كانت تحتل جنوب لبنان، وتكرر وقوعها بنجاحات محدودة وأحياناً دون نجاح يُذكر ولمجرد تسجيل الحضور الإعلامي من قبل بعض الفصائل والجماعات، حتى حلت الهزيمة بالاحتلال الإسرائيلي هناك، واندحر ذليلاً عن أرض الجنوب اللبناني لأول مرة في تاريخ العرب الحديث. يمكن أن نسجّل أنّ العمليات الانتحارية لم تكن حكراً على المنظمات والجماعات المسلحة ذات المرجعيات والخلفيات الدينية والطائفية، السنية أو الشيعية، بل إن أحزاباً وجبهات قومية علمانية قامت ببعض منها لعل من أشهرها العملية المعروفة باسم «عروس الجنوب سناء محيدلي» وهي مقاتلة شابة من الحزب السوري القومي الاجتماعي، فجرت سيارتها المفخخة وسط تجمّع كبير لجنود وضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

     أما الأحزاب والجماعات اليسارية الماركسية كالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي (اللذين أسسا جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان) والجبهتين الفلسطينيتين، الشعبية والديموقراطية وغيرهما، فقد رفضت أو تحفظت على الأخذ بهذا الأسلوب القتالي مع أن هذه الجهات قامت بالعديد من العمليات الاقتحامية الشجاعة والتي قتل فيها بعض المهاجمين أو كلهم كعملية اقتحام «إذاعة الأمل». ففي شهر تشرين الأول من العام 1985 نفذ أربعة من مقاتلي الحزب الشيوعي اللبناني هجوما اقتحامياً ضد مبنى إذاعة «صوت الأمل» الناطقة باسم ميليشيات “أنطوان لحد” فدمروه وخاضوا معارك واسعة مع حراسه قبل أن يُقتَلوا وهم: “إلياس حرب”، “ميشال صليبا”، “حسام حجازي” و”ناصر خرفان”.

     كما يمكن أن نحتسب على هذا الغرار من العمليات التي تتوسط موضعاً وسطاً بين العمليات الانتحارية والاقتحامية ثلاث عمليات جرت خلال السنة ذاتها 1985 واحتسبت على ملاك العمليات الانتحارية «…» أولها العملية النوعية التي قامت بها المقاتلة الشيوعية “لولا عبود” والمتمثلة بزرع عبوة ناسفة عند مدخل موقع للعدو الإسرائيلي في القرية التي ولدت فيها «القرعون»، بغية تفجير رتل من الآليات وقُتلت أثناء العملية بعد أن تمكنت من القيام بالتفجير. والثانية هي التي قام بها مقاتل شيوعي لبناني آخر هو “جمال ساطي” والذي تمكن من تفجير مقر الحاكم العسكري في «نادي زغلة» وقُتل خلالها، والعملية الثالثة هي التي قامت بها المقاتلة الشيوعية “وفاء نور الدين” ضد دورية لجيش عميل إسرائيل لحد، وهي أقرب هذه العمليات إلى العمليات التي سميناها انتحارية ويسميها المؤيدون لها «استشهادية».

      وقد قام حزب العمال الكردستاني «في تركيا» بزعامة عبد الله أوجلان، الذي يحسب على اليسار الماركسي، وكانت بدايات نشاطه في سوريا ولبنان. فقد قام مقاتلوه بعمليات انتحارية عدة ضد القوات والأهداف التركية. أما في حرب أفغانستان، والتي بدأت في أواسط الثمانينيات فقد حدثت عمليات انتحارية عدة، مع أن بعض المتخصصين بالشؤون الأفغانية ينفون وقوع أية عمليات من هذا النوع طوال العامين الأولين من تلك الحرب. وبلغت هذه العمليات ذروتها في الهجمات الانتحارية التي قامت بها عناصر من تنظيم القاعدة داخل الولايات المتحدة نفسها، في ما عرف بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 الانتحارية. بعد هذا التاريخ، فتحت الباب على مصراعيه للقيام بالعمليات الانتحارية بأيدي ومفخخات السلفيين الانتحاريين، فلطخت يوميات الشعوب في العراق وسوريا وأفغانستان والباكستان ولبنان واليمن وغيرها بالدماء البريئة وما تزال تلطخها كل يوم وتلحق أفدح الضرر بالمسلمين والإسلام معاً.

علاء اللامي

“السلفية: النظرية الثالثة”.. بقلم: الكاتب والمفكر الشيعي المصري الدكتور أحمد راسم النفيس

19-7-2014-1-d

مقدمة:
الآن قرر السلفيون خوض ساحة المنافسة الديموقراطية حيث يسعى القوم لتقديم أنفسهم باعتبارهم قوة حامية للدين في مواجهة العلمانيين الراغبين في محو إسلامية دولة حسني مبارك راعي الوهابية وهو من قام بتوظيفهم كأداة في لعبة الأمم داخل مصر وخارجها.
ولأن البعض يعتقد أن هذا التيار هو تيار ديني محض يُعنى بتمحيص الروايات الواردة عن رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا وجب علينا أن نسلط الضوء على حقيقة هذه الفرقة التي تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للإسلام، خاصة وأن أحدًا لا يرغب في القيام بهذه المهمة إما خوفا أو عجزًا.
من هم السلفيون؟!.

ينقسم المسلمون من الناحية المذهبية إلى قسمين، الشيعة الذين يؤمنون بإمامة أهل البيت عليهم السلام ويعتقدون أن الإمامة بمعناها الشامل هي اختيار إلهي ينحصر فيهم دون غيرهم والفريق الثاني هم (أهل السنة) الذين يعتقدون بإمكانية تجزئة الإمامة وتوزيع مهامها، فهناك أئمة السياسة وهم الخلفاء وهناك أئمة الفقه الأربعة أو التسعة وهناك أئمة العقيدة مثل الأشعري والماتريدي وغيرهم.
الأئمة نوعان: الأول هم من وصفهم سبحانه {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وهم {لاَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} والصنف الثاني قد أقام بناءه على الظنون والآراء الشخصية وهو (لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ)!!
(استقرت) الأمور في عالمنا الإسلامي على هذه التقسيمة بدءًا من العصر المملوكي، وتحديدًا في عصر الظاهر بيبرس الذي قرر المذاهب الأربعة في الفقه، والأشعري في الاعتقاد، ومنع كل ما عداها حتى جاء العصر الوهابي وجاء معه السلفيون الذين أعلنوا أولًا الاستغناء عن خدمة الأئمة بكافة أنواعهم وأشكالهم ،وقرروا العودة المباشرة إلى النص (بفهم السلف الصالح) حسب زعمهم.
يقول الشيخ صالح آل الشيخ:
المسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون. أما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح. والخلفيون: فهم أتباع الخلف، ويسمون بالمبتدعة إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.
والسلف الصالح هم القرون المفضلة وفي مقدمتهم صحابة رسول الله الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} الفتح: 29 الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: {خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم}.
وتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والاقتداء بمسالكهم.
قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: (من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وعملهم بالنصوص.
وكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمرادها بآياتٍ وأحاديث خلاف فهم السلف لها، وتوسعوا في ذلك حتى كفَّر بعضهم بعضاً وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم والمخرج من هذه الدعاوى والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق. وهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعاً إلى النبي(ص)، ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار سلفياً وصار من لم يكن كذلك خلفياً مبتدعاً.
هذه هي الأطروحة السلفية في صورتها الأصلية التي تؤكد على التلقي المباشر من الصحابة والتابعين والأخذ بما (صحت) روايته عنهم ولو كان مرفوعًا (غير متصل السند) إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله و(ترك الآراء العقلية والفهم المحدث) ليصير المسلم بذلك سلفيًّا ويتحاشى أن يصبح (خلفيا مبتدعا).
عقبات وعراقيل
إنها نظرية جميلة وبراقة ولكن هناك بعض العراقيل التي لا يمكن تجاوزها مهما كانت براعة الخطيب أو بلاغة الكاتب.
أول هذه العراقيل: أن الصحابة أنفسهم لم يدَّعوا وجوب اتباع كل تصرفاتهم والدليل على ذلك أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال (إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين- يريد عمر وأبا عبيدة- فكان أحدهما أميرًا وكنت وزيرًا.. وأما اللاتي تركتهن…).

وبالتالي فهو يرى أن بعض ما فعله يحتاج لمراجعة ومن ثم كيف يمكن القول بأن فهم الصحابي يعد نصًّا دينيًّا ملزمًا؟؟.
كما أن عمر بن الخطاب والعهدة على صحيح البخاري (رواية رقم 6442) أكد على هذا المعنى عندما قال: (بلغني أن قائلًا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمَّت ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرَّة أن يقتلا).
فكيف يقال إذًا إن كل تصرفات الصحابة هي دين ينبغي على الإنسان أن يتعبد إلى الله باتباعه؟!.
المفارقة الأخرى تكمن في تقسيم المسلمين إلى “سلف صالح” و”خلف مبتدع” في حين أن المناهج العقائدية والفقهية التي يتبعها القوم كلها من صياغة هذا الخلف المبتدع؟!.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر فالعقيدة الواسطية التي يعتنقها القوم هي من وضع ابن تيميه الحراني وهو من أبناء القرن الثامن الهجري وكذا ما كتبه تلميذه ابن القيم، فكيف نقبل هذا التقسيم الذي يعتبره القوم أساسًا لمعتقدهم؟!.
النموذج الأبرز لخروج السلفيين عن منهجهم القائم على تفضيل السلف على الخلف المبتدعين هي قضية الذات والصفات.
فقد كان علماء السلف من أمثال مالك بن أنس (والعهدة على الشهرستاني في الملل والنحل) يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحداً‏ وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل‏:‏ اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون‏:‏ هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها‏ صفات خبرية‏‏ ويقولون‏ :عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء‏ فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها ،وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى‏ {الرحمن على العرش استوى} ومثل قوله‏:‏ ‏{‏خلقت بيدي‏}‏ ومثل قوله‏ ‏{وجاء ربك}‏ ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه‏ لا شريك له وليس كمثله شيء ، وذلك قد أثبتناه يقينًا.‏
كان هذا هو رأي بعض علماء (السلف) – اتفقنا معه أم لم نتفق – وهو الرأي الذي لم يرق (للسلفيين) الذين فضلوا رأي (الخلفي) ابن تيمية الذي أثبت لله تبارك وتعالى تلك الصفات الخبرية على كيفية تجسيدية لا تترك مجالًا للمناورة، حيث يقول في عقيدته الواسطية في تفسير قوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} : تضمَّنَتْ هاتان الآيات إثبات اليدين صفة حقيقية له سبحانه على ما يليق به، ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة؛ فإن الأشياء جميعًا ـ حتى إبليس ـ خلقها الله بقدرته، فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها. وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده).

ورغم أن أحدًا من (السلف) قبل (الخلفي) ابن تيمية لم يلجأ إلى التمييز بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، إذ إن القرآن الكريم قد استخدم المصطلحين بمعنى واحد، فالله هو رب السماوات والأرض ، حتى جاء هو وادعى إمكانية أن يكون ثمة إيمان بتوحيد الألوهية وشرك في الربوبية ، ليفتح لنفسه المجال ولتلميذه محمد بن عبد الوهاب من بعده لتكفير الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله لأنهم بزعمه يوحدون الألوهية ويشركون في الربوبية!!.
السلفية إذًا لا تعدو كونها إطارًا فضفاضًا جرى من خلاله تمرير أفكار أغلبها من مبتدعات نجم أنجبه (وخلفه) لنا عصر المماليك، هو ابن تيمية وتابعه محمد بن عبد الوهاب لا أكثر ولا أقل.

تحدثنا سابقًا عن أهم مرتكزات الأطروحة السلفية واعتمادها حجية فهم وعمل الصحابة (السلف الصالح) وتقديمه على فهم (الخلف المبتدع)، وكيف أنهم لم يلتزموا بهذا عند التطبيق، حيث إن بعض هذه التصورات هي من مبتدعات هذا الخلف المذموم من وجهة نظرهم.
من بين مبتدعات الخلف التي أصبحت دينًا وركنًا ركينًا من أركان الدين في التصور السلفي، هو اعتبارهم أن أضرحة الأنبياء وأئمة أهل البيت هي أوثان ينبغي هدمها وتسويتها بالأرض.
إنها فتوى (الخلفي) ابن تيمية (التي لم يقل بها أحد من السلف!) الذي قال في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: “المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف”!!.
يزعم ابن تيمية أنه لا يعرف خلافًا بين (العلماء المعروفين) حول هذا الشأن من دون أن يحدد لنا من هم العلماء المعروفين، إلا أن إقامة هذه الأضرحة وبقاءها ثلاثة عشر قرنًا من دون أن يتعرض لها أحد بهدم حتى جاءت الحركة الوهابية ومعها معاولها لتنفذ هذه الفتوى في القرن العشرين هو دليل قاطع على عكس هذا، وهي نفس الحجة التي احتج بها الشيخ القرضاوي على أصدقائه الطالبان من أجل إقناعهم بعدم هدم تماثيل بوذا، لأن أحدًا من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ممن ساهموا في فتح هذه البلدان لم يقم بهدمها ولا دعا إلى ذلك!!.
ورغم الفارق الجوهري بين النموذجين إلا أن المنطق الاستدلالي واحد في الحالتين خاصة وأن الحديث يدور عن سلف صالح وخلف مبتدع!!.
ورغم أن دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده جرى بأمر منه وشهد على ذلك جمهور الصحابة المتبعين الذين لم يكن لهم حق الرفض والاعتراض، إلا أن السلفيين يصرون على أن بقاء قبر النبي الأكرم محمدًا (صلى الله عليه وآله) في هذه البقعة الطاهرة هو بدعة ينبغي إزالتها، كما أفتى ابن تيمية من قبل، وكما أفتى شيوخ الوهابية أتباعهم من تنظيم القاعدة في العراق بنسف ضريحي الإمامين الهادي والعسكري(ع)، وهاهي فتوى الشيخ ابن جبرين الصادرة بتاريخ 7 فبراير 2007 حيث يقول: (فقد جاء الإسلام بتحريم البناء على القبور، وتحريم تجصيصها، والأمر بهدم البناء عليها والنهي عن البناء على القبور يقتضي تحريمها، وذلك لأنه ذريعة إلى عبادة الأموات، كما هو الواقع في كثير من البلاد الإسلامية التي وقع فيها الغلو في أصحاب القبور بسبب رفع تلك القبور والبناء عليها، وكثرة الكتابة عليها وزخرفتها فيعتقد الجاهل أن أولئك الأموات لهم فضل وشرف، مما يحمل الجهال على الطواف بتلك القبور والتمسح بتلك الأبنية واعتقاد أن أصحاب هذه الأضرحة من الأولياء والشهداء الذين لهم جاه عند الله والذين ينفعون من تعلق بهم، ويشفعون لمن دعاهم ، ويجيبونه ويعطونه سُؤلَه، وذلك بلا شك شرك في العبادة، وتعظيم لهؤلاء الأموات، فالواجب هدم تلك الأبنية حيث يقر أهلها بأن البناء محرم، ولا يسوغ بقاءها الناحية الفنية والجمالية في البناء، ولا أنها تراث إسلامي، وأما وصفها بأنها عمارة إسلامية فليس بصحيح، ولا تسمى تراثاً إسلامياً فإن الشرع لا يقرها، والإسلام يأمر بإزالتها . والله أعلم).
والطريف أن مسئولًا أمنيًّا سابقًا صرح أخيرًا بأن هذا الفكر لا يمثل خطرًا (ربما لأنه لم يسمع بما حدث مؤخرًا في سامراء) بما يقطع بأن عبقريته الدينية لا تقل عن تلك الأمنية التي جعلت منه ضيفًا ثابتًا في الفضائيات العربية!!.
استند القوم في دعواهم لإزالة أضرحة الأنبياء والأئمة إلى تلك الرواية المنسوبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي تقول (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وهي الرواية التي لم يفهمها بعض علماء السلف كما فهمها ابن تيمية وتلميذه محمد بن عبد الوهاب، حيث يقول صاحب (تحفة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي) “وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة كالوثن، وأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدًا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل؟” أي إن المرقد الطاهر لإسماعيل عليه السلام موجود في المسجد الحرام الذي يفد إليه المسلمون من كل فج عميق من أجل الحج.
هذه واحدة، والثانية أن النصارى ليس لهم (أنبياء) بل نبي واحد هو عيسى بن مريم (عليه السلام( وهو (سلام الله عليه) ليس له قبر ولا ضريح يزار، فهو من وجهة النظر المسيحية قد قام بعد صلبه ورفع إلى السماء، أما من وجهة النظر الإسلامية فقد رفع منذ البدء {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} النساء (157-158) فأي قبر إذًا اتخذه النصارى مسجدًا؟!.
الثابت أيضًا أن بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ثم قبره كان في مسجده حتى إنه أمر بسد كل أبواب بيوت الصحابة المفتوحة فيه ولم يبق إلا بابه وباب علي بن أبي طالب(ع)، وهذا ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى من سورة النساء آية 43 {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}: عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا يَصْلُح أَنْ يُجْنِب فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَنَا وَعَلِيّ}. قَالَ عُلَمَاؤُنَا، هَذَا لِأَنَّ بَيْت عَلِيّ كَانَ فِي الْمَسْجِد كَمَا كَانَ بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد، وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ بَيْته كَانَ فِي الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ سَأَلَ رَجُل أَبِي عَنْ عَلِيّ وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَيّهمَا كَانَ خَيْرًا؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عُمَر: هَذَا بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَأَشَارَ إِلَى بَيْت عَلِيّ إِلَى جَنْبه، لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد غَيْرهمَا; وَذَكَرَ الْحَدِيث.
ليس هناك إذن مجال للمحاورة والمداورة حول دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (بأمر منه) في مسجده بعد وفاته ،ولو كان هناك أدنى احتمال أن يؤدي الدفن في هذا المكان لأدنى شبهة تتعلق بعقيدة التوحيد لأمر رسولنا (صلى الله عليه وآله) بدفنه في مكان آخر، إذ لا مجال للادعاء بأن ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن عبد الوهاب يمكن أن يكونا أحرص على عقيدة التوحيد ممن جاء من عند الله بعقيدة التوحيد وذاق الأمرَّين من أجل نشرها، وعادى الأقربين في ذات الله ومن أجل مرضاته.
القرآن والأضرحة
يقول سبحانه في سورة الكهف {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدًا}، والمعنى أن لو كان اتخاذ المساجد بجوار الأضرحة ممنوعًا لما وردت تلك الآية بصيغة الإقرار، ولجاءت بصيغة الاستنكار والنهي، قال الطبري في تفسيره قَوْله {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ} يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ الْقَوْم الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) قَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ هُمْ مِنَّا نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ.
ولا شك أن النص القرآني يبيح إقامة المساجد على قبور الصالحين ويجعل منه أمرًا مشروعًا وليس هناك دليل أقوى من الدليل القرآني.
لا يقل أهمية عن كل ما سبق أن الأمر يتعلق بقبر محفور في التراب وضع فيه جسد نبي أو إمام من أئمة أهل البيت(ع) بعد موته، وهو إقرار عملي ببشريته وموته {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه 55 ) ،ولا يتعلق من قريب ولا من بعيد بصنم يعبد من دون الله، تتجسد فيه (بعض ملامح الإله المعبود؟!) فالدفن في التراب إقرار بالبشرية والطبيعة الطينية الأصلية للنبي أو للوصي، فكيف يقال إن تعظيم هذه القبور وبناء القباب عليها يمثل مدخلًا للشرك أو للوثنية؟!.
ولأن هذه المسألة هي من أساسيات الفكر الوهابي أو السلفي- سَمِّه ما شئت- لذا يبدو واضحَا أن استدلالهم على وجوب إزالة المساجد التي تحتوي على قبور الأنبياء لا تعدو كونها فتوى للخلفي ابن تيمية خالف فيها صريح القرآن والسنة النبوية العملية، وليست القولية، ناهيك عن مخالفته لما استقر عليه جمهور الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فضلًا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأصحاب المذاهب الأخرى، فكيف يقال إذًا إن السلفية تعني العودة إلى الجذور أو إلى النص الأصلي؟!.
من خلال ما قدمناه من نماذج للفكر السلفي يمكننا أن نلاحظ أننا أمام مدرسة فكرية ليس لها حدود ولا معالم.
فهم يقسمون علماء الإسلام إلى “سلف صالح” و”خلف مبتدعط ثم يأخذون أغلب فتاواهم عن هذا الخلف المبتدع.
يزعمون أنهم مكلفون من السماء بحماية السنة والتمييز بين الصحيح والموضوع وأنهم وحدهم هم أهل هذا الفن!!.
ينتفضون غضبًا ويعلنون الحرب إذا انتقدت رواية واردة في البخاري أو طعن أحد في عدالة الراوي إذا كانت الرواية تشكل أساسًا لرؤيتهم العقدية أو الفقهية!!.
أما إذا كان الأمر متعلقًا برؤية غيرهم عندها يصبح التمحيص والطعن في عدالة الراوي بأوهى الأسباب واجبًا شرعيًّا، بل وجزءًا من التكليف الإلهي الذي حمله السلفيون وأهمله كل من عداهم من المسلمين الغافلين المتقاعسين عن حماية الشرع والدين!!.
يرفضون استخدام العقل كأداة لتمحيص الروايات التي تروق لهم من خلال مقارنتها بما جاء في القرآن الكريم وبغيرها من الروايات المنسوبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يزعمون أنهم وحدهم أهل الدراية والرواية؟!.
أما أسلوبهم المفضل في الدراية فيقوم على (ربما ولعل) تمامًا كما حدث مع رواية رضاع الكبير (لعله أراد أن تحلبه في كوب!) و(ربما كانت حالة خاصة!!) ودعك من النص القرآني الواضح والمحكم {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا} والمهم هو إسكات المخالفين… والله أكبر وليخسأ الخاسئون!!.
أما عن الرواية التي يزعمون أنهم أحق بها وأهلها، فلو صحت النظرية السلفية القائلة بتقسيم الناس إلى سلف صالح وخلف طالح فما هي الحاجة لإعادة النظر فيما أنجزه السلف من كتب زعموا أنهم جمعوا فيها الصحيح وطرحوا منها ما ليس بصحيح؟!.
إنهم يرون أن من حقهم أن يقولوا، وليس لنا إلا الإذعان والتسليم، وإلا انهالت علينا تهم التبديع والتفسيق!!.
لنمض معهم في عملية إعادة النظر في أحوال الرواة من خلال ما يسمى (كتب الرجال) التي ألفها الذهبي والرازي وغيرهم لنرى بوضوح أن هذه الكتب لا تختلف شيئًا عن بيت العنكبوت، وأن جهابذة السلف لم يتبعوا قاعدة محددة في نقد الرجال، وأن الأهواء السياسية والعقائدية قد لعبت دورًا بارزًا في رفع أناس إلى مرتبة الأنبياء والصديقين، والغض من منزلة الكثير من أهل الصدق والفضل وغمط حقوقهم!!.
التوثيق والتضعيف!!
يزعم القوم أنهم أهل السنن وأهل السند وأهل الحديث، وتراهم يتأبطون كتبًا، لا أدري كيف يميزون من خلالها بين الغث والسمين والخطأ والصواب؟!.
خذ عندك كتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي حيث يتصور البعض أنه قاموس للرجال وكل ما عليك هو فتحه لتميز بين الخطأ والصواب.
أبو الزناد نموذجًا!!
إنه أحد الرواة الذين وثقهم البخاري في (صحيحه) ودونك بعض ما قاله عنه الذهبي:
عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد الإمام الثبت قال ابن معين وغيره: ثقة حجة وروي عن أحمد بن حنبل قال كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال البخاري أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. قال يحيى بن معين قال مالك: كان أبو الزناد كاتب هؤلاء – يعنى بنى أمية – وكان لا يرضاه. حدثنا ابن القاسم قال: سألت مالكًا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا إن الله خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكارًا شديدًا ونهى أن يحدث به أحد. فقيل له إن أناسًا من أهل العلم يتحدثون به؟ قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان، عن أبي الزناد فقال لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ولم يكن عالمًا ولم يزل أبو الزناد عاملًا لهؤلاء حتى مات.
وهكذا يدور الحديث حول راوية البخاري أبي الزناد ما بين توثيق سفيان واتهام مالك بن أنس له لأنه كان عاملًا لبني أمية وهو ما يكفي من وجهة نظره (ووجهة نظرنا) لإهدار وثاقته واتهامه في ذمته الدينية خاصة وأنه كان يزعم أن آدم قد خُلق على صورة الله (تعالى الله عما يقول أبو الزناد علوا كبيرا)!!.
لن نسترسل في سرد العجائب والمتناقضات التي أوردها الذهبي وغيره من أصحاب (قواميس الرجال) المتخمة بالأسماء (11 ألف اسم) فقط نريد أن نعرف كيف يمكن لهؤلاء الجهابذة أن يقوموا بإعادة تمحيص الأسانيد بمجرد الاطلاع على هذه الكتب من دون دراسة التاريخ ومن دون مرجعية الراسخين في العلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا؟!.
سنة العرباض بن سارية!!
أحد أهم المستندات السلفية هي رواية (العرباض بن سارية): القائلة (وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏موعظة ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏‏ووجلت ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله… عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).
ورغم أن العرباض بن سارية يقول “وعظنا.. قلنا.. عليكم” إلا أن أحدًا غيره لم يرو هذه الرواية، رغم أنه يتحدث بصيغة الجمع؟!.
السؤال الآخر لماذا أعرض السلفيون وغيرهم عن خبر الغدير وحديث الثقلين {من كنت مولاه فعلي مولاه..} رغم أنه منقول بالتواتر حيث جاوز عدد من رواه من أصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وآله) مائة صحابي؟؟.
السلفية جسد بلا رأس!!
إن أردت أن تكون سلفيًّا فكل ما هو مطلوب منك أن تقصر ثوبك ما بين الكعبين والركبتين، وأن تطلق لحيتك على سجيتها، وأن تردد بعض المقولات، وأن تنتقي شيخًا من بينهم تروق لك فتاواه!!.
إن كنت من هواة الكر والفر وركوب الخيل المسومة أو السيارات المفخخة (سلفية جهادية) فهناك الجماعة الإسلامية سابقًا أو القاعدة حاليا، أما إن كنت من هواة السكون والدعة والأنعام والحرث أو فشلت مشاريعك الجهادية فهناك السلفية (العلمية) وكل ما هو مطلوب منك هو اقتناء بعض الكتب وتمضية ما تبقى من العمر في صحبتها والاكتفاء بسب ولعن (أصحاب البدع والأهواء)، فالقماش واسع وفضفاض ويلبي كل الرغبات والأذواق، وستجد في كتب ابن تيمية الفتاوى من كل صنف!!.
يقدم موقع (أنا السلفية) بعض النصائح للمريدين من بينها:
ابتعد عن السياسة واشتغل بطلب العلم واقرأ كتاب، مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية للشيخ عبد المالك رمضاني وكتاب (القطبية هي الفتنة فاعرفوها) للعدناني أثابه الله .
اخلع (البيعة البدعية الحزبية) من عنقك وقل: في عنقي بيعة واحدة لحكام هذه البلاد حفظهم الله لا أرتضي غيرَها.
الحزبيون لا يعملون بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح- إلا فيما وافق أهوائهم- بل يحاولون أن يُنشئوا فهماً جديداً يناسب العصر باسم الوسطية وفقه التيسير وفقه الواقع، ونسوا أو تناسوا قولَ الإمامِ مالك رحمه الله: (لا يُصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلحَ أوله(.
تحريم التظاهرات: اعلم أن هناك أمورًا كثيرة قد حدثت في زمننا هذا ليست من شرع الله في شيء، وإنما يتعلق بها أناس يجهل الكثير منهم أو يتجاهل نصوص الشرع، وآثار السلف في النهي عن المحدثات في الدين، ويعظم الخطب حينما تنسب هذه الأمور المحدثة إلى دين الله كما يفعله بعض الناس ممن يفتي في القنوات الفضائية مخالفين بذلك هدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأمور المستحدثة في دين الله المظاهرات حيث أصبحت ظاهرة مشهودة في كثير من بلاد المسلمين وقد صدرت الفتاوى بتحريمها من قبل كبار أهل العلم وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
أما جماعتا الإخوان والتبليغ حسب فتوى ابن باز فهما داخلتان ضمن الفرق الاثنتين والسبعين المبشرة بجهنم وبئس المصير!! كما أن الإخوان وفقًا لفتوى الشيخ الألباني ليسوا من أهل السنة لأنهم يحاربون السنة!! .
السلفية إذًا لا تعدو كونها (سلفيات) بعضها ينزع إلى التطرف والبعض الآخر نشأ في أحضان النظم الحاكمة التي كانت وما زالت ترى فيهم سلاحًا ناجعًا للوقوف في مواجهة دعوات الإصلاح الديني والسياسي بعد تصنيفها في خانة البدع ، (المظاهرات) والهدف هو تكريس الإقطاع السياسي والديني الذي يراه هؤلاء ضرورة للاستقرار والاستمرار.

ورغم أن الأحداث والتجارب أثبتت أن السلفية سلاح ذو حدين إلا أن ميزتها الكبرى التي أمَّنت لها البقاء والاستمرار حتى الآن، تتمثل في أنها قلَّما استخدمت سلاحها ضد العدو الخارجي، ويكفي أن نذكر أن مؤسس السلفية في مصر وقف مع الإنجليز في خندق واحد ضد ثورة 1919 مطالبًا بالعمل على تصحيح العقيدة ومنع السفور بدلًا من مناهضة الاحتلال!!!.

المدخل إلى الجنسيّة في الفقه الإسلامي – دراسة مقارنة مع القانون الوضعي

9-7-2014-3-d
إعداد: د. مصطفى دانش پجوه(*)..

تمهيد في مبدأ فكرة الجنسية في الفقه الإسلامي  ــــــ
ليس ثمّة عنوان لظاهرة الجنسيّة في الفقه الإسلامي، ولذلك توجد ـ أو يمكن أن توجد ـ نظريّات مختلفة حول هذه الظاهرة والفكرة في الدولة الإسلاميّة، أو في الفقه الإسلامي.
وتوضيحاً لذلك نقول: إنّ تقسيم الأرض إلى أقاليم متعدّدة، والمجتمع العالمي إلى دول كثيرة، يستدعي توزيعاً دوليّاً للأفراد، وهذا التوزيع يوجب ظهور فكرة الجنسيّة التي على ضوئها تتمكّن الدول من تعيين أعضاء شعوبها، وبعبارة أخرى: إنّ منشأ ظهور فكرة الجنسيّة هو تعدّد الدول في العالم.
وحينئذ، فمن الممكن أن يقال بانتفاء ظاهرة الجنسيّة وفكرتها، انطلاقاً من عدم اعتراف الإسلام بدول متعدّدة ضمن الجغرافيا الإسلاميّة؛ لأنّ دولة الإسلام دولة عالميّة، خصوصاً بالنسبة إلى الدولة المثاليّة، أي دولة المهدي عجّل الله فرجه الشريف([1]).
كما أنّ نظريّة نسخ سائر الأديان بالإسلام يمكن أن تعني عدم اعتراف الإسلام بالدول الأخرى غير الإسلاميّة، وبالنتيجة تحمل هذه النظريّة على عدم إقرار الإسلام فكرة الجنسيّة([2])، وهكذا من الممكن إنكار فكرة الجنسيّة في الإسلام، على أساس أنّه ليس في الفقه الإسلامي موضوع تنطبق أحكامه على أحكام الجنسيّة في القانون الوضعي الحديث انطباقاً كاملاً([3]).
بيد أنّه ودفعاً لهذه التصوّرات نقول:
أوّلاً: إن انتفاء الجنسيّة بتبع انتفاء منشئها ـ أي تعدّد الدول ـ في المستقبل الإسلامي، وقوانين الدولة الإسلاميّة المثاليّة لا يتنافى مع وجود ظاهرة الجنسيّة وفكرتها قبل ذلك الزمان، كما أنّ التاريخ يشهد بذلك.
ثانياً: إنّ نظريّة نسخ سائر الأديان والشرائع لا تعني عدم الاعتراف بالدول غير الإسلاميّة، كما أنّ النصوص الفقهيّة خالية عن هذا المعنى، بل إنّها وتطبيقها في التاريخ يحكيان عن اعتراف الإسلام والدولة الإسلاميّة بسائر الدول غير الإسلاميّة، ومع غضّ النظر عن هذا الاعتراف وضمن مبدأ تعدّد الدول قبل دولة المهدي عجلّ الله تعالى فرجه الشريف ـ وإن كان الإسلام لا يعترف بهم بحسب الافتراض ـ لا بدّ للدولة الإسلاميّة من تعيين شعبها وتمييز أبنائها عن الأجانب، ولا يكون ذلك إلاّ بواسطة فكرة “الجنسيّة”، حتى لو لم تسمّ بهذا الاسم.
ثالثاً: إنّ عدم انطباق قوانين الجنسيّة الإسلاميّة وأسسها على الجنسيّة الحديثة المعاصرة لا تعني انتفاء هذه الظاهرة في الدولة الإسلاميّة، أو فكرتها في الفقه الإسلامي، تماماً كما لا يعنيه اختلاف الجنسيّة وضوابطها في الدول المختلفة في العالم الحاضر.
لكن مع ذلك كلّه نرى أنّ إبطال نظريّة “انتفاء الجنسيّة في الإسلام” لا يكفي لإثبات وجود فكرة الجنسيّة في الفقه الإسلامي، حتّى في صورة الإقرار بوجود ظاهرة الجنسيّة في الدولة الإسلاميّة منذ زمن الرسول الأعظم (ص) إلى زماننا هذا عبر التاريخ؛ لأنّ وجود ظاهرة الجنسيّة في الدول الإسلاميّة كان نتيجة تعدّد الدول في العالم الإنساني لا بدعوةٍ من الإسلام نفسه، ومن الممكن أن يكون تعيين أسسها وقوانينها من صلاحيات الحاكم الإسلامي والدولة الإسلاميّة، لا الفقه الإسلامي.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ تقسيم المقيمين في إقليم الدولة الإسلاميّة إلى مواطنين وأجانب، واختلاف حقوقهم وتكاليفهم.. لا يعني إقرار فكرة الجنسيّة في الإسلام، بل يلزم ـ مضافاً إلى ذلك ـ تقسيم الأفراد وتعيين حقوقهم وتكاليفهم في الفقه الإسلامي أيضاً.
ولإثبات ذلك يجب علينا ـ أوّلاً ـ ممارسة قراءة سريعة لتاريخ الدولة الإسلاميّة وكيفيّة نشوئها، وتكوّن شعبها، وكيفيّة التحاق أعضائها فيما بعد بمواطنيتها، ثم نبحث ـ عقب ذلك ـ بحثاً تحليليّاً عن المجتمع السياسي الإسلامي، أو عن الدولة الإسلاميّة والعنصر الإنساني فيها، أي شعب الدولة الإسلاميّة ومعياريّة عضويّة الأفراد فيها.
ونواصل البحث ـ ثانياً ـ عن كيفيّة استكشاف الجنسيّة الإسلاميّة في الفقه الإسلامي ـ وإن لم يفرد لها عنوان فيه ـ وذلك من ناحية ترتّب الآثار على “موضوع ما” على غرار الحال في الجنسية في القانون المعاصر.
إثبات الجنسيّة في الفقه الإسلاميّ  ـــــــ
المبحث الأوّل: قراءة تاريخيّة  ـــــــ
تكوّنت الأمّة الإسلاميّة بعد الهجرة في المدينة المنوّرة، وإن كان لها كيان قبل ذلك في مكّة المكرّمة، فالدولة الإسلاميّة ـ وبعبارة أخرى المجتمع السياسي الإسلامي ـ شهد تباشيره في المدينة؛ ذلك أنّ أحد أركان الدولة ـ وهو الإقليم ـ لم يتحقّق للرسول(ص) في مكّة، كما أنّ ركنها الآخر ـ وهو الحكومة ـ لم يكن قد تشكّل بعد.
أمّا بعد هجرة الرسول (ص) وأصحابه إلى المدينة فقد تكاملت العناصر الثلاثة ـ أو الأربعة ـ لأركان الدولة عنده؛ فقد قامت أوّل دولة إسلامية في المدينة المنوّرة([4]) وكان المسلمون من المهاجرين والأنصار ويهود المدينة الذين التزموا بميثاق المدينة([5]) شعبًا لها.
وبعد استقرار الدولة النبويّة في المدينة انشدّ الناس نحو الإسلام أكثر من قبل وخصوصاً بعد فتح مكّة وسائر البلاد، وعند ذلك استجاب كثير من الناس لدعوة الرسول(ص)، وبدأوا يدخلون الإسلام أفواجاً، وبذلك اتّسع إقليم الدولة النبويّة ونما شعبها، وعند ذاك وبسبب نزول آية الجزية([6]) أمكنت عضويّة سائر الكفّار من أهل الكتاب ـ مضافاً إلى يهود المدينة ـ في المجتمع السياسي الإسلامي والانضمام إلى شعب الدولة الإسلاميّة، أمّا سائر الناس من دون هؤلاء فكانوا أجانب.
على هذا، نرى أنّ معيار المواطنية في المجتمع السياسي النبويّ ـ أي أوّل دولة إسلاميّة ـ كان يرتكز على أساسين: قبول الإسلام أو قبول العهد  [الجزية] من دون النظر إلى قوميّة الفرد أو جنسه أو عنصره أو لونه أو لسانه أو موطنه أو…
وباستمرار هذه الدولة في التاريخ بدأ أولاد المسلمين يلتحقون بآبائهم جميعًا ويُعَدّون مواطنين في الدولة الإسلاميّة، وكذلك أولاد الذمّيين كانوا يلتحقون بآبائهم حين بلوغهم سنّ الرشد، أو التكليف على قول، أو مطلقًا ودومًا على قول آخر.
نستنتج من هذا أنّه بعد قيام الدولة الإسلاميّة كان يعدّ كلّ من له انتساب إلى الأمّة الإسلاميّة [ المسلمين] أو الدولة الإسلاميّة [أهل الكتاب] شعباٌ للدولة، يتمتّعون بحقوقهم([7])، أمّا سائر المقيمين في دار الإسلام ـ أعني المستأمنين وسائر الكفّار المعاهدين ـ فكانوا أجانب، وهم وإن تمتّعوا ببعض الحقوق إلاّ أنّهم كانوا محرومين من الحقوق الخاصّة بالمسلمين وأهل الذمّة، وهكذا تحقّقت الجنسيّة الإسلاميّة بناءً على الدين أو العهد.
واستمرّت هذه السيرة بعد ارتحال الرسول (ص) في عصر وحدة الخلافة([8]) أو في عصر الخلافات المتعدّدة المعاصرة لها([9])، وأخيرًا في عصر الخلافة العثمانيّة([10]) وسائر الحكومات الملكيَّة وغيرها في سائر أنحاء دار الإسلام ـ كإيران مثلًا([11]) ـ على نحو وحدة الدولة وتعدّد الحكومات والأقاليم؛ لأنّ لكلّ مسلم ـ رغم انتسابه إلى إقليمٍ وحكومة ـ حرّية الانتقال من أيّ بلد من بلاد دار الإسلام إلى بلد آخر منها، والإقامة فيها، والتمتّع بحقوق المسلمين كسائر المسلمين المنتمين إليها.
أمّا بعد نشوء العلاقات الاستعماريّة بين الدول الإسلاميّة والدول الغربيّة، ونتيجةً لهذه العلاقات أخذت تنفصل الدول بعضها عن بعض، فابتعدت قوانين الجنسيّة عن أساسها الديني، وتلوّنت واصطبغت بلون القوميّة والصبغة الإقليميّة والمواطنيّة بالمعنى الحديث، بحيث يعدّ كلّ من الإيرانييّن والعثمانييّن أجانب في إقليم الآخر([12])، وقد بلغ ذلك أوجَهُ في أواخر العصر العثماني عام 1869م([13])، وفي إيران سنة 1313 هجري شمسي([14])؛ حيث اتخذت التشريعات الجديدة للجنسيّة.
المبحث الثاني: نظرة تحليليّة سياسيّة في المجتمع السياسيّ الإسلامي  ـــــــ
جاءت مقولة الجنسيّة بعد تقسيم العالم وتعدّد الدول، والجنسيّة عبارة عن أداة التوزيع الدولي للأفراد؛ لأنّها تحكي عن صلة الفرد بالدولة المعيّنة.
وقد حان الوقت أن نتساءل: هل تقسيم الأرض أمر مقبول في الفقه الإسلامي أم لا؟ وعلى فرض قبوله، ما هو المعيار في التقسيم؟ وعلى أيّ قاعدة يوزّع الأفراد بين الدول؟
من البديهي أنّ الإسلام دين وعقيدة وسياسة، ينظر إلى المسائل السياسيّة من وجهةٍ عقائديّة ودينيّة؛ ولهذا فتقسيم العالم في الإسلام لا ينطلق من الأسس التي ينطلق منها القانون الحديث والعرف المعاصر، بل الإسلام بنفسه يقسّم العالم من وجهة دينيّة إلى قسمين رئيسييّن: دار الإسلام، ودار الكفر([15])، ولكلّ منها فروع.
وعلى هذا الأساس، ينقسم الناس إلى طائفتين: طائفة وثيقة الارتباط بدار الإسلام، وهم المسلمون وأهل الذمّة، وطائفة أخرى هم الأجانب، على اختلاف مذاهبهم وحقوقهم في دار الإسلام.
وإيضاحًا لذلك نقول: لا شكّ ولا ريب أنّ الدولة الإسلاميّة دولة دينيّة([16])؛ إذ مضافًا إلى سيرة الرسول الأعظم (ص) في ذلك، نشاهد أنّ عناصر هذه الدولة تصطبغ بصبغة دينيَّة، فالسيادة منحصرة بالله تبارك وتعالى([17])، فالحكومة بسلطاتها المختلفة ذات تكوين دينيّ؛ لأنَّ السلطة التشريعيّة والقوانين يجب أن تكون على وفق الشريعة الإسلاميّة([18])، والسلطة التنفيذيّة والحكّام يجب أن يكونوا ملتزمين([19]) بإجراء الشريعة الإسلاميّة في إدارة المجتمع الإسلامي، وهكذا السلطة القضائية والقُضاة فهم مكلّفون بفصل الخصومات وإحقاق الحقوق على طبق الشريعة الإسلامية([20])، وبهذا يكون للدين دور أساسي ورئيسي في تكوّن شعب الدولة الإسلاميّة؛ إذ مع فقدان الأمّة الإسلاميّة لا يتصوّر وجود دولة إسلاميّة.
وربّما يتصوّر بعضهم من هذا الكلام ـ أي كون الدولة الإسلاميّة دولةً دينيّة، مضافاً إلى إطلاق الأجنبي على الكفّار مطلقاً ـ في نظرة سطحيّة أنّ شعب دولة الإسلام منحصر بالمسلمين، والكفّار وإن كانوا من أهل الكتاب والذمّة يعدّون من الأجانب([21])، لكن نظرةً فاحصة ودقيقة تدفع هذا التصور الخاطئ؛ لأنّ للأجنبي في اللغة معنيين:
أحدهما: من لا ينتمي إلى الأمّة الإسلاميّة، أي ليس من المسلمين، وبهذا المعنى فإنّ جميع الكفّار ـ حتّى أهل الذمّة ـ يعدّون أجانب، ولكن هذا المعنى عقائديّ فقط، لا يلاحظ العنصر السياسي، فهو خارج عن محلّ البحث هنا.
ثانيهما: من لم يرتبط بالدولة الإسلاميّة، وبهذا المعنى فإنّ أهل الذمّة ليسوا من الأجانب، بل هم من مواطني الدولة الإسلاميّة([22]) كالمسلمين، على اختلاف مراتب تمتّعهم بالحقوق والواجبات، وهذا ما نبحثه هنا.
وبعبارة أخرى: مواطنية الفرد في المجتمع السياسي الإسلامي تابع لعلاقته الوثيقة بالدولة الإسلامية([23])، وهذه العلاقة إمّا أن تحصل عن طريق قبول
الإسلام وهو الأصل والأكثر، أو عن طريق العهد والميثاق لواجدي شرائط الذمّة، وهو الأقلّ.
ولكن على أيّ حال، ليست للقوميّة والجنس واللون والإقليم والتاريخ وأمثال ذلك من المبادئ اللااختياريّة دور في ذلك الارتباط الذي يسمّى بالجنسيّة؛ خلافًا للجنسيّة الحديثة والمعاصرة؛ وبهذا تدور الجنسية الإسلامية حول أحد عاملين إراديين واختياريين وإنسانيين، هما قبول الإسلام أو قبول العهد، وقبول حقّ الدم أو حقّ الإقليم في الجنسيّة القائمة للدولة الإسلاميّة أمارةٌ على قبول الإسلام أو العهد، لا أنّ لهما الأصالة، وبهذا يظهر الفرق الجوهري بين الجنسيّة في الفقه الإسلامي والجنسيّة في القانون المعاصر.
المبحث الثالث: نظرة قانونيّة إلى المجتمع السياسي الإسلامي  ـــــــ
ينقسم سكّان الدولة إلى مواطنين وأجانب، وفق تمتّع الفرد بالجنسيّة أو حرمانه منها، وبعد هذا التقسيم يتمتّع المواطنون بحقوق أكثر من الأجانب، فالأجانب محرومون من الحقوق العامّة والسياسيّة وبعض الحقوق المدنيّة و… فإذاً الجنسيّة هي العامل الرئيس لتمتّع الفرد بهذه الحقوق أو حرمانه منها.
وهذا التمتّع أو الحرّمان في الدولة الإسلاميّة يدور حول قبول الإسلام أوّلاً، أو قبول العهد ثانياً؛ وبهذا يتبيّن أنّ الجنسيّة ثابتةٌ في الفكرة الإسلاميّة القانونيّة، لكن على أساس خاصّ غير الأساس الذي تقوم عليه الجنسيّة في القانون المعاصر.
فمثلاً: يتمتع المواطنون  [المسلمون وأهل الذمّة] بحقّ الإقامة الدائمة في إقليم الدولة الإسلاميّة، والأجانب[المستأمنون وسائر الكفّار]محرومون منه، كما أنّ المواطنين يتمتعون بحماية دولة الإسلام في مقابل الأجانب والدول الأجنبيّة، أمّا المستأمنون فهم محرومون من هذه الحماية، ومن ناحية أخرى يكلّف المواطنون  [المسلمون] بالتجنيد والدفاع المسلّح عن الدولة الإسلاميّة، أمّا الأجانب فليس على كاهلهم هذا التكليف.
ويتلخّص ممّا ذكرنا:
1 ـ وجود ظاهرة الجنسيّة في الدولة الإسلاميّة أمر ضروريّ وبديهيّ كسائر الدول؛ لأنّ الدولة الإسلاميّة دولةٌ كاملة العناصر وتامّة الأركان.
2 ـ أصول هذه الجنسيّة أسسها الحاكمة عليها منبثقةٌ من الشريعة الإسلاميّة، وليس من إجراءات الحكومة واختصاصها، إلاّ بحكم ثانويّ أو حكم ولائيّ.
3 ـ دولة الإسلام وإن كانت دينيّة لكن عنصرها الإنساني ـ أي شعبها ـ لا ينحصر بالمسلمين، بل يشمل غيرهم من واجدي الشرائط.
4 ـ تقوم الجنسيّة الإسلامية على أساسٍ إرادي وإنساني، وهو قبول الإسلام أو العهد، دون ملاحظة العوامل الماديّة والحيوانيّة واللاإراديّة، كالموطن، والجنس، واللون، واللغة، والعرق، والقوميّة، والتاريخ وأمثال ذلك، وهذا هو الاختلاف الجوهري بين الجنسيّة الإسلاميّة والجنسيّة المعاصرة الوضعيّة.
وبهذا يتّضح دور الفرد وطلبه التمتّع بالجنسيّة الإسلاميّة وحرمانه منها؛ خلافاً للجنسيّة المعاصرة التي يقلّ دور إرادة الفرد في التمتّع بها أو الحرمان منها، خصوصاً بالنسبة إلى الجنسيّة الأصلية([24]).
وفي ختام هذا البحث نقوّي ونؤيّد نظريّة “وجود ظاهرة الجنسيّة وفكرتها” في الفقه الإسلامي، وابتنائها على الدين أو العهد بكلمات من علماء القانون الدولي المعاصر، من الباحثين حول الجنسيّة الإسلاميّة ـ ولو إجمالاً واستطرادًا ـ في مقابل نظريّة “إنكار الجنسيّة الإسلاميّة”.
يقول الدكتور محمّد عبد المنعم رياض بك: “كان الإسلام عقيدة وجنسيّة في وقت واحد، واعتبر المسلمين أينما كانوا إخوانًا في العقيدة والجنسيّة، والعالم الإسلامي الذي يضمّهم وحدة دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة، فهو وطن لكلّ مسلم تحت راية الإسلام”([25]).
ويقول الدكتور أحمد مسلم: “أمّا في الشرق، فقد ظهر الإسلام بفتوحه الواسعة وأفكاره الأصيلة عن الأمّة الإسلاميّة وشمولها لجميع المسلمين على اختلاف ديارهم، وعن الدولة الإسلاميّة أو دار الإسلام، ورعايتها للمسلمين ولغير المسلمين المقيمين فيها إقامة دائمة، ممّا يجعل فكرة الجنسيّة في الإسلام تعبّر عن نوعين من الارتباط: الارتباط بالأمة الإسلاميّة، وحينئذ سيختلف مدلولها عن المدلول القانوني للجنسيّة بالمعنى الحديث، أو الارتباط بالدولة الإسلاميّة، وفي هذا يتّفق مدلولها مع الجنسيّة في القوانين الوضعيّة؛ إذ تشمل المسلمين وغير المسلمين كشعب دار الإسلام”([26]).
ويقول الدكتور شمس الدين الوكيل: “يتبيّن ممّا تقدّم أنّ التفرقة الحديثة بين مواطن وأجنبي قد توافرت ذواتها في ظلّ الدولة الإسلاميّة؛ إذ قامت التفرقة بين الرعيّة الإسلاميّة، وهو إمّا يكون مواطناً إسلاميّاً أو ذمّياً من أهل الكتاب، وبين المستأمن وهو كلّ من يفد من دار الحرب إلى دار الإسلام فيتمتّع فيها بإقامة موقتة” ([27]).
وقال قريبًا من هذه المضامين الدكتور محمّد جعفر جعفري لنكرودي في كتاب “تاريخ حقوق إيران” ([28])، كما صرّح به الدكتور محمّد حميد الله في مقدّمته على كتاب “أحكام أهل الذمّة” حيث قال: “لقد رجّح المسلمون أنّ
الدّين أساس للوطنيّة”([29])، وكذلك الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه “آثار الحرب”([30]).
أنواع الجنسيّة الإسلاميّة  ـــــــ
تتنوّع الجنسيّة الإسلاميّة إلى أنواع متعدّدة من جهات مختلفة:
الأول: الجنسيّة التأسيسيّة أو الناشئة، والجنسيّة القائمة
للدولة الإسلاميّة ـ كسائر الدول ـ جنسيّات بحسب نشوء الدولة([31])، الجنسيّة الناشئة أو الجنسيّة التأسيسيّة، وهي التي تظهر عند نشوء الدولة، وهذه تبتني على أساسين، كما مضى:
الأوّل: الإسلام، فلكلّ مسلم علاقتان في زمان واحد، علاقة دينيّة وعقائديّة بالأمّة الإسلاميّة وإن لم تنشأ دولة إسلاميّة في البين، وعلاقة سياسيّة بالدولة الإسلاميّة، وهذه هي الجنسيّة، والدولة الإسلاميّة عندما تنشأ تعدّ كلّ مسلم من أعضاء شعبها.
الثاني: العهد، فإنّ كلّ كافر واجد الشرائط انعقدت له الذمّة يعدّ أيضاً من مواطني الدولة الإسلاميّة.
الجنسيّة القائمة، وهي التي تتحقّق بعد إنشاء الدولة واستقرارها،وهي على ضربين، كما سيأتي.
الثاني: الجنسيّة الأصيلة والجنسيّة الطارئة
1 ـ الجنسيّة الأصيلة، وهي التي تثبت للفرد حين انعقاد نطفته أو عند ميلاده على أحد الأساسين، من حقّ الدم أو حقّ الإقليم على حسب مواردها.
2 ـ الجنسيّة الطارئة، هي التي تثبت للفرد بعد ذلك الزمان، على أساس بعض الأصول في كسب الجنسيّة الإسلاميّة.
وجدير بالذكر أنّه كما أنّ الجنسيّة الناشئة الإسلاميّة تبتني على أساس إرادي واختياري ـ وهو قبول الإسلام أو العهد ـ كذلك الجنسيّة القائمة بكلا فرعيها، وخاصّة الطارئة، ومن ذلك ثبت أنّ لإرادة الفرد الجنسيّةَ الإسلاميّة الدور الأكبر والباب الأوسع من الجنسيّة في النظام القانوني المعاصر.
الثالث: الجنسيّة الدينيّة والجنسيّة العهديّة
قلنا: إنّ الجنسيّة الإسلاميّة ـ سواء الناشئة أو القائمة بكلا فرعيها ـ تبتني على أساسين: قبول الإسلام أو قبول العهد؛ ومن ذلك يمكن تنويع الجنسيّة الإسلاميّة إلى نوعين، وتسميتهما بالجنسيّة الدينيّة ـ أو الجنسيّة الذاتيّة ـ والجنسيّة العهديّة؛ لأن جنسيّة المسلم للدولة الإسلاميّة فرع تديّنه بالإسلام ومن اللوازم الذاتية لقبوله، إذ ليس من الممكن لرجل آمن بالإسلام أو ولد مسلماً ـ وأقام في دار الإسلام ـ أن لا يتمتّع بالجنسيّة الإسلاميّة أو يمتنع عن قبولها، كما أنّه ـ ومن جانب آخر ـ غير المسلمين لا يعدّون من مواطني الدولة الإسلاميّة إلا بالعهد.
الرابع: الجنسيّة العالية والجنسيّة العاديّة
تنقسم الجنسيّة الإسلاميّة ـ كالجنسيّة المعاصرة ـ إلى نوعين، حسب مقدار تمتّع الفرد بالحقوق والمزايا والتكاليف: الجنسيّة العالية، وهي للمسلمين، والجنسيّة العاديّة، وهي لأهل الذمّة، وهذا ما يختلف عمّا هو عليه القانون المعاصر من جهة الأسس والضوابط؛ لأنّ النظام المعاصر يبني هذا التنويع على أسس غير اختيارية، منها كون الجنسيّة أصيلة، أو كون الفرد من قوميّة خاصّة، أمّا الفقه الإسلامي فكون الجنسيّة أصيلة أو طارئة ـ وكذلك سائر المبادئ اللا اختياريّة ـ لا تؤثر عنده في مقدار تمتّع الفرد بحقوقه، وبتبعها لا تأثير لها في تقسيم الجنسيّة من هذه الجهة، بل يقوم التقسيم على أساس إراديّ واختياري إنساني، وهو قبول الإسلام أو عدم قبوله، فتمام المسلمين ـ سواء كانت جنسيّتهم أصيلة أم طارئة ـ يتمتّعون بالحقوق الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة كافّة على حدّ سواء، كما أنّ تمام أهل الذمّة محرومون من بعض الحقوق السياسيّة الهامّة والعامّة، وهم يتمتّعون بأقلّ من المسلمين على حدّ سواء فيما بينهم أنفسهم، لكن طريق التمتّع بالجنسيّة العالية لهم مفتوحة بقبول الإسلام، خلافاً للنظام القانوني المعاصر؛ لأنّ باب ذلك مغلق عندهم.
الخامس: الجنسية الحكميّة والجنسية الحقيقية
هذا التنويع وإن لم يعنون بهذا العنوان في النظام القانوني المعاصر للجنسيّة إلاّ أنه لازم في الجنسيّة الإسلاميّة؛ ذلك أنها ـ كما قلنا ـ قائمة على أحد الأساسين الإراديّين: قبول الإسلام أو قبول العهد، ومن الواضح أنّ من شروط اعتبار الإرادة والأعمال الإراديّة بلوغ الفرد، فعلى هذا؛ كلّ جنسيّة تتحقّق للفرد قبل بلوغه نسمّيها بالجنسيّة الحكميّة، كما أن كلّ جنسيّة تتحققّ له بعد البلوغ والكمال نسمّيها بالجنسية الحقيقيّة، سواء كانت إدامةً للجنسيّة الحكميّة، أم كانت جنسيّة حديثة مستأنفة؛ وهو ما تظهر بعض آثاره في مسألة زوال الجنسيّة.
آثار الجنسيّة الإسلاميّة  ـــــــ
الأجانب الذين يقيمون في دار الإسلام إن كانوا يعيشون في الدولة الإسلاميّة بلا عهد ولا أمان فليس لهم حقّ، حتّى حقّ الإقامة، كما أنّه ليس على الدولة الإسلاميّة مسؤولية تجاههم، أمّا الأجانب الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية بالعهد ويأخذون الأمان فلهم حقّ الإقامة مدّةً معينة([32])، وعلى الدولة الإسلاميّة الذبّ عنهم وعن أولادهم وأعراضهم وأموالهم في قبال المسلمين وأهل الذمّة، لا أهل الحرب؛ لأنّهم لا يجري عليهم أحكام المسلمين والقوانين العامّة للدولة الإسلاميّة، كما صرّح به الشيخ الطوسي (460هـ) في كتاب المبسوط؛ حيث قال ـ في مقام التمييز بين الهدنة والذمّة ـ ما هذا نصّه: “والهدنة عقد أمان لا تتضمّن جري الأحكام، فاقتضى أن يأمن من جهته من يجري عليه حكم الإمام دون غيره” ([33])، وقال قبل ذلك: “ولو عقد الهدنة لقوم منهم كان عليه أن يكفّ عنهم من تجري عليه أحكامنا من المسلمين وأهل الذمّة، وليس عليه أن يدفع عنهم أهل الحرب، ولا بعضهم عن بعض” ([34]).
أمّا المواطنون ـ أي المسلمون وأهل الذمّة ـ فلهم حقّ الإقامة الدائمة، كما تجري عليهم أحكام الإسلام، وعلى الدولة الإسلاميّة الذبّ عنهم ذبًّا كاملًا، ومن هذه الجهات يغدو المسلمون وأهل الذمّة سواء.
قال الشيخ الطوسي في المبسوط: “وإذا عقد الذمّة للمشركين كان عليه أن يذبّ عنهم كلّ من لو قصد المسلمين لزمه أن يذبّ عنهم؛[ لأن] عقد الذمّة يقتضي أن تجري عليهم أحكامنا وكانوا كالمسلمين” ([35]).
لكن الذمّيين محرومون من بعض الحقوق العامّة التي تستدعي علوّهم على المسلمين، الأمر المنهيّ عنه صريحًا في الكتاب المبين؛ لقوله تعالى: < لَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً> (النساء: 141)، والنبويّ الشريف: “الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه” ([36])، كما أنه ليس لهم الإقامة في الحجاز، إلى غير ذلك من الترجيحات الأخر بين المسلمين وأهل الذمّة، والمذكورة في سائر أبواب الفقه، كالقصاص والديات، وفي مقابل هذا الحرمان لم يكلّفوا بالدفاع عن الإسلام وداره، بل يجب ذلك على المسلمين فقط([37]).
الجنسيّة الإسلاميّة والمبادئ المثاليّة المعاصرة  ـــــــ
تظهر ـ في ضوء ما قدّمناه ـ العلاقة بين الجنسيّة الإسلاميّة والمبادئ الثلاثة المثاليّة؛ إذ من الواضح أنّ الإسلام يعترف بمبدأ ضرورة الجنسية أكثر من نظام القانون الدولي الخاصّ المعاصر؛ لأنّ الجنسية الإسلاميّة في نوعها الغالب تبتني على أساس الدين، فإسلام الفرد وجنسيّته للدولة الإسلامية مقترنان، وليس من الممكن افتراض إسلامه دون جنسيته في الدولة الإسلاميّة.
ويظهر من الإسلام الاعتراف بمبدأ وحدة الجنسية، بل يرى الفقه الإسلامي أنّ تعدّد الجنسية في نوعه الغالب من المستحيل؛ لأنّ التديّن بالأديان المختلفة في زمان واحد غير ممكن، فما دام الفرد مسلماً فهو عضو من أعضاء المجتمع السياسي الإسلامي.
أمّا المبدأ الثالث، وهو “إمكان تغيير الجنسيّة” وعدم لزوم دوامها، فتختلف نظريّة الفقه الإسلامي عن القانون المعاصر اختلافاً ما؛ فالإسلام لا يعترف بهذا التغيير كما اعترف به القانون المعاصر؛ لأنّ الجنسيّة الدينيّة للمسلمين على أساس إيمان الفرد بالإسلام، وهذا الإيمان أمر ثابت لا يجوز تغييره، وهذا التغيير وإن وقع في الخارج إلا أنّ الإسلام لا يقرّه، ولهذا لا يعدّ من خرج عن الإسلام كافراً أصليًّا، بل يسمّى مرتدًّا، ولكلّ منهما أحكام خاصّة به، والارتداد لا يوجب تغيير الجنسيّة، وإن استوجب حرمان المرتدّ من أكثر الحقوق، بل أحياناً حقّ الحياة نفسه.
أمّا الجنسيّة العهديّة لأهل الذمّة، فهي قابلة للتغيير على تفصيل.
*    *     *
الهوامش

________________________________________
(*)  باحث متخصص في الفقه الإسلامي،
[1] ــــ إسلام وحقوق بين الملل، دكتر محمّد رضا ضيايي بيكدلي: 77.
[2] ــــ مثلاً: برنارد لوئيس ومجيد خدّوري؛ أنظر: فقه سياسي، عميد زنجاني 3: 337.
[3] ــــ مؤتمر القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام؛ وانظر: تحقيق در دو نظام حقوق بشر از ديدكاه إسلام وغرب، علاّمه محمّد تقي جعفري: 459.
[4] ــــ القانون الدولي العامّ، دراسة ومقارنة، الدكتور نعمة عبدالله عبدالباقي: 168؛ الدولة والسيادة، فتحي عبدالكريم: 131.
[5] ــــ سيرة ابن هشام 1: 503.
[6] ــــ التوبة 29: >قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ<.
[7] ــــ القانون الدولي الخاصّ، الدكتور أحمد مسلم: 82.
[8] ــــ وهو ما يسمّى بالخلافة الراشدة والأمويّة والعبّاسية.
[9] ــــ خلافة الأموي في المغرب، والفاطمي في مصر، والعبّاسي في الشرق. انظر: معالم الخلافة، محمود خالدي: 10.
[10] ــــ حقوق بين الملل إسلامي، دكتر سيّد خليل خليليان: 139.
[11] ــــ تاريخ حقوق إيران، دكتر محمّد جعفر جعفري لنكرودي: 346.
[12] ــــ حقوق بين الملل خصوصي، دكتر محمّد نصيري: 47.
[13] ــــ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 141.
[14] ــــ مجموعة قوانين اساسي ومدني، غلام رضا حجّتي اشرفي، الهامش لمواد: 976 ـ 998.
[15] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 166؛ الكتب الفقهيّة، مبحث الجهاد.
[16] ــــ حقوق روابط بين الملل دار إسلام، محمّد حميدالله، ترجمة: دكتر سيّد مصطفى محقّق داماد: 162.
[17] ــــ البقرة: 30؛ أيضاً قانون أساسي جمهوري إسلامي ايران، (الدستور الإيراني) المادّة: 56؛ وأيضاً: حقوق أساسي ونهادهاي سياسي، دكتور أبو الفضل قاضي شريعت پنهاهي: 146.
[18] ــــ قانون اساسي جمهوري إسلامي إيران، المادة الرابعة.
[19] ــــ اعتبار شرط الإسلام والعدالة لتصدّي مناصب الدولة.
[20] ــــ القرآن الكريم: >وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ / الظَّالِمُونَ / الْفَاسِقُونَ<. المائدة: 44، 45، 47.
[21] ــــ مبادئ القانون الدولي الخاص، الدكتور عبدالمنعم رياض بك: 77، 209.
[22] ــــ إسلام وحقوق بشر، مارسل بوازار، محسن مؤيّدي: 100، 106؛ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 332.
[23] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 12؛ القانون الدولي الخاصّ، الدكتور أحمد مسلم: 177.
[24] ــــ أحكام أهل الذمّة، ابن القيّم 1: 86؛ مقدمة في علم السير، الدكتور محمّد حميد الله، حقوق روابط بين الملل دار إسلام، محمّد حميد الله: 204.
[25] ــــ مبادئ القانون الدولي الخاص، الدكتور عبدالمنعم رياض بك: 77.
[26] ــــ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 82.
[27] ــــ الجنسيّة ومركز الأجانب، الدكتور شمس الدين الوكيل: 168.
[28] ــــ تاريخ حقوق ايران: 345 ـ 350.
[29] ــــ أحكام أهل الذمّة، المقدّمة: 89.
[30] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 178.
[31] ــــ المصدر نفسه.
[32] ــــ قال الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 37: bفالهدنة عقد أمان إلى مدّةv؛ وقال أيضاً في صفحة 42: bفأمّا المستأمن والمعاهد فهما عبارتان عن معنى واحد، وهو من دخل إلينا بأمان لا للبقاء والتأبيدv.
[33] ــــ الطوسي، المبسوط 2: 59.
[34] ــــ المصدر نفسه.
[35] ــــ المصدر نفسه.
[36] ــــ بحار الأنوار، العلاّمة محمّد باقر المجلسي 39: 47، حديث 15.
[37] ــــ النساء: 141.
المصدر : نصوص معاصرة

الحرب النفسية وتأثيرها على مستقبل الدول

24-6-2014-3-d
 
كيف تؤثر الشائعات والدعايات المدبلجة على الاستعداد النفسي للعسكريين

إذا كانت العلوم قد حققت تقدماً هائلاً في مجالات الحياة المختلفة, فإن علم النفس أيضاً, استطاع أن يأخذ مكانه بين العلوم, منذ دخوله ميدان التجربة ليصبح عالماً مستقلاً بحد ذاته, له مكانة واسعة بين العلوم الأخرى, وله موضوعاته ونظرياته.. نحن نعرف أن لكل علم خصائص ومميزات وسمات أساسية تعبّر عن الدوافع التي تلعب دوراً أساسياً في مجاله, وعلم النفس العسكري الناشط تطرّق في اجتهاداته إلى دراسة أهم العوامل التي تشكّل أزمة حقيقية ضمن المؤسسات العسكرية, التي تعتبر العمود الفقري للدولة, والقاعدة الأساس التي تنهض بكامل أجهزتها. وبما أن الجيش يأخذ موقع السويداء في قلب السلطة, أي إنه في النقطة الحساسة ¬ الحرجة التي تلتقي حولها مؤسسات الدولة, فهو الذي يصون وحدة الأجهزة العامة والخاصة, ويحدد نمط الاتجاهات الوطنية والاجتماعية, بما فيها من سياسة وطنية وسياسة إدارية عامة, وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية, ويسهر على سلامة العلاقات, التي تربطها بعضها بالبعض الآخر.. ومن هذا الموضع رأى علماء النفس, أن مؤسسة بهذا الحجم من المسؤولية تتطلب مزيداً من الاهتمام بشؤونها الداخلية, وتحتاج إلى رصد الخبرات لصونها من التيارات التي تسيء إلى توازنها وتماسكها, على أقل تقدير, كونها تشكل صمام الأمان الأساسي للوطن… ومن هذه الرؤية, عمد علماء النفس إلى استعراض أبرز العوامل التي لعبت دوراً خطيراً في الميدان العسكري واستنفدت الإمكانات والثروات الوطنية وانتهت بتطلعات الشعوب وآمالها إلى الخيبة. وقد استند علماء النفس في سلسلة اجتهاداتهم إلى معلومات ومرتكزات وتجارب مشهود لها في هذا المجال, وانتهوا إلى أنّ الحرب النفسية Psychological War For)) , هي أخطر سلاح حربي استخدم منذ أقدم العصور, لفرض إثارة الصراعات والفتن بين صفوف العسكريين, وشق وحدة الصف الوطني. والملاحظة الجديرة بالاهتمام, أن الحرب النفسية قد برزت بأساليب مختلفة وتسللت إلى غرفة العمليات العسكرية وتركت بصماتها بوضوح, وكانت دائماً ترتبط بالمعارك الحربية بصورة أولية, وأشيرَ إليها كعامل أساسي في نجاح أو فشل المعارك.
باختـصار, إن الحـرب النفسية هي فنّ حربي, يُنشر عن طريـق الدعاية وبث الشائعات المسمومة, أو, عن طريق إرسال الجواسـيس بهدف جمع المعلومـات عن الجهة التي توجّه إليها الحرب النفسية, بقصد التوصـل إلى تدبيـر مخطـط يستـهدف قاعدة القيادة.. وقد سـجّل علم النـفس موقفاً صريحاً من سياسة الحرب النفسية وأهدافها, وتوسّع في تحلـيل المصـادر والبصـمات التي تتـركها في المجال العسكري.

سياسة الحربة النفسية

من المعلوم أن الحرب تقوم على صراع الإرادات؛ إنها صراع إرادتي خصمين يحاول كلاهما أن يجبر خصمه على الرضوخ لإرادته, فالهدف الأساسي لأي حرب, هو كسر إرادة الصمود لدى العدو وبالدرجة الأولى قيادته, وإجباره على الاستسلام الكامل غير المشروط, أي, تجريده من الإمكانات والقوى المادية والمعنوية, وجعله لا إرادياً يتراجع في كل موقع حاملاً معه خسائره الكبيرة… ولا ريب أن أخطر أسلحة الحرب فتكاً هي التي تستهدف تمزيق الروح المعنوية وتساعد الخصم على تحقيق سياسة دولته وأهدافها. لهذا نجد جميع الجيوش في العالم تستخدم أساليب الحرب النفسية لتحجيم قوة الخصم, ومحاولة التأثير على معنوياته والقضاء عليها من جهة, ورفع معنويات قطعها العسكرية وتحريكها باتجاه إيجابي للصمود أمام الأزمات في أوقات الشدة والخطر من جهة ثانية… من هنا, لنا أن نتصوّر خطورة الدور الذي تلعبه الحرب النفسية, خاصة في المجال العسكري, فالجيش هو نواة السلطة, وأي نقد أو تشهير أو فشل يطاله, هذا معناه بالتأكيد, بأن الدولة نفسها قد سُلّط عليها الضوء, وطالها النقد, وحاصرها الفشل.
فإذا قيل مثلاً, أن سياسة الدولة ليست متزنة, أو أن وضعها الداخلي مرتبك أو أن اقتصادها ليس مستقراً, أو إذا أثيرت حولها الشائعات والتصوّرات التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة, لتشويه صورتها والانتقاص من قوتها ودفاعاتها الهادفة إلى تحقيق النمو الشامل, هنا, تستطيع الدولة أن تأخذ موقف الدفاع وترد على مثل هذه المواقف من دون أن تشعر بإحراج كبير, فبيان أو تصريح من المسؤول المعني بالأمر المشار إليه, قد يُطمئن من يهمهم الأمر, أو يجنبهم القلق على أقل تقدير, ويصحح ما أشارت إليه الشائعات عن أن النشاط الذي تقوم به ليس مجدياً. أما حين تتسرّب شائعة تنطوي على أبعاد وخلفيات تؤثر مباشرة على معنويات الجيش وتشكّل استغلالا للمشاعر الوطنية, هنا تصبح المشكلة أكبر وأخطر, ذلك أن بوادر القلق وعدم الارتياح والرضى تولّد في النفوس أعراض الانفعال والاضطراب من الوضع السائد, وبالتالي ينمّ عنها عجز وإرتباك في صفوف الجيش ينتقص من قدرة العسكريين ويمنعهم عن الاستجابة والمشاركة الفعّالة ويقودهم إلى تجاوز المسؤولية.
وهذه الحالة شغلت اهتمام علم النفس نسبة لخطورتها, ووجد أنه لا بد من اتباع طرق لإثارة انتباه الجنود إلى فعالية القيادة وأهدافها, بحيث يتمكن القادة من عزل الحرب النفسية التي يشنها الخصم ضد قضيته.. لأن الجندي عليه أن يؤمن بالهدف, ويكون متأكداً من أن النظام الذي يسود قيادته سليم, وأن يكون مقتنعاً من أنه يقاسي ويعيش المحن لأسباب ودوافع وطنية مقدسة ونبيلة وليس جزافاً, وهنا يأتي دور التوجيه السياسي والعسكري, ودور التوعية التي تعزز إيمان الجندي بوطنه وقيادته وتجعله أكثر قدرة وتعاطفاً, ولديه مقومات الاستمرار والتواصل والنضال, فلا تغريه شائعة أو تجعل منه هدفاً سهل المنال.

دور التوجيه المعنوي

شدد علم النفس العسكري على أهمية دور التوجيه في إعداد المقاتلين ورفد استعدادهم للمضي قدماً بثبات من دون الوقوع في ثغرات التراجع, وعلى ضوء معطيات الظروف القائمة, مهما كانت الدوافع والمبررات التي تقف لهم بالمرصاد, إذ يُفترض بكل مقاتل أن يتمتع بإرادة صلبة ويظل مؤمناً بمواقف قيادته, فالخطر كل الخطر, أن تستدرجه إحدى أساليب الحرب النفسية إلى الإحباط, فما الجندي من جندي إذا بدا منهكاً, مستسلماً, فاقد القدرة على الاستجابة لنداءات واجباته العسكرية؟
أما الجانب الأكثر أهمية الذي أشيرَ إليه في مجال مواجهة الحرب النفسية, فهو اعتماد برنامج توجيهي واضح يستند إلى مبررات تساعد المقاتل على تقبّل الهدف الذي أعد من أجله, ويتضمن فقرات مهيأة ومعدة بصورة منظمة ترفد استعداد الجنود وتعطيهم الحوافز التي تحصّن دفاعاتهم النفسية, وترقى بمعنوياتهم إلى أعلى مستوى من التكامل.. وقد حدّد علم النفس اتجاهات الحرب النفسية في شقين أساسيين, وهما: حماية المقاتل من الانجراف وراء التيّارات الهدّامة, وتوجيه نشاط مكثّف من أجل الحدّ من قوة الخصم ومنعه من الاستمرار في شنّ حملاته الهجومية ضدّ مصالحه, وهذا يشترط بالتأكيد وجوداً فعّالاً ونشيطاً داخل المؤسسات العسكرية يأخذ على عاتقه إنجاز هذه المهمة التي تتطلب الدقة والذكاء وشخصية موثوقاً بها.
وتعتبر الحرب النفسية من أهم موضوعات الساعة, ويمكن أن نطلق عليها تسمية “مرض التحدي”, لأنها تتحدى المعنويات وتستخدم أسلحة حادة تطعن الشخصية وينتج عنها تلوث فكري وسلوكي, وهذا شيء خطير توقف عنده علم النفس واعتبره محوراً أساسياً في نضاله مع أزمة الحرب النفسية التي أصرّ على أنها حرب باردة, هي حرب أعصاب؛ قد تكون حرباً بلا مدافع وبلا سلاح موجّه, ولكنها أشد خطراً لأنها تعتمد على أساليب خبيثة تصيب الإنسان في إنسانيته وتعطيه شعوراً بالخيبة يقلل من قابليته على التحسس بمسؤولياته الوطنية, ويجعله عاجزاً عن تفهم الظروف ومجابهتها بالأساليب الواقعية والعملية.

وسائل الحرب النفسية

يرى “لينبارجر” Linebarger)) وهو أول من قدّم تعريفاً للحرب النفسية ¬ بأنها أضمن سلاح استخدم في المعارك لتحقيق المصالح التي يجري الصراع من أجلها ¬ بأن الحرب النفسية عمدت في سياستها إلى استخدام الوسائل التي تحدث شرخاً عميقاً في خصال الشخصية ومظاهر السلوك وفي طبيعة الأداء والآراء والمعتقدات والقيم المعنوية والروحية للفرد… ونذكر منها:
-¬ استخدام أساليب الابتزاز غير المشروع لتهديد أمن وسلام الدول ودفع قواتها المسلحة إلى الاستسلام.
-¬ ضرب الموارد الأساسية وافتعال الأزمات السياسية والاقتصادية للتأثير على الرأي العام.
-¬ تعميق الشعور العام بفقدان العدالة للتشكيك بسلامة النظام الداخلي, وإرساء حالة من الترقب والاحتجاج والتمرد على الأمر الواقع والأوضاع السائدة.
-¬ إثارة النعرات الطائفية ليسود التباغض بين أبناء الشعب الواحد ويعيش الأفراد عمق مرارة الوضع المشحون بالتشوش والقلق, وهذا يفتح خندقاً عميقاً بين أبناء الشعب المنقسم, وتقع البلاد في مأزق حرج؛ وحدّة الصراع هذه بالتأكيد تخدم الخصم.
-¬ بثّ الشائعات بهدف إلهاء العسكريين عن الاندفاع وعن الوقوف صفاً واحداً للدفاع عن قضيتهم وأهدافها.
-¬ اعتماد أساليب الدعاية التي رأى فيها علم النفس توأماً للشائعة, لها نفس الخطورة كمصدر مؤثر على الرأي العام لسعة انتشارها إلى درجة لا يضاهيها أي مرض آخر…

الدعاية وأهدافها

يرى علم النفس في “الدعاية” Propaganda)), محاولة للتأثير في اتجاهات الأفراد وآرائهم وأنماط سلوكهم, وهي عبارة عن ترويج معلومات منتخبة, وفق تخطيط معيّن, بقصد التأثير على جهة معينة, لغرض قد يكون اقتصاديا أو عسكرياً أو سياسياً, ويمكن التعريف عنها بأنها الأسلوب المخطط لنشر فكرة أو عقيدة أو خبر, وبث معلومات لغاية تهم مصدر الدعاية. إذاً, الدعاية هي لنشر معلومات مختلفة قد تكون حقائق, وقد تكون أنصاف حقائق, وقد تكون أكاذيب, ولكنها في واقع حالها هي محاولة منظّمة للتأثير على الرأي العام عبر استخدام وسائل الإعلام المختلفة؛ وهي تمثل أهم المصادر المؤثرة في ساحة المعركة.. والجدير ذكره, أن طرق الدعاية المكثّفة قد تحقق نجاحاً آنياً يعوّض عن الحالة الحقيقية للوضع السائد, ولكنه قد لا يستمر إلى حد بعيد, فالحقائق سرعان ما تظهر جلية واضحة. ولكن التضليل نفسه قد يكون مطلوباً في بعض المرات بسبب اضطرار القائمين على الدعاية إلى إبراز جانب واحد من الصورة وإخفاء الجوانب الأخرى للتستر على الهزائم, فشدة الصراخ تخفي وراءها عمق الهزيمة, ولكن حين تظهر في الأفق الإعلامي حماسة لا عقلانية تدبلجها الصحف وتبثها وسائل الإعلام المسموعة والمتلفزة بصورة مكررة وبقوالب مملة ومقلقة, فإن ذلك يعتبر بحد ذاته دليلاً على وجود ثغرات حول حقيقة المعلومات المبثوثة… ومما لا شك فيه, أن كل إنسان منّا لديه الفكر ولديه العقل ولديه الإمكانية ليعرف ما هو مطابق للعقل والمنطق, ويملك القدرة على اختبار ما هو صحيح وما ليس صحيحاً.
فقد تكثّف الدعاية نشاطها لإثارة غبار كثيف يلفّ الموقف ويجعله قابلاً للشك, وتدعي من النجاحات ما ليس له وجود في حيّز الواقع, وتجعل المرء يعيش في محيط من المظاهر الخادعة, لأن هذا هو الهدف النهائي منها. إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الدعاية المؤثرة هي تلك التي تستند على الحقائق الملموسة وتدير ماكنتها لتعرض الصورة الحقيقية, خاصة حين تكون واثقة مما تشير إليه.
أما في الحالات التي يقف فيها الجيش عاجزاً عن تحقيق نجاحات وإنجازات في ساحات القتال, فهنا لا بد للأجهزة الإعلامية الموضوعة في خدمة القيادة العسكرية أن تشتد فيها الدعاية لصالح معنويات العسكريين, ففي تلك اللحظات تكون الأعصاب مشدودة, بسبب غموض الموقف وعنف المفاجآت. هنا على الدعاية أن توجّه جهودها للتأثير على الأعصاب, وعلى النفس التي تكون في حالة توتر واضطراب وليس على العقل,لأن المطلوب منها أن تبدأ بتعزيز الشعور التدريجي بالاطمئنان, فذلك يُحدث استقرارا في نفسية المقاتل وهو أمر مهم جداً في المراحل العصيبة والحاسمة.
ومن أبرز أهداف الدعاية وأهمها في المجال العسكري:
¬ المحافظة على الروح المعنوية للجيش وتوجيهه فكرياً ونفسياً لتقبل ظروف الحرب وما قد ينتج عنها.
¬ كسب تأييد الرأي العام من خلال شرح أبعاد القضية وخطورة الموقف.
¬ إحداث الفرقة بين صفوف العدو وإضعاف قدرته القتالية.
¬ كسب العدو فكرياً, وإظهار أن قضيته خاسرة ولا جدوى من نضاله وإطالة الحرب.
¬ نشر التخاذل وتثبيط المعنويات وإرهاق العدو, للوصول إلى تحطيم الدوافع والبواعث للقتال.

الشائعة.. وسيلة وهدف

تأخـذ الشائعة نفس طابـع الدعاية, فهي تهدف إلى تزييف الحقائق وتتحرك بالكلمة المنطوقة بين الأفراد, متعمدة بث الشقاق وتوسيع شقة الخلاف بين الخصم وحلفائه في الداخل والخارج, وإجباره على تغيير خططه وبرامجه, وهي دائماً تجد أذناً صاغية وميلاً قوياً لتقبلها كحقيقة ثابتة, رغم أنها قد لا تحمل دليلاً على صحتها وتتغيّر تفاصيلها من فرد لآخر. والشائعة كالدعاية تماماً, تشكل خطورة على واقع المدنيين والعسكريين على السواء, لأنها تبعث في النفس والروح دفعاً جديداً يحدد نشاط الأفـراد نمـواً صاعداً أو ضموراً, والشائعة عادةً تسري في ضعفاء النفوس والأعصاب كسريان النار في الهشيم.
وتعتـبر الشائعة من الوسائل الأساسية للضغط التي تسبق مرحلة إعلان الحرب بين جيشين, إذ يرى فيها طرفا النزاع خير وسيط لإحباط خصمه ومحاصرته ليصبح عاجزاً عن التقدم وفي حالة خضوع تام. وأكثر, تتدخل الشائعة تدخلاً مباشراً في توجيه دفة سياسة الدولة, وتسدد طعناتها إلى صميم المؤسسات من دون استثناء. ومما لا شك فيه, أن الهدف الأساسي من الشائعة, هو هدف شخصي, نفعي وآني, ودائـماً يكون لمصلحة فريـق أو طبـقة معيـنة. ويرى “شارلز أتندال” أن الشائعـة تستـخدم كستار لإخفـاء حقيـقـة معينة وتكوين صورة بعيدة كل البعد عن الواقـع, ومن أهدافها, وضع الخـصم في حالـة نفسـية متدنية, والتأثير على نمـط العلاقات وتعكير الأجواء إلى درجة مخيفة.. وأيضـاً, السيطـرة علـى قدرات الخصـم لتسـديد الضـربة القاضيـة في اللحظـة الحاسمـة.
كما تتعمد الشائعة ترويج الأخبار التي تشيع الرعب في نفوس المقاتلين وتعزز فيهم حالة التشاؤم, طمعاً من مروّجيها بمنع الخصم من تنفيذ خططه العسكرية وتحقيق الطموحات المقررة قيادياً.

سمات الشائعة

تنطلق الشائعة من واقع المجتمع الذي تبث فيه, وتأخذ حاجات الأفراد بعين الاعتبار عند بثها, وهي تتسم بطابع الغموض, كونها لا تنتسب إلى مصدر محدد, لأن الغموض يولّد الشك, وهذا مطلوب لنجاح مقاصدها.. والشائعة تُنسب من خبر لا أساس له من الصحة, أو دبلجة خبر فيه شيء من الصحة, وتكون دائماً موجزة لتسهيل نشرها… وقد أجمع علم النفس أن الشائعة هي عبارة عن تنفيس للمشاعر المكبوتة, ويرى فيها الفرد ما ليس موجوداً في غيرها؛ وهي تنجح دائماً في بثّ سمومها, لأن مروّجي الشائعات يقدّمون الشائعة بصورة برّاقة, فلا تخرج إلا بعد حبكة وصياغة واختيار جيّد للكلمات والزمن لتفرض نفسها بقوة على الرأي العام.
إن عملية انتقال الشائعات تتعرّض أثناء حركتها إلى عملية تحوير, وهذا التحوير أو ما يسمى بالتطعيم يستفيد منه مروّجو الشائعات, لأن عملية التحوير تخدم الهدف الذي من أجله تمّ إطلاق الشائعة إلى النور… والشائعات تختلف باختلاف المواقف, فهنالك الشائعات السوداء, وهي تحمل طابع التشاؤم وتكون سريعة الانتشار والهدف منها إرباك الخصم.. أما الشائعات البيضاء, فهي تدعو إلى التفاؤل وتثبيت الثقة في النفوس وتقوية العزائم.
وهنالك بعض الشائعات هي من القوة بحيث تزيد من الحالة الانفعالية للفرد, والمعروف أن الانفعال يزيد من الحساسية النفسية عند الأفراد ويخلق البلبلة في الرأي العام, وقد قيل فيها, أنها أفضل أسلوب مدمّر استخدم في الحروب, وسلاح مدمّر من أسلحة الحرب النفسية.. فلماذا نخضع الأعداء بالوسائل الحربية ما دام بوسعنا إخضاعهم بوسائل أبسط وأجدى؟
وتكـثر الشائعات في فترات الطوارئ, وعندما يرتاب الناس في سلامة الوضع السياسي والأمني, وتفرض نفسها حين يكون الناس في حالة من الترقب أو الخوف من حدوث أمر ما, فإذا ما ظهرت الشائعة لاقت قبولاً خاصةً إذا كان تمثل ذلك الموقف الغامض, ونذكّر بأن الغموض في الشائعة يساعد في انتشارها ويعطي للناس فرصة أكبر في تصديقها.. ولا يمكن الإستهانة مطلقاً بخطورة الخلفية التي تتركها الشائعة وراءها. وحتى نحجّم من أهمية الشائعة وخطرها على المجتمع المدني والعسكري, لا بد من التعاون الوثـيق بين المواطـن والسلـطة لمحاربتـها بإظـهار الحقيـقة والدوافـع التي كانت وراء اختلاقها للرأي العام, كما يجب عدم تلقي الشائعة بانفعال, ومناقشتها, وتحديد مصدرها, والإبلاغ عنها, لتنبيه المواطنين وتوضيح الدوافع, فهذا يحد من انتشارها.
وهنا, لا بد من التنويه, بأن لأجهـزة الإعلام دوراً كبـيراً في تحجـيم الـشائعة أو العـكس, بيد أن الشائعة تؤدي إلى انعكـاسات سلبية لدى الرأي العام, ما لم تقترن بصـحة المـصدر والمـعلومات وتتـحدد دوافـعها, ونحـن اليوم أحوج ما نكون إلى صرف النظـر عن الشائـعات, حيـث أننا لم نزل ننفـض عنّا غبار الشائعات التـي كان لهـا دور كبـير في إشعال نار الفتنة التي دفع ثمنها الوطن والمواطن. وللقـضاء على الـشائعة, المطـلوب, عدم ترديدها, لأن عدم ترويجها يحد من سريانهـا وانتشارها, لتدفن في مهدها, فإذا كانت صحيحة المصدر وتحمـل إلى الـناس حقيقة ثابتة, لا بد أن تعود لتفرض نفسها وبقوة, لأن الحقائق كالشمس التي وإن غابت لا بدّ أن تشرق من جديد.

إلى الأعلى