الخميس , 24 يوليو 2014
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية » بحوث ودراسات

أرشيف القسم : بحوث ودراسات

“السلفية: النظرية الثالثة”.. بقلم: الكاتب والمفكر الشيعي المصري الدكتور أحمد راسم النفيس

19-7-2014-1-d

مقدمة:
الآن قرر السلفيون خوض ساحة المنافسة الديموقراطية حيث يسعى القوم لتقديم أنفسهم باعتبارهم قوة حامية للدين في مواجهة العلمانيين الراغبين في محو إسلامية دولة حسني مبارك راعي الوهابية وهو من قام بتوظيفهم كأداة في لعبة الأمم داخل مصر وخارجها.
ولأن البعض يعتقد أن هذا التيار هو تيار ديني محض يُعنى بتمحيص الروايات الواردة عن رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لذا وجب علينا أن نسلط الضوء على حقيقة هذه الفرقة التي تدعي أنها الممثل الشرعي والوحيد للإسلام، خاصة وأن أحدًا لا يرغب في القيام بهذه المهمة إما خوفا أو عجزًا.
من هم السلفيون؟!.

ينقسم المسلمون من الناحية المذهبية إلى قسمين، الشيعة الذين يؤمنون بإمامة أهل البيت عليهم السلام ويعتقدون أن الإمامة بمعناها الشامل هي اختيار إلهي ينحصر فيهم دون غيرهم والفريق الثاني هم (أهل السنة) الذين يعتقدون بإمكانية تجزئة الإمامة وتوزيع مهامها، فهناك أئمة السياسة وهم الخلفاء وهناك أئمة الفقه الأربعة أو التسعة وهناك أئمة العقيدة مثل الأشعري والماتريدي وغيرهم.
الأئمة نوعان: الأول هم من وصفهم سبحانه {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وهم {لاَ يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَلاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} والصنف الثاني قد أقام بناءه على الظنون والآراء الشخصية وهو (لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ)!!
(استقرت) الأمور في عالمنا الإسلامي على هذه التقسيمة بدءًا من العصر المملوكي، وتحديدًا في عصر الظاهر بيبرس الذي قرر المذاهب الأربعة في الفقه، والأشعري في الاعتقاد، ومنع كل ما عداها حتى جاء العصر الوهابي وجاء معه السلفيون الذين أعلنوا أولًا الاستغناء عن خدمة الأئمة بكافة أنواعهم وأشكالهم ،وقرروا العودة المباشرة إلى النص (بفهم السلف الصالح) حسب زعمهم.
يقول الشيخ صالح آل الشيخ:
المسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون. أما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح. والخلفيون: فهم أتباع الخلف، ويسمون بالمبتدعة إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.
والسلف الصالح هم القرون المفضلة وفي مقدمتهم صحابة رسول الله الذين أثنى الله تعالى عليهم بقوله {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} الفتح: 29 الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: {خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم}.
وتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والاقتداء بمسالكهم.
قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: (من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وعملهم بالنصوص.
وكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمرادها بآياتٍ وأحاديث خلاف فهم السلف لها، وتوسعوا في ذلك حتى كفَّر بعضهم بعضاً وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم والمخرج من هذه الدعاوى والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق. وهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعاً إلى النبي(ص)، ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار سلفياً وصار من لم يكن كذلك خلفياً مبتدعاً.
هذه هي الأطروحة السلفية في صورتها الأصلية التي تؤكد على التلقي المباشر من الصحابة والتابعين والأخذ بما (صحت) روايته عنهم ولو كان مرفوعًا (غير متصل السند) إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله و(ترك الآراء العقلية والفهم المحدث) ليصير المسلم بذلك سلفيًّا ويتحاشى أن يصبح (خلفيا مبتدعا).
عقبات وعراقيل
إنها نظرية جميلة وبراقة ولكن هناك بعض العراقيل التي لا يمكن تجاوزها مهما كانت براعة الخطيب أو بلاغة الكاتب.
أول هذه العراقيل: أن الصحابة أنفسهم لم يدَّعوا وجوب اتباع كل تصرفاتهم والدليل على ذلك أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال (إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين- يريد عمر وأبا عبيدة- فكان أحدهما أميرًا وكنت وزيرًا.. وأما اللاتي تركتهن…).

وبالتالي فهو يرى أن بعض ما فعله يحتاج لمراجعة ومن ثم كيف يمكن القول بأن فهم الصحابي يعد نصًّا دينيًّا ملزمًا؟؟.
كما أن عمر بن الخطاب والعهدة على صحيح البخاري (رواية رقم 6442) أكد على هذا المعنى عندما قال: (بلغني أن قائلًا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترَّنَّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمَّت ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرَّة أن يقتلا).
فكيف يقال إذًا إن كل تصرفات الصحابة هي دين ينبغي على الإنسان أن يتعبد إلى الله باتباعه؟!.
المفارقة الأخرى تكمن في تقسيم المسلمين إلى “سلف صالح” و”خلف مبتدع” في حين أن المناهج العقائدية والفقهية التي يتبعها القوم كلها من صياغة هذا الخلف المبتدع؟!.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر فالعقيدة الواسطية التي يعتنقها القوم هي من وضع ابن تيميه الحراني وهو من أبناء القرن الثامن الهجري وكذا ما كتبه تلميذه ابن القيم، فكيف نقبل هذا التقسيم الذي يعتبره القوم أساسًا لمعتقدهم؟!.
النموذج الأبرز لخروج السلفيين عن منهجهم القائم على تفضيل السلف على الخلف المبتدعين هي قضية الذات والصفات.
فقد كان علماء السلف من أمثال مالك بن أنس (والعهدة على الشهرستاني في الملل والنحل) يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحداً‏ وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل‏:‏ اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم يقولون‏:‏ هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها‏ صفات خبرية‏‏ ويقولون‏ :عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء‏ فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها ،وقطعنا بذلك إلا أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى‏ {الرحمن على العرش استوى} ومثل قوله‏:‏ ‏{‏خلقت بيدي‏}‏ ومثل قوله‏ ‏{وجاء ربك}‏ ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه‏ لا شريك له وليس كمثله شيء ، وذلك قد أثبتناه يقينًا.‏
كان هذا هو رأي بعض علماء (السلف) – اتفقنا معه أم لم نتفق – وهو الرأي الذي لم يرق (للسلفيين) الذين فضلوا رأي (الخلفي) ابن تيمية الذي أثبت لله تبارك وتعالى تلك الصفات الخبرية على كيفية تجسيدية لا تترك مجالًا للمناورة، حيث يقول في عقيدته الواسطية في تفسير قوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} : تضمَّنَتْ هاتان الآيات إثبات اليدين صفة حقيقية له سبحانه على ما يليق به، ولا يمكن حمل اليدين هنا على القدرة؛ فإن الأشياء جميعًا ـ حتى إبليس ـ خلقها الله بقدرته، فلا يبقى لآدم خصوصية يتميز بها. وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده).

ورغم أن أحدًا من (السلف) قبل (الخلفي) ابن تيمية لم يلجأ إلى التمييز بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، إذ إن القرآن الكريم قد استخدم المصطلحين بمعنى واحد، فالله هو رب السماوات والأرض ، حتى جاء هو وادعى إمكانية أن يكون ثمة إيمان بتوحيد الألوهية وشرك في الربوبية ، ليفتح لنفسه المجال ولتلميذه محمد بن عبد الوهاب من بعده لتكفير الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله لأنهم بزعمه يوحدون الألوهية ويشركون في الربوبية!!.
السلفية إذًا لا تعدو كونها إطارًا فضفاضًا جرى من خلاله تمرير أفكار أغلبها من مبتدعات نجم أنجبه (وخلفه) لنا عصر المماليك، هو ابن تيمية وتابعه محمد بن عبد الوهاب لا أكثر ولا أقل.

تحدثنا سابقًا عن أهم مرتكزات الأطروحة السلفية واعتمادها حجية فهم وعمل الصحابة (السلف الصالح) وتقديمه على فهم (الخلف المبتدع)، وكيف أنهم لم يلتزموا بهذا عند التطبيق، حيث إن بعض هذه التصورات هي من مبتدعات هذا الخلف المذموم من وجهة نظرهم.
من بين مبتدعات الخلف التي أصبحت دينًا وركنًا ركينًا من أركان الدين في التصور السلفي، هو اعتبارهم أن أضرحة الأنبياء وأئمة أهل البيت هي أوثان ينبغي هدمها وتسويتها بالأرض.
إنها فتوى (الخلفي) ابن تيمية (التي لم يقل بها أحد من السلف!) الذي قال في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ما نصه: “المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف”!!.
يزعم ابن تيمية أنه لا يعرف خلافًا بين (العلماء المعروفين) حول هذا الشأن من دون أن يحدد لنا من هم العلماء المعروفين، إلا أن إقامة هذه الأضرحة وبقاءها ثلاثة عشر قرنًا من دون أن يتعرض لها أحد بهدم حتى جاءت الحركة الوهابية ومعها معاولها لتنفذ هذه الفتوى في القرن العشرين هو دليل قاطع على عكس هذا، وهي نفس الحجة التي احتج بها الشيخ القرضاوي على أصدقائه الطالبان من أجل إقناعهم بعدم هدم تماثيل بوذا، لأن أحدًا من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ممن ساهموا في فتح هذه البلدان لم يقم بهدمها ولا دعا إلى ذلك!!.
ورغم الفارق الجوهري بين النموذجين إلا أن المنطق الاستدلالي واحد في الحالتين خاصة وأن الحديث يدور عن سلف صالح وخلف مبتدع!!.
ورغم أن دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده جرى بأمر منه وشهد على ذلك جمهور الصحابة المتبعين الذين لم يكن لهم حق الرفض والاعتراض، إلا أن السلفيين يصرون على أن بقاء قبر النبي الأكرم محمدًا (صلى الله عليه وآله) في هذه البقعة الطاهرة هو بدعة ينبغي إزالتها، كما أفتى ابن تيمية من قبل، وكما أفتى شيوخ الوهابية أتباعهم من تنظيم القاعدة في العراق بنسف ضريحي الإمامين الهادي والعسكري(ع)، وهاهي فتوى الشيخ ابن جبرين الصادرة بتاريخ 7 فبراير 2007 حيث يقول: (فقد جاء الإسلام بتحريم البناء على القبور، وتحريم تجصيصها، والأمر بهدم البناء عليها والنهي عن البناء على القبور يقتضي تحريمها، وذلك لأنه ذريعة إلى عبادة الأموات، كما هو الواقع في كثير من البلاد الإسلامية التي وقع فيها الغلو في أصحاب القبور بسبب رفع تلك القبور والبناء عليها، وكثرة الكتابة عليها وزخرفتها فيعتقد الجاهل أن أولئك الأموات لهم فضل وشرف، مما يحمل الجهال على الطواف بتلك القبور والتمسح بتلك الأبنية واعتقاد أن أصحاب هذه الأضرحة من الأولياء والشهداء الذين لهم جاه عند الله والذين ينفعون من تعلق بهم، ويشفعون لمن دعاهم ، ويجيبونه ويعطونه سُؤلَه، وذلك بلا شك شرك في العبادة، وتعظيم لهؤلاء الأموات، فالواجب هدم تلك الأبنية حيث يقر أهلها بأن البناء محرم، ولا يسوغ بقاءها الناحية الفنية والجمالية في البناء، ولا أنها تراث إسلامي، وأما وصفها بأنها عمارة إسلامية فليس بصحيح، ولا تسمى تراثاً إسلامياً فإن الشرع لا يقرها، والإسلام يأمر بإزالتها . والله أعلم).
والطريف أن مسئولًا أمنيًّا سابقًا صرح أخيرًا بأن هذا الفكر لا يمثل خطرًا (ربما لأنه لم يسمع بما حدث مؤخرًا في سامراء) بما يقطع بأن عبقريته الدينية لا تقل عن تلك الأمنية التي جعلت منه ضيفًا ثابتًا في الفضائيات العربية!!.
استند القوم في دعواهم لإزالة أضرحة الأنبياء والأئمة إلى تلك الرواية المنسوبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي تقول (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وهي الرواية التي لم يفهمها بعض علماء السلف كما فهمها ابن تيمية وتلميذه محمد بن عبد الوهاب، حيث يقول صاحب (تحفة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي) “وحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة كالوثن، وأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح أو صلى في مقبرة قاصدًا به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه نحوه والتعظيم له فلا حرج فيه ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل؟” أي إن المرقد الطاهر لإسماعيل عليه السلام موجود في المسجد الحرام الذي يفد إليه المسلمون من كل فج عميق من أجل الحج.
هذه واحدة، والثانية أن النصارى ليس لهم (أنبياء) بل نبي واحد هو عيسى بن مريم (عليه السلام( وهو (سلام الله عليه) ليس له قبر ولا ضريح يزار، فهو من وجهة النظر المسيحية قد قام بعد صلبه ورفع إلى السماء، أما من وجهة النظر الإسلامية فقد رفع منذ البدء {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} النساء (157-158) فأي قبر إذًا اتخذه النصارى مسجدًا؟!.
الثابت أيضًا أن بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ثم قبره كان في مسجده حتى إنه أمر بسد كل أبواب بيوت الصحابة المفتوحة فيه ولم يبق إلا بابه وباب علي بن أبي طالب(ع)، وهذا ما ذكره القرطبي في تفسير قوله تعالى من سورة النساء آية 43 {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}: عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ وَلَا يَصْلُح أَنْ يُجْنِب فِي الْمَسْجِد إِلَّا أَنَا وَعَلِيّ}. قَالَ عُلَمَاؤُنَا، هَذَا لِأَنَّ بَيْت عَلِيّ كَانَ فِي الْمَسْجِد كَمَا كَانَ بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِد، وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ بَيْته كَانَ فِي الْمَسْجِد مَا رَوَاهُ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ سَأَلَ رَجُل أَبِي عَنْ عَلِيّ وَعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَيّهمَا كَانَ خَيْرًا؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عُمَر: هَذَا بَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَأَشَارَ إِلَى بَيْت عَلِيّ إِلَى جَنْبه، لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِد غَيْرهمَا; وَذَكَرَ الْحَدِيث.
ليس هناك إذن مجال للمحاورة والمداورة حول دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (بأمر منه) في مسجده بعد وفاته ،ولو كان هناك أدنى احتمال أن يؤدي الدفن في هذا المكان لأدنى شبهة تتعلق بعقيدة التوحيد لأمر رسولنا (صلى الله عليه وآله) بدفنه في مكان آخر، إذ لا مجال للادعاء بأن ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن عبد الوهاب يمكن أن يكونا أحرص على عقيدة التوحيد ممن جاء من عند الله بعقيدة التوحيد وذاق الأمرَّين من أجل نشرها، وعادى الأقربين في ذات الله ومن أجل مرضاته.
القرآن والأضرحة
يقول سبحانه في سورة الكهف {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدًا}، والمعنى أن لو كان اتخاذ المساجد بجوار الأضرحة ممنوعًا لما وردت تلك الآية بصيغة الإقرار، ولجاءت بصيغة الاستنكار والنهي، قال الطبري في تفسيره قَوْله {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرهمْ} يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ الْقَوْم الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْر أَصْحَاب الْكَهْف (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) قَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ نَحْنُ أَحَقّ بِهِمْ هُمْ مِنَّا نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا نُصَلِّي فِيهِ وَنَعْبُد اللَّه فِيهِ.
ولا شك أن النص القرآني يبيح إقامة المساجد على قبور الصالحين ويجعل منه أمرًا مشروعًا وليس هناك دليل أقوى من الدليل القرآني.
لا يقل أهمية عن كل ما سبق أن الأمر يتعلق بقبر محفور في التراب وضع فيه جسد نبي أو إمام من أئمة أهل البيت(ع) بعد موته، وهو إقرار عملي ببشريته وموته {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (طه 55 ) ،ولا يتعلق من قريب ولا من بعيد بصنم يعبد من دون الله، تتجسد فيه (بعض ملامح الإله المعبود؟!) فالدفن في التراب إقرار بالبشرية والطبيعة الطينية الأصلية للنبي أو للوصي، فكيف يقال إن تعظيم هذه القبور وبناء القباب عليها يمثل مدخلًا للشرك أو للوثنية؟!.
ولأن هذه المسألة هي من أساسيات الفكر الوهابي أو السلفي- سَمِّه ما شئت- لذا يبدو واضحَا أن استدلالهم على وجوب إزالة المساجد التي تحتوي على قبور الأنبياء لا تعدو كونها فتوى للخلفي ابن تيمية خالف فيها صريح القرآن والسنة النبوية العملية، وليست القولية، ناهيك عن مخالفته لما استقر عليه جمهور الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، فضلًا عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأصحاب المذاهب الأخرى، فكيف يقال إذًا إن السلفية تعني العودة إلى الجذور أو إلى النص الأصلي؟!.
من خلال ما قدمناه من نماذج للفكر السلفي يمكننا أن نلاحظ أننا أمام مدرسة فكرية ليس لها حدود ولا معالم.
فهم يقسمون علماء الإسلام إلى “سلف صالح” و”خلف مبتدعط ثم يأخذون أغلب فتاواهم عن هذا الخلف المبتدع.
يزعمون أنهم مكلفون من السماء بحماية السنة والتمييز بين الصحيح والموضوع وأنهم وحدهم هم أهل هذا الفن!!.
ينتفضون غضبًا ويعلنون الحرب إذا انتقدت رواية واردة في البخاري أو طعن أحد في عدالة الراوي إذا كانت الرواية تشكل أساسًا لرؤيتهم العقدية أو الفقهية!!.
أما إذا كان الأمر متعلقًا برؤية غيرهم عندها يصبح التمحيص والطعن في عدالة الراوي بأوهى الأسباب واجبًا شرعيًّا، بل وجزءًا من التكليف الإلهي الذي حمله السلفيون وأهمله كل من عداهم من المسلمين الغافلين المتقاعسين عن حماية الشرع والدين!!.
يرفضون استخدام العقل كأداة لتمحيص الروايات التي تروق لهم من خلال مقارنتها بما جاء في القرآن الكريم وبغيرها من الروايات المنسوبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم يزعمون أنهم وحدهم أهل الدراية والرواية؟!.
أما أسلوبهم المفضل في الدراية فيقوم على (ربما ولعل) تمامًا كما حدث مع رواية رضاع الكبير (لعله أراد أن تحلبه في كوب!) و(ربما كانت حالة خاصة!!) ودعك من النص القرآني الواضح والمحكم {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا} والمهم هو إسكات المخالفين… والله أكبر وليخسأ الخاسئون!!.
أما عن الرواية التي يزعمون أنهم أحق بها وأهلها، فلو صحت النظرية السلفية القائلة بتقسيم الناس إلى سلف صالح وخلف طالح فما هي الحاجة لإعادة النظر فيما أنجزه السلف من كتب زعموا أنهم جمعوا فيها الصحيح وطرحوا منها ما ليس بصحيح؟!.
إنهم يرون أن من حقهم أن يقولوا، وليس لنا إلا الإذعان والتسليم، وإلا انهالت علينا تهم التبديع والتفسيق!!.
لنمض معهم في عملية إعادة النظر في أحوال الرواة من خلال ما يسمى (كتب الرجال) التي ألفها الذهبي والرازي وغيرهم لنرى بوضوح أن هذه الكتب لا تختلف شيئًا عن بيت العنكبوت، وأن جهابذة السلف لم يتبعوا قاعدة محددة في نقد الرجال، وأن الأهواء السياسية والعقائدية قد لعبت دورًا بارزًا في رفع أناس إلى مرتبة الأنبياء والصديقين، والغض من منزلة الكثير من أهل الصدق والفضل وغمط حقوقهم!!.
التوثيق والتضعيف!!
يزعم القوم أنهم أهل السنن وأهل السند وأهل الحديث، وتراهم يتأبطون كتبًا، لا أدري كيف يميزون من خلالها بين الغث والسمين والخطأ والصواب؟!.
خذ عندك كتاب (ميزان الاعتدال) للذهبي حيث يتصور البعض أنه قاموس للرجال وكل ما عليك هو فتحه لتميز بين الخطأ والصواب.
أبو الزناد نموذجًا!!
إنه أحد الرواة الذين وثقهم البخاري في (صحيحه) ودونك بعض ما قاله عنه الذهبي:
عبد الله بن ذكوان، أبو الزناد الإمام الثبت قال ابن معين وغيره: ثقة حجة وروي عن أحمد بن حنبل قال كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال البخاري أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. قال يحيى بن معين قال مالك: كان أبو الزناد كاتب هؤلاء – يعنى بنى أمية – وكان لا يرضاه. حدثنا ابن القاسم قال: سألت مالكًا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا إن الله خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكارًا شديدًا ونهى أن يحدث به أحد. فقيل له إن أناسًا من أهل العلم يتحدثون به؟ قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان، عن أبي الزناد فقال لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء ولم يكن عالمًا ولم يزل أبو الزناد عاملًا لهؤلاء حتى مات.
وهكذا يدور الحديث حول راوية البخاري أبي الزناد ما بين توثيق سفيان واتهام مالك بن أنس له لأنه كان عاملًا لبني أمية وهو ما يكفي من وجهة نظره (ووجهة نظرنا) لإهدار وثاقته واتهامه في ذمته الدينية خاصة وأنه كان يزعم أن آدم قد خُلق على صورة الله (تعالى الله عما يقول أبو الزناد علوا كبيرا)!!.
لن نسترسل في سرد العجائب والمتناقضات التي أوردها الذهبي وغيره من أصحاب (قواميس الرجال) المتخمة بالأسماء (11 ألف اسم) فقط نريد أن نعرف كيف يمكن لهؤلاء الجهابذة أن يقوموا بإعادة تمحيص الأسانيد بمجرد الاطلاع على هذه الكتب من دون دراسة التاريخ ومن دون مرجعية الراسخين في العلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا؟!.
سنة العرباض بن سارية!!
أحد أهم المستندات السلفية هي رواية (العرباض بن سارية): القائلة (وعظنا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏موعظة ‏ذرفت ‏ ‏منها العيون ‏‏ووجلت ‏منها القلوب فقلنا يا رسول الله… عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين).
ورغم أن العرباض بن سارية يقول “وعظنا.. قلنا.. عليكم” إلا أن أحدًا غيره لم يرو هذه الرواية، رغم أنه يتحدث بصيغة الجمع؟!.
السؤال الآخر لماذا أعرض السلفيون وغيرهم عن خبر الغدير وحديث الثقلين {من كنت مولاه فعلي مولاه..} رغم أنه منقول بالتواتر حيث جاوز عدد من رواه من أصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وآله) مائة صحابي؟؟.
السلفية جسد بلا رأس!!
إن أردت أن تكون سلفيًّا فكل ما هو مطلوب منك أن تقصر ثوبك ما بين الكعبين والركبتين، وأن تطلق لحيتك على سجيتها، وأن تردد بعض المقولات، وأن تنتقي شيخًا من بينهم تروق لك فتاواه!!.
إن كنت من هواة الكر والفر وركوب الخيل المسومة أو السيارات المفخخة (سلفية جهادية) فهناك الجماعة الإسلامية سابقًا أو القاعدة حاليا، أما إن كنت من هواة السكون والدعة والأنعام والحرث أو فشلت مشاريعك الجهادية فهناك السلفية (العلمية) وكل ما هو مطلوب منك هو اقتناء بعض الكتب وتمضية ما تبقى من العمر في صحبتها والاكتفاء بسب ولعن (أصحاب البدع والأهواء)، فالقماش واسع وفضفاض ويلبي كل الرغبات والأذواق، وستجد في كتب ابن تيمية الفتاوى من كل صنف!!.
يقدم موقع (أنا السلفية) بعض النصائح للمريدين من بينها:
ابتعد عن السياسة واشتغل بطلب العلم واقرأ كتاب، مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية للشيخ عبد المالك رمضاني وكتاب (القطبية هي الفتنة فاعرفوها) للعدناني أثابه الله .
اخلع (البيعة البدعية الحزبية) من عنقك وقل: في عنقي بيعة واحدة لحكام هذه البلاد حفظهم الله لا أرتضي غيرَها.
الحزبيون لا يعملون بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح- إلا فيما وافق أهوائهم- بل يحاولون أن يُنشئوا فهماً جديداً يناسب العصر باسم الوسطية وفقه التيسير وفقه الواقع، ونسوا أو تناسوا قولَ الإمامِ مالك رحمه الله: (لا يُصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلحَ أوله(.
تحريم التظاهرات: اعلم أن هناك أمورًا كثيرة قد حدثت في زمننا هذا ليست من شرع الله في شيء، وإنما يتعلق بها أناس يجهل الكثير منهم أو يتجاهل نصوص الشرع، وآثار السلف في النهي عن المحدثات في الدين، ويعظم الخطب حينما تنسب هذه الأمور المحدثة إلى دين الله كما يفعله بعض الناس ممن يفتي في القنوات الفضائية مخالفين بذلك هدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الأمور المستحدثة في دين الله المظاهرات حيث أصبحت ظاهرة مشهودة في كثير من بلاد المسلمين وقد صدرت الفتاوى بتحريمها من قبل كبار أهل العلم وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
أما جماعتا الإخوان والتبليغ حسب فتوى ابن باز فهما داخلتان ضمن الفرق الاثنتين والسبعين المبشرة بجهنم وبئس المصير!! كما أن الإخوان وفقًا لفتوى الشيخ الألباني ليسوا من أهل السنة لأنهم يحاربون السنة!! .
السلفية إذًا لا تعدو كونها (سلفيات) بعضها ينزع إلى التطرف والبعض الآخر نشأ في أحضان النظم الحاكمة التي كانت وما زالت ترى فيهم سلاحًا ناجعًا للوقوف في مواجهة دعوات الإصلاح الديني والسياسي بعد تصنيفها في خانة البدع ، (المظاهرات) والهدف هو تكريس الإقطاع السياسي والديني الذي يراه هؤلاء ضرورة للاستقرار والاستمرار.

ورغم أن الأحداث والتجارب أثبتت أن السلفية سلاح ذو حدين إلا أن ميزتها الكبرى التي أمَّنت لها البقاء والاستمرار حتى الآن، تتمثل في أنها قلَّما استخدمت سلاحها ضد العدو الخارجي، ويكفي أن نذكر أن مؤسس السلفية في مصر وقف مع الإنجليز في خندق واحد ضد ثورة 1919 مطالبًا بالعمل على تصحيح العقيدة ومنع السفور بدلًا من مناهضة الاحتلال!!!.

المدخل إلى الجنسيّة في الفقه الإسلامي – دراسة مقارنة مع القانون الوضعي

9-7-2014-3-d
إعداد: د. مصطفى دانش پجوه(*)..

تمهيد في مبدأ فكرة الجنسية في الفقه الإسلامي  ــــــ
ليس ثمّة عنوان لظاهرة الجنسيّة في الفقه الإسلامي، ولذلك توجد ـ أو يمكن أن توجد ـ نظريّات مختلفة حول هذه الظاهرة والفكرة في الدولة الإسلاميّة، أو في الفقه الإسلامي.
وتوضيحاً لذلك نقول: إنّ تقسيم الأرض إلى أقاليم متعدّدة، والمجتمع العالمي إلى دول كثيرة، يستدعي توزيعاً دوليّاً للأفراد، وهذا التوزيع يوجب ظهور فكرة الجنسيّة التي على ضوئها تتمكّن الدول من تعيين أعضاء شعوبها، وبعبارة أخرى: إنّ منشأ ظهور فكرة الجنسيّة هو تعدّد الدول في العالم.
وحينئذ، فمن الممكن أن يقال بانتفاء ظاهرة الجنسيّة وفكرتها، انطلاقاً من عدم اعتراف الإسلام بدول متعدّدة ضمن الجغرافيا الإسلاميّة؛ لأنّ دولة الإسلام دولة عالميّة، خصوصاً بالنسبة إلى الدولة المثاليّة، أي دولة المهدي عجّل الله فرجه الشريف([1]).
كما أنّ نظريّة نسخ سائر الأديان بالإسلام يمكن أن تعني عدم اعتراف الإسلام بالدول الأخرى غير الإسلاميّة، وبالنتيجة تحمل هذه النظريّة على عدم إقرار الإسلام فكرة الجنسيّة([2])، وهكذا من الممكن إنكار فكرة الجنسيّة في الإسلام، على أساس أنّه ليس في الفقه الإسلامي موضوع تنطبق أحكامه على أحكام الجنسيّة في القانون الوضعي الحديث انطباقاً كاملاً([3]).
بيد أنّه ودفعاً لهذه التصوّرات نقول:
أوّلاً: إن انتفاء الجنسيّة بتبع انتفاء منشئها ـ أي تعدّد الدول ـ في المستقبل الإسلامي، وقوانين الدولة الإسلاميّة المثاليّة لا يتنافى مع وجود ظاهرة الجنسيّة وفكرتها قبل ذلك الزمان، كما أنّ التاريخ يشهد بذلك.
ثانياً: إنّ نظريّة نسخ سائر الأديان والشرائع لا تعني عدم الاعتراف بالدول غير الإسلاميّة، كما أنّ النصوص الفقهيّة خالية عن هذا المعنى، بل إنّها وتطبيقها في التاريخ يحكيان عن اعتراف الإسلام والدولة الإسلاميّة بسائر الدول غير الإسلاميّة، ومع غضّ النظر عن هذا الاعتراف وضمن مبدأ تعدّد الدول قبل دولة المهدي عجلّ الله تعالى فرجه الشريف ـ وإن كان الإسلام لا يعترف بهم بحسب الافتراض ـ لا بدّ للدولة الإسلاميّة من تعيين شعبها وتمييز أبنائها عن الأجانب، ولا يكون ذلك إلاّ بواسطة فكرة “الجنسيّة”، حتى لو لم تسمّ بهذا الاسم.
ثالثاً: إنّ عدم انطباق قوانين الجنسيّة الإسلاميّة وأسسها على الجنسيّة الحديثة المعاصرة لا تعني انتفاء هذه الظاهرة في الدولة الإسلاميّة، أو فكرتها في الفقه الإسلامي، تماماً كما لا يعنيه اختلاف الجنسيّة وضوابطها في الدول المختلفة في العالم الحاضر.
لكن مع ذلك كلّه نرى أنّ إبطال نظريّة “انتفاء الجنسيّة في الإسلام” لا يكفي لإثبات وجود فكرة الجنسيّة في الفقه الإسلامي، حتّى في صورة الإقرار بوجود ظاهرة الجنسيّة في الدولة الإسلاميّة منذ زمن الرسول الأعظم (ص) إلى زماننا هذا عبر التاريخ؛ لأنّ وجود ظاهرة الجنسيّة في الدول الإسلاميّة كان نتيجة تعدّد الدول في العالم الإنساني لا بدعوةٍ من الإسلام نفسه، ومن الممكن أن يكون تعيين أسسها وقوانينها من صلاحيات الحاكم الإسلامي والدولة الإسلاميّة، لا الفقه الإسلامي.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ تقسيم المقيمين في إقليم الدولة الإسلاميّة إلى مواطنين وأجانب، واختلاف حقوقهم وتكاليفهم.. لا يعني إقرار فكرة الجنسيّة في الإسلام، بل يلزم ـ مضافاً إلى ذلك ـ تقسيم الأفراد وتعيين حقوقهم وتكاليفهم في الفقه الإسلامي أيضاً.
ولإثبات ذلك يجب علينا ـ أوّلاً ـ ممارسة قراءة سريعة لتاريخ الدولة الإسلاميّة وكيفيّة نشوئها، وتكوّن شعبها، وكيفيّة التحاق أعضائها فيما بعد بمواطنيتها، ثم نبحث ـ عقب ذلك ـ بحثاً تحليليّاً عن المجتمع السياسي الإسلامي، أو عن الدولة الإسلاميّة والعنصر الإنساني فيها، أي شعب الدولة الإسلاميّة ومعياريّة عضويّة الأفراد فيها.
ونواصل البحث ـ ثانياً ـ عن كيفيّة استكشاف الجنسيّة الإسلاميّة في الفقه الإسلامي ـ وإن لم يفرد لها عنوان فيه ـ وذلك من ناحية ترتّب الآثار على “موضوع ما” على غرار الحال في الجنسية في القانون المعاصر.
إثبات الجنسيّة في الفقه الإسلاميّ  ـــــــ
المبحث الأوّل: قراءة تاريخيّة  ـــــــ
تكوّنت الأمّة الإسلاميّة بعد الهجرة في المدينة المنوّرة، وإن كان لها كيان قبل ذلك في مكّة المكرّمة، فالدولة الإسلاميّة ـ وبعبارة أخرى المجتمع السياسي الإسلامي ـ شهد تباشيره في المدينة؛ ذلك أنّ أحد أركان الدولة ـ وهو الإقليم ـ لم يتحقّق للرسول(ص) في مكّة، كما أنّ ركنها الآخر ـ وهو الحكومة ـ لم يكن قد تشكّل بعد.
أمّا بعد هجرة الرسول (ص) وأصحابه إلى المدينة فقد تكاملت العناصر الثلاثة ـ أو الأربعة ـ لأركان الدولة عنده؛ فقد قامت أوّل دولة إسلامية في المدينة المنوّرة([4]) وكان المسلمون من المهاجرين والأنصار ويهود المدينة الذين التزموا بميثاق المدينة([5]) شعبًا لها.
وبعد استقرار الدولة النبويّة في المدينة انشدّ الناس نحو الإسلام أكثر من قبل وخصوصاً بعد فتح مكّة وسائر البلاد، وعند ذلك استجاب كثير من الناس لدعوة الرسول(ص)، وبدأوا يدخلون الإسلام أفواجاً، وبذلك اتّسع إقليم الدولة النبويّة ونما شعبها، وعند ذاك وبسبب نزول آية الجزية([6]) أمكنت عضويّة سائر الكفّار من أهل الكتاب ـ مضافاً إلى يهود المدينة ـ في المجتمع السياسي الإسلامي والانضمام إلى شعب الدولة الإسلاميّة، أمّا سائر الناس من دون هؤلاء فكانوا أجانب.
على هذا، نرى أنّ معيار المواطنية في المجتمع السياسي النبويّ ـ أي أوّل دولة إسلاميّة ـ كان يرتكز على أساسين: قبول الإسلام أو قبول العهد  [الجزية] من دون النظر إلى قوميّة الفرد أو جنسه أو عنصره أو لونه أو لسانه أو موطنه أو…
وباستمرار هذه الدولة في التاريخ بدأ أولاد المسلمين يلتحقون بآبائهم جميعًا ويُعَدّون مواطنين في الدولة الإسلاميّة، وكذلك أولاد الذمّيين كانوا يلتحقون بآبائهم حين بلوغهم سنّ الرشد، أو التكليف على قول، أو مطلقًا ودومًا على قول آخر.
نستنتج من هذا أنّه بعد قيام الدولة الإسلاميّة كان يعدّ كلّ من له انتساب إلى الأمّة الإسلاميّة [ المسلمين] أو الدولة الإسلاميّة [أهل الكتاب] شعباٌ للدولة، يتمتّعون بحقوقهم([7])، أمّا سائر المقيمين في دار الإسلام ـ أعني المستأمنين وسائر الكفّار المعاهدين ـ فكانوا أجانب، وهم وإن تمتّعوا ببعض الحقوق إلاّ أنّهم كانوا محرومين من الحقوق الخاصّة بالمسلمين وأهل الذمّة، وهكذا تحقّقت الجنسيّة الإسلاميّة بناءً على الدين أو العهد.
واستمرّت هذه السيرة بعد ارتحال الرسول (ص) في عصر وحدة الخلافة([8]) أو في عصر الخلافات المتعدّدة المعاصرة لها([9])، وأخيرًا في عصر الخلافة العثمانيّة([10]) وسائر الحكومات الملكيَّة وغيرها في سائر أنحاء دار الإسلام ـ كإيران مثلًا([11]) ـ على نحو وحدة الدولة وتعدّد الحكومات والأقاليم؛ لأنّ لكلّ مسلم ـ رغم انتسابه إلى إقليمٍ وحكومة ـ حرّية الانتقال من أيّ بلد من بلاد دار الإسلام إلى بلد آخر منها، والإقامة فيها، والتمتّع بحقوق المسلمين كسائر المسلمين المنتمين إليها.
أمّا بعد نشوء العلاقات الاستعماريّة بين الدول الإسلاميّة والدول الغربيّة، ونتيجةً لهذه العلاقات أخذت تنفصل الدول بعضها عن بعض، فابتعدت قوانين الجنسيّة عن أساسها الديني، وتلوّنت واصطبغت بلون القوميّة والصبغة الإقليميّة والمواطنيّة بالمعنى الحديث، بحيث يعدّ كلّ من الإيرانييّن والعثمانييّن أجانب في إقليم الآخر([12])، وقد بلغ ذلك أوجَهُ في أواخر العصر العثماني عام 1869م([13])، وفي إيران سنة 1313 هجري شمسي([14])؛ حيث اتخذت التشريعات الجديدة للجنسيّة.
المبحث الثاني: نظرة تحليليّة سياسيّة في المجتمع السياسيّ الإسلامي  ـــــــ
جاءت مقولة الجنسيّة بعد تقسيم العالم وتعدّد الدول، والجنسيّة عبارة عن أداة التوزيع الدولي للأفراد؛ لأنّها تحكي عن صلة الفرد بالدولة المعيّنة.
وقد حان الوقت أن نتساءل: هل تقسيم الأرض أمر مقبول في الفقه الإسلامي أم لا؟ وعلى فرض قبوله، ما هو المعيار في التقسيم؟ وعلى أيّ قاعدة يوزّع الأفراد بين الدول؟
من البديهي أنّ الإسلام دين وعقيدة وسياسة، ينظر إلى المسائل السياسيّة من وجهةٍ عقائديّة ودينيّة؛ ولهذا فتقسيم العالم في الإسلام لا ينطلق من الأسس التي ينطلق منها القانون الحديث والعرف المعاصر، بل الإسلام بنفسه يقسّم العالم من وجهة دينيّة إلى قسمين رئيسييّن: دار الإسلام، ودار الكفر([15])، ولكلّ منها فروع.
وعلى هذا الأساس، ينقسم الناس إلى طائفتين: طائفة وثيقة الارتباط بدار الإسلام، وهم المسلمون وأهل الذمّة، وطائفة أخرى هم الأجانب، على اختلاف مذاهبهم وحقوقهم في دار الإسلام.
وإيضاحًا لذلك نقول: لا شكّ ولا ريب أنّ الدولة الإسلاميّة دولة دينيّة([16])؛ إذ مضافًا إلى سيرة الرسول الأعظم (ص) في ذلك، نشاهد أنّ عناصر هذه الدولة تصطبغ بصبغة دينيَّة، فالسيادة منحصرة بالله تبارك وتعالى([17])، فالحكومة بسلطاتها المختلفة ذات تكوين دينيّ؛ لأنَّ السلطة التشريعيّة والقوانين يجب أن تكون على وفق الشريعة الإسلاميّة([18])، والسلطة التنفيذيّة والحكّام يجب أن يكونوا ملتزمين([19]) بإجراء الشريعة الإسلاميّة في إدارة المجتمع الإسلامي، وهكذا السلطة القضائية والقُضاة فهم مكلّفون بفصل الخصومات وإحقاق الحقوق على طبق الشريعة الإسلامية([20])، وبهذا يكون للدين دور أساسي ورئيسي في تكوّن شعب الدولة الإسلاميّة؛ إذ مع فقدان الأمّة الإسلاميّة لا يتصوّر وجود دولة إسلاميّة.
وربّما يتصوّر بعضهم من هذا الكلام ـ أي كون الدولة الإسلاميّة دولةً دينيّة، مضافاً إلى إطلاق الأجنبي على الكفّار مطلقاً ـ في نظرة سطحيّة أنّ شعب دولة الإسلام منحصر بالمسلمين، والكفّار وإن كانوا من أهل الكتاب والذمّة يعدّون من الأجانب([21])، لكن نظرةً فاحصة ودقيقة تدفع هذا التصور الخاطئ؛ لأنّ للأجنبي في اللغة معنيين:
أحدهما: من لا ينتمي إلى الأمّة الإسلاميّة، أي ليس من المسلمين، وبهذا المعنى فإنّ جميع الكفّار ـ حتّى أهل الذمّة ـ يعدّون أجانب، ولكن هذا المعنى عقائديّ فقط، لا يلاحظ العنصر السياسي، فهو خارج عن محلّ البحث هنا.
ثانيهما: من لم يرتبط بالدولة الإسلاميّة، وبهذا المعنى فإنّ أهل الذمّة ليسوا من الأجانب، بل هم من مواطني الدولة الإسلاميّة([22]) كالمسلمين، على اختلاف مراتب تمتّعهم بالحقوق والواجبات، وهذا ما نبحثه هنا.
وبعبارة أخرى: مواطنية الفرد في المجتمع السياسي الإسلامي تابع لعلاقته الوثيقة بالدولة الإسلامية([23])، وهذه العلاقة إمّا أن تحصل عن طريق قبول
الإسلام وهو الأصل والأكثر، أو عن طريق العهد والميثاق لواجدي شرائط الذمّة، وهو الأقلّ.
ولكن على أيّ حال، ليست للقوميّة والجنس واللون والإقليم والتاريخ وأمثال ذلك من المبادئ اللااختياريّة دور في ذلك الارتباط الذي يسمّى بالجنسيّة؛ خلافًا للجنسيّة الحديثة والمعاصرة؛ وبهذا تدور الجنسية الإسلامية حول أحد عاملين إراديين واختياريين وإنسانيين، هما قبول الإسلام أو قبول العهد، وقبول حقّ الدم أو حقّ الإقليم في الجنسيّة القائمة للدولة الإسلاميّة أمارةٌ على قبول الإسلام أو العهد، لا أنّ لهما الأصالة، وبهذا يظهر الفرق الجوهري بين الجنسيّة في الفقه الإسلامي والجنسيّة في القانون المعاصر.
المبحث الثالث: نظرة قانونيّة إلى المجتمع السياسي الإسلامي  ـــــــ
ينقسم سكّان الدولة إلى مواطنين وأجانب، وفق تمتّع الفرد بالجنسيّة أو حرمانه منها، وبعد هذا التقسيم يتمتّع المواطنون بحقوق أكثر من الأجانب، فالأجانب محرومون من الحقوق العامّة والسياسيّة وبعض الحقوق المدنيّة و… فإذاً الجنسيّة هي العامل الرئيس لتمتّع الفرد بهذه الحقوق أو حرمانه منها.
وهذا التمتّع أو الحرّمان في الدولة الإسلاميّة يدور حول قبول الإسلام أوّلاً، أو قبول العهد ثانياً؛ وبهذا يتبيّن أنّ الجنسيّة ثابتةٌ في الفكرة الإسلاميّة القانونيّة، لكن على أساس خاصّ غير الأساس الذي تقوم عليه الجنسيّة في القانون المعاصر.
فمثلاً: يتمتع المواطنون  [المسلمون وأهل الذمّة] بحقّ الإقامة الدائمة في إقليم الدولة الإسلاميّة، والأجانب[المستأمنون وسائر الكفّار]محرومون منه، كما أنّ المواطنين يتمتعون بحماية دولة الإسلام في مقابل الأجانب والدول الأجنبيّة، أمّا المستأمنون فهم محرومون من هذه الحماية، ومن ناحية أخرى يكلّف المواطنون  [المسلمون] بالتجنيد والدفاع المسلّح عن الدولة الإسلاميّة، أمّا الأجانب فليس على كاهلهم هذا التكليف.
ويتلخّص ممّا ذكرنا:
1 ـ وجود ظاهرة الجنسيّة في الدولة الإسلاميّة أمر ضروريّ وبديهيّ كسائر الدول؛ لأنّ الدولة الإسلاميّة دولةٌ كاملة العناصر وتامّة الأركان.
2 ـ أصول هذه الجنسيّة أسسها الحاكمة عليها منبثقةٌ من الشريعة الإسلاميّة، وليس من إجراءات الحكومة واختصاصها، إلاّ بحكم ثانويّ أو حكم ولائيّ.
3 ـ دولة الإسلام وإن كانت دينيّة لكن عنصرها الإنساني ـ أي شعبها ـ لا ينحصر بالمسلمين، بل يشمل غيرهم من واجدي الشرائط.
4 ـ تقوم الجنسيّة الإسلامية على أساسٍ إرادي وإنساني، وهو قبول الإسلام أو العهد، دون ملاحظة العوامل الماديّة والحيوانيّة واللاإراديّة، كالموطن، والجنس، واللون، واللغة، والعرق، والقوميّة، والتاريخ وأمثال ذلك، وهذا هو الاختلاف الجوهري بين الجنسيّة الإسلاميّة والجنسيّة المعاصرة الوضعيّة.
وبهذا يتّضح دور الفرد وطلبه التمتّع بالجنسيّة الإسلاميّة وحرمانه منها؛ خلافاً للجنسيّة المعاصرة التي يقلّ دور إرادة الفرد في التمتّع بها أو الحرمان منها، خصوصاً بالنسبة إلى الجنسيّة الأصلية([24]).
وفي ختام هذا البحث نقوّي ونؤيّد نظريّة “وجود ظاهرة الجنسيّة وفكرتها” في الفقه الإسلامي، وابتنائها على الدين أو العهد بكلمات من علماء القانون الدولي المعاصر، من الباحثين حول الجنسيّة الإسلاميّة ـ ولو إجمالاً واستطرادًا ـ في مقابل نظريّة “إنكار الجنسيّة الإسلاميّة”.
يقول الدكتور محمّد عبد المنعم رياض بك: “كان الإسلام عقيدة وجنسيّة في وقت واحد، واعتبر المسلمين أينما كانوا إخوانًا في العقيدة والجنسيّة، والعالم الإسلامي الذي يضمّهم وحدة دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة، فهو وطن لكلّ مسلم تحت راية الإسلام”([25]).
ويقول الدكتور أحمد مسلم: “أمّا في الشرق، فقد ظهر الإسلام بفتوحه الواسعة وأفكاره الأصيلة عن الأمّة الإسلاميّة وشمولها لجميع المسلمين على اختلاف ديارهم، وعن الدولة الإسلاميّة أو دار الإسلام، ورعايتها للمسلمين ولغير المسلمين المقيمين فيها إقامة دائمة، ممّا يجعل فكرة الجنسيّة في الإسلام تعبّر عن نوعين من الارتباط: الارتباط بالأمة الإسلاميّة، وحينئذ سيختلف مدلولها عن المدلول القانوني للجنسيّة بالمعنى الحديث، أو الارتباط بالدولة الإسلاميّة، وفي هذا يتّفق مدلولها مع الجنسيّة في القوانين الوضعيّة؛ إذ تشمل المسلمين وغير المسلمين كشعب دار الإسلام”([26]).
ويقول الدكتور شمس الدين الوكيل: “يتبيّن ممّا تقدّم أنّ التفرقة الحديثة بين مواطن وأجنبي قد توافرت ذواتها في ظلّ الدولة الإسلاميّة؛ إذ قامت التفرقة بين الرعيّة الإسلاميّة، وهو إمّا يكون مواطناً إسلاميّاً أو ذمّياً من أهل الكتاب، وبين المستأمن وهو كلّ من يفد من دار الحرب إلى دار الإسلام فيتمتّع فيها بإقامة موقتة” ([27]).
وقال قريبًا من هذه المضامين الدكتور محمّد جعفر جعفري لنكرودي في كتاب “تاريخ حقوق إيران” ([28])، كما صرّح به الدكتور محمّد حميد الله في مقدّمته على كتاب “أحكام أهل الذمّة” حيث قال: “لقد رجّح المسلمون أنّ
الدّين أساس للوطنيّة”([29])، وكذلك الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه “آثار الحرب”([30]).
أنواع الجنسيّة الإسلاميّة  ـــــــ
تتنوّع الجنسيّة الإسلاميّة إلى أنواع متعدّدة من جهات مختلفة:
الأول: الجنسيّة التأسيسيّة أو الناشئة، والجنسيّة القائمة
للدولة الإسلاميّة ـ كسائر الدول ـ جنسيّات بحسب نشوء الدولة([31])، الجنسيّة الناشئة أو الجنسيّة التأسيسيّة، وهي التي تظهر عند نشوء الدولة، وهذه تبتني على أساسين، كما مضى:
الأوّل: الإسلام، فلكلّ مسلم علاقتان في زمان واحد، علاقة دينيّة وعقائديّة بالأمّة الإسلاميّة وإن لم تنشأ دولة إسلاميّة في البين، وعلاقة سياسيّة بالدولة الإسلاميّة، وهذه هي الجنسيّة، والدولة الإسلاميّة عندما تنشأ تعدّ كلّ مسلم من أعضاء شعبها.
الثاني: العهد، فإنّ كلّ كافر واجد الشرائط انعقدت له الذمّة يعدّ أيضاً من مواطني الدولة الإسلاميّة.
الجنسيّة القائمة، وهي التي تتحقّق بعد إنشاء الدولة واستقرارها،وهي على ضربين، كما سيأتي.
الثاني: الجنسيّة الأصيلة والجنسيّة الطارئة
1 ـ الجنسيّة الأصيلة، وهي التي تثبت للفرد حين انعقاد نطفته أو عند ميلاده على أحد الأساسين، من حقّ الدم أو حقّ الإقليم على حسب مواردها.
2 ـ الجنسيّة الطارئة، هي التي تثبت للفرد بعد ذلك الزمان، على أساس بعض الأصول في كسب الجنسيّة الإسلاميّة.
وجدير بالذكر أنّه كما أنّ الجنسيّة الناشئة الإسلاميّة تبتني على أساس إرادي واختياري ـ وهو قبول الإسلام أو العهد ـ كذلك الجنسيّة القائمة بكلا فرعيها، وخاصّة الطارئة، ومن ذلك ثبت أنّ لإرادة الفرد الجنسيّةَ الإسلاميّة الدور الأكبر والباب الأوسع من الجنسيّة في النظام القانوني المعاصر.
الثالث: الجنسيّة الدينيّة والجنسيّة العهديّة
قلنا: إنّ الجنسيّة الإسلاميّة ـ سواء الناشئة أو القائمة بكلا فرعيها ـ تبتني على أساسين: قبول الإسلام أو قبول العهد؛ ومن ذلك يمكن تنويع الجنسيّة الإسلاميّة إلى نوعين، وتسميتهما بالجنسيّة الدينيّة ـ أو الجنسيّة الذاتيّة ـ والجنسيّة العهديّة؛ لأن جنسيّة المسلم للدولة الإسلاميّة فرع تديّنه بالإسلام ومن اللوازم الذاتية لقبوله، إذ ليس من الممكن لرجل آمن بالإسلام أو ولد مسلماً ـ وأقام في دار الإسلام ـ أن لا يتمتّع بالجنسيّة الإسلاميّة أو يمتنع عن قبولها، كما أنّه ـ ومن جانب آخر ـ غير المسلمين لا يعدّون من مواطني الدولة الإسلاميّة إلا بالعهد.
الرابع: الجنسيّة العالية والجنسيّة العاديّة
تنقسم الجنسيّة الإسلاميّة ـ كالجنسيّة المعاصرة ـ إلى نوعين، حسب مقدار تمتّع الفرد بالحقوق والمزايا والتكاليف: الجنسيّة العالية، وهي للمسلمين، والجنسيّة العاديّة، وهي لأهل الذمّة، وهذا ما يختلف عمّا هو عليه القانون المعاصر من جهة الأسس والضوابط؛ لأنّ النظام المعاصر يبني هذا التنويع على أسس غير اختيارية، منها كون الجنسيّة أصيلة، أو كون الفرد من قوميّة خاصّة، أمّا الفقه الإسلامي فكون الجنسيّة أصيلة أو طارئة ـ وكذلك سائر المبادئ اللا اختياريّة ـ لا تؤثر عنده في مقدار تمتّع الفرد بحقوقه، وبتبعها لا تأثير لها في تقسيم الجنسيّة من هذه الجهة، بل يقوم التقسيم على أساس إراديّ واختياري إنساني، وهو قبول الإسلام أو عدم قبوله، فتمام المسلمين ـ سواء كانت جنسيّتهم أصيلة أم طارئة ـ يتمتّعون بالحقوق الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة كافّة على حدّ سواء، كما أنّ تمام أهل الذمّة محرومون من بعض الحقوق السياسيّة الهامّة والعامّة، وهم يتمتّعون بأقلّ من المسلمين على حدّ سواء فيما بينهم أنفسهم، لكن طريق التمتّع بالجنسيّة العالية لهم مفتوحة بقبول الإسلام، خلافاً للنظام القانوني المعاصر؛ لأنّ باب ذلك مغلق عندهم.
الخامس: الجنسية الحكميّة والجنسية الحقيقية
هذا التنويع وإن لم يعنون بهذا العنوان في النظام القانوني المعاصر للجنسيّة إلاّ أنه لازم في الجنسيّة الإسلاميّة؛ ذلك أنها ـ كما قلنا ـ قائمة على أحد الأساسين الإراديّين: قبول الإسلام أو قبول العهد، ومن الواضح أنّ من شروط اعتبار الإرادة والأعمال الإراديّة بلوغ الفرد، فعلى هذا؛ كلّ جنسيّة تتحقّق للفرد قبل بلوغه نسمّيها بالجنسيّة الحكميّة، كما أن كلّ جنسيّة تتحققّ له بعد البلوغ والكمال نسمّيها بالجنسية الحقيقيّة، سواء كانت إدامةً للجنسيّة الحكميّة، أم كانت جنسيّة حديثة مستأنفة؛ وهو ما تظهر بعض آثاره في مسألة زوال الجنسيّة.
آثار الجنسيّة الإسلاميّة  ـــــــ
الأجانب الذين يقيمون في دار الإسلام إن كانوا يعيشون في الدولة الإسلاميّة بلا عهد ولا أمان فليس لهم حقّ، حتّى حقّ الإقامة، كما أنّه ليس على الدولة الإسلاميّة مسؤولية تجاههم، أمّا الأجانب الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية بالعهد ويأخذون الأمان فلهم حقّ الإقامة مدّةً معينة([32])، وعلى الدولة الإسلاميّة الذبّ عنهم وعن أولادهم وأعراضهم وأموالهم في قبال المسلمين وأهل الذمّة، لا أهل الحرب؛ لأنّهم لا يجري عليهم أحكام المسلمين والقوانين العامّة للدولة الإسلاميّة، كما صرّح به الشيخ الطوسي (460هـ) في كتاب المبسوط؛ حيث قال ـ في مقام التمييز بين الهدنة والذمّة ـ ما هذا نصّه: “والهدنة عقد أمان لا تتضمّن جري الأحكام، فاقتضى أن يأمن من جهته من يجري عليه حكم الإمام دون غيره” ([33])، وقال قبل ذلك: “ولو عقد الهدنة لقوم منهم كان عليه أن يكفّ عنهم من تجري عليه أحكامنا من المسلمين وأهل الذمّة، وليس عليه أن يدفع عنهم أهل الحرب، ولا بعضهم عن بعض” ([34]).
أمّا المواطنون ـ أي المسلمون وأهل الذمّة ـ فلهم حقّ الإقامة الدائمة، كما تجري عليهم أحكام الإسلام، وعلى الدولة الإسلاميّة الذبّ عنهم ذبًّا كاملًا، ومن هذه الجهات يغدو المسلمون وأهل الذمّة سواء.
قال الشيخ الطوسي في المبسوط: “وإذا عقد الذمّة للمشركين كان عليه أن يذبّ عنهم كلّ من لو قصد المسلمين لزمه أن يذبّ عنهم؛[ لأن] عقد الذمّة يقتضي أن تجري عليهم أحكامنا وكانوا كالمسلمين” ([35]).
لكن الذمّيين محرومون من بعض الحقوق العامّة التي تستدعي علوّهم على المسلمين، الأمر المنهيّ عنه صريحًا في الكتاب المبين؛ لقوله تعالى: < لَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً> (النساء: 141)، والنبويّ الشريف: “الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه” ([36])، كما أنه ليس لهم الإقامة في الحجاز، إلى غير ذلك من الترجيحات الأخر بين المسلمين وأهل الذمّة، والمذكورة في سائر أبواب الفقه، كالقصاص والديات، وفي مقابل هذا الحرمان لم يكلّفوا بالدفاع عن الإسلام وداره، بل يجب ذلك على المسلمين فقط([37]).
الجنسيّة الإسلاميّة والمبادئ المثاليّة المعاصرة  ـــــــ
تظهر ـ في ضوء ما قدّمناه ـ العلاقة بين الجنسيّة الإسلاميّة والمبادئ الثلاثة المثاليّة؛ إذ من الواضح أنّ الإسلام يعترف بمبدأ ضرورة الجنسية أكثر من نظام القانون الدولي الخاصّ المعاصر؛ لأنّ الجنسية الإسلاميّة في نوعها الغالب تبتني على أساس الدين، فإسلام الفرد وجنسيّته للدولة الإسلامية مقترنان، وليس من الممكن افتراض إسلامه دون جنسيته في الدولة الإسلاميّة.
ويظهر من الإسلام الاعتراف بمبدأ وحدة الجنسية، بل يرى الفقه الإسلامي أنّ تعدّد الجنسية في نوعه الغالب من المستحيل؛ لأنّ التديّن بالأديان المختلفة في زمان واحد غير ممكن، فما دام الفرد مسلماً فهو عضو من أعضاء المجتمع السياسي الإسلامي.
أمّا المبدأ الثالث، وهو “إمكان تغيير الجنسيّة” وعدم لزوم دوامها، فتختلف نظريّة الفقه الإسلامي عن القانون المعاصر اختلافاً ما؛ فالإسلام لا يعترف بهذا التغيير كما اعترف به القانون المعاصر؛ لأنّ الجنسيّة الدينيّة للمسلمين على أساس إيمان الفرد بالإسلام، وهذا الإيمان أمر ثابت لا يجوز تغييره، وهذا التغيير وإن وقع في الخارج إلا أنّ الإسلام لا يقرّه، ولهذا لا يعدّ من خرج عن الإسلام كافراً أصليًّا، بل يسمّى مرتدًّا، ولكلّ منهما أحكام خاصّة به، والارتداد لا يوجب تغيير الجنسيّة، وإن استوجب حرمان المرتدّ من أكثر الحقوق، بل أحياناً حقّ الحياة نفسه.
أمّا الجنسيّة العهديّة لأهل الذمّة، فهي قابلة للتغيير على تفصيل.
*    *     *
الهوامش

________________________________________
(*)  باحث متخصص في الفقه الإسلامي،
[1] ــــ إسلام وحقوق بين الملل، دكتر محمّد رضا ضيايي بيكدلي: 77.
[2] ــــ مثلاً: برنارد لوئيس ومجيد خدّوري؛ أنظر: فقه سياسي، عميد زنجاني 3: 337.
[3] ــــ مؤتمر القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام؛ وانظر: تحقيق در دو نظام حقوق بشر از ديدكاه إسلام وغرب، علاّمه محمّد تقي جعفري: 459.
[4] ــــ القانون الدولي العامّ، دراسة ومقارنة، الدكتور نعمة عبدالله عبدالباقي: 168؛ الدولة والسيادة، فتحي عبدالكريم: 131.
[5] ــــ سيرة ابن هشام 1: 503.
[6] ــــ التوبة 29: >قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ<.
[7] ــــ القانون الدولي الخاصّ، الدكتور أحمد مسلم: 82.
[8] ــــ وهو ما يسمّى بالخلافة الراشدة والأمويّة والعبّاسية.
[9] ــــ خلافة الأموي في المغرب، والفاطمي في مصر، والعبّاسي في الشرق. انظر: معالم الخلافة، محمود خالدي: 10.
[10] ــــ حقوق بين الملل إسلامي، دكتر سيّد خليل خليليان: 139.
[11] ــــ تاريخ حقوق إيران، دكتر محمّد جعفر جعفري لنكرودي: 346.
[12] ــــ حقوق بين الملل خصوصي، دكتر محمّد نصيري: 47.
[13] ــــ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 141.
[14] ــــ مجموعة قوانين اساسي ومدني، غلام رضا حجّتي اشرفي، الهامش لمواد: 976 ـ 998.
[15] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 166؛ الكتب الفقهيّة، مبحث الجهاد.
[16] ــــ حقوق روابط بين الملل دار إسلام، محمّد حميدالله، ترجمة: دكتر سيّد مصطفى محقّق داماد: 162.
[17] ــــ البقرة: 30؛ أيضاً قانون أساسي جمهوري إسلامي ايران، (الدستور الإيراني) المادّة: 56؛ وأيضاً: حقوق أساسي ونهادهاي سياسي، دكتور أبو الفضل قاضي شريعت پنهاهي: 146.
[18] ــــ قانون اساسي جمهوري إسلامي إيران، المادة الرابعة.
[19] ــــ اعتبار شرط الإسلام والعدالة لتصدّي مناصب الدولة.
[20] ــــ القرآن الكريم: >وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ / الظَّالِمُونَ / الْفَاسِقُونَ<. المائدة: 44، 45، 47.
[21] ــــ مبادئ القانون الدولي الخاص، الدكتور عبدالمنعم رياض بك: 77، 209.
[22] ــــ إسلام وحقوق بشر، مارسل بوازار، محسن مؤيّدي: 100، 106؛ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 332.
[23] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 12؛ القانون الدولي الخاصّ، الدكتور أحمد مسلم: 177.
[24] ــــ أحكام أهل الذمّة، ابن القيّم 1: 86؛ مقدمة في علم السير، الدكتور محمّد حميد الله، حقوق روابط بين الملل دار إسلام، محمّد حميد الله: 204.
[25] ــــ مبادئ القانون الدولي الخاص، الدكتور عبدالمنعم رياض بك: 77.
[26] ــــ القانون الدولي الخاص، الدكتور أحمد مسلم: 82.
[27] ــــ الجنسيّة ومركز الأجانب، الدكتور شمس الدين الوكيل: 168.
[28] ــــ تاريخ حقوق ايران: 345 ـ 350.
[29] ــــ أحكام أهل الذمّة، المقدّمة: 89.
[30] ــــ آثار الحرب، الدكتور وهبة الزحيلي: 178.
[31] ــــ المصدر نفسه.
[32] ــــ قال الشيخ الطوسي في المبسوط 2: 37: bفالهدنة عقد أمان إلى مدّةv؛ وقال أيضاً في صفحة 42: bفأمّا المستأمن والمعاهد فهما عبارتان عن معنى واحد، وهو من دخل إلينا بأمان لا للبقاء والتأبيدv.
[33] ــــ الطوسي، المبسوط 2: 59.
[34] ــــ المصدر نفسه.
[35] ــــ المصدر نفسه.
[36] ــــ بحار الأنوار، العلاّمة محمّد باقر المجلسي 39: 47، حديث 15.
[37] ــــ النساء: 141.
المصدر : نصوص معاصرة

الحرب النفسية وتأثيرها على مستقبل الدول

24-6-2014-3-d
 
كيف تؤثر الشائعات والدعايات المدبلجة على الاستعداد النفسي للعسكريين

إذا كانت العلوم قد حققت تقدماً هائلاً في مجالات الحياة المختلفة, فإن علم النفس أيضاً, استطاع أن يأخذ مكانه بين العلوم, منذ دخوله ميدان التجربة ليصبح عالماً مستقلاً بحد ذاته, له مكانة واسعة بين العلوم الأخرى, وله موضوعاته ونظرياته.. نحن نعرف أن لكل علم خصائص ومميزات وسمات أساسية تعبّر عن الدوافع التي تلعب دوراً أساسياً في مجاله, وعلم النفس العسكري الناشط تطرّق في اجتهاداته إلى دراسة أهم العوامل التي تشكّل أزمة حقيقية ضمن المؤسسات العسكرية, التي تعتبر العمود الفقري للدولة, والقاعدة الأساس التي تنهض بكامل أجهزتها. وبما أن الجيش يأخذ موقع السويداء في قلب السلطة, أي إنه في النقطة الحساسة ¬ الحرجة التي تلتقي حولها مؤسسات الدولة, فهو الذي يصون وحدة الأجهزة العامة والخاصة, ويحدد نمط الاتجاهات الوطنية والاجتماعية, بما فيها من سياسة وطنية وسياسة إدارية عامة, وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية, ويسهر على سلامة العلاقات, التي تربطها بعضها بالبعض الآخر.. ومن هذا الموضع رأى علماء النفس, أن مؤسسة بهذا الحجم من المسؤولية تتطلب مزيداً من الاهتمام بشؤونها الداخلية, وتحتاج إلى رصد الخبرات لصونها من التيارات التي تسيء إلى توازنها وتماسكها, على أقل تقدير, كونها تشكل صمام الأمان الأساسي للوطن… ومن هذه الرؤية, عمد علماء النفس إلى استعراض أبرز العوامل التي لعبت دوراً خطيراً في الميدان العسكري واستنفدت الإمكانات والثروات الوطنية وانتهت بتطلعات الشعوب وآمالها إلى الخيبة. وقد استند علماء النفس في سلسلة اجتهاداتهم إلى معلومات ومرتكزات وتجارب مشهود لها في هذا المجال, وانتهوا إلى أنّ الحرب النفسية Psychological War For)) , هي أخطر سلاح حربي استخدم منذ أقدم العصور, لفرض إثارة الصراعات والفتن بين صفوف العسكريين, وشق وحدة الصف الوطني. والملاحظة الجديرة بالاهتمام, أن الحرب النفسية قد برزت بأساليب مختلفة وتسللت إلى غرفة العمليات العسكرية وتركت بصماتها بوضوح, وكانت دائماً ترتبط بالمعارك الحربية بصورة أولية, وأشيرَ إليها كعامل أساسي في نجاح أو فشل المعارك.
باختـصار, إن الحـرب النفسية هي فنّ حربي, يُنشر عن طريـق الدعاية وبث الشائعات المسمومة, أو, عن طريق إرسال الجواسـيس بهدف جمع المعلومـات عن الجهة التي توجّه إليها الحرب النفسية, بقصد التوصـل إلى تدبيـر مخطـط يستـهدف قاعدة القيادة.. وقد سـجّل علم النـفس موقفاً صريحاً من سياسة الحرب النفسية وأهدافها, وتوسّع في تحلـيل المصـادر والبصـمات التي تتـركها في المجال العسكري.

سياسة الحربة النفسية

من المعلوم أن الحرب تقوم على صراع الإرادات؛ إنها صراع إرادتي خصمين يحاول كلاهما أن يجبر خصمه على الرضوخ لإرادته, فالهدف الأساسي لأي حرب, هو كسر إرادة الصمود لدى العدو وبالدرجة الأولى قيادته, وإجباره على الاستسلام الكامل غير المشروط, أي, تجريده من الإمكانات والقوى المادية والمعنوية, وجعله لا إرادياً يتراجع في كل موقع حاملاً معه خسائره الكبيرة… ولا ريب أن أخطر أسلحة الحرب فتكاً هي التي تستهدف تمزيق الروح المعنوية وتساعد الخصم على تحقيق سياسة دولته وأهدافها. لهذا نجد جميع الجيوش في العالم تستخدم أساليب الحرب النفسية لتحجيم قوة الخصم, ومحاولة التأثير على معنوياته والقضاء عليها من جهة, ورفع معنويات قطعها العسكرية وتحريكها باتجاه إيجابي للصمود أمام الأزمات في أوقات الشدة والخطر من جهة ثانية… من هنا, لنا أن نتصوّر خطورة الدور الذي تلعبه الحرب النفسية, خاصة في المجال العسكري, فالجيش هو نواة السلطة, وأي نقد أو تشهير أو فشل يطاله, هذا معناه بالتأكيد, بأن الدولة نفسها قد سُلّط عليها الضوء, وطالها النقد, وحاصرها الفشل.
فإذا قيل مثلاً, أن سياسة الدولة ليست متزنة, أو أن وضعها الداخلي مرتبك أو أن اقتصادها ليس مستقراً, أو إذا أثيرت حولها الشائعات والتصوّرات التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة, لتشويه صورتها والانتقاص من قوتها ودفاعاتها الهادفة إلى تحقيق النمو الشامل, هنا, تستطيع الدولة أن تأخذ موقف الدفاع وترد على مثل هذه المواقف من دون أن تشعر بإحراج كبير, فبيان أو تصريح من المسؤول المعني بالأمر المشار إليه, قد يُطمئن من يهمهم الأمر, أو يجنبهم القلق على أقل تقدير, ويصحح ما أشارت إليه الشائعات عن أن النشاط الذي تقوم به ليس مجدياً. أما حين تتسرّب شائعة تنطوي على أبعاد وخلفيات تؤثر مباشرة على معنويات الجيش وتشكّل استغلالا للمشاعر الوطنية, هنا تصبح المشكلة أكبر وأخطر, ذلك أن بوادر القلق وعدم الارتياح والرضى تولّد في النفوس أعراض الانفعال والاضطراب من الوضع السائد, وبالتالي ينمّ عنها عجز وإرتباك في صفوف الجيش ينتقص من قدرة العسكريين ويمنعهم عن الاستجابة والمشاركة الفعّالة ويقودهم إلى تجاوز المسؤولية.
وهذه الحالة شغلت اهتمام علم النفس نسبة لخطورتها, ووجد أنه لا بد من اتباع طرق لإثارة انتباه الجنود إلى فعالية القيادة وأهدافها, بحيث يتمكن القادة من عزل الحرب النفسية التي يشنها الخصم ضد قضيته.. لأن الجندي عليه أن يؤمن بالهدف, ويكون متأكداً من أن النظام الذي يسود قيادته سليم, وأن يكون مقتنعاً من أنه يقاسي ويعيش المحن لأسباب ودوافع وطنية مقدسة ونبيلة وليس جزافاً, وهنا يأتي دور التوجيه السياسي والعسكري, ودور التوعية التي تعزز إيمان الجندي بوطنه وقيادته وتجعله أكثر قدرة وتعاطفاً, ولديه مقومات الاستمرار والتواصل والنضال, فلا تغريه شائعة أو تجعل منه هدفاً سهل المنال.

دور التوجيه المعنوي

شدد علم النفس العسكري على أهمية دور التوجيه في إعداد المقاتلين ورفد استعدادهم للمضي قدماً بثبات من دون الوقوع في ثغرات التراجع, وعلى ضوء معطيات الظروف القائمة, مهما كانت الدوافع والمبررات التي تقف لهم بالمرصاد, إذ يُفترض بكل مقاتل أن يتمتع بإرادة صلبة ويظل مؤمناً بمواقف قيادته, فالخطر كل الخطر, أن تستدرجه إحدى أساليب الحرب النفسية إلى الإحباط, فما الجندي من جندي إذا بدا منهكاً, مستسلماً, فاقد القدرة على الاستجابة لنداءات واجباته العسكرية؟
أما الجانب الأكثر أهمية الذي أشيرَ إليه في مجال مواجهة الحرب النفسية, فهو اعتماد برنامج توجيهي واضح يستند إلى مبررات تساعد المقاتل على تقبّل الهدف الذي أعد من أجله, ويتضمن فقرات مهيأة ومعدة بصورة منظمة ترفد استعداد الجنود وتعطيهم الحوافز التي تحصّن دفاعاتهم النفسية, وترقى بمعنوياتهم إلى أعلى مستوى من التكامل.. وقد حدّد علم النفس اتجاهات الحرب النفسية في شقين أساسيين, وهما: حماية المقاتل من الانجراف وراء التيّارات الهدّامة, وتوجيه نشاط مكثّف من أجل الحدّ من قوة الخصم ومنعه من الاستمرار في شنّ حملاته الهجومية ضدّ مصالحه, وهذا يشترط بالتأكيد وجوداً فعّالاً ونشيطاً داخل المؤسسات العسكرية يأخذ على عاتقه إنجاز هذه المهمة التي تتطلب الدقة والذكاء وشخصية موثوقاً بها.
وتعتبر الحرب النفسية من أهم موضوعات الساعة, ويمكن أن نطلق عليها تسمية “مرض التحدي”, لأنها تتحدى المعنويات وتستخدم أسلحة حادة تطعن الشخصية وينتج عنها تلوث فكري وسلوكي, وهذا شيء خطير توقف عنده علم النفس واعتبره محوراً أساسياً في نضاله مع أزمة الحرب النفسية التي أصرّ على أنها حرب باردة, هي حرب أعصاب؛ قد تكون حرباً بلا مدافع وبلا سلاح موجّه, ولكنها أشد خطراً لأنها تعتمد على أساليب خبيثة تصيب الإنسان في إنسانيته وتعطيه شعوراً بالخيبة يقلل من قابليته على التحسس بمسؤولياته الوطنية, ويجعله عاجزاً عن تفهم الظروف ومجابهتها بالأساليب الواقعية والعملية.

وسائل الحرب النفسية

يرى “لينبارجر” Linebarger)) وهو أول من قدّم تعريفاً للحرب النفسية ¬ بأنها أضمن سلاح استخدم في المعارك لتحقيق المصالح التي يجري الصراع من أجلها ¬ بأن الحرب النفسية عمدت في سياستها إلى استخدام الوسائل التي تحدث شرخاً عميقاً في خصال الشخصية ومظاهر السلوك وفي طبيعة الأداء والآراء والمعتقدات والقيم المعنوية والروحية للفرد… ونذكر منها:
-¬ استخدام أساليب الابتزاز غير المشروع لتهديد أمن وسلام الدول ودفع قواتها المسلحة إلى الاستسلام.
-¬ ضرب الموارد الأساسية وافتعال الأزمات السياسية والاقتصادية للتأثير على الرأي العام.
-¬ تعميق الشعور العام بفقدان العدالة للتشكيك بسلامة النظام الداخلي, وإرساء حالة من الترقب والاحتجاج والتمرد على الأمر الواقع والأوضاع السائدة.
-¬ إثارة النعرات الطائفية ليسود التباغض بين أبناء الشعب الواحد ويعيش الأفراد عمق مرارة الوضع المشحون بالتشوش والقلق, وهذا يفتح خندقاً عميقاً بين أبناء الشعب المنقسم, وتقع البلاد في مأزق حرج؛ وحدّة الصراع هذه بالتأكيد تخدم الخصم.
-¬ بثّ الشائعات بهدف إلهاء العسكريين عن الاندفاع وعن الوقوف صفاً واحداً للدفاع عن قضيتهم وأهدافها.
-¬ اعتماد أساليب الدعاية التي رأى فيها علم النفس توأماً للشائعة, لها نفس الخطورة كمصدر مؤثر على الرأي العام لسعة انتشارها إلى درجة لا يضاهيها أي مرض آخر…

الدعاية وأهدافها

يرى علم النفس في “الدعاية” Propaganda)), محاولة للتأثير في اتجاهات الأفراد وآرائهم وأنماط سلوكهم, وهي عبارة عن ترويج معلومات منتخبة, وفق تخطيط معيّن, بقصد التأثير على جهة معينة, لغرض قد يكون اقتصاديا أو عسكرياً أو سياسياً, ويمكن التعريف عنها بأنها الأسلوب المخطط لنشر فكرة أو عقيدة أو خبر, وبث معلومات لغاية تهم مصدر الدعاية. إذاً, الدعاية هي لنشر معلومات مختلفة قد تكون حقائق, وقد تكون أنصاف حقائق, وقد تكون أكاذيب, ولكنها في واقع حالها هي محاولة منظّمة للتأثير على الرأي العام عبر استخدام وسائل الإعلام المختلفة؛ وهي تمثل أهم المصادر المؤثرة في ساحة المعركة.. والجدير ذكره, أن طرق الدعاية المكثّفة قد تحقق نجاحاً آنياً يعوّض عن الحالة الحقيقية للوضع السائد, ولكنه قد لا يستمر إلى حد بعيد, فالحقائق سرعان ما تظهر جلية واضحة. ولكن التضليل نفسه قد يكون مطلوباً في بعض المرات بسبب اضطرار القائمين على الدعاية إلى إبراز جانب واحد من الصورة وإخفاء الجوانب الأخرى للتستر على الهزائم, فشدة الصراخ تخفي وراءها عمق الهزيمة, ولكن حين تظهر في الأفق الإعلامي حماسة لا عقلانية تدبلجها الصحف وتبثها وسائل الإعلام المسموعة والمتلفزة بصورة مكررة وبقوالب مملة ومقلقة, فإن ذلك يعتبر بحد ذاته دليلاً على وجود ثغرات حول حقيقة المعلومات المبثوثة… ومما لا شك فيه, أن كل إنسان منّا لديه الفكر ولديه العقل ولديه الإمكانية ليعرف ما هو مطابق للعقل والمنطق, ويملك القدرة على اختبار ما هو صحيح وما ليس صحيحاً.
فقد تكثّف الدعاية نشاطها لإثارة غبار كثيف يلفّ الموقف ويجعله قابلاً للشك, وتدعي من النجاحات ما ليس له وجود في حيّز الواقع, وتجعل المرء يعيش في محيط من المظاهر الخادعة, لأن هذا هو الهدف النهائي منها. إلا أن الحقيقة الثابتة هي أن الدعاية المؤثرة هي تلك التي تستند على الحقائق الملموسة وتدير ماكنتها لتعرض الصورة الحقيقية, خاصة حين تكون واثقة مما تشير إليه.
أما في الحالات التي يقف فيها الجيش عاجزاً عن تحقيق نجاحات وإنجازات في ساحات القتال, فهنا لا بد للأجهزة الإعلامية الموضوعة في خدمة القيادة العسكرية أن تشتد فيها الدعاية لصالح معنويات العسكريين, ففي تلك اللحظات تكون الأعصاب مشدودة, بسبب غموض الموقف وعنف المفاجآت. هنا على الدعاية أن توجّه جهودها للتأثير على الأعصاب, وعلى النفس التي تكون في حالة توتر واضطراب وليس على العقل,لأن المطلوب منها أن تبدأ بتعزيز الشعور التدريجي بالاطمئنان, فذلك يُحدث استقرارا في نفسية المقاتل وهو أمر مهم جداً في المراحل العصيبة والحاسمة.
ومن أبرز أهداف الدعاية وأهمها في المجال العسكري:
¬ المحافظة على الروح المعنوية للجيش وتوجيهه فكرياً ونفسياً لتقبل ظروف الحرب وما قد ينتج عنها.
¬ كسب تأييد الرأي العام من خلال شرح أبعاد القضية وخطورة الموقف.
¬ إحداث الفرقة بين صفوف العدو وإضعاف قدرته القتالية.
¬ كسب العدو فكرياً, وإظهار أن قضيته خاسرة ولا جدوى من نضاله وإطالة الحرب.
¬ نشر التخاذل وتثبيط المعنويات وإرهاق العدو, للوصول إلى تحطيم الدوافع والبواعث للقتال.

الشائعة.. وسيلة وهدف

تأخـذ الشائعة نفس طابـع الدعاية, فهي تهدف إلى تزييف الحقائق وتتحرك بالكلمة المنطوقة بين الأفراد, متعمدة بث الشقاق وتوسيع شقة الخلاف بين الخصم وحلفائه في الداخل والخارج, وإجباره على تغيير خططه وبرامجه, وهي دائماً تجد أذناً صاغية وميلاً قوياً لتقبلها كحقيقة ثابتة, رغم أنها قد لا تحمل دليلاً على صحتها وتتغيّر تفاصيلها من فرد لآخر. والشائعة كالدعاية تماماً, تشكل خطورة على واقع المدنيين والعسكريين على السواء, لأنها تبعث في النفس والروح دفعاً جديداً يحدد نشاط الأفـراد نمـواً صاعداً أو ضموراً, والشائعة عادةً تسري في ضعفاء النفوس والأعصاب كسريان النار في الهشيم.
وتعتـبر الشائعة من الوسائل الأساسية للضغط التي تسبق مرحلة إعلان الحرب بين جيشين, إذ يرى فيها طرفا النزاع خير وسيط لإحباط خصمه ومحاصرته ليصبح عاجزاً عن التقدم وفي حالة خضوع تام. وأكثر, تتدخل الشائعة تدخلاً مباشراً في توجيه دفة سياسة الدولة, وتسدد طعناتها إلى صميم المؤسسات من دون استثناء. ومما لا شك فيه, أن الهدف الأساسي من الشائعة, هو هدف شخصي, نفعي وآني, ودائـماً يكون لمصلحة فريـق أو طبـقة معيـنة. ويرى “شارلز أتندال” أن الشائعـة تستـخدم كستار لإخفـاء حقيـقـة معينة وتكوين صورة بعيدة كل البعد عن الواقـع, ومن أهدافها, وضع الخـصم في حالـة نفسـية متدنية, والتأثير على نمـط العلاقات وتعكير الأجواء إلى درجة مخيفة.. وأيضـاً, السيطـرة علـى قدرات الخصـم لتسـديد الضـربة القاضيـة في اللحظـة الحاسمـة.
كما تتعمد الشائعة ترويج الأخبار التي تشيع الرعب في نفوس المقاتلين وتعزز فيهم حالة التشاؤم, طمعاً من مروّجيها بمنع الخصم من تنفيذ خططه العسكرية وتحقيق الطموحات المقررة قيادياً.

سمات الشائعة

تنطلق الشائعة من واقع المجتمع الذي تبث فيه, وتأخذ حاجات الأفراد بعين الاعتبار عند بثها, وهي تتسم بطابع الغموض, كونها لا تنتسب إلى مصدر محدد, لأن الغموض يولّد الشك, وهذا مطلوب لنجاح مقاصدها.. والشائعة تُنسب من خبر لا أساس له من الصحة, أو دبلجة خبر فيه شيء من الصحة, وتكون دائماً موجزة لتسهيل نشرها… وقد أجمع علم النفس أن الشائعة هي عبارة عن تنفيس للمشاعر المكبوتة, ويرى فيها الفرد ما ليس موجوداً في غيرها؛ وهي تنجح دائماً في بثّ سمومها, لأن مروّجي الشائعات يقدّمون الشائعة بصورة برّاقة, فلا تخرج إلا بعد حبكة وصياغة واختيار جيّد للكلمات والزمن لتفرض نفسها بقوة على الرأي العام.
إن عملية انتقال الشائعات تتعرّض أثناء حركتها إلى عملية تحوير, وهذا التحوير أو ما يسمى بالتطعيم يستفيد منه مروّجو الشائعات, لأن عملية التحوير تخدم الهدف الذي من أجله تمّ إطلاق الشائعة إلى النور… والشائعات تختلف باختلاف المواقف, فهنالك الشائعات السوداء, وهي تحمل طابع التشاؤم وتكون سريعة الانتشار والهدف منها إرباك الخصم.. أما الشائعات البيضاء, فهي تدعو إلى التفاؤل وتثبيت الثقة في النفوس وتقوية العزائم.
وهنالك بعض الشائعات هي من القوة بحيث تزيد من الحالة الانفعالية للفرد, والمعروف أن الانفعال يزيد من الحساسية النفسية عند الأفراد ويخلق البلبلة في الرأي العام, وقد قيل فيها, أنها أفضل أسلوب مدمّر استخدم في الحروب, وسلاح مدمّر من أسلحة الحرب النفسية.. فلماذا نخضع الأعداء بالوسائل الحربية ما دام بوسعنا إخضاعهم بوسائل أبسط وأجدى؟
وتكـثر الشائعات في فترات الطوارئ, وعندما يرتاب الناس في سلامة الوضع السياسي والأمني, وتفرض نفسها حين يكون الناس في حالة من الترقب أو الخوف من حدوث أمر ما, فإذا ما ظهرت الشائعة لاقت قبولاً خاصةً إذا كان تمثل ذلك الموقف الغامض, ونذكّر بأن الغموض في الشائعة يساعد في انتشارها ويعطي للناس فرصة أكبر في تصديقها.. ولا يمكن الإستهانة مطلقاً بخطورة الخلفية التي تتركها الشائعة وراءها. وحتى نحجّم من أهمية الشائعة وخطرها على المجتمع المدني والعسكري, لا بد من التعاون الوثـيق بين المواطـن والسلـطة لمحاربتـها بإظـهار الحقيـقة والدوافـع التي كانت وراء اختلاقها للرأي العام, كما يجب عدم تلقي الشائعة بانفعال, ومناقشتها, وتحديد مصدرها, والإبلاغ عنها, لتنبيه المواطنين وتوضيح الدوافع, فهذا يحد من انتشارها.
وهنا, لا بد من التنويه, بأن لأجهـزة الإعلام دوراً كبـيراً في تحجـيم الـشائعة أو العـكس, بيد أن الشائعة تؤدي إلى انعكـاسات سلبية لدى الرأي العام, ما لم تقترن بصـحة المـصدر والمـعلومات وتتـحدد دوافـعها, ونحـن اليوم أحوج ما نكون إلى صرف النظـر عن الشائـعات, حيـث أننا لم نزل ننفـض عنّا غبار الشائعات التـي كان لهـا دور كبـير في إشعال نار الفتنة التي دفع ثمنها الوطن والمواطن. وللقـضاء على الـشائعة, المطـلوب, عدم ترديدها, لأن عدم ترويجها يحد من سريانهـا وانتشارها, لتدفن في مهدها, فإذا كانت صحيحة المصدر وتحمـل إلى الـناس حقيقة ثابتة, لا بد أن تعود لتفرض نفسها وبقوة, لأن الحقائق كالشمس التي وإن غابت لا بدّ أن تشرق من جديد.

لماذا ستتغير الحدود .. كيف ستسقط “سايكس – بيكو”.. ليبيا وسورية والعراق ؟

23-1-20147-1-d

من ضمن الأسئلة التي بدأت تطرح نفسها بقوة في الآونة الأخيرة مع تسارع الأحداث في العراق وقبلها في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، هو ما إذا كنا بصدد تفكّك حدود دول المنطقة التي تمّ وضعها قبل نحو قرن. ولكن الأزمة في العراق وسوريا تعود في جذورها لزمن ليس قريبا. والجديد فيها أنّه الآن من غير الممكن تغيير مجرى الأحداث التي ستفضي إلى تغيّر جذري في خريطة الشرق الأوسط بالشكل الذي نعرفها الآن.

ومنذ الأيام الأولى للربيع العربي، تصوّر الكثيرون أنّه من المحتمل أن يدخل العالم العربي مرحلة من الديمقرطة الواسعة بما من شأنه أن يؤدي بدوره إلى وحدة اجتماعية أكبر. لكن ذلك لم يحصل. “فثورة الشعب” في مصر في مصر تم تخريبها، والتحركات في البحرين تأثرت سلبا بالمساعدة العسكرية السعودية للمنامة. ولكنّ الأكثر إثارة للاهتمام هو الانقسام المضطرد للأمم داخل أجزائها التاريخية المشكلة لها.

وربما يبدو تركيز العالم منصبا الآن على الانقسامات في العراق بين الشيعة و السنة و الأكراد، ولكن نفس “البلقنة” حدثت في ليبيا التي انقسمت واقعيا إلى ثلاث دويلات بحكم الأمر الواقع. وتقريبا في حكم المؤكد أن تكون سوريا هي المقبلة على نفس اللائحة . فقد قسّمت الحرب الأهلية الوحشية الأمة في سوريا إلى أجزاء تسيطر على عدد منها الحكومة والمعارضة المسلحة على أجزاء أخرى. وهناك الآن حديث خافت داخل أوساط نظام بشار الأسد، حول الانزواء بغرب سوريا ذي الحضور القوي من قبل العلويين من أجل تسهيل الدفاع عن مناطقهم.

لكن كيف وصلنا إلى هذا؟ للإجابة عن ذلك سيكون أمرا جيدا أن نلقي نظرة على خريطة المنطقة أثناء الإمبراطورية العثمانية. فاللحفاظ على السلم والتنوع الرائع في المناطق التي تتبعها، لجأ السلاطين العثمانيون إلى نظام ذكي جدا اسمه النظام “الملي” الذي يلزم تلك المناطق بالولاء للباب العالي ودفع الضرائب مقابل أن تحافظ تلك المناطق على حكم بنفسها وهي التي تمتاز بتنوع أعراقها وطوائفها.

ورغم أن “النظام الملي” كان تقريبا مثاليا من حيث عدم احتوائه على بذور المشاكل، إلا أنه شكّل حجر الزاوية تقريبا في ضعف الإمبراطورية العثمانية حتى أصبح يطلق عليها “الرجل المريض.” وانتهى أمر تلك الإمبراطورية عام 1914 عندما انضمت إلى كل من ألمانيا والحلف النمساوي-المجري أثناء الحرب العالمية الأولى. اعتبرت كل من فرنسا وبريطانيا بسبب ذلك، الإمبراطورية العثمانية “الغنيمة الأكبر” لاسيما أنها تعدّ أكبر حدّ أمام سيطرة أوروبا ومدّ سطوة الاستغلال الاقتصادي.

لكن قبل ذلك، كان يتعين على فرنسا وبريطانيا أن يفوزا بالحرب لكنهما عانتا ضعفا استمر حتى 2015. وفي حركة يائسة، توصلت بريطانيا إلى اتفاق مع الأمير حسين بن علي الهاشمي، حاكم الحجاز، غرب شبه الجزيرة العربية، على إطلاق ثورة عربية ضدّ الأتراك، ومقابل ذلك منح وعدا بأن تمنح كل الدول العربية الاستقلال. لم تنفذ بريطانيا وعدها بسرعة، ودخلت في مفاوضات مع فرنسا انتهى باتفاقية سايكس-بيكو، التي كانت تقليصا لمساحة المنطقة الموعودة بالاستقلال وحصرها في أراض بور في الجزيرة العربية-حيث لم يتم اكتشاف النفط إلا لاحقا-وحازت القوتان العظميان كل ما تبقى.

إضافة إلى ذلك، وعبر “بيان بلفور” شجعت بريطانيا على الهجرة اليهودية إلى “منطقة فلسطين في سوريا” والتي ستشكل لاحقا عماد إنشاء إسرائيل. ولم يتم الكشف عن ما ينتظر العرب إلا بعد نهاية الحرب بالتوقيع على اتفاق سان ريمو عام 1920. ورغم الاحتجاج الواسع من القوميين العرب، تم تقسيم سوريا الكبرى إلى أربعة أجزاء، فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسوريا الحديثة، فحازت بريطانيا على الدولتين الأوليين وفرنسا على الثانيتين.

وما زاد أكثر من التقلبات، مثلما ستثبته الأحداث، كانت المكائد البريطانية في العراق. ففي مفاوضاتهم، الأولى مع الأمير الحسين بن علي، طلب البريطانيون “ترتيبات إدارية خاصة” في المناطق الجنوبية في بلاد ما بين النهرين أين تم اكتشاف النفط. لكن ومع نهاية الحرب، تم اكتشاف النفط في الشمال أيضا ومع استبعاد استقلال العرب، لجأ البريطانيون ببساطة إلى ضم ثلاثة مناطق تتمتع بحكم شبه ذاتي في منطقة واحدة سمتها دولة.

لقد كان ما فعله الفرنسيون والبريطانيون أنّهم أنشأوا بركانا ثم جلسوا على فوهته. وخلال العقود الثلاثة التي تلت تلك الأحداث، نجحوا في إدارة الغضب العربي سواء عبر وضع زعماء محليين أو بإرسال قوات. ولكن ومع بداية خمسينيات القرن الماضي، انهارت سطوتهما وانبثق من الفراغ جيل من الدكتاتوريات العسكرية القومية سيطرت على المنطقة الممتدة من ليبيا إلى العراق.

ولكن ما انعكاس ذلك على ما نشاهده اليوم؟ أعتقد أن الجواب يجد نفسه مستندا إلى إرث سيكولوجي تجاه “النظام” الذي فرضته القوى الأوروبية على المنطقة قبل قرن. فمنذ تلك “الخيانة الكبرى” تبدو رغبة العالم العربي واضحة في تعريف نفسه بما يعارضه: مثل الصهيونية والاستعمار والسياسة الغربية والامبريالية الثقافية، أكثر منه بما يطمح إليه. وحتى مع استغلال القادة العرب لثقافة التآمر وهذه العقلية في التعامل مع أزماتهم الداخلية وتطويق المعارضين لهم، إلا أنّ الأمر تحول إلى ذهنية داخلية.

وخلال ربع قرن من تغطيتي الحروب ومناطق النزاع في مختلف أنحاء العالم، أيقنت أن حركات التمرد والاحتجاجات، أينما كانت في العالم، تعبّر عن مطالبها بشأن ما ترغب فيه من قضايا، لكن في الشرق الأوسط، للمفارقة، يبدو الأمر تقريبا في مجمله يتعلق بالتعبير عن ما يرفضه الشارع العربي وليس ما يرغب فيه.

ونتيجة لذلك، على ما أعتقد، يحدث فراغ بمجرد إزالة الوضع الراهن، وبدلا من ذلك، يقوم الشارع العربي بتعبئة ذلك الفراغ بتركيز الأنظار على الأمور التي كانت تسبق سبب غضبه: معتقداتهم وعشائرهم. وفي الوقت الذي يبدو الوضع أقل سوءا في الدول التي تتمتع بهوية قومية قوية مثل مصر، فهناك يؤدي عدم التوصل إلى توافق يعني فقط خنق ثورة الشعب، فإن الأمر مختلف تماما في أمة “مركّبة” مثل العراق.

ونحن الآن بصدد الوضع نفسه في سوريا، فمادام أي من فصائلها المقاتلة غير قابل للخسارة عسكريا، لاسيما مع دعم القوى الإقليمية لكل فصيل حسب أجنداتها، فإنّ سفك الدماء سيستمر إلى أن تنبثق بحكم الأمر الواقع “أمم مصغّرة.” وفي العراق، تبدو كردستان مستقلة ولا ينقصها سوى الاسم خجلا من أن يثير ذلك حنق حاميها الرئيس تركيا.

والسؤال الأكبر الآن هو ما إذا كان “تنظيم داعش” سيضم المناطق التي يوجد فيها في العراق إلى تلك التي يسيطر عليها في سوريا، وهو ما قد يؤدي إلى مفارقة يقتنع فيها النظام الشيعي في العراق والعلوي في سوريا إلى أنه من المحتمل أن “الدولة التي بناها الإرهاب” قد تكون الأسلوب الأمثل لتجنب أعدائهما السنّة.

والمؤكد أيضا أنّ المفاجأة الأكبر حتى الساعة تتعلق بالهدوء الكبير حتى وإن كان نسبيا في الأردن، تلك المملكة التي أنشئت بقطع أرض من هنا وهناك من قبل القوى الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى. ورغم الخشية من أن تسقط بدورها في الفوضى، يمكن القول إنها نجحت في الصمود بسبب حاجة الجميع ولاسيما جيرانها إلى ما يشبه “سويسرا” في المنطقة. ما الذي سينفجر لاحقا؟ نحن فقط بصدد الاستعداد لأن نعوّد عيوننا على عدم رؤية أماكن رسمتها الإمبريالية الأوروبية.

سكوت أندرسون : مراسل حربي مخضرم سبق له العمل في لبنان وإسرائيل ومصر وعدة مناطق أخرى. ومؤلف عدة كتب من ضمنها “لورنس العرب.” ( المصدر : CNN).

جماعات خارج التاريخ

21-6-2014-2-d

 

د. إبراهيم العاتي(*) …

كخفافيش الظلام يتحركون، ومثلها يتنقلون… من كهوف (تورا بورا) في أفغانستان وحتى مغارات الداغستان والشيشان، ومن غابات اندونيسيا والفليبين إلى كثبان الصحراء الكبرى في الجزائر ومالي وغيرهما من البلدان. تحت شعارات الإسلام ينطلقون، ولكنهم لا يفقهون من الاسلام إلا السيف، ومعناه القتل والذبح من الوريد الى الوريد لمن خالفهم الرأي أياً كان دينه أو مذهبه او طائفته أو نحلته او جنسيته أو قوميته، مع اطلاق صيحات التكبير والتهليل، بل حتى لو كان من نفس مذهبهم، وقتالهم الضاري مؤخراً في سوريا ضد جيش النصرة وجيش الاسلام والمجاهدين وسواهم من التنظيمات التكفيرية دليل قاطع على ذلك.
جمعتهم إرادات الدول الغربية المساندة لإسرائيل في صراعها مع الاتحاد السوفياتي السابق الذي احتل أفغانستان عام 1978، فقادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا دولياً سياسياً وعسكرياً ضده، لتمسح عار هزيمتها المنكرة في فيتنام، وفكرت فيمن يقوم بهذه المهمة، فوجدت ضالتها في ( المجاهدين)، وهكذا بدأت حملة دؤوبة لجمعهم من مختلف أقطار العرب والمسلمين، وأنشأت لهم قواعد ومراكز تدريب في مصر (كامب ديفيد)، التي كان مهندسوها يهدفون إلى إشغال العالم بقضية جديدة غير قضية فلسطين، فوجدوا ضالتهم في الحرب الأفغانية، وفي اليمن التي أصبحت من مراكز القاعدة الرئيسة في العالم، وفي دول خليجية عديدة وعلى رأسها السعودية التي كانت مؤسستها الوهابية تقوم بحشو أذهان هؤلاء بالفكر التكفيري ليسهل عليهم بعد ذلك إلغاء الآخر أو قتله!
وفي باكستان بدأ تجميعهم من كل حدب وصوب في معسكرات بيشاور لينطلقوا منها لتنفيذ مهماتهم القتالية. وفي إحدى المرات خطب فيهم بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي خطبة عصماء عن الجهاد ملوحاً برشاش كان يحمله نحو كابل! والمعروف أن لبريجنسكي دور كبير في تأسيس تنظيم القاعدة.
ومنذ ذلك الحين بدأ يلمع نجم عبد الله عزام وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهم ممن سمّوا (بالأفغان العرب)، بالإضافة إلى أمراء الحرب الأفغان الذين بدأوا بالجهاد ضد الروس ثم انتهوا بالجهاد ضد بعضهم بعضاً، الى أن جاءت حركة طالبان التي صنّعتها المخابرات الباكستانية والأمريكية، لتقضي على الجميع باستثناء أحمد شاه مسعود الذي اعتصم في وادي بانشير الحصين، لكنه قتل بشكل مريب قبل الغزو الأمريكي لأفغانستان بيومين!
لقد كانت لأمريكا أهداف متعددة في دعمها للمقاومة ضد الاحتلال الروسي لأفغانستان، أهمها: أولا، الانتقام من الروس بسبب دعمهم للمقاومة الفيتنامية التي هزمت الجيش الأمريكي وأجبرته على الهروب من فيتنام، والثاني يتعلق (بالعرب الأفغان) والدور الذي سيقومون به في بلدانهم بعد رجوعهم إليها فيما لو انسحبت القوات الروسية. وبالفعل فقد حققت الهدف الأول حينما انسحبت قوات الجيش الأحمر من أفغانستان، وتحررت أمريكا، ولو نسبيا، من عقدة فيتنام، أما الهدف الثاني فقد تكفلت به أجهزة المخابرات الغربية والعربية المتعاونة معها، وبخاصة المخابرات السعودية التي كان يقودها في تلك الحقبة الأمير تركي الفيصل، حيث بدأت باستخدامهم في تفجير المجتمعات العربية من الداخل، وكانت الجزائر هي المحطة الأشد إيلاماَ خلال ما سمي بالعشرية السوداء في التسعينيات من القرن الماضي، والتي أزهقت فيها عشرات الألوف من الأرواح البريئة، وكادت ان تودي بالدولة الجزائرية التي تشكلت بعد كبرى الثورات التحررية في القرن العشرين، وقل مثل ذلك في مصر واليمن والصومال وغيرها التي عشعش فيها الإرهاب المتبرقع بالإسلام السياسي حتى ينفر الناس من أي ارتباط بين الإسلام والسياسة!
أما أفغانستان، وما أدراك ما أفغانستان!.. فهذا البلد الشحيح الموارد، ذو التضاريس الجغرافية القاسية، والتركيبة القبلية والعرقية المغلقة، قدر له أن يكون حقلاً عالمياً للتجارب، ساهم في تكوينه المعسكر الشيوعي حتى انهياره المدوّي بعد سقوط جدار برلين، وتلقفه الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وهو في قمة غروره وخيلائه إثر تفكك الاتحاد السوفييتي وتغيير الأنظمة في الدول الاشتراكية المرتبطة به، وانضمامها للاتحاد الأوروبي، حيث عبر (فوكوياما) أحد منظري الرأسمالية عن هذه المرحلة بأنها نهاية التاريخ!!
وبدلاً من أن تمد الولايات المتحدة والغرب والقوى الإقليمية النفطية المتحالفة معها يد العون لهذا الشعب المنكوب بالاحتلال وتبعاته التي أدت بالملايين من أبنائه إلى الهجرة والعيش في مخيمات اللاجئين في باكستان وإيران وبقية الدول المجاورة الأخرى، فإنها رسمت له مخططا جهنميا يقضي بأن يكون مركزا لتفريخ جماعات العنف الديني المسلح، مستفيدة من معلومات خبرائها المتضلعين في تاريخ الجماعات المتطرفة في مختلف عهود الإسلام، من الخوارج وحتى محمد بن عبد الوهاب!.. فدعمت حركة طالبان، وهي مزيج من التعصب القبلي والتزمت الديني الخارج عن التاريخ والمنفصل عن العصر، التي سيطرت على معظم أراضي أفغانستان، وكذلك أشرفت الولايات المتحدة على تأسيس تنظيم القاعدة الذي كان ومازال يهدف الى تمزيق المجتمعات العربية والإسلامية عن طريق بث الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشيعة والسنة، وبين السنة والاباضية، وبين السنة أنفسهم كالا شاعرة والصوفية واتباع الذاهب الفقهية الرئيسة كالأحناف والمالكية والشافعية، واعتبار ان المذهب الحق هو المذهب الحنبلي حسب تفسير ابن تيمية وابن القيم له، لا حسب ما كان يراه ابن حنبل نفسه!
لقد عملت الولايات المتحدة على إذكاء روح التطرف ومحاربة قوى الاعتدال في كل دين او مذهب، لأن المعتدلين دعاة تفاهم واستقرار وحل المشاكل بالحوار لا بالسلاح، بينما هدفها خلق حالة من الاحتراب الداخلي بين المكونات الدينية والمذهبية والاثنية للمجتمعات من اجل إضعافها، تطبيقا للمبدأ الاستعماري القديم (فرق تسد)!..وبالنسبة لشعوبنا العربية والإسلامية فإن خير من أدى ومازال يؤدي هذا الدور هم الجماعات المتطرفة ومن يقف وراءها من دول عالمية وإقليمية. فهذه الجماعات تعتقد انها لوحدها على صواب وغيرها –مهما بلغ من العلم- على خطأ، وليتها تقف عند هذا الحد ولكنها تتوسل لفرض رأيها بالعنف وقوة السلاح، فليس عندها اسهل من تكفير الأشخاص والمذاهب بل والمجتمعات باعتبارها مجتمعات جاهلية يجب قتالها!..
وهكذا فان معركتها الحقيقية تغدو مع مجتمعاتها وليس مع العدو الذي يغتصب الأرض ويهوّد القدس ويريد تدمير المسجد الاقصى لإقامة هيكل سليمان في مكانه، ويهدد اي دولة عربية او مسلمة تمتلك من اسباب القوة العلمية أو العسكرية او الاقتصادية ما يمكن ان يشكل خطرا عليها في الحاضر او في المستقبل.. فهل هنالك خدمة تقدم لإسرائيل وحلفائها اعظم من الخدمة التي يقدمها لها التكفيريون؟!
وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن العلاقة بين هذه الجماعات والدول والأجهزة الخفية التي هندستها ومولتها ومكنتها من التحكم في بعض المناطق والبلدان هي علاقة ملتبسة وتتميز بنوع من الازدواجية. فالجماعات الإرهابية المتطرفة التي تلبس لبوس الدين لا تجد مانعا شرعيا من التعاون مع أجهزة الاستخبارات الدولية والمحلية لتحقيق هدف مشترك حتى وإن بدا أنهما مختلفان ظاهريا. فالرئيس أنور السادات كانت عقدته في بداية حكمه هي القوى اليسارية والناصرية التي كانت سائدة في الجامعات والمنابر الثقافية والهياكل السياسية كالاتحاد الاشتراكي واتحادات العمال والطلبة وغيرها، وكانت تشوش على سياساته اليمينية التي تتجه غربا، والتي انكشفت على حقيقتها في رحلته المشؤومة إلى القدس، وإلقائه لخطابة الشهير في الكنيست تحت صورة هرتزل صاحب فكرة الدولة اليهودية، ولم تنفع كل وسائله الإعلامية في الحد من نفوذ هذه القوى وتحريكها للشارع في المظاهرات التي سبقت حرب أكتوبر 1973، ومظاهرات الخبز في يناير 1977 والتي اشتعلت فيها مصر بنار الثورة من الإسكندرية وحتى أسوان، وكادت ان تودي بنظامه لو كانت هناك قيادة معارضة قوية تستطيع تنظيم تلك الجموع المنتفضة وتوجيهها الوجهة الصحيحة.
لذا فقد تفتق ذهنه عن خطة جديدة وهي ضرب النقيض بنقيضه، فكلف احد أعوانه وهو محمد عثمان إسماعيل الذي كان عضوا قياديا في الاتحاد الاشتراكي العربي ايام الرئيس عبد الناصر ولما توفي مال مع الريح فأصبح ساداتياً.. كلفه بتأسيس الجماعات الإسلامية في الجامعات ثم عينه محافظا لأسيوط ليقوم بتدريب وتسليح تلك الجماعات، مستغلا التعصب القبلي وعادة الثأر المتغلغلة في مجتمعات الصعيد بوجه عام، والوجود القبطي المكثف في الصعيد منذ قرون عديدة، فكان باكورة أعمال تلك الجماعات تفجير الفتنة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين، والتي حاول السادات تصفية جميع خصومه تحت ستارها، لكن المارد الذي اطلق من عقاله يصعب رده أو ترويضه فبدأ ينمو ويتكاثر وينشطر وينتقل للعالم الأوسع حتى انقلب على السادات نفسه، وتمكن من قتله في يوم عيده. لأن هذه الجماعات سلاح ذو حدين قد تقتل به وقد يقتلك، وهو ما حصل فعلا!
وهكذا يمكن تفسير علاقتهم بالرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، لأن المدققين في الشأن اليمني يرون أن نظام صالح – بالتعاون مع جارته الشمالية- هو من زرع بذور القاعدة في اليمن، وجعلها تتكاثر وتنتشر ليهدد بها خصومه في الداخل، ويستجدي دعم الدول الكبرى في الخارج بحجة محاربته للإرهاب، متهربا في الوقت نفسه من مطالبها له بإجراء إصلاحات سياسية!
وقد عبر وزير الخارجية الروسي لافروف عن هذه العلاقة المزدوجة للدول الغربية في التعامل مع الارهاب حينما حصلت ازمة مالي، فخاطب المسؤولين الفرنسيين قائلا: إنكم تحاربون الإرهاب في مالي وتدعمونه في سوريا!.. فالإرهاب إذن خط احمر حينما يهدد مصالحهم او يصل الى بلدانهم، ولكنهم يرحبون به ويشجعون عليه حينما يخدم مخططاتهم.
وما يجري في العراق من فظائع ترتكبها الجماعات التكفيرية ضد المدنيين الآمنين في المنازل والأسواق والجامعات ودور العبادة وغيرها، يثبت بما لا يقبل الشك أن هذه الجماعات لا تملك مشروعا للبناء لأن مشروعها عدمي هدفه الهدم فقط كمقدمة لإحلال الفوضى، حيث تلتقي في هذه الناحية مع نظرية الفوضى الخلاقة التي نادى بها المحافظون الجدد وسارت عليها الإدارة الأمريكية حتى يومنا هذا. وستثبت الأيام أن لا مستقبل لهذه الجماعات لأنها عزلت نفسها عن المجتمعات وتحالفت مع الشيطان، الذي سيلفظها ويودي بها في يوم من الأيام!

* أكاديمي وباحث

حقائق مغيبة عن العراقيين … محافظات شمال العراق الستة جزء من تركيا

16-6-2014-1-d

بقلم:جسام السعيدي..

أراني مضطراً هذه الأيام وفي هذا الظرف العصيب على بلدنا الحبيب، لكشف بعض الحقائق التي اطلعت على مقدماتها وتوصلت الى نتائجها من استقراء اكتملت عندي خيوط مقدماته، من خلال بحثي ولقائي بأكاديميين ومواطنين أتراك، وأراني مضطراً لنشر ما اكتشفته بعدما اطلع على خطه العام الكثيرين ممن اخبرتهم به، وأطلعت أهل الرأي به تحسباً لتداعياته..
في رحلتي بعمل الى تركيا في شهر كانون الأول عام 2013م، تبين لي – وحسبما اطلعت عليه في مناهج التأريخ الذي تدرسه الحكومة التركية لطلبتها في المدارس والجامعات- الأمور التالية، علماً أن وسائل الإعلام والتوجيه الشعبي والحكومي محتشد باتجاه ترسيخ المعلومات المكذوبة على أنها حقائق:

1. تعمل الحكومة التركية ومنذ انسحاب قواتها المحتلة للعراق نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، تعمل على ترسيخ أكاذيب مضحكة في أذهان الأجيال المتعاقبة، وأصبحت بسبب تكرارها عليهم، بديهيات لا يناقشها التركي العالم فضلاً عن الجاهل، ألا وهي أن كل شمال العراق أو ولاية الموصل السابقة ضمن الدولة العثمانية المحتلة (محافظات: نينوى، دهوك، تكريت، أربيل، كركوك، السليمانية) هي أراضٍ تركية تآمر العراقيون مع البريطانيين على احتلالها!!!! وانسلخت رسمياً عن الجمهورية التركية عند تكوينها عام 1923، بل وهناك خارطة للجمهورية التركية يقع جزء منها في هذه المحافظات!!! كما أن تركيا تعلن بين الحين والاخر أن “ولاية الموصل” جزء من تركيا وأنها انسحبت منها ضمن معاهدة خلال الحرب العالمية الاولى!!!.

2. رغم إن بعض المناطق الملاصقة لشمال العراق التابعة حاليا للجمهورية التركية في محافظات هكار وماردين هي أراض عراقية يسكنها الكرد والعرب، وان أُورفة وغازي عنتاب فضلاً عن الاسكندرونة هي أراضٍ عائدة لسوريا أصلاً، رغم أن المحافظتين (التركيتين) الأولتين تضمان نسبة كبيرة في سكانها الأصليين من أصول عراقية عربية – حسبما اطلعنا من سكانها القاطنين في اسطنبول- فضلاً عن الكرد العراقيين والسوريين، أقول رغم كل هذه الحقائق المسكوت عنها من قبل الدولتين العراقية والسورية، والمغيبة عن شعبيهما، ورغم أننا لا نأتي بجديد إن قلنا أن هذه الأراضي العراقية نشأت فيها حضارة وتأريخ عراقيين قبل وجود تركيا أصلاً، ورغم أننا لا نريد تقليب الماضي، وتحت شعار (يمعود خلينا من الماضي وشنو سوالنا التاريخ!!) إلا ان الدولة التركية وبدل أن تسكت عن احتلالها لأراضٍ عراقية وسورية شاسعة سكانها من العرب والكرد العراقيين والسوريين، تعمل ومنذ عقود من الزمن على عكس المسألة – وكما ذكرنا سابقا – تحاول أن تربي شعبها على أن شمال العراق هو أرض تركية احتلها العراقيون!!! ومن اللطيف ان طالباً عراقياً يدرس الهندسة المعمارية في احدى جامعات اسطنبول، ويعيش فيها من 20 عاما، قد سألني: لماذا يصر العراق على احتلاله لأراض تركية؟ وعندما سألته مستنكراً عن أي أراض تتكلم؟ أشار عليَّ بأسماء محافظاتنا العراقية الشمالية الستة!!! وقال هذه حقائق بديهية وليست معلومات تعلمناها في المدرسة!!! فإذا كان العراقي المتعلم هناك يفكر بهذا الإسلوب فكيف يفكر مواطنهم؟!!!
ونحن نرى ان كل ذلك يجري لصرف النظر عن أن الأراضي العراقية والسورية الواقعة تحت الاحتلال التركي حالياً كانت تتبع تأريخيا للعراق وسوريا، بل وفي بعض الفترات إدارياً أيضاً، كما وجدناه من بعض الوثائق العثمانية.

3. ان الدولة التركية ومن خلال ما سبق ذكره، تحاول التهيئة الفكرية لشعبها، مثقفين وغيرهم، موالين ومعارضين، لاجتياح شمالي العراق وسوريا مستقبلاً، وتقبل الأمر من شعبها على أنه استرجاع لحقٍ مغتصب!!! أنهم يعملون على اعادة امجاد امبراطوريتهم العثمانية الجائرة، ولدينا شاهد من كتاب أصدرته حكومتهم فيه تعريف بالبلدان التي حكموها لم يشيروا لإسم العراق أصلاً!!! بل ذكروه بعنوان (بغداد والبصرة) بأزاء الشام واليمن ومصر!! على اعتبار ولاية الموصل (محافظات شمال العراق كله) منطقة تركية كما يزعمون!!! وبالمثل فعلت مع ليبيا فلم تعترف بوجودها، وعدتها جزئين هما بنغازي وطرابلس، وهو بالضبط ما يجري منذ الحرب الأخيرة هناك، من عملية فصل للجزئين، وكما تابعناه في الأخبار.

4. إن دعم تركيا لإقليم شمال العراق لوجستيا ومالياً وعسكرياً المسمى (كردستان العراق)، لا يمكن تفسيره أزاء ظلم الأكراد الأتراك وعدم اعطائهم أدنى حقوقهم، إلا أنه يصب في صالح مخططها لاحتلال شمال العراق، فهي تريد لهذا الاقليم أن يتمدد قدر ما يستطيع، بل وتساعد داعش وغيرها في تخويف أهالي المناطق المتنازع عليها وغيرها، من أنهم ليسلموا على أنفسهم عليهم الانضمام للإقليم، بل أن من المفارقات العجيبة أن تقف مع حكومة الإقليم ضد مصالح التركمان العراقيين في كركوك والموصل وتلعفر والشيخان التي تذرف عليهم حكومة تركيا يومياً دموع التماسيح بدعوى انهم ابناء عمومتهم!!! وقد يتساءل البعض وما الذي تستفيده تركيا من تمدد الإقليم؟ والجواب أنها تريده ان يصبح مؤهلاً كدولة قادرة على الاستقلال، وبمجرد استقلاله تنقض عليه محتلة اياه، لتسلم من لوم المجتمع الدولي، إذ انها حينذاك تكون قد احتلت أراضي جمهورية كردستان، التي ستكون جمهورية وليدة لم تقو بعد، ولم تحصل على اعتراف المجتمع الدولي بها، وبالتالي ستكون المهمة أسهل من احتلال أراض شمال جمهورية العراق!!! فيتعب أهلنا الكرد المخدوعين ببرزاني في استحصال أكبر ما يمكن من الأراضي لصالح الإقليم، وتقطف تركيا الثمار جاهزة، وما أشبه ما ما سيحصل بما حصل لجمهورية شمال قبرص التي انفصلت عن جمهورية قبرص، واحتلتها تركيا منذ 39 عاماً، دون أن يرمش للمجتمع الدولي أي طرف، وهو يسكت عن هذا الاحتلال منذ حصوله عام 1975، فهنيئاً حينها لأهلنا العراقيين الكرد، بدولتهم الوهمية القادمة المبتلعة من تركيا، فهم سيضيعون الخيط والعصفور كما يقول المثل، لا هم احتفظوا بإقليمهم ضمن بلدهم الأصلي العراق، ولا هم حصلوا على دولتهم المفترضة.

5. ان مما يؤكد سلوك تركيا الاقتصادي تجاه شمال العراق والعمل على أنه أرض تركية، حجم الاستثمارات فيه، وحجم العمالة التركية، فرغم أن الاستثمار في شمال العراق ليس أجدى من استثمارها في اماكن ذات جدوى اقتصادية هائلة، كالموانئ والحركة التجارية في البصرة، والفنادق والمولات في المدن المقدسة، إلا أننا نراها تستثمر في اربيل وتبني فنادق ومجمعات لم تسد لحد الآن كلف انشائها، بسبب قلة تدفق السياح مقارنة بمدن سياحية عراقية أخرى مثل كربلاء المقدسة والنجف الأشرف ومدن أخرى ممكن أن تجلب سياحاً أكثر لو استقرت كسامراء والكاظمية المقدستين.
ولا يمكن تفسير هذا السلوك الاقتصادي الراعي للإقليم إلا بكون تركيا تعتبر ما تنشؤه ليس هدراً فهو انشاء على أرضها، ولن يضيع مستقبلاً ما دامت الأمور تجري لصالحها.

6. ان تحركات اسامة النجيفي ورحلاته المكوكية خلال الأربع سنوات الى تركيا، وهو حفيد أبرز شخصية طالبت بالحاق الموصل بتركيا، وأفشل حلمه تصويت 95% من سكان شمال العراق عام 1925م حينما رفعت مسألة ولاية الموصل إلى عصبة الأمم (المنظمة الدولية التي سبقت الأمم المتحدة) بالبقاء في المملكة العراقية، وعدم الإلحاق بالجمهورية التركية الوليدة، نقول إن هذه التحركات لا تنفك ملازمة عن تحركات اثيل النجيفي وتآمره على تسليم الموصل لداعش، طالما أن الهدف واحد، وهو تحقيق حلم الجد، رغماً عن أنف العراقيين في شمال العراق، عرباً وكرداً وتركماناً وآشوريين وكلدان وشبك ويزيديين.

إننا وأزاء ما ذكرناه، مطالبون بالتوعية والتحرك لفضح هذا المخطط، بل ومقاطعة البضاعة التركية والسعودية وكل دولة تعمل ضد بلادنا، وللحديث بقية إن شاء الله…

دلائل ولادة الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام)

13-7-2014-10-d

ولادة الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام)
تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها
15 شعبان 255ﻫ، مدينة سامرّاء، العراق.
ليلة ولادته(عليه السلام)
قالت السيّدة حكيمة ـ بنت الإمام الجواد وأُخت الإمام الهادي وعمّة الإمام العسكري(عليهم السلام) ـ: دخلت يوماً على أبي محمّد(عليه السلام)، فقال: «يا عمّة بيتي عندنا الليلة، فإنّ الله سيظهر الخلف فيها».
قلت: وممّن؟ قال: «من نرجس»، قلت: فلست أرى بنرجس حملاً؟ قال: «يا عمّة إنّ مثلها كمثل أُمّ موسى لم يظهر حملها بها إلّا وقت ولادتها».
فبتّ أنا وهي في بيت، فلمّا انتصف الليل صلّيت أنا وهي صلاة الليل، فقلت في نفسي: قد قرب الفجر ولم يظهر ما قال أبو محمّد، فناداني أبو محمّد(عليه السلام) من الحجرة: «لا تعجلي».
فرجعت إلى البيت خجلة، فاستقبلتني نرجس وهي ترتعد، فضممتها إلى صدري، وقرأت عليها «قل هو الله أحد» و«إنّا أنزلناه»، وآية الكرسي، فأجابني الخلف من بطنها يقرأ كقراءتي.
قالت: وأشرق نور في البيت، فنظرت فإذا الخلف تحتها ساجد لله تعالى إلى القبلة، فأخذته، فناداني أبو محمّد(عليه السلام) من الحجرة: «هلمّي بابني إليّ يا عمّة».
قالت: فأتيته به، فوضع لسانه في فيه وأجلسه على فخذه، وقال: «انطق يا بني بإذن الله»، فقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، وصلّى الله على محمّد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ أبي».
قالت السيّدة حكيمة: وغمرتنا طيور خضر، فنظر أبو محمّد إلى طائر منها فدعاه، فقال له: «خذه واحفظه حتّى يأذن الله فيه، فإنّ الله بالغ أمره».
قالت السيّدة حكيمة: قلت لأبي محمّد: ما هذا الطائر، وما هذه الطيور؟ قال: «هذا جبرئيل، وهذه ملائكة الرحمة».
ثمّ قال: «يا عمّة ردّيه إلى أُمّه كي تقرّ عينها ولا تحزن، ولتعلم أنّ وعد الله حقّ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون»، فرددته إلى أُمّه.
قالت السيّدة حكيمة: ولمّا ولد كان نظيفاً مفروغاً منه، وعلى ذراعه الأيمن مكتوب: )جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً((1).
الحكمة الإلهية
اقتضت الحكمة الإلهية إخفاء ولادة هذا الوليد الجديد عن أعيُن العامّة – كما اقتضت من قبل إخفاء حمل وولادة النبيّ موسى(عليه السلام) – ليسلم من أذى ومُطاردة الحكّام الظالمين.
كما اقتضت الحكمة الإلهية تغيّبه عن الناس – إلّا الخواص من شيعته – وجعل السفراء الأربعة لمدّة سبعين أو أكثر؛ لربط الأُمّة به تمهيداً للغيبة الكبرى التي لا يُعلم مقدارها، حتّى يعود لنا ذلك النور الإلهي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً، وتلك هي حكمة الله البالغة في عباده.
اتّفاق المسلمين عليه
إنّ جميع المسلمين متّفقون على خروج الإمام المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان، وأنّه من ولد علي وفاطمة(عليهما السلام)، وأنّ اسمه كاسم النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والأخبار في ذلك متواترة عند الشيعة والسُنّة، إلّا أنّهم اختلفوا في أنّه هل وُلد أم سيُولد؟
فالشيعة وجماعة من علماء أهل السنّة على أنّه مولود، وأنّه محمّد بن الحسن العسكري(عليهما السلام)، وأكثر أهل السنّة على أنّه لم يُولد بعد وسيُولد، والحقّ هو القول الأوّل.
الأدلّة على ولادته(عليه السلام)
أوّلاً: كثرة الأحاديث الواردة في ذلك:
ألف ـ الأحاديث المتواترة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) ـ من الإمام أمير المؤمنين علي إلى الإمام الحسن العسكري ـ تؤكّد وتشخّص ملامح شخصيته.
ب ـ لقد أخبر الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الكثير من أصحابه بأنّ له ولداً، وأنّه سمّاه محمّداً، ونصّ أنّه مهديّ هذه الأُمّة الموعود في آخر الزمان.
فقد روي عن أبي هاشم الجعفري قال: «قلت لأبي محمّد(عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: “سل”، قلت: يا سيّدي، هل لك ولد؟ فقال: “نعم”.
فقلت: فإن حدث بك حدث فأين اسأل عنه؟ قال: “بالمدينة”»(2).
وعن محمّد بن عليّ بن بلال قال: «خرج إليَّ من أبي محمّد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيه بثلاثة أيّام يخبرني بالخلف من بعده»(3).
وعن مهران القلانسي قال: «قلت للعمري: قد مضى أبو محمّد؟ فقال لي: قد مضى، ولكن خلّف فيكم من رقبته مثل هذه، وأشار بيده»(4).
وعن عبد الله بن جعفر الحميري قال: «قلت لمحمّد بن عثمان العمري: إنّي أسألك سؤال إبراهيم ربّه جلّ جلاله حين قال: )رَبِّ أَرِني كَيفَ تُحْيي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئنّ قَلْبي(، فأخبرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: نعم، وله رقبه مثل ذي، وأشار بيده إلى عنقه»(5).
وهناك روايات أُخرى كثيرة صريحة برؤية السفراء الأربعة كلّ في زمان وكالته للإمام المهدي(عليه السلام)، وكثير منها بمحضر من الشيعة.
ثانياً: شهادة النساء:
ألف ـ فقد صرّحت القابلة بولادة ورؤية الإمام المهدي(عليه السلام) ليلة مولده، وهي قد تولّت أمر السيّدة نرجس(عليها السلام) أُمّ الإمام المهدي(عليه السلام)، وكان ذلك بأمرٍ وبإذنٍ من والده الإمام العسكري(عليه السلام).
والقابلة هي السيّدة حكيمة بنت الإمام الجواد(عليه السلام) وأُخت الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) وعمّة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، والسيّدة حكيمة امرأة جليلة صادقة تقية ورعة.
ب ـ المرأة العجوز التي أعانت السيّدة حكيمة في إجراء ولادة المولود الموعود(عليه السلام)، وفي أمرٍ كهذا لا يسمح أهل البيت(عليهم السلام) إلّا للنساء التقيّات المؤمنات.
ومن تجرؤ من النساء أن تقوم بإجراء هذه الولادة في عهد أحد أعتى الطغاة إلّا أن تكون ثقة أمينة.
ج ـ الخادمة التي رأت الإمام المنتظر(عليه السلام) مع إبراهيم بن عبدة النيشابوري.
ثالثاً: مَن شهد برؤيته(عليه السلام):
ألف ـ تمّ إحصاء مَن شاهد الإمام المهدي(عليه السلام) فبلغ ثلاثمئة وأربعة أشخاص.
ب ـ لقد شهد برؤية الإمام المهدي(عليه السلام) جمع كثير، سواء مَن كان منهم في زمن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، أو بعد وفاته(عليه السلام).
ولا يُعقل أن يتواطأ هذا العدد ويجتمع على الكذب، مع أنّهم من بلدان مختلفة. وها نحن نشير إلى أسماء بعض مَن رآه(عليه السلام) وكان وكيلاً للإمام العسكري(عليه السلام):
فمن بغداد: العمري، وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار.
ومن الكوفة: العاصمي.
ومن أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار.
ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق.
ومن أهل همدان: محمّد بن صالح.
ومن أهل الري: البسامي، والأسدي «محمّد بن أبي عبد الله الكوفي».
ومن أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء.
ومن أهل نيسابور: محمّد بن شاذان.
ومَن رآه(عليه السلام) ولم يكن وكيلاً للإمام العسكري(عليه السلام).
فمن أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حُليس، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي، وهارون القزّاز، والنيلي، وأبو القاسم بن دبيس، وأبو عبد الله بن فروخ، ومسرور الطبّاخ مولى أبي الحسن(عليه السلام)، وأحمد ومحمّد ابنا الحسن، وإسحاق الكاتب من بني نوبخت، وغيرهم.
ومن همدان: محمّد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمّد بن هارون بن عمران.
ومن الدينور: حسن بن هارون، وأحمد بن أُخية، وأبو الحسن.
ومن إصفهان: ابن باشاذالة.
ومن الصيمرة: زيدان.
ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمّد بن محمّد، وعليّ بن محمّد بن إسحاق وأبوه، والحسن بن يعقوب.
ومن أهل الري: القاسم بن موسى وابنه، وأبو محمّد بن هارون، وعليّ بن محمّد، ومحمّد بن محمّد الكليني، وأبو جعفر الرفّاء.
ومن قزوين: مرداس، وعليّ بن أحمد.
ومن نيسابور: محمّد بن شعيب بن صالح.
ومن اليمن: الفضل بن يزيد، والحسن بن الفضل بن يزيد، والجعفري، وابن الأعجمي، وعليّ بن محمّد الشمشاطي.
ومن مصر: أبو رجاء، وغيره.
ومن نصيبين: أبو محمّد الحسن بن الوجناء النصيبي.
كما ذُكر أيضاً مَن رأوه(عليه السلام) من أهل شهرزور، والصيمرة، وفارس، وقابس، ومرو.
رابعاً: النقل التاريخي:
لقد اتّفق الكثير من العلماء ومن المحدّثين ـ من أقطار متفرّقة ـ على تثبيت تاريخ ولادته الشريفة، كالمالكي والشافعي والحنفي والحنبلي. إضافة إلى اتّفاق الشيعة الإمامية كلّهم على مولده الشريف(عليه السلام). وفي كلّ هذا يكون التواطؤ على الكذب محالاً.
ولا بأس بذكر بعض الاعترافات التي ذكرها بعض أعلام السنّة بأقلامهم بولادة الإمام المهدي(عليه السلام):
1ـ ابن الأثير الجزري (ت 630ﻫ)، قال في كتابه (الكامل في التاريخ) في حوادث سنة (260ﻫ): «وفيها تُوفّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر».
2ـ ابن خلكان (ت 681ﻫ)، قال في (وفيات الأعيان): «أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجّة… كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين». ثمّ نقل عن المؤرّخ الرحّالة ابن الأزرق الفارقي (ت 577ﻫ) أنّه قال في تاريخ ميافارقين: «إنّ الحجّة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومئتين، وقيل: في ثامن شعبان سنة ستّ وخمسين، وهو الأصح».
3ـ الذهبي (ت 748ﻫ) اعترف بولادته(عليه السلام) في ثلاثة من كتبه، ولم نتتبّع كتبه الأُخرى.
قال في كتابه (العبر): «وفيها ـ أي: في سنة 256ﻫ ـ ولد محمّد بن الحسن بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم، الذي تلقّبه الرافضة الخلف الحجّة، وتلقّبه بالمهدي والمنتظر، وتلقّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثني عشر».
وقال في تاريخ (دول الإسلام) في ترجمة الإمام الحسن العسكري: «الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد أئمّة الشيعة الذي تدّعي الشيعة عصمتهم، ويُقال له: الحسن العسكري؛ لكونه سكن سامرّاء، فإنّها يُقال لها العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، تُوفّي إلى رضوان الله بسامرّاء في ثامن ربيع الأوّل، سنة ستّين ومئتين، وله تسع وعشرون سنة، ودُفن إلى جانب والده.
وأمّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجّة، فولد سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ستّ وخمسين».
وقال في (سير أعلام النبلاء): «المنتظر الشريف أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين عليّ بن الحسين الشهيد ابن الإمام عليّ بن أبي طالب، العلوي الحسيني، خاتمة الاثني عشر سيّداً».
4ـ ابن الوردي (ت 749ﻫ)، قال في ذيل تتمّة المختصر المعروف بـ (تاريخ ابن الوردي): «ولد محمّد بن الحسن الخالص، سنة خمس وخمسين ومئتين».
5ـ أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي (ت 974ﻫ)، قال في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ما هذا نصّه: «أبو محمّد الحسن الخالص، وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري، ولد سنة اثنتين وثلاثين ومئتين… مات بسُرّ مَن رأى، ودُفن عند أبيه وعمّه، وعمره ثمانية وعشرون سنة، ويُقال: إنّه سُمّ أيضاً، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويُسمّى القائم المنتظر، قيل: لأنّه سُتِرَ بالمدينة، وغاب فلم يُعرف أين ذهب».
6ـ الشبراوي الشافعي (ت 1171ﻫ)، صرّح في كتابه (الإتحاف) بولادة الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري(عليهما السلام) في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين من الهجرة.
7ـ مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت 1308ﻫ)، اعترف في كتابه (نور الأبصار) باسم الإمام المهدي ونسبه الشريف الطاهر وكنيته وألقابه، في كلام طويل إلى أن قال: «وهو آخر الأئمّة الاثني عشر على ما ذهب إليه الإمامية»، ثمّ نقل عن تاريخ ابن الوردي ما تقدّم برقم 4.
8ـ خير الدين الزركلي (ت 1396ﻫ)، قال في كتابه (الأعلام) في ترجمة الإمام المهدي المنتظر: «محمّد بن الحسن العسكري الخالص بن عليّ الهادي أبو القاسم، آخر الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية… ولد في سامرّاء، ومات أبوه وله من العمر خمس سنين… وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة 552، وفي تاريخ غيبته: سنة 265ﻫ».
خامساً: مراقبة السلطة:
كانت حياة الإمام العسكري(عليه السلام) قد امتدّت في حكم ثلاثة من خلفاء الجور من بني العباس، هم: المعتز (ت 255ﻫ)، والمهتدي (ت 256ﻫ)، والمعتمد (ت 279ﻫ)، وكان المعتمد العبّاسي أشدّ أُولئك حسداً وبطشاً لأهل بيت النبوّة(عليهم السلام).
وعرف هؤلاء من أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) وجود المهدي المنتظر(عليه السلام)، وأنّه من أولاد الإمام عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وأنّه الإمام الثاني عشر لأئمّة أهل بيت العصمة(عليهم السلام)، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
ولكلّ ذلك بذل المعتمد جهده في المراقبة والبحث عنه لقتله؛ حتّى لا يُزال سلطانه وأمانه، ولذا قد أمر شرطته بخطوة خبيثة منه بعد قتل الإمام العسكري(عليه السلام)، بتفتيش دار الإمام العسكري(عليه السلام) تفتيشاً دقيقاً للعثور على الإمام المهدي(عليه السلام).
وحبس جواري الإمام العسكري(عليه السلام) واعتقل حلائله، وقد بثّ القابلات للبحث عمّن لديهنّ حمل، أو مراقبتهنّ لأمر الحمل، حتّى بقيت هنالك امرأة مراقبة لمدّة سنتين!.
لقد علم حكّام الجور بأن هذا الصبي سيدكّ مضاجعهم، وكان وجوده يهزّ عروشهم، على الرغم من أنّه(عليه السلام) لم يتجاوز الخامسة من عمره الشريف، بل لكونه الإمام الثاني عشر من أئمّة الهدى والحقّ، وقد أوضحت الأحاديث دوره(عليه السلام) في التصدّي للظلم والظالمين بكلّ وضوح.
سادساً: اعتراف أهل السنّة:
لقد ربت اعترافات أهل السنّة بولادته(عليه السلام) الميمونة على مئة اعتراف واضح في ذلك، وخصوصاً فقهائهم ومحدّثيهم ومفسّريهم ومؤرّخيهم ومحقّقيهم وأُدبائهم.
ولسنا بحاجة إلى ما يبيّن ولادة الإمام المهدي ويثبتها تاريخياً بعد أن عرفنا اتّفاق كلمة المسلمين على أنّه من أهل البيت، وأنّ ظهوره يكون في آخر الزمان.
وهذا يعني أنّ البحث عن ولادة الإمام المهدي وبيان ثبوتها شرعاً بحث غير طبيعي لولا وجود بعض الملابسات التاريخية حول ولادته(عليه السلام)، كادّعاء عمّه جعفر الكذّاب بعدم وجود خلفٍ لأخيه العسكري(عليه السلام).
وقيام السلطة الحاكمة بتسليم تركة الإمام العسكري بعد وفاته لأخيه جعفر الكذّاب أخذاً بادّعائه الباطل، فيما رواه علماء الشيعة الإمامية أنفسهم، ولم يروه غيرهم قطّ إلّا من طرقهم، وفي هذا وحده كفاية للمنصف المتدبّر، إذ كيف يروي الشيعة أمراً ويعتقدون بخلافه لو لم يثبت لهم زيف هذا الأمر وبطلانه؟!
ولأجل هذا نقول: إنّ ولادة أيّ إنسان في هذا الوجود تثبت بإقرار أبيه، وشهادة القابلة، وان لم يره أحد قطّ غيرهما، فكيف لو شهد المئات برؤيته، واعترف المؤرّخون بولادته، وصرّح علماء الأنساب بنسبه، وظهر على يديه ما عرفه المقرّبون إليه، وصدرت منه وصايا وتعليمات، ونصائح وإرشادات، ورسائل وتوجيهات، وأدعية وصلوات، وأقوال مشهورة، وكلمات مأثورة، وكان وكلاؤه معروفين، وسفراؤه معلومين، وأنصاره في كلّ عصر وجيل بالملايين.
اعترافات علماء الأنساب بولادته(عليه السلام)
لا شكّ في أنّ الرجوع إلى أصحاب كلّ فنّ ضرورة، والأولى بصدد ما نحن فيه هم علماء الأنساب، وإليك بعضهم:
1ـ النسّابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري من أعلام القرن الرابع الهجري، كان حيّاً سنة (341ﻫ)، وهو من أشهر علماء الأنساب المعاصرين لغيبة الإمام المهدي الصغرى التي انتهت سنة 329ﻫ.
قال في (سرّ السلسلة العلوية): «وولد عليّ بن محمّد التقي(عليه السلام): الحسن بن عليّ العسكري(عليه السلام)، من أُمّ ولد نوبية تُدعى ريحانة، وولد سنة إحدى وثلاثين ومئتين، وقُبض سنة ستّين ومئتين بسامرّاء، وهو ابن تسع وعشرين سنة… .
وولد عليّ بن محمّد التقي(عليه السلام) جعفراً، وهو الذي تسمّيه الإمامية جعفر الكذّاب؛ وإنّما تسمّيه الإمامية بذلك لادّعائه ميراث أخيه الحسن(عليه السلام) دون ابنه القائم الحجّة(عليه السلام) لا طعن في نسبه».
2ـ السيّد العمري النسّابة المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري، قال ما نصّه: «ومات أبو محمّد(عليه السلام) وولده من نرجس(عليها السلام) معلوم عند خاصّة أصحابه، وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحن المؤمنون بل كافّة الناس بغيبته، وشره جعفر بن عليّ إلى مال أخيه وحاله، فدفع أن يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه».
3ـ الفخر الرازي الشافعي (ت 606ﻫ)، قال في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب الطالبية) تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري(عليه السلام) ما هذا نصّه: «أمّا الحسن العسكري الإمام(عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمّا الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأمّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، وأُمّ موسى درجت أيضاً».
4ـ المروزي الأزورقاني (ت بعد سنة 614ﻫ)، فقد وصف في كتاب الفخري جعفر ابن الإمام الهادي في محاولته إنكار ولد أخيه بالكذّاب، وفيه أعظم دليل على اعتقاده بولادة الإمام المهدي.
5ـ السيّد النسّابة أحمد بن عليّ الحسيني المعروف بابن عنبة (ت 828ﻫ)، قال في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): «أمّا علي الهادي فيلقّب العسكري؛ لمقامه بسُرّ مَن رأى، وكانت تُسمّى العسكر، وأُمّه أُمّ ولد، وكان في غاية الفضل ونهاية النبل، أشخصه المتوكّل إلى سُرّ مَن رأى، فأقام بها إلى أن تُوفّي، وأعقب من رجلين هما:
الإمام أبو محمّد الحسن العسكري(عليه السلام)، وكان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام محمّد المهدي صلوات الله عليه ثاني عشر الأئمّة عند الإمامية، وهو القائم المنتظر عندهم من أُمّ ولد اسمها نرجس.
واسم أخيه أبو عبد الله جعفر الملقّب بالكذّاب؛ لادعائه الإمامة بعد أخيه الحسن».
وقال في (الفصول الفخرية) ـ مطبوع باللغة الفارسية ـ ما ترجمته: «أبو محمّد الحسن الذي يُقال له العسكري، والعسكر هو سامرّاء، جلبه المتوكّل وأباه إلى سامرّاء من المدينة، واعتقلهما.
وهو الحادي عشر من الأئمّة الاثني عشر، وهو والد محمّد المهدي(عليه السلام) ثاني عشرهم».
6ـ النسّابة الزيدي السيّد أبو الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني، من أعيان القرن الحادي عشر.
ذكر في المشجّرة التي رسمها لبيان نسب أولاد أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليهم السلام)، وتحت اسم الإمام عليّ التقي المعروف بالهادي(عليه السلام)، خمسة من البنين وهم: الإمام العسكري، الحسين، موسى، محمّد، علي.
وتحت اسم الإمام العسكري(عليه السلام) مباشرة كتب: «محمّد بن» وبإزائه: «منتظر الإمامية».
7ـ محمّد أمين السويدي (ت 1246ﻫ)، قال في (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب»: «محمّد المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة».
8ـ النسّابة المعاصر محمّد ويس الحيدري السوري، قال في (الدرر البهية في الأنساب الحيدرية والأويسية) في بيان أولاد الإمام الهادي(عليه السلام): «أعقب خمسة أولاد: محمّد وجعفر والحسين والإمام الحسن العسكري وعائشة، فالحسن العسكري أعقب محمّد المهدي صاحب السرداب».
ثمّ قال بعد ذلك مباشرة وتحت عنوان: الإمامان محمّد المهدي والحسن العسكري: «الإمام الحسن العسكري: ولد بالمدينة سنة 231ﻫ، وتُوفّي بسامرّاء سنة 260ﻫ، الإمام محمّد المهدي: لم يُذكر له ذرّية ولا أولاد له أبداً».
ثمّ علّق في هامش العبارة الأخيرة بما هذا نصّه: «ولد في النصف من شعبان سنة 255ﻫ، وأُمّه نرجس، وُصِفَ فقالوا عنه: ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخد، أقنى الأنف، أشم، أروع، كأنّه غصن بان، وكأنّ غرّته كوكب دريّ، في خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على بياض الفضّة، وله وفرة سمحاء تطالع شحمة أُذنه، ما رأت العيون أقصد منه، ولا أكثر حسناً وسكينةً وحياءً».
وبعد، فهذه هي أقوال علماء الأنساب في ولادة الإمام المهدي(عليه السلام)، وفيهم السنّي والزيدي إلى جانب الشيعي، وفي المثل: أهل مكّة أعرف بشعابها.
ــــــــــــــــــــــ
1. الخرائج والجرائح 1/455.
2و3. الكافي 1/328.
4. المصدر السابق 1/329.
5. كمال الدين وتمام النعمة: 435.

الحوار: السبيل الناجح من العنف الفاضح

21-5-2014-4-d

بقلم الشيخ ستار الحميد العبادي ..
الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين .
ان الاسلوب الامثل والناجح للتخلص من العنف والتكفير والقتل والطعن والتوهين والسباب هو الحوار الهادئ والمفيد يخدم الشريعه والدين والمجتمع الاسلامي بل يحفظ المجتمعات الانسانيه ككل نلاحظ
هناك علاقة تبادلية بين الحوار الجاد والهادف والعنف بانواعه، بمعنى أنه كلما كان الحوار نشطاً وإيجابياً وصحياً كلما قلت نزعات العنف، وكلما انسدت قنوات الحوار أو ضاقت أو تقلصت كلما ازدادت نزعات العنف. ولكي تتضح هذه العلاقة فسنستعرض بإيجاز بعض التعريفات والآليات والمحددات للعنف والوسائل الوقائية منه ثم نتبع ذلك باستعراض بعض مفاهيم وأنماط الحوار في حالاته السلبية والايجابية، وذلك سعيا لتحقيق أكبر قدر ممكن من الحوار الصحي النشط الذي يثرى الوجود البشرى ويجنبه الآثار السلبية لنزعات العنف بانواعه
في اللغه عنف العُنْف بالضم ضد الرفق .تقول منه : عَنُفَ عليه بالضم (عُنْفاً) ،و(عَنُفَ) به أيضاً و (التعنيف) التعيير واللوم ويتضح من التعريف اللغوي أن العنف لم يقتصر على الإيذاء الجسدي بل هو شامل للإيذاء الجسدي واللفظي على حد سواء، في الاصطلاح- العنف هو أي سلوك اوحركه موجه بهدف إيذاء شخص أو أشخاص  او مجتمع او طائفه او مذهب او قوميه والمقابل لا يرغب في ذلك ويحاول تفاديه  باي طريقه     إشكاليات التعريف :- على الرغم من تعدد تعريفات العنف في الثقافات المختلفة إلا أنه يبقى هناك تساؤلات كثيرة حول وصف سلوك معين بأنه عنفاً ، لأن ذلك غالباً ما يرتبط بالسياق الذي تم فيه هذا السلوك ، فالعنف الذي يمارس من أجل سلب الآخرين حقوقهم أو قهرهم لقبول وضع معين يختلف تماماً عن العنف الذي يكون الدافع إليه دفع باطل أو إحقاق حق أو دفاع عن النفس أو العرض أو الوطن أو العقيدة …الخ، وهناك بعض التعريفات التي تقصر العنف على الإيذاء الجسدي دون اللفظي ، وأغلب التعريفات لا تبرز العنف السلبي كالصمت والعناد والمكايدة بل تتعدها
آليات العنف :
للعنف آليات كثيرة ومتشابكة تتضافر مع بعضها لتؤدي إلى انطلاق نزعات العنف .. ورغم تعدد وتشابك الأسباب إلا أن كثيرين من علماء النفس يرون أن الإحباط خلال مسيرته العمليه هو أهم عامل منفرد يؤدى إلى العنف ويفسرون العلاقة بين العنف والإحباط  علاقه ترابطيه كما سوف نذكر النظريات القائله فيه من خلال  اطلاعنا  عليها بدقه من خلال كتابات ومقالات كثيره منها
نظريات العنف : (Theories of aggression)
(1) العنف سلوك غريزي :
” كان فرويد يعتقد – في كتاباته المبكرة -أن سلوك الإنسان ينشأ بشكل مباشر أو غير مباشر مما أسماه غريزة الحياة (Eros)، وأسمى طاقة هذه الغريزة “الليبيدو” (Libido)، وقال بأنها موجهة نحو تدعيم الحياة ونمائها. وأن العنف من هذا المنظور ينشأ من إحباط أو سد منافذ هذه الطاقة . ولكن بعد الأحداث المأساوية التي عاصرها في الحرب العالمية الأولى ، كتب عن وجود غريزة أخرى هائلة هي غريزة الموت (Thanatos)، وتنطلق هذه الغريزة وتتوجه نحو التدمير وإنهاء الحياة . وذهب فرويد إلى أن سلوك الإنسان يتحدد بالتفاعل بين هاتين الغريزتين.
” أما لورنز (Lorenz, 1966) فيرى أن العنف ينشأ مما أسماه “غريزة العراك” (Fight instinct) والتي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات، وأن العنف في الإنسان طبقا لهذا المفهوم شيئا لا يمكن تفاديه فهو سلوك حتمي.
(2) العنف كسلوك مكتسب :
ويرى أصحاب هذا الرأي وخاصة ألبرت باندورا (Bandura,1973) أن العنف يعتبر سلوكاً مكتسباً في الوسط الاجتماعي من خلال :-
أ- اكتساب استجابات العنف خلال التجارب الحياتية السابقة (مثل اعتداء الآخرين عليه ومحاولة الدفاع عن نفسه).
ب- التدعيم الذي يلقاه الشخص حين يمارس العنف (كأن يصبح مهابا بين الناس أو يصبح فتوة الحارة أو يصبح بطلا في نظرهم).
ج- وجود ظروف اجتماعية وبيئية خاصة تستثير العنف بشكل مباشر.
(3) العنف نتيجة عطب عصبي تشريحي في المخ :
وأصحاب هذا الرأي يقولون بأن هناك ارتباط قوي بين سلوك العنف وإصابات الرأس، ويرون أن نسبة كبيرة ممن يقومون بالسلوك العنيف قد تعرضوا في فترة من فترات حياتهم للاعتداء عليهم مما أدى إلى إصابات متفاوتة لخلايا المخ.
محددات العنف : (Aggression Determinants)
المحددات الاجتماعية : -
(1) الإحباط : ويعتبر هو أهم عامل منفرد  او جماعي لانه ليس الاحباط يصيب فقط الافراد بل بعض الاحيان يصيب المجتمعات في استثارة العنف لدى الإنسان وليس معنى هذا أن كل إحباط يؤدي إلى العنف ، أو أن كل عنف هو نتيجة إحباط ولكي يؤدي الإحباط إلى العنف فلابد أن يتوفر عاملان أساسيان :
أولهما : أن الإحباط يجب أن يكون شديدا ، وثانيهما : أن الشخص يستقبل هذا الإحباط على إنه ظلم واقع عليه وانه مظلوم وخلاف العدل ويجمل الشريعه  السبب  بذلك  ولايعرف ان الحياه فيها صعود ونزول وتغير احوال.
(2) الاستثارة المباشرة من الآخرين :- وربما تكون هذه الاستثارة بسيطة في البداية كلفظ  غير مالوف جارح غليظ أو مهين ولكن يمكن أن تتضاعف الاستثارات المتبادلة لتصل بالشخص إلى أقصى درجات العنف اللفظي والتسقيط.
(3) التعرض لنماذج عنف : وهذا يحدث حين يشاهد  المشاهد نماذج كثيره ومنوعه للعنف في التليفزيون أو السينما ، فإن ذلك يجعله أكثر ميلا للعنف من خلال آليات ثلاثة هي
أ- التعلم بالملاحظة : (Observational Learning) :
حيث يتعلم الشخص من مشاهد العنف التي يراها طرقاً  واساليب جديدة لإيذاء وتحقير  الآخرين لم يكن يعرفها من قبل .
ب- الانفلات (Disinhibition) : بمعنى أن الضوابط والموانع التي تعتبر حاجزا بين الإنسان والعنف تضعف تدريجيا كلما تعرض لمشاهد عنف يمارسها الآخرون أمامه على الشاشة .
ج- تقليل الحساسية (Desensitization) : حيث تقل حساسية الشخص للآثار المؤلمة للعنف وللمعاناة التي يعانيها ضحية هذا العنف كلما تكررت عليه مشاهد العنف، فيصبح بذلك أكثر إقداما على العنف دون الإحساس بالألم أو تأنيب الضمير .
” المحددات البيئية (Enviromental Determinants) مثل تلوث الهواء والضجيج والازدحام … إلخ
” المحددات الموقفية (Situational Determinants) :
1- الاستشارة الفسيولوجية العالية : مثال لذلك المنافسة الشديدة في المسابقات، أو التدريبات الرياضية العنيفة، أو التعرض لأفلام تحوي مشاهد مثيرة.
2- الاستثارة الجنسية : فقد وجد أن التعرض للاستثارة الجنسية العالية (كأن يرى الشخص فيلماً مليئا بالمشاهد الجنسية) يهيئ الشخص لاستجابات العنف .
3- الألم : فحين يتعرض الإنسان للألم الجسدي يكون أكثر ميلا للعنف نحو أي شخص أمامه.
المحددات العضوية : (Organic Determinants)
1- الهرمونات والعقاقير : تعزو بعض الدراسات العنف إلى ارتفاع نسبة هرمون الأندورجين (الهرمون الذكري) في الدم ، وإن كانت هذه الدراسات غير مؤكدة حتى الآن.
ويؤدي استعمال العقاقير كالكحول والباربتيورات والأفيونات إلى زيادة الاندفاع نحو العنف.
2- الناقلات العصبية : بشكل عام ترتبط زيادة الدوبامين ونقص السيروتونين بالعنف، في حين أن زيادة السيروتونين والـ GABA تؤدي إلى التقليل من السلوك العنيف.
3- الصبغيات الوراثية : أكدت دراسات التوائم زيادة نسبة السلوكيات العنيفة في توأم أحادي البويضة إذا كان التوأم الآخر متسما بالعنف . وأكدت دراسات وراثية أخرى زيادة العنف في الأشخاص ذوي الذكاء المنخفض ، وفي أولئك الذين لديهم تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية وهناك احتمال لم يتأكد بشكل قاطع أن الأشخاص ذوي التركيب الكروموسومي XYY يميلون لأن يكونوا أكثر ميلا للعنف .
* العنف العائلي :
1- تصور  الخاطئ الرجل عن المرأة والعكس
2- الإحباط عموماً والإحباط في العلاقات الزوجية بوجه خاص
3- إزاحة العنف :
أ- من الخارج إلى الداخل : حيثما يوجد الاستبداد السياسي والعنف الدولي أو الاجتماعي يوجد الاستبداد والعنف داخل الأسرة وخاصة من الرجل نحو المرأة
ب- من الداخل إلى الداخل : إزاحة العنف المتجه أساساً نحو الزوج أو الزوجة إلى الأولاد
* العلاقة بين الاستبداد السياسي والعنف العائلي :
كتب قاسم أمين في كتابه “المرأة الجديدة” عام 1900 يقول : “يوجد تلازم بين الحالة السياسية والحالة العائلية في كل بلد. ففي كل مكان حط الرجل من منزلة المرأة وعاملها معاملة الرقيق حط نفسه وأفقدها وجدان الحرية . وبالعكس في البلاد التي تتمتع فيها النساء بحريتهن الشخصية يتمتع الرجال بحريتهم السياسية، فالحالتان مرتبطتان ارتباطاً كلياً. وإن لسائل أن يسأل : أي الحالتين أثرت في الأخرى ؟ نقول : إنهما متفاعلتان، وأن لكل منهما تأثيراً في مقابلتها، وبعبارة أخرى : إن شكل الحكومة يؤثر في الآداب المنزلية والآداب المنزلية تؤثر في الهيئة الاجتماعية، ففي البلاد الشرقية تجد أن المرأة في رق الرجل، والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته مظلوم إذا خرج منه”
الوقاية والعلاج :-
1) توجيه العناية نحو الفئات الهشة (الأكثر قابلية لاستثارة العنف) للتعرف على مثيرات العنف لديها ومحاولة خفض هذه المثيرات.
2) دراسة حالات العنف دراسة علمية مستفيضة لاستكشاف الجوانب العضوية والنفسية والاجتماعية التي تحتاج إلى علاج.
3) الحوار الصحي الإيجابي لإعطاء الفرصة لكل الفئات للتعبير عن نفسها بشكل منظم وآمن يقلل من فرص اللجوء إلى العنف.
4) التدريب على المهارات الاجتماعية، حيث وجد أن الأشخاص ذوي الميول نحو العنف لديهم مشكلات كثيرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي مما يضعهم في كثير من الأحيان في مواجهات حادة وخطرة مع من يتعاملون معهم، وهذا يستثير العنف لديهم . لذلك فإن برنامجاً للتدريب على المهارات الاجتماعية كمهارة التواصل ومهارة تحمل الإحباط وغيرها . يمكن أن يؤدي إلى خفض الميول العدوانية لدى هؤلاء الأشخاص .
5) العقاب : أحياناً يؤدي العقاب المناسب (خاصة إذا كان قريباً من الفعل العنيف زمنيا) إلى تقليل حدة وتكرار السلوكيات العنيفة من خلال الارتباط الشرطي بين العنف والعقاب. ولكن إذا كانت هناك فترة زمنية طويلة بين الفعل العنيف وبين توقيع العقوبة، أو كان العقاب غير متناسب مع الفعل العنيف فإن العقاب ربما يؤدي إلى نتيجة عكسية فيزيد من احتمالات زيادة العنف، وهذا ملاحظ في الحالات التي تتعرض للإيذاء الجسدي والنفسي العنيف حيث يصبحون أكثر ميلاً نحو العنف، بل ويزداد عنفهم خطورة.
6) الاستجابات المغايرة : وهذه الطريقة تقوم على مواجهة السلوك العنيف بسلوك مغاير تماما يؤدي إلى إيقاف العنف والتقليل من معاودته. وكمثال على ذلك إذا وجد الشخص ذوي الميول العنيفة أن الشخص المقابل يعامله بحب وتعاطف وشفقة فإن ذلك يقلل من اندفاعاته العنيفة، وهذا مصداق للآية “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” ومثال آخر : أن تقابل الميول العنيفة بالدعابة من الطرف الآخر، وقد وجد فعلا بالتجربة أن الدعابة والطرافة في المواقف الحادة تقلل من احتمالات العنف . ووجد أيضاً أن إيقاظ الإحساس بالذنب أو الانغماس في نشاط ذهني معرفي، أو التعرض لبعض المثيرات المحببة للشخص ، كل هذا يمكن أن يؤدي إلى انخفاض نزعات العنف.
7) العلاج الدوائي : وهذا العلاج يصبح ذو أهمية خاصة في الحالات المرضية كالاضطرابات العضوية أو النفسية وحتى في غير هذه الحالات وجد أن لبعض الأدوية مثل الليثيوم وأدوية الصرع والمهدئات الجسيمة أثراً على نزعات العنف.

الدور الوقائي والعلاجي للحوار : اتضح للجميع
أن الحوار الهادف والمعقول والمنطقي  يمكن أن يلعب دوراً حيوياً وهاماً في خفض مثيرات العنف والإقلال من احتمالات لجوء الأشخاص إلى العنف كوسيلة للتعبير عن أنفسهم أو كطريقة لحل مشكلاتهم أو التخلص من إحباطاتهم ورغم أننا على كل المستويات وفي كل المناسبات (تقريباً) نتحدث عن أهمية الحوار ليس فقط كوقاية من العنف وعلاج له وإنما لتحسين نوعية وجودنا الفردي والاجتماعي والإنساني ، رغم كل هذا ، فإن لدينا مشكلات عميقة وعديدة تتعلق بهذه الناحية ، إما بسبب انسداد قنوات الحوار (كلها أو بعضها) ، أو بسبب شيوع أنماط غير صحيحة للحوار بيننا . وكلا السببين يؤديان إلى تعطيل عملية التواصل الصحيحة مع ما يتبع ذلك من مشكلات في العلاقات يكون العنف أحد إفرازاتها. لذلك سنحاول في هذه الدراسة أن نستعرض بإيجاز بعض المفاهيم الخاصة بالحوار واستعراض بعض أنماطه السائدة في حياتنا.
التعريف اللغوي للحوار : الحوار من (المحاورة) بمعنى المجاوبة، و(التحاور) التجاوب
التعريف الاصطلاحي للحوار : هو تفاعل لفظي أو غير لفظي بين اثنين أو أكثر من البشر بهدف التواصل الإنساني وتبادل الأفكار والخبرات وتكاملها.
وهو نشاط حياتي يومي نمارسه في المنزل والشارع والعمل والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام … إلخ. وعلى أساس الحوار ينبني السلوك وتتشكل العلاقات .
وهناك بعض المفاهيم المتصلة بشكل إيجابي أو سلبي بالحوار نذكر منها على سبيل المثال : الاختلاف والخلاف ، والجدل ، والشقاق ، وفيما يلي تعريفات موجزة لهذه المفاهيم :-
أ- الاختلاف والخلاف : وذلك أن ينهج كل شخص طريقا مغايرا للآخر في حاله أو في قوله وعلى هذا يمكن القول بأن الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف . والخلاف أعم من “الضد” لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين
ب- الجدل: إذا اشتد احتداد أحد المخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأي أو مواقف ، وحاول الدفاع عنه ، وإقناع الآخرين به ، أو حملهم عليه سميت تلك المحاولة بالجدل او اللجاجه . فالجدل في اللغة “المفاوضة على سبيل المنازعة والغلبة” ، مأخوذ من “جدلت الحبل” إذا فتلته وأحكمت فتله، فإن كل واحد من المتجادلين يحاول أن يفتل صاحبه ويجدله بقوة وإحكام على رأيه الذي يراه (ج- الشقاق: فإذا اشتدت خصومة المتجادلين، وآثر كل منهما الغلبة بدل الحرص على ظهور الحق ووضوح الصواب، وتعذر أن يقوم بينهما تفاهم أو اتفاق سميت تلك الحالة بـ (الشقاق) وأصله: أن يكون كل واحد في شق من الأرض، فكأنما أرضاً واحدة لا تتسع لهما معاً
أهداف الحوار الناجح : وللحوار أهداف ، تتحقق كلما كان الحوار صحياً ، نذكر منها :
1- محاولة فهم البعض للبعض الاخر .
2- إقناع الآخرين بوجهة نظر معينة .
3- الوصول إلى صيغة من التفاهم والتعايش والتكامل .
4- الارتقاء بالوجود البشري عن طريق تبادل وتكامل وتراكم الخبرات .
مرجعية الحوار :
كلما كانت هناك مرجعية قوية ومشتركة كلما كان الحوار أكثر إيجابية وتكاملاً، وعلى العكس كلما ضعفت هذه المرجعية أو تشتتت أو تعارضت كلما تعطلت مسارات الحوار أو ضاقت وأصبح الحوار أقرب إلى الضجيج . ولذلك ففي فترات التحول الاجتماعي – خاصة المفاجئة أو السريعة – نجد أن الحوار يصبح أكثر صخباً وتشابكاً وتشتتاً نظراً لاختلاف المرجعيات المعرفية للفئات المختلفة اختلافاً شديداً يجعلها لا تملك الحد الأدنى للاتفاق على أي شيء، وتضيع منها كل الثوابت ويصبح كل شيء قابلاً للطعن والتشكيك والتسفيه .
مستويات الحوار :
1- الحوار الداخلي (مع النفس) : وفي حالة كون هذا الحوار صحياً فإنه يتم بين مستويات النفس المختلفة في تناغم وتصالح دون إلغاء أو وصم أو إنكار أو تشويه . أما إذا فشل ذلك الحوار النفسي الداخلي فإن الاضطرابات الناتجة ربما تدفع بموجات العنف المتراكمة إلى الخارج أو إلى الداخل فتكون مدمرة للآخرين أو للنفس ذاتها .
2- الحوار الأفقي (مع الناس) : وهو ينقسم إلى قسمين :
أ- حوار بين أفراد المجتمع الواحد الذين يشتركون في المعتقدات والقيم والمفاهيم . وهذا الحوار يقوم على مبدأ “نصف رأيك عند أخيك” ، ومبدأ ” التعاون في الاتفاق والأعذار في الاختلاف “.
ب- حوار بين المجتمعات المتباينة في المعتقدات والقيم والمفاهيم ، وهذا الحوار يجري وفق مبدأ التعايش بهدف تنمية عوامل الخير ، والاشتراك (رغم الاختلاف) في أعمار الكون .
3- الحوار الرأسي (مع الله) :- وتختلف طبيعة هذا الحوار عن المستويين السابقين حيث يتوجه الإنسان نحو ربه بالدعاء والاستغفار وطلب العون ويتلقى منه سبحانه إجابة الدعاء والمغفرة والمساعدة . وهذا لمستوى إذا كان نشطاً وإيجابياً فإنه يحدث حالة من التوازن والتناسق في المستويين السابقين (أي في حوار الإنسان مع نفسه وحواره مع الآخرين) .
قبول الخلاف كسنة كونية أساس لنجاح الحوار :-
إن الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الأشياء والحكم عليها، أمر فطري طبيعي وله علاقة بالفروق الفردية إلى حد كبير، إذ يستحيل بناء الحياة، وقيام شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس ذوي القدرات المتساوية والنمطية المتطابقة، إذ لا مجال -عندئذ- للتفاعل والاكتساب والعطاء ! ذلك أنه من طبيعة الأعمال الذهنية والعملية اقتضاء مهارات وقدرات متفاوتة ومتباينة، وكأن حكمة الله تعالى اقتضت أن بين الناس بفروقهم الفردية – سواء أكانت خلقية أم مكتسبة – وبين الأعمال في الحياة قواعد والتقاء ، وكل ميسر لما خلق له، وعلى ذلك فالناس مختلفون (العلواني 1991).
مع من يكون الحوار :
الحوار واجب طول الوقت كلما التقى اثنين أو أكثر من البشر . ونحن نخطئ كثيراً حين نظن أن الحوار يكون فقط بين طبقة المثقفين أو الصفوة، والأحرى أن يكون الحوار شاملاً لكل مستويات المجتمع وأن يبقى نشطاً ومستمراً، وتولى عناية خاصة للمجوعات الأكثر قابلية لظهور العنف (أو ما يسمى بالمجموعات الهشة) ونذكر منها :
1- فئات السن من 15-25 سنة ، حيث تسبب التغيرات العضوية والنفسية والمصاحبة للمراهقة حالة من عدم التوازن ربما تؤدي إلى العنف عند التعرض لمثيراته . وقد وجد أن المراهق حين تستثار دوافع العنف لديه فإنه يوجه هذا العنف نحو أي شخص أو أشخاص دون تمييز ، وهذا يختلف عن عنف الأشخاص الأكبر سناً والذين يوجهونه غالباً نحو أشخاص لهم بهم علاقة – عادة أحد أفراد الأسرة
2- ( Kaplan and sadock,1994 ) .
3- الأماكن المزدحمة والأحياء الفقيرة (المناطق العشوائية كمثال).
4- الأقليات داخل المجتمع والتي ربما تشعر أنها واقعة تحت ضغط أو حصار من الأغلبية. وكلمة الأقليات هنا لا تقتصر على الأقليات الدينية أو العرقية ، بل الأفضل أن تشمل أي مجموعة ذات فكر أو عقيدة معينة تختلف عن غالبية الناس.
5- الأشخاص الذين سبق تورطهم في أعمال عنف (في السجون والإصلاحيات). وغير صحيح ما يدعيه البعض ويروج له من أنه لا حوار مع من يخرج على القانون، بل على العكس إن هذه الفئة في حاجة ماسة إلى الحوار قبل وأثناء وبعد تنفيذ العقوبة القانونية عليها . والحوار هنا لا يلغي المسئولية القانونية للشخص عن أفعاله، وإنما يحاول علاج ما حدث والوقاية من عنف محتمل.
6- مدمنو الخمر والمخدرات : فقد ثبت أن 50% ممن قاموا بحوادث قتل أو اعتداء تعاطوا الخمر قبل القيام بهذه الأفعال بوقت قليل (Kaplan and Sadock,1994) وهذه الفئة لها مشاكل كثيرة في العلاقات مع الآخرين، ولقد كان لكاتب هذه السطور تجربة ثرية في التعامل العلاجي مع عدد كبير من المدمنين لعدة سنوات وقد رأى أن الحوار الإيجابي الصحي في المجتمع العلاجي كان له أثر كبير في تحسين سلوكيات هؤلاء الناس رغم تاريخهم الطويل في تعاطي الخمر والمخدرات وفي ارتكاب الجرائم بمختلف أنواعها.
7- الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية خاصة أولئك الذي يعانون من الشعور بالغضب، أو لديهم ميول عدوانية، أو لديهم اضطراب في التحكم أو عطب عضوي بالمخ وكل ذو عاهه جبار حسب  علماء النفس، أو سبق لهم إشعال النار بالممتلكات أو التبول في الفراش أو القسوة على الحيوانات نتيجه مرض نفسي  طارئ .
8- الأشخاص الذين تكرر منهم التهديد باستخدام العنف .
9- من لديهم ميول عدوانية نحو رموز السلطة في المجتمع .
10- الأشخاص الذين فقدوا أحد الأبوين أو كليهما في سن مبكر .
11- المتهورون في قيادة السيارات .
12- الفئات التي تشعر بأنها ضحية في المجتمع مثا اولاد الشوارع واولاد الزنا والدعارة .
13- الأفراد الذين ينتابهم الشعور بالعجز واليأس .
14- العاطلين عن العمل .
15- الأفراد الذي تعرضوا للإيذاء النفسي أو الجسدي أو كليهما معاً في السجون أو معسكرات الاعتقال .
ألوان من الحوار السلبي (المهدي 1992) : -
1) الحوار العدمي التعجيزي : وفيه لا يرى أحد طرفي الحوار أو كليهما إلا السلبيات والأخطاء والعقبات وهكذا ينتهي الحوار إلى أنه “لا فائدة” ويترك هذا النوع من الحوار قدرا كبيرا من الإحباط لدى أحد الطرفين أو كليهما حيث يسد الطريق أمام كل محاولة للنهوض .
2) حوار المناورة (الكر والفر) : ينشغل الطرفان (أو أحدهما) بالتفوق اللفظي في المناقشة بصرف النظر عن الثمرة الحقيقية والنهائية لتلك المناقشة وهو نوع من إثبات الذات بشكل سطحي .
3) الحوار المزدوج : وهنا يعطي ظاهر الكلام معنى غير ما يعطيه باطنه وذلك لكثرة ما يحتوي من التورية والألفاظ المبهمة .. وهو يهدف إلى إرباك الطرف الآخر .. ودلالاته أنه نوع من العدوان الخبيث.
4) الحوار السلطوي ( اسمع واستجب ) : نجد هذا النوع من الحوار سائدا على كثير من المستويات، فهناك الأب المتسلط والأم المتسلطة ، والمدرس المتسلط ، والمسئول المتسلط … إلخ . وهو نوع شديد من العدوان حيث يلغي أحد الأطراف كيان الطرف الآخر ويعتبره أدنى من أن يحاور ، بل عليه فقط السماع للأوامر الفوقية والاستجابة دون مناقشة أو تضجر . وهذا النوع من الحوار فضلا عن أنه إلغاء لكيان ( وحرية ) طرف لحساب طرف آخر ، فهو يلغي ويحبط القدرات الإبداعية للطرف المقهور فيؤثر سلبا على الطرفين وعلى المجتمع بأكمله .
5) الحوار السطحي (لا تقترب من الأعماق فتغرق) : حين يصبح التحاور حول الأمور الجوهرية محظورا أو محاطا بالمخاطر، يلجأ أحد الطرفين أو كلاهما إلى تسطيح الحوار طلبا للسلامة أو كنوع من الهروب من الرؤية الأعمق بما تحمله من دواعي القلق النفسي أو الاجتماعي .
6) حوار الطريق المسدود (لا داعي للحوار فلن نتفق) : يعلن الطرفان (أو أحدهما) منذ البداية تمسكهما (أو تمسكه) بثوابت متضادة تغلق الطريق منذ البداية أمام الحوار وهو نوع من التعصب والتطرف الفكري وانحسار مجال الرؤية.
7) الحوار الإلغائي أو التسفيهي (كل ما عداي خطأ) : يصر أحد طرفي الحوار على ألا يرى شيئا غير رأيه وهو لا يكتفي بهذا بل يتنكر لأي رؤية أخرى ويسفهها ويلغيها . وهذا النوع يجمع كل سيئات الحوار السلطوي وحوار الطريق المسدود .
8) حوار البرج العاجي : ويقع فيه بعض المثقفين حين تدور مناقشاتهم حول قضايا فلسفية أو شبه فلسفية مقطوعة الصلة بواقع الحياة اليومي وواقع مجتمعاتهم . وغالبا ما يكون ذلك الحوار نوعا من الحذلقة وإبراز التميز على العامة دون محاولة إيجابية لإصلاح الواقع .
9) الحوار الموافق دائماً (معك على طول الخط) : وفيه يلغي أحد الأطراف حقه في التحاور لحساب الطرف الآخر إما استخفافاً (خذه على قدر عقله)، أو خوفاً، أو تبعية حقيقية طلباً للراحة وإلقاء المسئولية كاملة على الآخر .
10) الحوار المعاكس دائماً (عكسك دائماً) حين يتجه أحد طرفي الحوار يمينا يحاول الطرف الآخر الاتجاه يسارا والعكس بالعكس وهو رغبة في إثبات الذات بالتميز والاختلاف ولو كان ذلك على حساب جوهر الحقيقة .
11) حوار العدوان السلبي (صمت العناد والتجاهل) : يلجأ أحد الأطراف إلى الصمت السلبي عنادا وتجاهلا ورغبة في مكايدة الطرف الآخر بشكل سلبي دون التعرض لخطر المواجهة .
خصائص الحوار الإيجابي:
وبما أن الحوار عملية تبادلية بين طرفين أو أكثر، وهو يتم من خلال عمليتين أساسيتين هما الإرسال والاستقبال إذن فلنحاول الآن أن نرى كيف يمكن أن يتم الحوار بشكل فعال من خلال تحسين كفاءة الاستقبال (السماع) والإرسال (التحدث) :-
1) الاستقبال (أدب الاستماع) :
إن أهم شروط الحوار الناجح مع الآخرين حسن الاستماع والفهم لما يصدر عنهم ، وهذا الاستماع الجيد يعطى فائدة مزدوجة للطرفين فبالنسبة للمتحدث يشعر بارتياح واطمئنان حيث يجد أن الطرف الأخر يحسن الإصغاء له ويعى ما يقوله ، وهذا يعطى فرصة لدوام الحوار والتواصل بشكل جيد وسلس . وبالنسبة للمستمع فإن إنصاته وفهمه الجيد لما يقوله المتحدث يعطيه قدراً من المعلومات وإلماماً بالموضوع يسمح له بالرد المناسب والحوار المناسب . ولكن : ما هي الشروط الواجب توافرها لكي نحقق الاستماع الجيد ؟ ….. والإجابة هي :
” إقبال المستمع بوجه طلق هادئ نحو المتحدث .. مع إعطاء إيماءات المتابعة والفهم من وقت لآخر حتى يتأكد المتحدث أن المستمع معه دائماً .
” عدم إظهار علامات الرفض أو الاستياء بشكل يقطع على المتحدث فرصة الاسترسال إلا إذا كان قطع الاسترسال مطلوباً لذاته .
” عدم إعطاء ردود فعل سريعة ومباشرة قبل أن ينتهي المتحدث من كلامه .
” عدم ملاحقة كلام المتحدث بكلام من المتلقي بشكل سريع ، بل الأفضل السكوت للحظة للاستيعاب وإعادة النظر فى كلام المتحدث ثم ترتيب الأفكار قبل التعليق .
” الفهم الجيد لمحتوى الحديث مع محاولة إعادة ترتيبه إذا أمكن .
” الإدراك الجيد للمشاعر التي يبديها المتحدث أثناء حديثه ، فهذا الإدراك يعطى بعداً هاماً للحديث من خلال التعرف على الانفعالات المصاحبة للموضوع .
” قراءة لغة جسم المتحدث كإشارات يديه وإيماءات رأسه وحركات جسمه .
” أن يحاول المستمع ضبط انفعالاته تجاه ما يسمع ، وأن يتذكر دائماً أن كل شيء قابل لمناقشة والتحاور والأخذ والرد ، وأن الانفعالات الحادة تقطع طريق التواصل الجيد وتعتبر إحدى علامات عدم نضج الشخصية .
” أن لا يعتبر المستمع نفسه في موقف القاضي الذي يستمع فقط ليقيم محدثه ثم يحكم له أو عليه .
2) الإرسال (أدب التحدث) :
حين يتحدث شخص أمام الناس بهدف توصيل رسالة أو مفهوم معين فعليه أن يضع في الاعتبار الأشياء التالية :
* شكل المتحدث ومظهره :
1- يستحب أن يكون المتحدث حسن الشكل، حسن المظهر، مهندم الثياب في بساطة، وأن يخلو مظهره ولباسه من الأشياء الصارخة والملفتة للنظر حتى لا يشتت انتباه المستمع.
2- يجب أن يقبل المتحدث بوجهه نحو المستمع (أو المستمعين) .
3- ويتأكد المتحدث قبل وأثناء وبعد الحديث أن أعضاء جسمه في حالة استرخاء وفى وضع مريح ، فلا يأخذ أوضاعاً تؤدى إلى التوتر العصبي أو العضلي، أو تثير دهشة أو سخرية المستمع .
4- يحرص المتحدث على عدم المبالغة في إظهار الانفعال إلا لضرورة (كأن يثير حماساً معيناً في موقف يستدعى الحماس)، وأن لا يبالغ في حركات يديه أو جسمه أثناء التحدث .
5- التوسط في سرعة السرد فلا يكون بالبطيء الممل ولا بالسريع المخل
مضمون الحديث :
إن لمضمون الحديث أثراً هاماً وعليه يتوقف مسار الحوار والمناقشة ، فإذا كان مضمون الحديث ومحتواه جذاباً ومريحاً للمستمع استمر الحوار البناء وآتى التواصل ثمرته ، أما إذا كان محتواه غير ذلك فإن الحوار يصبح دفاعياً أو هجومياً وتكون نتيجته سلبية على الطرفين .
وقد تابع أحد علماء النفس (Gibb,1966) عدداً كبيراً من المناقشات في عدد من المجالات المختلفة خرج منها بتصنيف مزدوج للمناقشة الدفاعية وكيف يمكن أن تكون مناقشة حيوية حوارية (بن مانع، عن كتاب الانكفاء على الذات)، وسوف نورد هذا التصنيف هنا باختصار :
1- التقييم مقابل الوصف :
فكلما زاد التقييم من قبل الشخص المتحدث سواء كان مباشراً أو غير مباشر، أو كان كلامياً أم من خلال لغة الجسد من نبرات صوت أو حركات، كلما زاد الموقف الدفاعي لدى المستمع، وبالرغم من أن المستمع قد لا يقابل التقييم بسلوك دفاعي إلا أن هذا يتم في حالات قليلة بينما الغالبية تقابل التقييم بسلوك دفاعي، وإذا أردنا تجنب هذه الحالة فما على المتحدث إلا أن يتبع وصف الحالة المناقشة دون إشعار الآخرين بأنه يحاول تغيير وجهات نظرهم أو تقييم سلوكهم، عند ذلك يقابل هذا الحديث بارتياح وعدم تحفظ أو هجوم .
2- التحكم مقابل الاختيار :
عندما يحاول المتحدث فرض وجهة نظره بطريقة الإقناع القوى بمختلف الطرق المباشرة وغير المباشرة، يزرع في المستمع مقاومة هذا التوجه ورفضه، لأن المستمع يستنتج من سلوك المتحدث هذا أنه ينظر إليه على أنه غير كفء لاتخاذ القرار المناسب بنفسه ومن ثم يأخذ موقفاً دفاعياً يجعل المناقشة تراوح مكانها . غير أن المتحدث عندما يعطى الانطباع في حديثة أنه يرغب التعاون مع المتحدث إليه يفهم من هذا أن المتحدث يقدر قدرته على البحث عن حل والرغبة في التعاون وبالتالي فإن المستمع يشترك بطريقة تلقائية تعاونية في المناقشة ويسهم إسهاماً كبيراً في البحث عن حل بطريقة تنم عن المرونة وعدم الدفاعية، ومن ثم الحرية في مناقشة الموضوع .
3- استخدام الإستراتيجيات مقابل التلقائية :-
فعندما يقوم المتحدث باستخدام استراتيجيات مثل الغموض في الكلام، أو الدوافع المتعددة، أو يتكلم بتلقائية غير طبيعية فإن ذلك قد يعبر عن سذاجة وعدم مصداقية أو إمكانية خداع، وهنا نجد المستمع يتخذ موقفاً دفاعياً، ذلك أن الناس لا يريدون أن يكونوا ضحاياً للغموض والدوافع الذاتية . لكن المستمع عندما يدرك أن المتحدث يتكلم بتلقائية طبيعية وهى تلك التي تعنى الاستقامة والأمانة والاستجابة حسب طبيعة الأحوال المحيطة ، فإنه يبادل المتحدث بنفس الطريقة، وهنا تنساب المعلومات المتبادلة ويتم فتح ميدان خصب لتنمية المهارات المختلفة.
4- عدم الاكتراث مقابل التعاطف :
عندما يكون المتحدث غير مكترث بالموضوع قيد النقاش ويظهر البرود حياله، يفقد النقاش الحيوية والاهتمام ، ويجعل المستمع غير متحمس ، ويصبح مستمعاً سلبياً ومتحدثاً دفاعياً أو هجومياً . ولكن عندما يكون المتحدث متحمساً ومتعاطفاً مع الموضوع فإن ذلك يجعل المستمع جاداً في استماعه وحديثه، يتحدث بتلقائية ويدلى بمعلومات ذات علاقة كبيرة بالموضوع المناقش ويزداد إثراء النقاش وحيويته .
5- التعالي مقابل التساوي :
عندما يجعل المتحدث الآخرين يحسون أنه متفوق في شيء ما سواء في المكانة أو المال … الخ ، فإن ذلك يعني بداية المواقف الدفاعية لدى الآخرين وبداية التفكير في آثار ومضامين الحديث على المستمع وبالتالي نسيان الموضوع المناقش برمته . لكن المتحدث عندما يفصل للمستمع آثار المشكلة دون أي اعتبار لما ذكر أعلاه ، وأن حل المشكلة عمل جماعي مشترك تحكمه الثقة والاحترام المتبادل ، فإن أي فارق بين الأشخاص بعد ذلك غير ذي أهمية ، وعند ذلك تصبح المناقشة غنية متدفقة بين أطراف النقاش .
6- التصلب مقابل المرونة :
إن التصلب في رأي أثناء مناقشة موضوع أو مشكلة ما يعتبر في حد ذاته عائقاً في سبيل النقاش أو حتى يؤدي إلى توقفه . فقد يكون هناك أشخاص يظهرون أنهم ليسوا في حاجة إلى زيادة معلومات عن المشكلة بينما الواقع غير ذلك ، وهذا مظهر من مظاهر التصلب يحول دون مباشرة الموضوع . إن مثل هذا العمل يجعل الآخرين يقومون بأنماط من السلوك الدفاعي ، وهذا يجعل النقاش في أضعف مستوى له . لكن عدم التصلب ، أي المرونة في التنازل عن الرأي عند اللزوم وتقبل آراء الآخرين، وفي الوقت الذي لا يعني الأخذ بهذه الآراء ، أمر ضروري في سبيل الوصول إلى آراء متفق عليها . ولعل أهم دليل على المرونة وعدم التصلب هو البحث عن حل للمشكلة وتقبل أي أطروحات للحل ووضعها موضع النقاش والتحليل والدراسة .
نماذج من التراث للحوار الإيجابي وخلاصة  القول
كما يذكر التاريخ حوار النبي مع اهل لكتاب وجالدهم بالتي هي احسن اوحوار المسلمين فيما بينهم تلوح في ذهني عندماجاءوا بالسبيا حدثت هناك امور كثيره من بينها لما جاء شيخ كبير واخذ يوبخ السبا يا وقال الحمد لله الذي احدث اكذوبتكم ومكن الامير ابن زياد فقال له ياشيخ  هل قرات القران وكان يتصور هدا الشيخ وكثير من امثاله ضللتهم السياسات والاعلام الكاذب يتصورنهم هولاء خارجين عن الدين ومتمردين على الاسلام انظر للامام السجاد بحوار هادئ ولطيف من  كتاب لاياتيه الباطل قال له ياشيخ هل قرات القران؟ قال نعم . هل مرت عليك هذه الايه قل  لا اسالكم عليه اجرا الا الموده في القربى قال بلى قال نحن اهل القربى ياشيخ. هل مررت عليك هذه الايه وما غنمتم من شي فلله خمسه ورسوله وذي القربى ؟ قال بلى . قال نحن اهل القربى المخصوصين في الايه الا ان قال هل قرات هذه الايه انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويهركم تطهيرا قال يلى . قال نحن المخصوصين بايه التطهير قال هل انت بربي عليك قال اي نحن هم وحق جدنا رسول  الله صل الله عليه واله فلما عرف الشيخ ذلك طلب التوبه وتوجهه بوجهه نحو عبيد الله فقال يافاجر تقول انهم خوارج وهم اولاد رسول الله ياكاذب فامربقتله واستشهد في طريق الحق وعرف عبيد الله بن زياد ابن ابيه  سوف يفتضح  لان هناك اشخاص مضللين مغرور فيهم لابد ان نوضح لهم وليس نرميهم بالكفر والزندقه والشرك فالحوار هو احسن اسلوب لمعرفه الحقيقه لا العنف اوالقتل بلا اي دليل لافي الكتاب ولا في سنه نبيه الكريم ولا حتى في جميع الاديان  ندعو من الله ان يستنيروا بهدى الاسلام الحقيقي الاصيل لا اسلام يزيد وصدام وبن لادن والقذافي وال سعود وبن تيميه وبن عبد الوهاب والطواغيت من زمان الخليقه الى يومنا هذا الذين كفروا المسلمين السنه والشيعه لغرض  امور دنيويه زائله ولايستنيروا بلغه الحكمه والمنطق والحوار وانما ينعقون وراء كل ناعق ويروجون ماهو لصالحهم حتى لو كان ضرر في دينهم وشرفهم ووطنهم  وما يعلموا ان العاقبه للمتقين او يعلموا بهذا ولكن عنادهم وتغطرسهم اعماهم واصم سمعهم وران على قلوبهم فهم لايبصرون الحق والحقيقه والشمس المضيئه  الذي سلكوه اتباع محمد وال محمد حين تستقرء سيرتهم ماروع تعاملهم مع الاخرين حق وحقيقه تنطبق عليهم الايه امة وسطا في كل معاملاتهم لاافراط ولاتفريط  العدل والانصاف في كل معاملاتهم فهنيئا لمن سلك نهجهم القويم.

إلى الأعلى