الجمعة - 19 ديسمبر 2014 - 6:07
آخر الأخبار
الرئيسية » بحوث ودراسات

بحوث ودراسات

العاتي يتابع في (الظاهرة الحسينية) تضاريس الشعر العربي

12-12-2014-8-d

د. نضير الخزرجي..
تشكل “الظاهرة” كمفهوم، قاعدة عامة شائعة وملموسة، لها ممارسات على مستوى المجموع بحيث لا يمكن تجاهلها، وليست هي من نوع الطارئ أو الإستثنائي، ولها تأثيرها على المحيط، وعلى مستوى المصداق فهي جارية في كل حقل من حقول الحياة، كأن تكون الظاهرة اجتماعية أو اقتصادية أو جوية أو بحرية أو مرضية أو كونية، وما شابه ذلك، فالشيء الثابت والقطعي من كل ظاهرة هو عموميتها وانطلاقها خارج الحدود الجغرافية، فضلا عن محسوسيتها وتأثيرها الدائم، بحسب يصدق فيها القول بأنها ظاهرة للعيان للقريب والبعيد في كل عصر ومصر.
وقد أحسن الأديب العراقي الدكتور إبراهيم العاتي عندما أطلق على آخر نتاجاته الأدبية في مجال الأدب الحسيني اسم “الظاهرة الحسينية في الشعر العربي”، حيث وجد صاحب ديوان (تأملات في كتاب البحر) أنَّ المثل العليا التي ناضل من أجلها الإمام الحسين(ع) بما فيه صلاح الناس كل الناس، ظاهرة في الشعر العربي القديم والوسيط والحديث على لسان الشاعر الناظم باللغة العربية غير مقتصرة على الموالي لأهل البيت(ع)، بل تعدّاه إلى غير المسلم، وغير منحصرة بالعراق الأرض التي استشهد فيها الإمام الحسين(ع) عام 61هـ، ولذلك استحق النظم الحسيني على لسان المسلم وغير المسلم، العراقي وغير العراقي، أن يكون ظاهرة أدبية لم تسبقها ظاهرة في مجال الآداب العالمية، فما من أدب منثور أو منظوم لشعوب الكرة الأرضية إلا والقضية الحسينية حاضرة فيه، ومن يطّلع على كتابه الصادر حديثا عن دار الأمير للثقافة والعلوم ببيروت في 192 صفحة من القطع الوزيري يلاحظ هذه الظاهرة، بل ومن يطِّلع على باب الأدب المنظوم من دائرة المعارف الحسينية للمحقق الفقيه الدكتور محمد صادق الكرباسي، يؤمن إيماناً راسخاً أن الإمام الحسين(ع) دخل في ضمير كل أمة ومجتمع على وجه الأرض قديمها وحاضرها، فعدد الأجزاء المطبوعة من الموسوعة الحسينية المتعلقة بالنظم الحسيني العربي فقط منذ القرن الأول الهجري حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري بلغ 21 مجلداً لشعراء من أقطار الأرض، وأضعافها من المجلدات المخطوطة لشعراء القرنين الرابع عشر والخامس عشر وهي في طور التدقيق والتحقيق، ناهيك عن الشعر الحسيني باللغات الأخرى وبخاصة الفارسية والأردوية والپشتوية والتركية والانكليزية التي صدر منها حتى الآن أكثر من عشر أجزاء، ولهذا لم يحد العاتي عن الحقيقة فيما اتخذه من عنوان لدراسته الأدبية.
والمؤلف هو الأستاذ الجامعي وعميد الدراسات العليا صاحب المؤلفات الفلسفية والأدبية، رصد بأسلوب أكاديمي علمي (الظاهرة الحسينية في الشعر العربي) من خلال مفاصل أدبية زمانية ثلاثة أطلق عليها: “الشعر الحسيني في الأدب العربي القديم”، “ثورة الحسين(ع) في الشعر الإحيائي”، و”ثورة الحسين(ع) في الشعر العربي الحديث”، وتوسع في العنوان الثالث إلى متابعة الظاهرة الحسينية في شعر “الجواهري وثورة العشرين”، و”الحسين(ع) في فضاء الشعر المعاصر”، و”شعراء الحداثة والثورة الحسينية”، كما توغل في فصل مستقل ضمن المرحلة الحديثة في بيان موقع “الحسين(ع) وكربلاء في شعر نزار قباني”، ولما كان للنهضة الحسينية حضورها الأدبي في المسرح الشعري، فإنَّ العاتي أفرد في الفصل الخامس عنواناً مستقلاً عن “ثورة الحسين(ع) في المسرح الشعري العربي” ولعلّ النموذج البارز هو “عبد الرحمن الشرقاوي ومسرحية ثار الله” المحظورة حتى اليوم من تمثيلها على مسارح مصر للصراحة التي تملَّكها الشرقاوي في وضع النقاط على الحروف عبر تشخيص الظالم وشخوصه وممارساته المنافية للخلق الإسلامي والعرف الإنساني وتخطيه حدود العدوانية بالضد من أهل البيت(ع) إلى أبعد مدياتها.
ولاحظ العاتي أنَّ الظاهرة لم تقتصر على الشعراء الموالين لأهل البيت، وليست هي خاصة بشعراء العراق الذي تشرف بمرقد الإمام الحسين(ع)، بل إنَّ الحدود الجغرافية والمذهبية والعرقية والدينية مع الظاهرة الحسينية معدومة، وعليه فإنَّ: (شعراء الحسين كانوا من مختلف المذاهب الإسلامية بل ومن أديان أخرى، لأنَّ مأساة كربلاء تلامس ضمير كل إنسان منصف)، والضمير الإنساني الذي قد يصيبه الصدأ بحاجة إلى صقله بين فترة وأخرى، والنهضة الحسينية لها جدواها في هذا المقام، وقد وجد العاتي: (إن دراسة الشعر الحسيني تكشف عن كنوز من القيم الخُلُقية السامية التي تحتاج إليها شعوبنا لإصلاح أمورها، والاعتبار مما جرى لرموزها وقادتها المصلحين).
من هنا تمتاز خصائص الشعر الحسيني كما قرأها العاتي بالموضوعية أولاً: (فواقعة الطف تتجلى فيها كل خصائص الموضوع الشعري المفعم بالأحاسيس والأفكار والصور الملهمة)، وتمتاز بالذاتية ثانيا: (فأياً كان الموضوع الذي يتناوله الشاعر فإنه لابد أن يضفي عليه من ذاته وروحه الشيء الكثير بحيث يظهر العمل الفني وكأنه شيء جديد فيه شبه من الموضوع الأصلي)، وتمتاز بالإيمان بالمبادئ والقيم العليا ثالثا: (ولذا نجد أنَّ كافة شعراء الطف يستخلصون من مأساة كربلاء موقف أبي الشهداء وأنصاره مبادئ الإسلام الأصيلة والقيم الخلقية السامية، كالبطولة والفروسية والحرية والتضحية والفداء والعزة والإباء وغيرها).
وانطلق المؤلف من باب “الشعر الحسيني في الأدب العربي القديم” في السياحة الأدبية النظمية، دراسة وتحليلاً، نحو فضاءات الشعراء: الكُمَيت بن زيد الأسدي (60- 126هـ)، السيد الحِمْيَري إسماعيل بن محمد (105- 173هـ)، الإمام الشافعي محمد بن إدريس (150- 204هـ)، أبو تمام الطائي حبيب بن أوس (190- 232هـ)، ديك الجن الحمصي عبد السلام بن رغبان (161- 235هـ)، دِعْبِل بن علي الخزاعي (148- 246هـ)، عبد الله بن المعتز العباسي (247- 296هـ)، أبو فراس الحمداني الحارث بن سعيد التغلبي الوائلي (320- 357هـ)، الصاحب بن عباد إسماعيل بن عباد بن العباس (326- 385هـ)، الشريف الرضي محمد بن الحسين (359- 406هـ)، وأخيراً أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله التنوخي (363- 449هـ)، ويقرر العاتي عند تناوله لشعر المعري: (إنَّ الشهيد يُفنى جسداً لكن قضيته تكتسب صفة الخلود وتطبع الزمن بطابعها المضرج بالدماء)، وهذه الحقيقة يؤكدها شعراء الظاهرة الحسينية على مر الأزمان، لأن كلمات الشاعر الحسيني كما يؤمن العاتي: (تنطق أو توحي بايقاعات الزمان المتطاول، هذا الدم القاني الذي يضيء الطريق للبشرية مع انبلاج كل فجر فيصبغ الأفق الواسع بحمرة الشفق، ويبقى مستمراً ليعرض ظلامته على الباري جلَّت قدرته يوم الحساب).
وجَّه المؤلف في الفصل الثاني الذي بحث فيه “ثورة الحسين(ع) في الشعر الإحيائي” وهي فترة الشعراء المجددين: (الذين عملوا منذ القرن التاسع عشر على إحياء التقاليد الفنية والقيم الجمالية للشعر العربي في عصوره الزاهرة، وخصوصاً الشعر في العصر العباسي والأندلسي، متجاوزين بذلك فترة الخمول والرتابة والانحطاط التي مرَّ بها الأدب العربي بوجه عام إبان العصر المملوكي والعثماني)، وجَّهَ نظرنا من خلال النقد والتحليل إلى أنَّ شعر المرحلة الإحيائية: (ينتهي إلى جملة من المعاني والقيم المحورية يمكن تركيزها في قضيتين أو قيمتين أساسيتين، هما البطولة والمأساة) إلى جانب الخيال المبدع كقيمة ثالثة، والمأساة المتفائلة كقيمة رابعة، وخرج من خلاصة البحث والنقد والتحليل بنتائج ثلاث على غاية من الأهمية: (فشعر الرثاء الحسيني يدخل في صنف المأساة المتفائلة، إذ لم يستغرقه الحزن إلى درجة تشغله عن استخلاص المعاني العظيمة والمواقف البطولية والاعتصام بالعقيدة الإسلامية الخالصة من كل شائبة، مما يبعث الأمل في نفوس المخلصين بحتمية انتصار الحق وسيادة العدل في النهاية) هذا أولا، وثانيا: (توازنت عناصر البطولة والمأساة في ثورة الحسين(ع) مما أكسبها صفة الخلود ومنحها بعداً إنسانياً شاملاً، وأبقى معينها متدفقاً عبر السنين)، وثالثا: (لم يأخذ-الشعر- حقّه من الدراسة والتحليل وأنه لو نشر على نطاق واسع وقورن بنظيره من الشعر الإحيائي العربي الحديث لتضاءلت أمامه قمم أدبية كثيرة أجهد النقاد والباحثون أنفسهم في ترسيخ زعامتها الأدبية لتصبح من قبيل المسلمات)، وهو رأي يصيب كبد الحقيقة، فالظاهرة الحسينية لم تأخذ حجمها الطبيعي في ساحة الأدب، وهو قصور يقع جزء منه على حملة الأدب الحسيني ودعاته، فعلى سبيل المثال، فإنَّ الخطيب الحسيني الذي يطلُّ على الجمهور العريض من خلال القنوات الفضائية لازال منذ عقود طويلة يردد القصائد والأبيات نفسها التي كنّا نسمعها ونحن صغار السن وصارت من المحفوظات، فلم يقم بتجديد نفسه شعراً حفظاً وإنشاداً، حتى ليخال للمستمع أنَّ النظمَ الحسينيَّ فقيرٌ وهو محدود بما يردده خطباء المنبر الحسيني كل عام، وهو ظلم يُمارس على الأدب الحسيني من حيث نشعر أو لا نشعر.
ولا يخفى أن الشاعر محمد مهدي الجواهري (1900- 1997م) العراقي النجفي المولد، فاق أقرانه الشعراء الناطقين بالعربية داخل العراق وخارجه، وهو شاعر غير مقلٍّ، بيد أنَّ رائعته الحسينية (آمنت بالحسين) التي نظمها وهو في العقد الخامس من عمره وألقاها في كربلاء المقدسة عام 1947م أخذت شهرتها في الآفاق وكاد الناس يظنون أنها يتيمة الحسينيات من شعره، لكن العاتي يهدينا الى قصيدة ثانية للجواهري بعنوان (روعة التاريخ .. عاشوراء) نظمها وهو في العقد الأربعين من عمره سبقت المشهورة.
ولمكانة الشاعر وقوة نظمه الحسيني بدأ الفصل الثالث به ضمن عنوان “ثورة الحسين(ع) في الشعر العربي الحديث”، فيما تناول المؤلف بعد الجواهري “الحسين(ع) في فضاء الشعر المعاصر”، معرجاً على “شعراء الحداثة والثورة الحسينية” بدءاً بالشاعر العراقي بدر شاكر السياب (1926- 1964م)، وانتهاءً بالشاعر الفلسطيني أحمد خضر دحبور المولود بحيفا عام 1948م، مروراً بالشاعر السوري أدونيس علي أحمد سعيد المولود بمدينة جبلة سنة 1930م، والشاعر البحريني قاسم حداد المولود سنة 1948م، والشاعر مظفر عبد المجيد النواب المولود في بغداد عام 1934م، حيث تابع المؤلف في هذا الفصل “فلسطين وكربلاء .. جدل الثورة والمأساة”، وهنا: (يلتحم الشاعر بالرمز الحسيني ويجعله مفتاحاً لفهم مجريات الواقع الفلسطيني والعربي المعاصر).
وتلمَّسَ العاتي في الفصل الرابع “الحسين(ع) وكربلاء في شعر نزار قباني”، نتاجات الشاعر السوري (1923- 1998م) المشهور لدى جيل الشباب بغزلياته ووجع الحب دون أن يلتفتوا كثيراً إلى تفجُّعاته الكربلائية، الأمر الذي حدا بالمؤلف إلى متابعة الشعر الحسيني لدى القباني وتحريك مباضع النقد والتحليل في تفعيلاته عبر عناوين رئيسة هي: “الرمز الحسيني في شعر نزار قباني”، “أحزان كربلاء والقهر السياسي”، “جراح الحسين ونكسة حزيران (يونيه) 1967م”، “حرب أيلول ووفاة عبد الناصر: أيامنا كلها كربلاء”، “في رثاء عميد الأدب العربي: إنني في حمى الحسين”، “شهيد كربلاء وفدائي فلسطين”، وأخيرا “نزار قباني والجنوب المقاوم: يا لابساً عباءة الحسين وشمس كربلاء”، ويقرر العاتي في نهاية المطاف إنَّ: (نزار قباني من ألمع الشعراء العرب الذين وظفوا الجوانب المضيئة من تراثنا العربي والإسلامي للخروج من دوامة الهزيمة، وإعادة الثقة بالنفس بعد أن أصيبت الشعوب العربية بالإحباط واليأس، وقد تجلى ذلك في أبهى صوره بعودته الدائمة إلى رمز البطولة والإباء والشمم الذي جسّده الإمام الحسين بن علي(ع) في وقفته البطولية يوم كربلاء، والذي كان ملهماً للثوار قديماً وحديثاً).
ويستقلُّ العاتي بالفصل الخامس للحديث عن “ثورة الحسين(ع) في المسرح العربي”، ومن مشاهير هذا الأدب الرفيع الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي (1920- 1987م)، وتحت عنوان “عبد الرحمن الشرقاوي ومسرحية ثأر الله”، يحلل المسرحية الشعرية في العناوين الفرعية التالية: (شرف الكلمة)، (الإصلاح هو الغاية .. الإمام الثائر)، (الغدر والخديعة)، (إمام العدل الاجتماعي)، (درس في الإيثار)، (الحصار الظالم)، (إنتصار الحسين)، (الحسين شهيداً)، وخلاصة ما استوحاه العاتي من مسرحية الشرقاوي أنه: (رغم تلك المآسي تبقى لوحة البطولة هي الساطعة في يوم كربلاء … إنها تزري باليأس وتبعث على التفاؤل بأنَّ رسالة الشهيد هي المنتصرة في النهاية).
وحتى يقف القارئ على معالم الظاهرة الحسينية متنقلاً من بحر لآخر ومن قافية لأخرى اختار المؤلف في نهاية الكتاب “منتخبات من روائع الشعر الحسيني” للشعراء: سليمان بن قتة التيمي (126هـ)، أحمد بن محمد بن الحسن الصنوبري (365هـ)، الناشي الصغير علي بن عبد الله البغدادي (365هـ)، الحسين بن الحجاج (391هـ)، الشريف المرتضى علي بن الحسين (436هـ)، سبط ابن التعاويذي محمد بن عبيد الله البغدادي (584هـ)، ابن سناء الملك هبة الله بن جعفر المصري السعدي (608هـ)، البوصيري محمد بن سعيد الصنهاجي (694هـ)، كاظم الأزري (1211هـ)، عبد الباقي العمري الموصلي (1279هـ)، حيدر الحلي (1304هـ)، محمد حسن أبو المحاسن (1344هـ)، محمد الحسين كاشف الغطاء (1373هـ)، حسين علي الأعظمي (1375هـ)، عبد القادر رشيد القادري (1382هـ)، محمد علي اليعقوبي (1385هـ)، وأخيراً قصيدة بعنوان “سِفْر البطولة” من نظم العاتي ختم بها خاتمة كتابه، ويكون بذلك عبر (المنتخبات) قد نشّط الذائقة الأدبية للقارئ وفعَّلها، وهو الأديب والشاعر والكاتب والمؤلف والباحث في الفلسفة، ولمدينة النجف الأشرف التي ولد بها العاتي في أسرة علمية أدبية سنة 1949م أن تفخر بابنها، فهو علم من أعلام الأدب والفكر والفلسفة، وتشهد بذلك مؤلفاته الراقية: (الزمان في الفكر الإسلامي)، (تصورات العالم في الفكر الإسلامي)، (الإنسان في فلسفة الفارابي)، (آفاق التجديد الإسلامي)، (الرؤية السياسية للإمام علي بن أبي طالب)، (أحمد الصافي النجفي غربة الروح ووهج الإبداع)، و(إشكالية المنهج في دراسة الفلسفة الإسلامية).

 

دائرة المعارف تنفض الغبار عن ملفات غيّبها التاريخ

28-11-2014-16-d

 د. نضير الخزرجي..
لطالما أسمع ممن ألتقيهم في المجالس الخاصة والعامة، عن الجديد الذي يمكن أن تضيفه دائرة المعارف الحسينية إلى ما هو موجود في الكتب القديمة والحديثة عن النهضة الحسينية، وما هو غير المعروف الذي أتى أو يأتي به العلامة محمد صادق الكرباسي في الموسوعة الحسينية غير الذي يُقرأ في الكتب ويُسمع من أفواه الخطباء وينظمه الشعراء عن عموم السيرة الحسينية وخصوص واقعة الطف عام 61هـ.
تساؤلات غير قليلة، ربما لو كنت بمقامهم ولو لم يصبني من الموسوعة الحسينية خيرها، والعمل إلى جانب مؤلفها منذ عام 1992م، لكان حالي، من حيث السؤال والاستفسار، حالهم، لاسيما وان المنبر الحسيني لم يحصل فيه التجديد المطلوب والطموح، وما كنّا نسمعه من الخطباء في صغرنا سمعناه في شبابنا ونسمعه في كهولتنا، ومعظم الكتابات والمؤلفات والمقالات هي واقعها تكرار واجترار مع مسحة من القراءة الشخصية للحركة الحسينية قد تشطح بكاتبها إلى خلاف الحقيقة، أو ربما جاءت الإضافات العاطفية والتقولات غير المنطقية لتزيد من البلبلة والضبابية، فيتلقاها المستمع كأنها واقع ويصطدم بالحقيقة إذا قرأ خلاف ما سمع، فيحصل عنده اللبس، وربما عدم الثقة بالخطابات والكتابات معاً.
ففي إحدى المحافل السياسية التي نلتقي بها اسبوعيا في مساءات سبت لندن ومن جنسيات مخلتفة نتداول فيها آخر المستجدات السياسية، سألني نائب خليجي عن حجم الموسوعة وأعدادها وما يمكن أن يقدم مؤلفها مما هو غير مألوف على الأسماع، وعندما شرعت بالحديث عن بعض معالمها، أبدى استغرابه للرقم 90 وهو عدد أجزاء الموسوعة المطبوعة حتى نهاية العام 2014م وزاد استغرابه عندما عرف أن إعدادها المخطوطة بلغت نحو 900 مجلد، ثم قال والدهشة عقدت لسانه: لعلّ كل جزء ينطوي على عشرات الصفحات لا أكثر؟، فاتسعت دائرة دهشته عندما عرف أن معدل كل جزء هو نحو 500 صفحة من القطع الوزيري، تقل أو تكثر حسب عنوان الباب.
ولا أظنه اقتنع بكلامي كما بدا لي من لحن قوله، ولا ألومه ولا ألوم غيره، وحتى أضعه في الصورة، أشرت إليه بباب واحد من أبواب الموسوعة الحسينية الستين، وهو باب معجم أنصار الحسين(ع)، فهو يضم عشرة أجزاء يوثق فيه العلامة الكرباسي سيرة أنصار الحسين الذين حضروا واقعة كربلاء من الرجال والنساء، من الهاشميين وغير الهاشميين، صدر منه سبعة أجزاء، ثلاثة في عموم النساء ومثلها في الهاشميين والسابع في غير الهاشميين من مجموع أربعة أجزاء، وازداد شوقاً إلى التعرف أكثر على هذه الموسوعة التي فاقت الموسوعات المعرفية نوعاً وكماً وعلماً وتوثيقاً بعد أن عرف ان أصحاب الحسين(ع) يفوق أعدادهم بأضعاف الرقم المتداول بين الخطباء، وهذا جانب من الجديد الذي أتت به دائرة المعارف الحسينية.

فن النسب والمشجرات
يتابع المحقق الكرباسي في الجزء الأول من “معجم أنصار الحسين غير الهاشميين” الصادر حديثا (2014م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 386 صفحة من القطع الوزيري، السِّيَر الذاتية للرجال الذين حضروا واقعة كربلاء، ولكن المؤلف وبنحو علمي وأكاديمي وقبل ولوج باحة التفاصيل، يتوجه إلى أصول الرجال وقبائلهم بدءاً من أبي البشرية الحالية آدم(ع) وصولاً إلى الشخصية المشاركة مع الإمام الحسين(ع) في نهضته المباركة.
وهذا الأسلوب الذي نهجه المؤلف في تتبع الجذور النسبية للشخصية، اتبعها من قبل مع الأنصار الهاشميين والنساء من الأنصار الهاشميات وغير الهاشميات، وهو نهج يعكس تبحر الكاتب في الأنساب والمشجرات وقدرته على الفصل بينها للوصول إلى الجد الأول الذي انحدرت منه القبيلة المعنية مع بيان شخصية الأنصاري من حيث الأب والأم معاً، وهذا النمط من البحث في الأنساب فتح الكثير من المغاليق، وكشف عن شخصيات نعرفها بأسمائها ونجهل سلسلة نسبها، أو أنها متقطعة عند بعض الأجداد، أو انها معروفة من حيث الأب ومجهولة من حيث الأم.
وهذا السبر في النسب، ساهم بشكل ملحوظ في التشخيص وفي بيان عدد المشاركين في واقعة كربلاء من الأنصار، مع الاستفادة من الشهداء الواردة أسماؤهم في زيارة الناحية المقدسة والزيارة الرجبية، ولم يعد الرقم (72) المتداول على المنابر وفي المجالس هو عدد أصحاب الحسين(ع) في كربلاء، كما كان عليه الحال، فقد تبيّن في الأجزاء السابقة من هذا الباب الخاص بالأنصار الهاشميين أن الرقم يعود للهاشميين الذين شهدوا كربلاء فقط، أما غيرهم من الأنصار فقد أوصله المحقق الكرباسي بفضل جهوده العلمية المتواصلة إلى 255 أنصاريا، أي أن معسكر الإمام الحسين(ع) كان يضم 323 أنصاريا من الذكور من الهاشميين وغير الهاشميين، في مقابل جيش جرار تعداده ثلاثون ألف مقاتل.
وفي طريق التعرف على الشخصية المعنية، هناك مصطلحات ترد في باب الأنساب، قام المؤلف بتعريفها أو الإشارة إليها، وهي: الأسرة، البطن، البيت، العائلة، العشيرة، العَمارة (الحي العظيم)، الفخذ، القبيلة، النسب، النسل، الذرية، القوم، العقب، درج (من لا عقب له).
ومن خلال ملاحقة التفاصيل والجداول والمشجرات، نجد أن الباحث عمد إلى أمور عدة أهمها:
أولا: بيان نسب البشرية منذ النبي آدم حتى طوفان نوح.
ثانيا: بيان أسماء الآباء والأمهات للأجداد حد الإمكان، ولاسيما في عدنان وقحطان.
ثالثا: بيان تاريخ  الولادات والوفيات حسب المعطيات التي وقف عليها المؤلف.
رابعا: فيما يتعلق بواقعة كربلاء، اقتصر المؤلف على ذكر آباء وأمهات القبائل التي شاركت في معركة الطف.
خامساً: وضع جداول ومشجرات تساهم بشكل كبير في بيان نسب القبائل إلى جانب الشخصيات المناصرة للحسين(ع).
سادساً: وضع جدول بأصحاب النبي(ص) ووصيه الإمام علي(ع) وسبطه الإمام الحسن(ع)، من الذين كانوا أحياءً حين وقوع مأساة كربلاء عام 61م وبيان مواقفهم ومواقعهم.
وبشكل عام لا يختلف هذا الفصل من الأنصار، كما وجدنا وكما يؤكد المؤلف: (عن الفصلين المتقدمين “الهاشميون” و”النساء” من أنصار سيد الشهداء، من الترجمة وتحليل الأسماء ثم بيان سيرتهم العطرة وتحديد الآباء والأمهات إن أمكن إلى جانب الولادة والوفاة، وبيان بعض الخصوصيات، إلى وضع الفهارس وغيرها)، مع التركيز على بيان الاسم الثلاثي على الأقل لكل مناصر مع الكنية واللقب والانتساب، وحل المشتركات بين الأسماء التي حضرت كربلاء من خلال مسيرتهم ونسبتهم إلى القبائل التي ينتمون اليها.

عرب وموالون
تتبع المؤلف تاريخ القبائل التي كانت حاضرة في واقعة كربلاء إلى صف الإمام الحسين(ع)، وخاصة القبائل العربية التي انحدرت من عدنان وقحطان مع رسوم بيانية للنسب تسهّل للقارئ والمختص تقفي الأثر ومعرفة الأصل، مع شروحات وافية لاسم القبيلة وجذرها اللغوي ومصداقها أو مصاديقها.
وتوزع عدد أنصار الإمام الحسين(ع) حسب ما اشتهروا به تاريخيا على القبائل التالية: الأرحبي (1)، الأزدي (11)، الأسدي (13)، الأسلمي (1)، الأشجعي (1)، الأصبحي (1)، الأعرجي (1)، الأنصاري الخزرجي (5)، الأنصاري الأشجعي (1)، الأنماري (1)، الأنماري الخثعمي (1)، الأنماري البجلي (3)، البجدلي (4)، البهدلي (1)، التغلبي (6)، التميمي (13)، التيمي (8)، الجابري (2)، الجديلي (1)، الجعفي (7)، الجندعي (1)، الجهيني (3)، الحارثي (1)، الحضرمي (5)، الحميري (1)، الحنيفي (1)، الخثعمي (3)، الخزاعي (3)، الخزرجي (7)، الخزيمي (1)، الخولاني (1)، الدارمي (1)، الدُئلي (1)، الدألاني (1)، الدوداني (1)، الديلمي (1)، الراسبي (3)، الرومي (1)، الرياحي (5)، السعدي (2)، السلماني (5)، السدوسي (1)، الشاكري (1)، الشبامي (1)، الشعبي (1)، الشيباني (2)، الصائدي (2)، الصيداوي (4)، الضبعي (2)، الطائي (4)، العائذي (2)، العامري (1)، العبدي القيسي (8)، العجلاني (2)، العليمي (1)، الغطيفي (2)، الغفّاري (12)، الفهمي (2)، القابضي (1)، الكاهلي (3)، الكداعي (1)، الكلابي (1)، الكلبي (4)، الكندي (7)، الليثي (1)، المازني (1)، المالكي (2)، المدني (1)، المذحجي (3)، المرادي (3)، المشرفي (5)، النخعي (1)، النمري (1)، النهشلي (5)، النوبي (1)، الهاشمي (2)، الهمداني (12)، الوائلي (الوايلي) (1)، اليربوعي (5)، واليزني (1).
وبالنظر إلى الأرقام، نجد أن أنصار الإمام الحسين(ع) من بني أسد وتميم كانوا هم الأكثر عدداً، فكل قبيلة شاركت بثلاثة عشر من أبنائها، ويليهما بني خزرج وغفّار، حيث شاركت كل باثني عشر أنصاريا، ومن بعدهما بني أزد بأحد عشر أنصارياً.
وما يميز أصحاب الحسين(ع) في كربلاء كثرة غير العرب أو ما يعبر عنهم بالموالين من جنسيات أخرى أو من بقايا الحروب، وبعض هؤلاء استعرب مع مرور الزمن من خلال الولاء، فيقال فلان من الأسرة العربية الفلانية بالولاء، وفي الغالب كان الموالون كما يضيف المحقق الكرباسي: (مخلصين لأوليائهم بل كانوا ميّالين للدين الإسلامي ربما أكثر من الذين كانوا أحراراً، ومن هنا جاز التعبير عن كل من تنشّق الحرية في فكره وعقيدته وممارسته أن يسمى هو السيد والمولى، ومن لم يكن كذلك هو العبد والمولى). والمولى من الذكور يقابله الأمة من النساء.
ولا يخفى أن عدد الموالين كما انتهى اليه تحقيق المؤلف هم 31 مواليا من بين 255 مناصراً في كربلاء أي أن نسبتهم ثُمن مجموع الأنصار العرب، وعُشر عموم الأنصار الهاشميين وغير الهاشميين، أما الإماء اللواتي شاركن نساء الحسين(ع) في الأسر فهن عشرون أمة. وهذه الأرقام والنسب تظهر قيم الوفاء والإخلاص، وانشداد الموالين إلى الحرية عبر التعلق بالرسالة الحسينية والاستشهاد بين يديه رغم أن الإمام الحسين(ع) أذن لهم بالرحيل، لكنهم أبوا إلا الصمود والاستشهاد، فلا غرو أن يكون أصحاب الحسين(ع) خير الأصحاب، ففي حين هرب بعض الصحابة في حروب الرسول الأكرم(ص) صمّم هؤلاء على الموت بين يدي سبط الرسول الأكرم(ص)، ولهذا قال الإمام الحسين(ع) فيهم: (إني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً)، وعندما اختبرهم كانوا أهلاً للاختبار، وصدق فيهم قوله عليه السلام: (أما والله لقد بلوتهم فما وجدتُ فيهم الإ الأشوس (مرفوع الرأس) الأقعس (الثابت القدم) يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل إلى محالب أمِّه)، وفي ساحة المعركة تساوى السيد والمولى من الأنصار، فكانوا سادة الأنصار، وذكرهم باق ما بقي الليل والنهار.

موقف الصحابة؟
يحق للمرء أن يتساءل عن موقف من بقي على قيد الحياة عام 61هـ من صحابة النبي(ص) أو الإمام علي(ع) أو الإمام الحسن(ع)، فالتاريخ يذكر أنس بن الحارث الكاهلي وهو من صحابة النبي محمد(ص) شارك في حروب بدر وأحد وحنين، وشارك على كبر سنّه في واقعة كربلاء وفيها استشهد بعد أن قتل جمعاً من رجالهم، ولكن غيره العشرات من صحابة النبي ومثلهم من صحابة علي والحسن(ع) لا نجد أسماءهم في كربلاء رغم أنهم كانوا على قيد الحياة؟
هذا الموضوع الحسّاس يطرقه المحقق الكرباسي متبحراً في المصادر الحديثية وكتب الرجال للمدرستين الشيعية والسنية، لينتهي به التحقيق إلى 186 صحابياً اختلفت أسباب عدم وجودهم أو مشاركتهم في واقعة الطف على أربعة: (صنف انحرف، وصنف كان في السجن، وآخر لم يعرف بالموضوع إلا بعد فوات الأوان، وصنف حاول الوصول ولم يتمكن).
وحتى يسهل على القارئ معرفة حال الصحابي، وضع المؤلف جدولاً فيه بيان للاسم الثلاثي وتاريخ الولادة والوفاة ومكانها مع شيء من الملاحظات، وبالنسبة لنوعية الصحبة رمز اليها بالحرف (ر) إشارة إلى الرسول محمد (ص) المتوفى عام 11 هـ، و(ع) إشارة إلى الإمام علي(ع) المتوفى عام 40هـ، و(ح) إشارة إلى الإمام الحسن بن علي(ع) المتوفى عام 50هـ، فبعض كانت له صحبة للنبي(ص) وخليفتيه علي(ع) والحسن(ع)، وبعض له صحبة للإمامين(ع) وبعض للإمام الحسن(ع).
وتختلف أسباب عدم الحضور في كربلاء بين صحابي وآخر، فعلى سبيل المثال فإن صحابي النبي(ص)، أيمن بن حزيم الأسدي المتوفى عام 80هـ سكن دمشق واعتزل لمعاوية، في حين أن صحابي النبي(ص)، أبو أمية جنادة بن كثير الأزدي الزهراني المتوفى عام 80هـ كان عسكرياً على ثغور البحر في مواجهة جيوش الروم، أما رافع بن خديج الانصاري الأوسي المتوفى عام 73هـ وهو من صحابة النبي(ص) وعلي(ع)، فقد كان حين واقعة الطف في مدينة بيضاء بليبيا، أما الصحابي للنبي(ص) وخليفته(ع) وسبطه(ع)، سليمان بن صرد الخزاعي قائد حركة التوابين المستشهد في عين الوردة بسوريا عام 65هـ، فالظن أنه كان مسجونا في الكوفة، وأما صحابي النبي (ص)، النعمان بن بشير الأنصاري، الذي كان والياً على الكوفة عندما عزم الإمام الحسين(ع) على الحركة نحو العراق، ثم استُبدل بعبيد الله بن زياد، فإنه كان إلى جانب بني أمية وقد ولي لهم حمص فيما بعد، ثم انقلب إلى جانب عبد الله بن الزبير بعد وفاة معاوية بن يزيد، ثم دعا لنفسه بعد سيطرة مروان بن الحكم على السلطة في دمشق، فهرب من حمص ولحق به جيش مروان، وكان عاقبة أمره أن قُتل وحزّوا رأسه ورموه في حجر زوجته.
في الواقع ان كل جزء من أجزاء الموسوعة الحسينية فيه الشيء الجديد، وهو حاك عن الامكانات العلمية التي يتمتع بها المؤلف الذي يصفه الدكتور محمد نسيم بهنداري وهو يقدم للكتاب بمقدمة باللغة النيبالية، بالقول: (وأحسب من خلال اطلاعي على دائرة المعارف الحسينية أن الله قيّض للنهضة الحسينية مَن يحفظ تراثها ويحقق في القديم منه والحديث رغم المصاعب الكبيرة، ولا أشك أبداً أن الله بارك في القلم الذي خطّ في النهضة الحسينية وأنشأ هذه الموسوعة الحسينية الكبيرة .. فمن يكتب هذه الموسوعة بهذا الحجم الكبير لاشك أنَّ الله يحبّه، ومَن أحبَّه الله أيّده وسدّد خطاه وجعل في قلمه ويراعه الخير والبركة، وهذا الخير أراه قد حلَّ في قلم العلامة القدير الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي الذي استطاع منذ أن بدأ بكتابة الموسوعة عام 1987م أن يحقق هذا الانجاز العلمي الكبير، ويؤلف هذه الأعداد الهائلة من المجلدات في ستين باباً من أبواب المعرفة المتفرقة المتعلقة بالامام الحسين ونهضته المباركة على الظلم والاستبداد).
ويضيف الدكتور بهنداري، وهو أستاذ جامعي تحوّل من الهندوسة إلى الاسلام على مذهب الحنفية، معلّقاً على النهضة الحسينية: (وقد أثبت الإمام الحسين(ع) بنهضته المباركة أنه إمام الإنسانية وأنه الداعي إلى الخير، وأنه كان يريد خير المسلمين، ولكن الشيطان ركب عقولهم فانصاعوا لشهواتهم فقتلوه، ومن معالم هذه النهضة والحركة الاستشهادية في كربلاء على قلة العدد والناصر هو وجود مجموعة من الشهداء الذين نصروا الامام الحسين(ع) وهم ليسوا من أهل بيته، ولكنهم آمنوا به ونصروا الحق واستشهدوا بين يديه، ومن يقرأ الجزء الأول من كتاب معجم أنصار الحسين غير الهاشميين يكتشف حقيقة الإيمان الذي اكتنف صدور هذه الثلّة المؤمنة الذين فضّلوا الموت على الفرار، وفضّلوا الآخرة على الدنيا وزخارفها وزبرجها، فنالوا الشهادة والرفعة والمنزلة العظيمة، وظفروا بالجنة كما ظفروا بالسمعة الطيبة وصاروا مثالاً حيّا لكل مَن يريد السعادة الدنيوية والأخروية).
ويعود الدكتور بهنداري، المقيم في مدينة كتمندو النيبالية ليؤكد: (لقد وجدت في الكتاب الذي وفّقني الله لأن أقدّم له مقدمة، أنّ العلامة الفاضل والمحقق الحاذق الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي قد أجهد نفسه كثيراً في البحث عن شهداء كربلاء من غير الهاشميين، وبيان أصلهم وفصلهم، وقد استطاع أن يكتشف أسماء عدد من الشهداء المغيَّبين، وهذا بحد ذاته إنجاز علمي رغم مضي أربعة عشر قرناً على واقعة عاشوراء).
وكما اكتشف الدكتور بهنداري من خلال قراءته لكتاب واحد، عمق التحقيق والتوثيق في دائرة المعارف الحسينية، فإن مَن يطّلع على أجزاء الموسوعة الحسينية، سيجد الجديد الذي غاب عن الأوائل، هو ما يفاجئنا به العلامة الكرباسي في كل مرّة.

الكرادة أو كلواذا .. تحديد موضعها القديم

21-11-2014-5-d

    كانت الكرادة الشرقية تسمى في الأزمنة القديمة باسم كلواذا (بفتح الكاف والواو وتسكين اللام والألف وذال معجمة مفتوحة) وهو الاسم القديم للكرادة الشرقية الحالية. وقد اختلف المؤرخون في سبب التسمية.

وكلواذا بالأصل قرية قديمة منعزلة ثم عمت تسميتها فأصبحت تشمل القسم الجنوبي من بغداد في شرق دجلة. والباحثون يختلفون في تعيين موضعها على وجه الدقة. فالباحث الإنكليزي (جيمس فيلكس جونس) يقول: (إن موقع كرارة هو عين موقع كلواذا الوارد ذكرها في كتب جغرافيي العرب، فإن المكان المفترض لهذه المدينة القديمة ينطبق كل الانطباق على موقع القرية الحالية). ويؤيده في المستشرق الإنكليزي (كي لسترانج) وانستاس الكرملي والشالجي. والمقصود بقرية كرارة هنا هو موضع قرية (سعيدة) الحالية التي يسميها خطأ فليكس جونس ولسترانج والكرملي ومن يؤيدهم في ذلك بقرية كرارة. إذ إن القرية الأخيرة تقابل قرية سعيدة في الضفة الغربية لنهر دجلة على بعد قريب من مصافي نفط الدورة.

أما الصنف الآخر من الباحثين فيرجحون موضعها في الإيشان (إيشان حاج عبد) الواقع في منطقة البو شجاع في الجهة المحاذية لساحة الحرية. فالدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة يرجحان موضعها في (الإيشان). وينحو الدكتور سوسة هذا النحو في معظم كتبه وأطالسه. غير أنه في كتابه (ري سامراء في عهد الخلافة العباسية) يضعها في موضع قرية سعيدة الحالية التي يسميها خطأ بقرية كرارة. وربما كان ذلك يمثل رأيه القديم أما رأيه الحديث فهو المثبت في دليل خارطة بغداد والدليل الجغرافي العراقي وأطلس بغداد. وجاء في مجلة العراق الجديد أن قرية كلواذا تقع على وجه التحقيق في تلول حاج عبد المعروفة عند أهل الكرادة باسم الإيشان. ويؤيد هذا الرأي أيضاً الأستاذ سليم طه التكريتي عندما أشار إلى أن قرية كلواذا كانت تقع في موضع تلول حاج عبد (الايشان).
وهكذا فالآراء مختلفة بشأن تعيين موضع قرية كلواذا بدقة، والراجح عندنا هو أن موضعها عند الإيشان وليس في موضع قرية سعيدة وذلك للأسباب الآتية: ان الايشان منطقة أثرية اكتشفت فيها آثار كلدانية وساسانية وإسلامية تدل على وجود قرية (مثل قرية كلواذا). وإن موضع قرية سعيدة الحالية ليس غنياً بآثاره القديمة بالمقارنة مع موضع كلواذا، لهذا يستبعد وجود قرية قديمة فيه.
وما يؤيد قولنا هو أن المسافة بين بغداد وكلواذا تبلغ فرسخاً واحداً للمنحدر حسب تقدير ياقوت الحموي. ويؤيده في ذلك كي لسترانج والدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسة. وهي تقارب  المسافة الحالية نفسها بين الباب الشرقي والإيشان بمنطقة البو شجاع حيث تبلغ نحو ستة كيلومترات.
يخطئ من يقدر المسافة بأكثر من فرسخ واحد كابن خرداذبه وابن حوقل والإصطخري وأبي الفدا وقدامة، حيث إن كلاً من هؤلاء يقدرها بفرسخين. بل إن ابن رستة ذهب أبعد من ذلك حين ذكر أن المسافة تبلغ ثلاثة فراسخ. والظاهر أن هؤلاء الجغرافيين يعتمدون على الرواة دون تحقيق الرواية. إذ إن مسافة فرسخين تقارب المسافة بين الباب الشرقي والزعفرانية، ومسافة ثلاثة فراسخ تصل إلى جنوب جسر ديالى بكيلومتر ونصف تقريباً
والمعروف أن الزعفرانية تقع جنوب كلواذا، ويؤكد ذلك الخطيب البغدادي وياقوت الحموي مضافاً إلى ابن رستة نفسه حين يصف طريق بغداد- المدائن بقوله: (الطريق منحدر مع دجلة، فتسير حتى تنتهي إلى كلواذا… ومن كلواذا إلى الزعفرانية…) فالطريق يسير بمحاذاة نهر دجلة حتى كلواذا. وبعد اجتياز المزارع والبساتين يصل إلى الزعفرانية. وهذا الوصف ينطبق على ما ذهبنا إليه من أن مركز كلواذا هو الإيشان. والزعفرانية لا تبعد أكثر من فرسخين عن جنوبي بغداد، وكلواذا لا تبعد أكثر من فرسخ واحد عن جنوبي بغداد، أي إن كلواذا أقرب من الزعفرانية إلى بغداد بنحو من الفرسخ فكيف إذن يسوغ لابن رستة بجعل المسافة بين بغداد وكلواذا ثلاثة فراسخ؟

يذكر ابن قدامة أن كلواذا تبعد خمسة فراسخ شمال المدائن. وإذا أضفنا إلى هذه المسافة فرسخاً واحداً بين كلواذا وبغداد، فتصبح نحو من ستة فراسخ وهي تقريباً المسافة الحالية نفسها بين الباب الشرقي وسلمان باك البالغة نحو 31كم. وإن كانت المسافة سبعة فراسخ (أي نحو من 35كم) فهي صحيحة أيضاً بالنسبة إلى طريق بغداد- المدائن القديم.
يقول ياقوت الحموي عن قرية بنّا. أنها تقع (على شاطئ دجلة من نواحي بغداد، بينهما نحو فرسخين، وهي تحت كلواذا، رأيتها) فإذا كانت بنّا تحت كلواذا والمسافة بينها وبين بغداد تقارب الفرسخين، إذن المسافة بين بغداد وكلواذا أقل من فرسخين أي تقرب من فرسخ
واحد.
قد يدعي بعض الكتاب أنه لابد وأن تقع قرية كلواذا عند مصب نهر بين حتى ترتوي منه. ولما كان نهر بين يصب في نهر دجلة عند الموضع الذي تقع فيه قرية سعيدة الحالية (مقابل كرارة) كما يدعون، إذن لابد من وقوع كلواذا عند مصب نهر بين أي في موضع قرية سعيدة.
وهكذا فالآراء متضاربة بين الباحثين المعاصرين والكتاب القدماء، فيعتقد بعضهم أن كلواذا كانت عاصمة الكلدانيين ودار مملكتهم العظمى، في حين ينفي الآخرون، وخاصة المحدثين، ذلك. ولكن يبدو مما تبين أنه لما عثر في (الإيشان) على آجر بابلي مختوم باسم الملك نبوخذ نصر يرتقي إلى الدور البابلي الحديث، فإنه يمكن القول إن كلواذا كانت أحد مخلفات الكلدانيين والآثار التي وجدت في هذه التلال تدل على ذلك.
هذا وتضم الكرادة الشرقية، ضمن حدودها الإدارية (قبل عام 1976) ، تلالاً أثرية قديمة جداً مثل تل حرمل الذي يرجع تاريخه إلى عهد مملكة أشنونا التي تعود إلى أواخر الألف الثالث قبل الميلاد.

الصباح

آفاق السلام في سورية ومصير الجماعات الإرهابية

14-11-2014-9-d

بدخول المبعوث الدولي الجديد في الملف السياسي السوري، انفرج هنالك بصيص أمل بحل سياسي يضع حداً للحرب الطاحنة التي تكاد تصل ضحاياها الرقم (200)ألف قتيل وآلاف المصابين وملايين المشردين. هذه الومضة التي رصدتها أوساط إعلامية وسياسية، مصدرها التزامن الحاصل بين مهمة “ستيفان دي ميستورا” وبين عمليات القصف الجوي الذي تقوم به قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا التي تحت شعار “الحرب على الإرهاب” واستهداف مواقع تنظيم “داعش” حصراً.
المبادرة السياسية التي طرحها المبعوث الأممي، لقيت الترحيب الفوري من دمشق، وتحديداً الرئيس السوري بشار الأسد، لأنها تصب في الطريق الموازي للخيار العسكري الذي تقف خلفه – وما تزال- أطراف إقليمية ودولية لتغيير شكل النظام السوري. هذا الترحيب تمثّل في رد الأسد على مقترح “بتجميد” إطلاق النار في مدينة حلب بين القوات الحكومية وقوات المعارضة، كتمهيد للتوصل إلى حلٍّ سياسي شامل، بأنها “جديرة بالدراسة…”. وبحسب التلفزيون السوري فقد “تم الاتفاق خلال اللقاء على أهمية تطبيق قراري مجلس الأمن 2170 – 2178 وتكاتف جميع الجهود الدولية من أجل محاربة الإرهاب في سوريا والمنطقة والذي يشكل خطراً على العالم بأسره”.
هذه المبادرة الأممية الجديدة، حال سابقاتها، من الصعب جداً عليها تحقيق تقارب وجهات النظر بين طرفي النزاع لإنجاحها، لاسيما وأن على الساحة السورية الملتهبة، أصبح هنالك أكثر من طرف، وربما هذا من الخطأ الفاحش والقاتل التي وقعت فيه “المعارضة السورية”، التي سعت لأن يكون خطها السياسي هو المنهج الذي يسير العمليات العسكرية على الأرض ضد القوات السورية، وتكون الواجهة العسكرية الأساس هو “الجيش السوري الحر”، وهذا ما لم يتحقق منذ البداية، بل أصبح من المستحيلات، نظراً لأن أصل الوجود المعارض للقوات والنظام في سوريا، هو عديد الجماعات المسلحة تحت مسمّيات مختلفة، بل بمصادر دعم متعددة أيضًا، و ما أركس هذه المعارضة في مستنقع الفشل، هو منهج التكفير والإرهاب الدموي والممارسات البشعة واللا إنسانية التي صدرت من تنظيمات إرهابية في مقدمتها “داعش” ونظيراتها في الوحشية والدموية. مما أضعف كثيراً حجج المعارضة السياسية أمام المحافل الدولية لاستحصال إدانات ومواقف سياسية متضامنة ضد النظام السوري.
بيد أن تصريحات الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، ذات  الطابع الايجابي، ربما يرى فيها المراقبون والمتابعون على أنها مؤشر لاحتمال تحقيق بعض النجاح في هذه المبادرة، حيث تحدث عن المتابعة “باهتمام بالغ لجهود المبعوث الأممي في دمشق…”، كما أشار إلى احتمال أن تفضي المبادرة لعقد “جنيف 3″، الأمر الذي وصفه المراقبون بأنه بصيص أمل آخر للشعب السوري والخروج من ظلام المرحلة الراهنة. وما يبنون عليه، أن تكون هنالك صفقة تشترك فيها المعارضة السورية ويقبل بها النظام السوري، بما يشبه “لا غالب ولا مغلوب”. وقد تحدثت أوساط إعلامية عن احتمال لبننة سوريا، باستنساخ “طائف” جديد، في إشارة إلى اتفاق الطائف الذي رعته السعودية عام 1989، والذي وضع حداً نهائياً للحرب الأهلية في لبنان بعد مضي حوالي ربع قرن من الزمن، والتحول من مرحلة الحرب العسكرية إلى الحرب السياسية والتنافس على السلطة والنفوذ، كما هو الحال في لبنان.
هذا السيناريو ليس بالضرورة يكون مرضياً للجانب الآخر من الصراع والحرب، فالخندق السياسي كما الخندق العسكري (الإرهابي) في سوريا يعارضون بشدة أي مشروع سياسي ينتفع منه الرئيس السوري بشار الأسد ويعده نصرًا على الخيار العسكري وعلى الجماعات التي واجهته طيلة الفترة الماضية وتسببت في قتل وتشريد الملايين. ليس هذا وحسب، بل ويطالبون الغرب وتحديداً أميركا بدعمهم على الأرض عسكريًّا، من خلال تقوية مواقع ما يسمى “الجيش السوري الحر”، بدلاً من قصف مواقع “داعش” في سوريا. وقد وصف رئيس ما يسمى “الائتلاف الوطني السوري المعارض” هادي البحرة، خطة القصف الجوي لقوات التحالف بأنها قتال “لظاهر المشكلة الذي هو الدولة الإسلامية من دون مهاجمة أصل المشكلة الذي هو نظام بشار الأسد”.
وما يعزز الاعتقاد بصعوبة نجاح المبادرة السلمية الأممية، تعدد اطراف الحرب والقتال في حلب، فإلى جانب “داعش” هنالك “أحرار الشام”، و”جبهة النصرة”، وأيضا “الجيش الحر”، هذه القوى العسكرية المسلحة والممولة بشكل جيد، لا تعبأ بالرأي العام الدولي وإداناته الشديدة لما اقترفته من جرائم مريعة ضد الإنسانية، بل يعدون أنفسهم أصحاب حق مشروع لإسقاط النظام السوري، وإن حصل هنالك اتفاق كما حصل في حمص من قبل، فيجب أن يحقق لهم بعض المكاسب والمصالح على الأرض، مثل تأمين عناصرها أو تهريب البعض الآخر وعدم ملاحقة المجرمين والسفاحين وتوفير قنوات انسحاب آمنة كما حصل تماماً في حمص عندما استعادتها القوات الحكومية وأعادت الحياة الطبيعية إليها.
وحسب المتابعين والمراقبين، فان أهم ما تكسبه الجماعات المسلحة (الإرهابية) والتي تضمنها خطة “دي ميستورا” إجراء نوع من التمييز والعزل بينها وبين تنظيم “داعش” الذي حملته الأوساط الإعلامية والسياسية في الغرب كل تبعات الإرهاب الدموي والطائفي في الوقت الحاضر. فـ “الإرهاب” الذي جاء في المبادرة الجديدة، يقصد منه بالتأكيد “داعش” وليس الجماعات الإرهابية الأخرى التي لم تقل إجرامًا ودموية عن “داعش”، فإذا تقدمت هذه الجماعات خطوة واحدة  نحو المبادرة، فإنها ستكون قد ابتعدت أميالاً عن مصطلح الإرهاب الشنيع والدخول في الساحة السياسية كلاعبين فاعلين ربما يكونون ضمن المستقبل السياسي في سوريا.

النبأ

 

واقعة الطف في المسرحية العربية

24-10-2014-2-d

تقول المستشرقة السوفيتية تمارا الكساندروفنا في كتابها ( ألف عام وعام على المسرح العربي ) وبعد إطلاعها على الأحداث الملازمة لقضية الحسين ( ع ) ـ ما قبل وما بعد ــ بوصفها مادة مشبعة بالدراما الحقيقية والتراجيديا , تقول : ” ولا يتبقى لنا في النتيجة إلا أن نأسف لعدم ولادة شكسبير عربي كان باستطاعته تجسيد طباع أبطاله وسلوكهم في الشكل الفني للتراجيديا الدموية .
إن في هذه المادة من المؤامرات والقسوة والتعسف والشر ما لا يقل عما كانت عليه في مواضيع عصر حروب الوردة الحمراء والوردة البيضاء , لكن رغم عدم توفر الأساس الأدبي المتين , فقد أدى مصير الحسين المأساوي وأدت معركة كربلاء إلى ولادة ( التعزية ) التي تعتبر من أقدم العروض المسرحية في العالم الإسلامي . ”
لكن على الرغم مما تقدم في رأي الكساندروفنا وطموحها في ظهور نص مسرحي عربي عن واقعة ألطف, يأخذ شهرته الدرامية مثلما أخذت نصوص شكسبير مكانتها الأدبية , فقد ظهرت نصوص مسرحية عربية عديدة استثمرت أحداث واقعة ألطف في بنيتها الدرامية ومتنها الحكائي , منها ما اخذ شهرة معقولة في الساحة الأدبية والمسرحية , ومنها ما بقي محدودا لضيق مساحة النشر الذي اضعف تداول المطبوع بين البلدان العربية لأنه اقتصر على نشره لمرة واحدة , فضلا عن ذلك المحاذير التي كانت مهيمنة على عيون الرقابة والسلطة السياسية في أكثر من بلد عربي إزاء موضوع كهذا وما يشكله من حساسية خاصة بين هذا الطرف وذاك .
وعليه , فقد حاولنا تتبع عدد من هذه النصوص المسرحية العربية التي استثمرت الواقعة , من خلال المسح الشامل و بالقدر الممكن , وكانت على النحو الآتي :

1- نص مسرحية ( الحسين ) لمؤلفها ( محمد الرضا شرف الدين ) وهو أول من
كتب المسرحية الشعرية في العــراق . كتب هذه المسـرحية في بغداد , فــي
1352 هـ / 1931 م .
2- نص مسرحية ( مصرع الحسين ) للشاعر السوري ( عدنان مردم بك ) منشور
في مجلة العرفان , مجلد 26 .
3- نص ( نشيد الشهيد ) فارسي الأصل , إعداد ( محمد عزيزة ) بعنوان ( آلام
الحسين أو مأساة كربلاء ) ترجمة : رفيق الصبان , والنص معد عن عدد من
نصوص التعزية .
4- مسرحية ( هكذا تكلم الحسين ) للشاعر المصري (محمد العفيفي ) وهي مسرحية
شعرية في خمسة فصول , نشرت عام 1969 م .
5- مسرحية ( ثار الله ) بجزأين ( الحسين ثائرا ) و( الحسين شهيدا ) للشاعر ( عبد
الرحمن الشرقاوي ) 1969 / 1970 م .
6- نص ( مقتل في كربلاء ) للشاعر المصري ( فتحي سعيد ) في ديوانه الشعري
مصر لم تنم , الصادر عام 1973 م والنص عبارة عن قصيدة طويلة .
7- مسرحية ( مساء التأمل ) إعداد قاسم محمد , عام 1974 وهو عبارة عن سيناريو
مسرحي اعتمد فيه المعد على ستة مصادر مسرحية .
8- مسرحية ( الحسين يموت مرتين ) للكاتب المغربي ( عبد الكريم برشيد ) وهو
كتابة جديدة معدة عن نصوص التعزية .
9- نص ( تعازي فاطمية ) للكاتب التونسي ( عز الدين المدني ) .
10- مسرحية ( الحسين – تراجيديا في ثلاثة فصول ) للمؤلف المسرحي السوري
وليد فاضل , عام 1998 م .
11- مسرحية ثانية يجيء الحسين للشاعر العراقي محمد علي الخفاجي , 1972 م , وسيتوقف كاتب السطور عند هذه المسرحية التي تميزت فنيًّا وفكريًّا عن مثيلاتها وفي مقال خاص بها .
هذا بالإضافة إلى صدور نص مسرحي جديد للشاعر العراقي باقر صاحب بعنوان الحسين / مسرحية شعرية , عن دار الشؤون الثقافية مؤخرا , كذلك فعل الشاعر العراقي علاوي كاظم كشيش وكتب مسرحية بعنوان / يزيد , اطلعنا عليها مؤخرا منشورة في احد المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت .
كما ننوه عن وجود نصوص مسرحية أخرى اتخذت من واقعة الطف خلفية لأحداثها , أو تمر على ذكر الواقعة هامشيا على وفق الموقف الدرامي وحاجته إلى ذلك , بل إن هناك من النصوص حاولت الترميز إلى الواقعة وأبطالها بمسميات مباشرة مرة وغير مباشرة مرة أخرى .
وسيتوقف المقال عند بعض من النصوص المسرحية سالفة الذكر , محاولا تتبع صيغ كتابتها والكشف عن طبيعة استثمار كتابها للحدث التاريخي وتناوله دراميا .

1- نص مسرحية ( هكذا تكلم الحسين ) للشاعر المصري محمد العفيفي :

ما يلفت الانتبـاه أولا فــي هذه المسرحية هو النقـــد والدراسة التـــي جاءت في مقدمتها للأستاذ العلامة علي الكوراني , تعرض فيها للمشكلات الأساسية التي تواجه شاعر المسرح المعاصر , موضحًا الأساليب المناسبة للتصوير المسرحي لتقديم الشخصيات وخاصة التاريخية منها , إلى جانب تعرضه لمشكلة الإيقاع في الشعر المسرحي والوحدة والحيوية في العمل المسرحي ، فضلا عن ذلك إعطاء حكمه عن شرعية التمثيل في قوله : ” أما التمثيل فهو وسيلة كمختلف الوسائل الإعلامية , يحدد جوازه وحرمته الهدف منه وعدم منافاته للأحكام الشرعية . ”
تتكون المسرحية من خمسة فصول , يبدأ المشهد الأول منها من الفصل الأول بظهور معاوية على فراش الموت معلنا عن ارتياحه لان يزيدا سيورثه الحكم من بعده , ليتصاعد الموقف بينه وبين مجموعة الزبانية , الذين يخالفونه الرأي وهو يخوض في هلوسته في الدفاع عن رأيه وعن ابنه يزيد . كما يكشف هذا المشهد عن موقف يزيد من طلب البيعة إليه من الحسين بن علي (ع) والإصرار على ذلك حين يخاطب جواسيسه فنراه يقول : ” أما أنت وأنت وأنت / فلتنتشروا حول حسين حتى لا يشرب جرعة ماء كانت أعينكم سابحة فيها / واروني فعل شياطين أمية / فانا أرجو أن تتلطخ أيديكم بدمه / وخطاكم قد بلغت ارض الشام بتلك البشرى “.
كما تعرض المؤلف في هذا الفصل إلى شخصية (جعدة) زوجة الإمام الحسن (ع) في فعلتها الدنيئة حينما قامت بتقديم السم إلى زوجها طمعا في الوعد الذي قدمه لها معاوية بتزويجها ولده يزيد إذا ما قامت بذلك .
لكن العفيفي حاول التدخل دراميا حينما تصرف بان جعل جعدة تعلن عن ندمها الواضح في النص إزاء فعلتها الشنيعة تلك .
في الفصل الثاني وفي المشهد الأول منه يكشف النص ظهور ساحة بيت الحسين وحوله فئات من أهل المدينة يتشاور معهم في ما يجب عمله للخلاص من تخطيط يزيد وأعوانه , مؤكدين على ثباتهم مع الحسين (ع) الذي يقول : ” لن نرجع حتى تنهشنا ذؤبان الفلوات / وتمزقنا أظفار الجلادين / فليسرع بُعُدُ الشقة خلف خطانا / حتى لا تهوي جذوتنا في ظلمات الحيرة / وبأنفسنا نور يجري مجرى الدم / ولننقش بالدم ما يقراه الليل بعين نهاره / وتعانقه خفقات قلوب ما خفقت بعد / أو نُرجع للأمة حريتها / فتعود إلى الله ولا تسجد للطاغوت “.
لقد استند العفيفي على استخدام الموسيقى الشعرية ببلاغة محكمة ومثيرة للمشاعر والعواطف الإنسانية الجياشة بلغة شعرية يتجلى فيها استخدام الصورة الشعرية في الجمل الحوارية المتبادلة ما بين الشخصيات وخاصة تلك التي نتلمسها في حوارات الحسين (ع) وزينب ومسلم وهانيء والحر الرياحي , بل نجد ذلك الاستخدام الصوري الشعري حتى في حوارات الشخصيات التي تقع في كفة الصراع الأخرى ، كفة الشر والمتمثلة هنا في شخصيات أمثال : معاوية ويزيد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجو شن .
كذلك يمكن تلمس الدقة التاريخية التي استند المؤلف إليها في التفاصيل الصغيرة لأحداث الواقعة وتسلسل أحداثها التراتبي وفي أشخاصها بأسمائهم الصحيحة ومواقفهم الحقيقية , لدرجة أن تصل هذه الدقة التاريخية لدى العفيفي إلى الكشف عن عيوب النطق لــدى ابن زيــاد , فهو مثـــلا كان يلفظ الحــاء هاءً , بمعنى انه يقـــول ( هسين ) بدلا من ( حسين) .
كما نجد التعامل مع الدقة التاريخية في أقوال مشهورة منسوبة تاريخيًّا لأشخاصها فيعمل العفيفي على الكشف عن الأقوال نفسها ولكن بحوار شعري يتلاءم وموسيقاه الشعرية المنسجمة مع لغة النص , مثال ذلك حوار الحسين : ” أفبالموت تخوفني / وحياة الموتى أكرم من موت الأحياء … ” , كذلك ما هو مبين في حوار ابن زياد: ” ما خانك قط أمين لكن قد يؤتمن الخائن / أخزاك الله لقد أخفرت أمانته) ” . مخاطبا ابن سعد .
كذلك فقد عمد العفيفي إلى الحوار الذاتي مع أنا الشخصية للشاعرية المؤثرة التي تكشف عنها مثل هذه المناجاة الذاتية , فنجد الحسين يقول : ” لو كان الأمر إلي نبذت السيف / ولزمت القران / ورأيت يزيد فلم أبصره / لكن الناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم / وغدا الإنسان حذاء في قدمي حاجاته / اللقمة عين ساهرة ترقب أسراب لهاثه / والماء أفاع تتلوى فوق لسانه / والخوف ذراعاه وساقاه وعيناه / ورفاق الدرب وخلان الخلوات/ وصرير الباب ولمسة ثوب الطفل ” .
كما جعل العفيفي عمل المجموعة أو الكورس والمتمثلة هنا بـ ( الزبانية ) و (الجلابيب ) كما هو دورها في الماسي اليونانية والرومانية فهي تدخل في الحدث الدرامي وتعلق عليه وتعطي به رأيا وتتخذ موقفا واضحا من ذلك الحدث .
وبعد سير الأحداث بتسلسلها التاريخي نفسه وانتقال الحدث من مكان إلى آخر يصل بنا النص إلى موقف الحر بن يزيد الرياحي وخياره بين أن يكون مع الحسين أم عليه , محاولا الوصول إلى عين الحقيقة , وفي هذه الحوارية دليل على ذلك :
” الحر : يا لتنازع أهوائي / صليت وراءك يا سبط رسول الله / ووضعت السيف
فصلى خلفك / بوضوء الوهج الدامي / … فبأي ضمير ارفع سيفي في
وجهك / لكن لم لا احتال على عيشي / فأطيع ابن زياد في بعض الأمر/
ثم يثوب يزيد إلى رشده / ويعود حسين من حيث أتى / … أفديك أبا عبد
الله بنفسي … “.
كما كشف الكاتب عن موقف خاص يتعلق بشخصية الحر الرياحي حينما تيقن من وجود عيون تراقبه وتسير وراءه متابعة تنفيذاته لأوامر ابن زياد ، وهذا ما استفزه لشعوره بأنه إهانة لشخصه أولا ولاعتباريته كقائد حرب ثانيا , الأمر الذي مهد لوضعه النفسي ــ وبحسب النص ــ بان يفسح لنفسه زمنا كافيا للتفكير بما يجري حوله , بهدف اتخاذ القرار الحاسم والمناسب .
ولقد تصرف الكاتب بزمن الأحداث الجارية في نصه ، فلجأ إلى طريقة الفلاش باك , محاولا دمج الماضي بالحاضر , واستحضار الشخصيات الميتة ليضعها في مشاهد تتداخل وسير الأحداث التاريخية لواقع النص نفسه , فنجد ( معاوية وهند وأبا سفيان ) يظهرون بين ثنايا الحدث الأصلي للنص في أكثر من فصل ومشهد , كاشفا بذلك عن عالم آخر يكابد أشخاصه الم الندم والحسرة على ما أورثوه لإخلافهم من خطايا وآثام ، وكأنهم بذلك يتابعون ما يقوم به إخلافهم فيزيد هم ذلك عذابا وتأنيبا للضمير مستمرين .
كما ويلجأ العفيفي في بعض مشاهده إلى طريقة التمثيل الصامت لتنفيذ بعضا من أوامر الشخصيات , الأمر الذي يحيلنا مباشرة ــ بعد أن كشف الكاتب عن طريقة تعامله مع الجوقة واستخدامه الفلاش باك والتمثيل الصامت ــ إلى تأثر الكاتب بالنص الملحمي البرشتي في بعض من استخداماته المتنوعة في بنية النص . إلى جانب أن الكاتب متأثر أيضا بالمسرحيات الدينية التي ظهرت في العصور الوسطي حينما اظهر مشاهد عن العالم الآخر , مثلما حدث مع المشهد السادس من الفصل الخامس حينما جعل مجموعة الزبانية في ظلام دامس يحيطون بدائرة زرقاء قاتمة , كما ضمت هذه الدائرة الزرقاء نفسها في المشهد الذي يليه شخصيات القتلة جميعهم : معاوية وهند ويزيد وشمر ، وهم محاصرون بالضياع والندم والعذاب في هالة من الظلام الدامس والآلام المستمرة , وكأنهم يعيشون فعلا في العالم الآخر ، عالم العقاب ما بعد الموت أو الثواب والعقاب ما بعد الموت بحسب موقف الشخصية من الحدث الرئيسي في المسرحية .
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن اللغة الشعرية التي اعتمدها العفيفي , وفي أغلب مشاهد المسرحية وخاصة المتعلقة بمواقف الإمام الحسين (ع) والمواقف التي أعقبت استشهاد أهل بيته وأصحابه الميامين , نجدها لغة شعرية عالية التأثير عند قراءتها واستنباط معانيها و قابليتها على دغدغة المشاعر الإنسانية , فمثلا يتحاور مجموعة من الزعماء بعدما خلا الحسين إلى وداع ولده علي الأكبر وهو يسلم الروح بين يديه: ” زعيم 1 : دوحة قد سقطت أوراقها الخضر جميعا / وعليها طائر الغيم يغني نغما يبكي السماء / فهي حمراء كجذوة / منذ سوّى معول الموت برمل الطف / جدران ذويه . زعيم 2: انه لا يسلم الروح ولكن ينبت الأرض غناءً / يا لألحان السماء ..” .

2- مسرحية ( ثأر الله ) بجزأيها ( الحسين ثائراً ) و ( الحسين شهيداً ) :

تأليف : عبد الرحمن الشرقاوي

على الرغم من اعتماد الشرقاوي في مسرحيته هذه على مرجعية تاريخية لأحداث واقعة الطف وحسب تسلسل تفاصيل أحداثها وعلاقة ذلك بمكان وزمان الحدث , وتأثير ذلك الحدث على أفعال الشخصيات بحسب موقعها في طرفي الصراع , إلا انه بدا من زمن بعيد من زمن الواقعة , فالكاتب قد بدا في الإشهار عن ندم ( وحشي) في قتله ( حمزة بن عبد المطلب ) , فيكون الكاتب قد بدأ من الندم الذي انتهى إليه العفيفي في نهاية مسرحيته , إلى جانب أن الشرقاوي أراد التلميح إلى أفعال الشر الممتدة في أكثر من مكان وزمان وهي تحارب أصحاب الحق والحقيقة .
بعد ذلك يتوقف النص عند موقف تاريخي مهم له مكانته الخاصة في نفوس المسلمين , وهو لحظة وداع الرسول الكريم محمد ( ص ) , وبذلك يكون الشرقاوي قد ألمح إلى الانطلاقة الأولى والقاعدة الأساس للثورة الحسينية المباركة التي رصنت بنيان الدين الإسلامي وأسهمت في بقائه الأزلي .
لقد اهتم الشرقاوي في بداية مسرحيته بمشهد أساس يجمع بين ( محمد بن الحنفية والإمام الحسين عليهما السلام ) , لأهمية ما يتميز به هذا الموقف التاريخي من أبعاد إيمانية ومبادئ ثابتة كشفت عن معاني الأخوة وتقديم النصيحة والأخذ بالمشورة على وفق المبادئ الإسلامية نفسها . فضلا عن ذلك أن هذا الموقف هو البداية التي انطلق منها الحسين ( ع ) متوجها نحو الواقعة .
أما ما يتعلق بأسماء الشخصيات , فلقد اعتمد الكاتب الأسماء التاريخية الصريحة وألقابها المعروفة فنجد الشخصيات مثل : ( حبيب بن مظاهر , وزهير بن القين , ونافع , وابن عوسجة , وسكينة , وزين العابدين , والمختار الثقفي ) وغيرهم , بالإضافة إلى اهتمام الكاتب بالمكان والزمان في كل مشهد من مشاهد المسرحية , ففي المنظر الأول من الفصل الأول نراه يثبت الأتي : ” بادية بجنوب العراق على مقربة من كربلاء تتناثر فيها التلال .. الحسين ورجاله وفتيانه يتفرقون في المكان على المرتفعات والمنخفضات .. سعيد يقف على أعلى المرتفعات وهو يتأمل الأفق البعيد تحت الشمس المتوهجة التي تغمر المكان كله ” .
كما وجدنا, تأكيد الشرقاوي على وصف كل منظر من مناظر المسرحية , لكي يعزز من دقته التاريخية أولا , ويفسح المجال أمام القارىء لتخيل الحدث , بل انه يذهب أحيانا إلى تقسيمات المسرح إخراجيا , فمثلا يثبت في ملاحظة له في بداية المنظر الثاني من الفصل الأول كما يلي :

” المسرح مستويان : المستوى الأول منخفض من ناحية مقدمة المسرح وبه أشجار .. هو معسكر أعداء الحسين من ورائهم على جانب يبدو نهر الفرات من بعيد .. حيث يقف الحر صامتا أمام باب الخيمة .. والمستوى الثاني مرتفع فيه صخور ورمال حيث يقف الحسين وصحبه , وهذا المستوي الثاني يحتل النصف الأبعد من المسرح
حتى عمقه على يساره باب خيمة النساء . ”
أما لغة النص فهي اللغة الشعرية بتنوع موسيقاها وأوزانها الشعرية , تنقل فيها الشاعر من بحر إلى آخر ولكن باعتماد قصيدة التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر , إلى جانب الاهتمام برسم الصورة الشعرية التي تتناسب وحجم الفاجعة , فمثلا يقول الحسين ( ع ) في المنظر الرابع من الفصل الأول حينما بقي وحده وعياله من النساء والأطفال :

” الحسين : أنا وحدي ها هنا
أنا وحدي وظلام الليل والهول وفي الأعماق
مازال شعاع من رجاء لم يعد غير الدم المسكوب فوق الصحراء
لم يعد غير الأفاعي
وفحيح الجرح والويل الثقيل المدلهم
لم يعد إلا رياح الموت تعوي في العراء
وسعير الضما المجنون في التيه الأصم
أين انتم يا أحبائي جميعا أين انتم ؟
أين فتياني .. أما عاد هنا غير الضياع ؟ “

نود التنويه إلى ما ذكره ( محمد جواد مغنيه ) في كتابه الموسوم ( الحسين وبطلة كربلاء ) عن مسرحية الشرقاوي هذه عندما قدمت لأول مرة وبخطوة جريئة على المسرح القومي المصري ومن إخراج ( كرم مطاوع ) عام 1972 م , وبعد الموافقات الرسمية للمسرحية من قبل علماء الأزهر واستشارتهم عن الطريقة التي سوف تظهر بها شخصيتا ( الحسين و زينب عليهما السلام ) بمثابة رواة لما تقوله الشخصية , ولكن وبعد إكمال العمل وصرف المبالغ فوجئ الجميع بان الأزهر له وجهة نظر أخرى فيما يخص الجمع بين الجزأين للمسرحية , وتبدو هذه حجة لا أكثر الغرض منها منع عرض المسرحية في حينها بعد أن اكتملت في شكلها النهائي الجاهز للعرض والذي شاهده حينها عدد من المسرحيين والنقاد , ومنهم الكاتب أمير اسكندر الذي كتب عن هذه التفصيلات في مقالة له بعنوان ( ثار الله ) والمنشورة في جريدة الجمهورية المصرية في 18 / 2 / 1972م , كل هذا إنما يؤكد محاربة الرقيب لاستثمار الواقعة في مجالات إعلامية وفنية إبداعية بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة ومن قبل بعض السلطات العربية التي لا تريد الاعتراف بجورها وظلمها إزاء شعوبها , ولذلك فهي تخاف الاقتراب من قضية الإمام الحسين ( ع ) أو التعرض لذكر واقعته في أي محفل إعلامي أو فني يمثـلها أو يرزح تحت تسلطها .

3- مسرحية ( مساء التأمل ) إعداد ( قاسم محمد ) :
اعتمد معد المسرحية على مصادر عدة بوصفها مادة السيناريو المسرحي هذا , حيث أن هذه المادة مأخوذة عن المصادر التالية , وبحسب النص :
1- مسرحية مأساة الحلاج , للشاعر صلاح عبد الصبور .
2- مسرحية هاملت للكاتب الإنجليزي وليم شكسبير
3- مقطع من مقولات تشي جيفارا
4- نص ( مأساة كربلاء ) عن الكتاب الفارسي ( جونج – ي – شهاديت ) إعداد
محمد عزيزة .
5- مسرحية هكذا تكلم الحسين للشاعر محمد العفيفي
6- مسرحية ثورة الزنج للشاعر معين بسيسو .

على الرغم من تنوع مصادر إعداد نص المسرحية , إلا أننا نشير إلى التشابه القائم في الموقف الثوري الواضح لكل شخصية تاريخية من الشخصيات الوارد ذكرها في المصادر , حيث الثبات على المبدأ الواحد الذي يجمع بين ( الحلاج و جيفارا وعبد الله بن محمد وهاملت ) و الإمام الحسين ( ع )
لقد حاول معد المسرحية هنا التخلص من عين الرقيب حينما لجأ إلى التلاعب بأسماء الشخصيات التاريخية الصريحة وتغييرها بأسماء ترمز لها , وذلك لغرض استحصال الموافقة على نشر المسرحية , وفعلا نجح في ذلك حينما نشرت في مجلة الأقلام العراقية , في عددها السادس عام 1974م , ومن جانب آخر كان لهذا التغيير في الأسماء أثره في توسيع المديات الإيمانية المتمثلة في شخصية الإمام الحسين (ع)
بوصفه رمزا إنسانيا للعالم اجمع يمثل أعلى درجات التضحية للالتزام بالموقف الواحد , إذا علمنا أن المعد قد ألغى الزمكانية وجعلها العالم كله والتاريخ كله .
وبعد مراجعة بعض مصادر الإعداد لنص قاسم محمد , وجد الباحث مثلا , أن اسم ( الشهيد ) الوارد في النص , جاء بديلا عن اسم ( الحسين ع ) , واسم شخصية ( الحاكم ) بديلا عن اسم ( عبيد الله بن زياد ) , واسم ( قائد فيلق الاستكشاف ) بديلا عن اسم ( الحر ألرياحي ) .
اعتمد النص طريقة الفلاش باك , بالاعتماد على شخصية المرأة وطريقتها في روي المشاهد الماضية التاريخية منها , أو التي سبقت الموقف الحالي في النص , فمثلا نراها تواصل روايتها للإحداث كما يلي :
” المرأة : وفي الصحراء , كان فيلق الاستكشاف قد ضل الطريق وتشتت جنده ,
والكثير من رجاله قد ماتوا عطشا , أما ما بقي منهم على قيد الحياة
فيزحف وقد نفدت قواه . ومر موكب الشهيد في نفس المكان الذي كان
ينازع فيه قائد فيلق الاستكشاف . “

أما لغة النص فقد تنوعت ما بين الشعرية والنثرية وذلك لتنوع مصادر الإعداد أصلا , بالإضافة إلى الملاحظات والجمل التي يسطرها المعد نفسه بلغته الخاصة . مع الإشارة إلى أن النص اعتمد في غالبية اقتباساته على نصي : ( نشيد الشهيد وهكذا تكلم الحسين ) , وذلك لان الأول يقترب كثيرا من أحداث الواقعة كونه من نصوص التعزية , والثاني يحفل بلغة شعرية تجمع بين الحدث الواقعي والتأمل التخيلي , مع الإشارة إلى أن ( مساء التأمل ) نفسه كعنوان لهذا النص قد استخرجه المعد من احد مصادر إعداده وهو نص نشيد الشهيد .

4- نص ( مقتل في كربلاء ) للشاعر فتحي سعيد :

النص عبارة عن قصيدة طويلة قسمها شاعرها على عدة مقاطع شعرية متتابعة, لم تلتزم التسلسل التاريخي لإحداث الواقعة , ولكنها التزمت بوحدة موضوعية جعلت منها نصا شعريا دراميا يقترب كثيرا من السيناريو بمشاهده المختلفة , والمختارة من مناطق تاريخية متعددة وبحسب موقف الشخصية المختار وعلاقة ذلك بوحدة الموضوع .
يبدأ النص بحوارية شعرية تنشدها ( الجوقة ) , ولكن هنا يستند مؤلف النص إلى مرجعية أخرى في استثماره لواقعة ألطف , حيث يوظف الطقوس المصرية الدينية بصيحات القائمين فيها بكلمات : ( مدد .. مدد ) وذلك لغرض تقريب الصورة المسرحية من الواقع الشعبي وتأثيرها على المستمعين .
تقول الجوقة :
” … وقـُـدمت الرأس هدية ليزيد
كما قـُـدمت راس يحيى من قبل
هدية لبغي من بغايا بني إسرائيل .. “

اقتربت لغة النص الشعرية من لغة ( العفيفي ) في مسرحيته , وذلك لأسباب تتعلق بانتقال لغة الشعر الحديث إلى كتابة قصيدة التفعيلة الحرة , حيث أن الشاعرين عاشا الفترة نفسها تقريبا التي شهدت تلك التحولات الشعرية .
ولقد لجا سعيد إلى ترقيم مشاهده / مقاطعه الشعرية , بطريقة متسلسلة تبدأ بالرقم ( 1 ) وصولا للمشهد الأخير , بالرغم من أن ليس هناك تتابع درامي لبناء الأحداث , لاعتماد الشاعر الأسلوب الملحمي في كتابة النص , فضلا على وجود شخصية (الراوي ) التي من شانها أن تعزز هذا الأسلوب .
وأخيرا نشير إلى أن الشاعر هنا لجا إلى الإفادة من أبيات شعرية تاريخية جاءت على لسان أصحابها , وذلك لإضفاء سمة تاريخية حاول الشاعر عصرنتها مسرحيا .

5- نص ( آلام الحسين أو مأساة كربلاء ) إعداد محمد عزيزة :

لقد جاء هذا النص , بلغة نثرية وصفية للأحداث ولكل ما يقال , كما نلمس الاختصار السريع لأحداث عظام , لم يتوقف النص عندها كثيرا , فجات مروية على لسان الجوقة ورئيسها , الذي ظهر هنا متتبعا الأحداث , إلى جانب كونه وجماعته يمثلون أنصار الحسين ( ع ) ومؤيديه , وهذا واضح منذ البداية .
كما يشير النص إلى زوجة الأمام الفارسية ( شهرا بانو ) وتبرير ذلك يأتي لكون النص فارسي الأصل .
وفي حوار السيدة زينب ( ع ) الذي تقول فيه : ” الفرات يتابع مجراه .. ” ما هو إلا التأكيد على مواصلة طريق الجهاد والتضحيات في سبيل ترسيخ دعائم الدين ,
مهما كانت التضحيات ومهما عظمت الرزايا , فطريق الحق لا بد أن يتابع مجراه , مثلما هو الفرات الذي سيظل يجري برغم كل هذه الدماء .
كما يتوقف النص سريعا عند الإشارة إلى ( ولاية الري ) وهي ولاية في جنوب طهران , والتي وعد بها يزيد إلى عمر بن سعد , بعد قتله للحسين ( ع ) , كما يشير النص أيضا إلى روايتين عن دفن رأس الأمام الحسين ( ع ) الأولى تقول أن الرأس مدفون في بلاد فلسطين القديمة , والثانية تقول في كربلاء .
ويذكر محمد عزيزة , انه في نهاية تقديم هذا النص أمام المشاهدين نراهم يتدخلون آخر الأمر ” بحماسة تفوق حماسة الممثلين .. ويبدو الأمر وكان الممثلين والمشاهدين قد خضعوا للعذاب نفسه يعيشون بصورة واحدة , … فاجعة الحسين الرهيبة ويصبحون بذلك مثالا حيا للتقمص .. ” .

6- مسرحية ( الحسين – مسرحية تراجيدية في ثلاثة فصول ) تأليف: وليد فاضل

لعل هذا النص المسرحي لمؤلفه الكاتب والأديب السوري وليد فاضل, يُعد من النصوص الصادرة حديثا التي استثمرت واقعة ألطف في بنيتها الدرامية , حيث انه نُشر عام 1998 م .
عمد الكاتب إلى عنونة فصول مسرحيته الثلاثة , فجاء الفصل الأول بعنوان (الحسين والشمر ) , والفصل الثاني بعنوان ( كربلاء ) , أما الفصل الثالث فجاء تحت عنوان ( الرأس والهاشميات ) , ما يلفت الانتباه إلى هذا التقسيم هو أن المسرحية تبدو ثلاث مسرحيات منفصلة بالعنوان , لكن ما يجمعها هو أحداث واقعة الطف – ما قبل وما بعد – موضوعا رئيسا لهذه المسرحيات .
ومن المفيد الإشارة هنا , إلى أن الكاتب وعلى الرغم من تجزئته لأحداث المسرحية, إلا انه لم يبتعد كثيرا عن التسلسل التاريخي لأحداث الواقعة , ذلك انه قد اتبع مصادر تاريخية , جعلها مرجعا أساسا له في متابعة الحدث ومصداقيته , من هذه المصادر وبحسب إشارة الكاتب نفسه نذكر : الاحتجاج لأحمد بن علي الطبرسي , وتاريخ الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري , وتاريخ ابن الأثير لضياء الدين نصر الله ألجزري ابن الأثير , ومقتل الحسين للعلامة المرحوم عبد الرزاق المقرّم , ومقتل الحسين للخطيب المرحوم الشيخ عبد الزهرة الكعبي , والإمام الحسين لعبد الله العلايلي , وأدب الحسين وحماسته لأحمد صابر الهمداني .
مما تجدر الإشارة إليه , أن الكاتب رغم اعتماده المصادر التاريخية والتسلسل التاريخي للواقعة , إلا انه حاول إضفاء بنية كتابية حديثة على التسلسل المشهدي في الفصل الواحد , حيث يتنوع وينتقل الزمان والمكان من مشهد إلى آخر وبحسب الموقف الدرامي الواجب كشفه , فمثلا وكما جاء في الفصل الأول من المشهد الأول
الذي يبدأ بعنوان ضمني جديد وهو ( زياد ابن أبيه ) في مكان وزمان معلومين , لينتقل بعده مباشرة إلى مشهد يليه بعنوان ( موت معاوية ) في مكان وزمان آخرين , والحال نفسه يستمر مع مشهد جديد بعنوان ( يزيد وسرجون ) , وهكذا يستمر هذا التقسيم الضمني بعنونته لكل مشهد درامي موجود ضمن التسلسل المشهدي في كل فصل من فصول المسرحية الثلاثة .
لقد ضم الفصل الأول من المسرحية (21) شخصية تاريخية , إلى جانب جموع مشاركة في الحدث بينما ضم الفصل الثاني (26) شخصية تاريخية , إلى جانب جنود ورجال آخرين , أما الفصل الثالث فقد ضم (31) شخصية تاريخية إلى جانب حرس وجنود وأناس آخرين , وبهذا العدد الكبير من الشخصيات يكون الكاتب قد حاول أن يلم الأحداث التاريخية للواقعة ولشخصياتها الفاعلين في زلزلة أركان مواقفها الدرامية , وانطلاقات أحداثها الصغيرة والكبيرة , بصورة مباشرة مرة , وبصورة غير مباشرة مرة أخرى , بمعنى آخر أن الكاتب حاول أن يتعامل مع الشخصيات المركزية لمحور الأحداث , فضلا عن تعامله مع الشخصيات الواقعة في هامش الأحداث , ولكن بحسب الضرورة الدرامية لاختيار شخصية تاريخية ما و تفعيلها في بنية النص .
من الشخصيات المركزية في النص مثلا , يشير الباحث إلى : الحسين بن علي ابن أبي طالب (ع) , و زياد ابن أبيه ، و شمر بن ذي الجوشن , و عبيد الله بن زياد, و يزيد بن معاوية , و عمر ابن سعد , و الضحّاك بن قيس الفهري , و سليمان بن صرد , و حبيب بن مظاهر , و زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) , و غيرهم من الشخصيات المركزية التي تظهر في الفصل الأول .
أما في الفصلين الآخرين فتظهر شخصيات مركزية اخرى مثل : القاسم بن الحسن (ع) , و زهير بن القيم , و علي الأكبر(ع) , و العباس بن علي (ع) , وسكينة بنت الحسين , و رقية بنت الحسين , و زين العابدين بن الحسين (ع) , إلى جانب شخصيات اخرى مثل : سرجون بن منصور الرومي , و صهيب , و الشيطان ( الذي له تجسدات كثيرة منها الشمر وسرجون ) و حرملة بن كاهل الاسدي , و سنان بن انس , و الحصين بن تميم , وخولي بن يزيد الأصبحي ( حامل راس الحسين (ع) ) , وزيد بن أرقم , و النعمان البشير , و خالد بن يزيد , و يحيى بن الحكم , و هذا إلى جانب شخصيات أخرى مثل : فاطمة بنت الحسين , و صوت فاطمة الزهراء (ع) , و صوت الإمام علي (ع) , و عبد الله ابن الحسين , و غيرها من شخصيات مركزية , إلى جانب إعداد كثيرة من شخصيات هامشية من الجنود والحرس والحاشية .
ومما تجدر الإشارة إليه , أن المؤلف أعطى مكانة خاصة لشخصية الإمام الحسين (ع) ومنذ المشاهد الأولى للمسرحية , حيث عمد إلى إظهاره مرة تلو الأخرى في مشاهد مناجاة منفردة يظهر فيها الإمام ( محاطا بهالة من نور ) , برغم ابتعاد مثل هذه المشاهد عن التسلسل التقليدي لبنية النص إلا أنها كانت تمهد للحدث الجلل , وتكشف عن فكر ومبادئ الإمام وثباته على طريق الحق ومهما كانت التضحيات , إلى جانب التأكيد على ارتباط العقيدة الإسلامية بالتعاليم السماوية ,
فمثلا , نشير إلى المشهد التالي :
” الحسين : يارب الفلق والأطباق , ويا رب الفجــر والإمســاء , ويا سيــد النــور
والظـلام , ويا منشـىء الوجود والفــراغ , ويا باسط ألازمان , ومكـور
الأشيــاء , يا نبع كل مــاء , وماء كل نـبع , يا حبور كل فرح , وفرح
كــل حبــور , ويا دمع كل حزن , وحــزن كل دمع , أيها الحــب الذي
يسري من شفاه السر , … فقد أحاطت بي صغار النـــاس ودماؤها من
كل صوب , سيوفهــم مشهرة لنهش أجسادنا , وشهواتهم مسعرة لسبي
نسائنا , وكلهم يا سيدي يهتـفون الله اكبــر , الله اكبــر لقتــل آل يبتك ,
وتذرية أحبائك الذين اجتبيت واقتنيت من حصاد الناس , لم يروا جلال
وجهك , فخروا سجدا للشيطان , أنفسهــم حجـاب , وظلام هذا الكون
حجـاب , لكـن لا حجاب بيني وبينك , لأنني من رسول الله , نبضة من
قلبــك , يا رب النور , … هبني يا سيدي السكينة والاستقرار في محور
أمرك .. “

على ضوء ما تقدم , وبعد أن تتبعنا بعضًا من النصوص المسرحية العربية التي استثمرت واقعة ألطف مسرحيا , نصل إلى ما يلي :
1- اعتماد الكاتب المسرحي على الدقة التاريخية في استثماره لواقعة الطف .
2- اتسمت النصوص المسرحية العربية ببناء درامي قريب الصلة بين نص وآخر ,
وهذا نابع من أن واقعة الطف قد بنت دراميتها التصاعدية بنفسها بناءً محكما .
3- هيمنت اللغة الشعرية على النصوص المستثمرة .
4- محاولة بعض الكتاب الإفلات من عين الرقيب الذي يحذر ويخاف القضية
الحسينية .
5- رجوع الكتاب إلى المصادر التاريخية التي وثقت أحداث الواقعة , بهدف الإلمام
بشمولية الأحداث وشخصياتها .

 

الأحاديث المكذوبة في إجازة العقل المفتوحة

20-10-2014-8-d

هلال آل فخرالدين..

لقد عرفت المناقب والفضائل في مدرسة السقيفة تنوعا في عصور التخلف والتقليد، اذ لم يقتصر الامر علي تزايد التقديس للخلفاء الراشدين، وانما ضموا الي دائرة المناقب ائمة المذاهب الفقهية، حيث انعدم الاجتهاد وانحصرت الحياة العقلية في ترديد ما قاله الائمة، خصوصا مع تزايد الانخراط في التصوف وسيطرته، وافضي ذلك الي دخول شيوخ التصوف في مجال المناقب، فكتبوا مصنفات في مناقب وكرامات شيوخ التصوف.. واصبح ذلك عنصرا اساسيا في عقيدة المسلمون وحياتهم الفكرية يعبر عما يسمي بعبادة اصنام. ومن الطبيعي ان يتم تصوير اولئك الاصنام بطريقة تختلف تماما عن حقائق التاريخ، ولكن يتم تصويرها وتسويقها بصنع الأحاديث المنسوبة للنبي، تلك التي جعلوها تمدح الخلفاء الراشدين وائمة المذاهب، بالاضافة الي المنامات الصوفية التي جعلوا فيها النبي يشيد بأئمة التصوف، الذين ظهروا بعده بعدة قرون.
فضائل الخليفة ابي بكر نموذجا
اذن كانت البداية في تصنيع مناقب خلفاء السقيفة في خضم الحرب الشعواء على ائمة اهل البيت وشيعتهم زمن بني امية وبني العباس حيث لعبت ايادي طمس وتحريف مناقب اهل البيت –انظر مقولة الامام احمد في مسنده عن الامام علي – وإبراز قدسية ومناقب خلفاء السقيفة بما يفوق منزلة وعصمة النبي (ص) في اجواء الصراع السياسي للاستقواء وقمع الاخر. ولا شك ان من يكتب في تاريخ ابي بكر قلما ينجو من الاستشهاد بتلك المناقب دون ان يدري خلفيتها السياسية والاجتماعية، وان كتابتها قد بدأت في عهد التدوين بعد ابي بكر بقرنين وأكثر.
على اننا نلاحظ تفاوتا من حيث الكم والنوع بين المناقب المزبورة في ابي بكر في عصر الازدهار الفكري وبين مثيلتها المصنوعة في عصور التقليد والتخلف، وذلك امر طبيعي لأن عبادة الاصنام او صناعتهم انما تروج في عصور التخلف التي يأخذ فيها العقل اجازة مفتوحة. والفكر السلفي الوهابي المسيطر الآن على معظم افئدة المسلمين بضربه على أوتار استعادة تقديس الأسلاف وتراثهم واعتباره صحيح الاسلام ومن اجله يتهم بالكفر كل من يجرؤ على مناقشته من داخله بإغلاق منافذ الحوار الموضوعي لأجل كم الافواه من التعرض لولاة الامر من الامراء ومحتكما فيه للقرآن الكريم. وهو نفس ما فعلته قريش في جاهليتها حين تمسكت بثوابتها الدينية المتوارثة ورفضت الاحتكام بشأنها الى القرآن: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا أولو كان آبائهم لايعلمون شيئا ولايهتدون)المائدة:4
والله جل وعلا يجعل القرآن العظيم حكما فيما نجد عليه آباءنا لنقوم بعملية تصحيح مستمرة لواقع عقائدنا حتى لا تنشأ فجوة بين ما يجب أن يكون عليه الواقع العقيدي المهلهل للمسلمين وصحيح عقيدة الاسلام التي لا تقديس فيها الا لله تعالى وكلامه او قرآنه الكريم ومن اصطفاهم واذهب عنهم الرجس وفضلهم على العالمين. الا أن اسناد تراث المسلمين ـ زورا ـ لله تعالى ورسوله جعله دينا موازيا للاسلام يتمسك به السلفيون ومن اجله ينكرون القرآن طالما تعارضت آياته مع مجرد حديث واحد من مفتريات البخاري وغيره. حتى اصبحت اقوال رئيس المذهب سنة محكمة ومخالفته ومخافته بدعة منكرة وعدم اتباعه كفرا حتى قالوا أن كتاب الله تنسخه مخالفة أقوال علماء المذهب قال الامام عبيد الله بن الحسن الكرخي: (الاصل ان كل اية تخالف قول اصحابنا فإنها محمولة على النسخ او على الترجيح والاولى على التأويل من جهة التوفيق. الاصل ان كل خبر يجيئ بخلاف قول اصحابنا فانه يحمل على النسخ او يحمل على انه معارض بمثله ثم صار الى دليل اخر او ترجيح فيه بما يحتج به اصحابنا من وجوه الترجيح او يحمل على التوفيق) الدكتور مصطفى سعيد الجن نقلا عن اصول الكرخي ص84 القاهرة 1972
يكشف النص مدى الارتباط بالدائرة المذهبية والالتزام بأقوال علماء المذهب حتى وان خالفت النصوص المقدسة وهم يخضعون الكتاب لموافقة اهوائهم او يأولوه حسب الطلب وإذا امتنع النص القرآني فانهم ينسخونه ويعملون بما جاء عن اصحاب المذهب.. يقول الدكتور مصطفى سعيد في اثر الخلاف في قواعد الاصول ص9 ((فهم مدفوعون وراء المذهبية تعصبا ويطرحون الدليل ويأولونه تأويلا بعيدا لا يتفق مع الحقيقة فهذه هي المذهبية التي يبغضها الله ورسوله)..!!
والذى يؤكده د. مصطفى ماهو الا مرض قديم استشرى لاجل التبرير والتخدير أولا، ثانيا: لأجل الاستقواء على الاخر لعجزهم من التوفيق ما بين النصوص وواقع منهج مدرستهم وسلوكيات احوالهم، ثالثا: ولأجل تسويق بضاعتهم الفاسدة اكدوا على الغاء منطق العقل والدليل فحشر الامة في شرنقة الجهل والتحجر.!
المهم انه بدأت عبادة الأصنام او تقديس الأسلاف في تاريخ المسلمين بكتابة مناقب الصحابة الكبار ثم تطورت نوعيا وكميا بين عصر الأزدهار الفكرى وعصر التخلف العقلي الذي لا زلنا نتمتع به بفضل نفوذ السلفيين بشراء الذمم وتسخير الاعلام بالبترودولار.
ونعطي علي ذلك امثلة..
المؤرخ محمد بن سعد (المتوفى 222 من الهجرة) صاحب (الطبقات الكبري) وتلميذ الواقدي وصديق احمد بن حنبل وصاحبه في قضية خلق القرآن، هذا المؤرخ لم يذكر من المناقب التي اشاعتها الاحاديث عن ابي بكر سوي حديثين هما: من سره ان ينظر الي عتيق من النار فلينظر الي هذا) يعني ابي بكر وهو يقول ياويلي من هول المطلع ويندم على ما اجترحه، انظر بحثنا جذور ثقافة قطع الرؤوس وتقطيع النساء وسبيهن في الاسلام، وحديث اخر في جعل ابي بكر وعمر سيدي كهول اهل الجنة وشبابها ما عدا النبيين والمرسلين. علما بان اصحاب الجنة شباب..!
وبعده بقرن من الزمان عاش الطبري (المتوفي 310 من الهجرة) صاحب (تاريخ الملوك..) خصم الحنابلة والذي كان ضحية لانغلاقهم الفكري، ونري الطبري لم يذكر في تاريخه عن مناقب ابي بكر الا حديثا واحدا هو الذي يزعم ان النبي قال له (انه عتيق من النار). والواضح ان تلقيب ابي بكر بلقب عتيق هو الذي اوحي لهم بعتقه من النار.
وبعده بنحو ثلاثة قرون جاء المؤرخ الحنبلي ابن الجوزي (المتوفي 597 من الهجرة) وهو موسوعي ومن كبار علماء الحديث، ومع ذلك فلم يذكر من احاديث مناقب ابي بكر الا اربعة فقط.. وهو (هذا عتيق الله من النار) و(من سره ان ينظر الي عتيق من النار فلينظر الي هذا). وحديث فظيع يفتري فيه الراوي ان جبريل نزل علي محمد (ص) وكان ابو بكر يرتدي عباءة قديمة، فقال جبريل للنبي: ان الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل لابي بكر: اراض انت عني في فقرك هذا ام ساخط؟ فقال ابو بكر: أأسخط عن ربي؟ انا عن ربي راض..) ثم حديث اخر يزعم فيه احدهم ان محمد بن الحنفية قال لأبيه علي بن ابي طالب (أي الناس خير بعد رسول الله؟ قال: ابو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت ان اقول من فيقول عثمان، فقلت: من انت؟ فقال: ما انا الا رجل من المسلمين) وبهذا الحديث انتزعوا اقرارا بأفضلية الخلفاء الثلاثة علي ” علي” وذلك وفقا لعقائد اهل السنة.
أي اننا خلال محطات فكرية ثلاث من القرن الثالث الي نهاية القرن السادس – من بداية عصر الازدهار الفكري الي خفوته – لم نعثر لدي محققي المؤرخين والمحدثين السنيين الا بضعة احاديث في مناقب ابي بكر. فاذا قفزنا الي القرن العاشر الهجري بداية العقم الفكري والتخلف العقلي وجدنا تنوعا في تأليف مناقب ابي بكر يعبر عن تطور هائل في عقلية عبادة الاصنام وتقديس السلف وبل وتأليه الصحابة وتحصينهم من النقد والنقاش وهو موضوع طويل يستحق بحثا مستقلا، ولكن نكتفى ببعض الإشارات التي تتجلي فيما كتبه السيوطي (ت 911) في ” تاريخ الخلفاء ” عن ابي بكر، ونقرأ في العناوين: الصديق افضل الصحابة وخيرهم، الآيات التي نزلت في مدحه او تصديقه، الاحاديث الواردة في فضله، الاحاديث المشيرة الي خلافته، حديث في فضله، وتحت هذه العناوين تفصيلات، نأخذ منها بعض الامثلة:
فهناك احاديث تجعل ابا بكر شعيرة دينية وضمن معالم الايمان، مثل احاديث مكذوبة منها(حب ابي بكر وشكره واجب علي كل امتي)، واخر يقول فيه علي ابن ابي طالب:(لا يجتمع حبي وبغض ابي بكر في قلب مؤمن) وفيه اتهام للشيعة بالكفر، وحديث (حب ابي بكر وعمر ايمان، وبغضهما كفر) وحديث (حب ابي بكر ومعرفتهما من السنة) وحديث (اني لأرجو في حبهم لابي بكر وعمر ما ارجو لهم في قولة لا اله الا الله). أي مساواة بين شهادة الاسلام وألوهية الله تعالي بحب ابي بكر وعمر.!!
وأحاديث تجعل النبي ينطق بالغيب وبما سيحدث لابي بكر، علي مثال حديث: (انت عتيق الله من النار) مثل حديث النبي الي جبل احد حيث تحرك بزعمهم، فقال النبي للجبل (اسكن فانما عليك نبي وصديق وشهيدان) وحديث ابي هريرة الذي يقول (تباشرت الملائكة يوم بدر فقالت: اما ترون الصديق مع رسول الله في العريش) والمتخلفون عقليا والمتعصبون مذهبيا الذين وضعوا هذا الحديث لم يعرفوا ان ابا هريرة وقت غزوة بدر كان كافرا، لأنه لم يسلم الا بعد غزوة خيبر !!.
وحديث ابن عباس: (هبط جبريل وعليه طنفسه وهو يتخلل بها، فقال له النبي: ما هذا يا جبريل؟، فقال جبريل: ان الله تعالي امر ملائكته ان تتخلل في السماء كما يتخلل ابو بكر في الارض ” !!. وحديث (ان الله يكره فوق سمائه ان يخطأ ابو بكر) أي يرميه الناس بالخطأ علما بان أئمة السلف يرمون النبي بالخطأ بل ويأكدونه !!.
وحديث (اما انك يا ابا بكر فأول من يدخل الجنة من امتي) وحديث (انت صاحبي علي الحوض) وحديث (عرج بي السماء فما مررت بسماء الا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله، وابو بكر خليفتي) والعجيب من امر هؤلاء الغلاة انهم يرون عن مصنع خلافة ابي بكر عمر قوله: كانت خلافة ابي بكر فلته وقى الله المسلمين شرها..! وحديث ان ملك الموت سيقول لابي بكر عند موته (يا ايتها النفس المطمئنة) وحديث (الناس كلهم سيحاسبون الا ابا بكر) وحديث (دخل النبي المسجد وهو آخذ بيدي ابي بكر وعمر وقال: هكذا نبعث) وحديث (انا اول من تنشق عنه الارض، ثم ابو بكر ثم عمر).
وأحاديث اخري مسندة كذبا للصحابة أو التابعين تجعل المتحدث يعلم غيب السرائر الذي لا يعلمه الا الله تعالي وحده، مثل حديث عمر (لو وزن ايمان ابي بكر بايمان اهل الارض لرجح بهم) هؤلاء حقا اجهل من جهلاء الجاهلية اذن فاين ايمان الانبياء واين ايمان النبي (ص)؟؟؟!!! وقول الزهري (من فضل ابي بكر انه لم يشك في الله ساعة فقط) علما بانه قضى شطرا من حياته مشركا واحاديث تفضله علي الناس جميعا ما عدا الانبياء، مثل (ما طلعت الشمس ولا غربت علي احد افضل من ابي بكر الا ان يكون نبيا) وحديث (اتاني جبريل فقلت له يا جبريل حدثني عن فضائل عمر بن الخطاب، فقال: لو حدثتك بفضل عمر مدة ما لبت نوح في قومه ما نفذت فضائل عمر، وان عمر حسنة من حسنات ابي بكر) وقال الربيع بن يونس: مكتوب في الكتاب الاول –طبعا لا نعرف ما هو ذلك الكتاب الاول -: (مثل ابي بكر الصديق مثل القطر -أي المطر-اينما وقع نفع ويقول الربيع بن يونس ايضا (نظرنا في صحابة الانبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل ابي بكر الصديق) وهذا الرجل المفتري الربيع بن يونس لم يجد من يسأله هل تعلم عدد الانبياء اولا قبل ان تعرف اصحابهم؟ وهل لديك علم بسرائرهم؟ ولكنه التهاون بقدسية الغيب الالهي الذي جعلهم يتجرأون علي قول هذه الطامات. قال تعالى:(صم بكم عمى فهم لايعقلون)البقرة:171
هذا بالاضافة الي تمحلهم وكذبهم في (تفسيرهم لآيات كثيرة علي انها نزلت في ابي بكر او عمر..).
حيث اضاعوا حقائق الاسلام بما طمسوه من حقائق وما وزوروه ووضعوه من احاديث مكذوبة تجعل اناس في مصافي الالهة ووضع سلة من الاحاديث تمنع محاورتهم او نقدهم بجعلهم فوق ميزان الاعتدال علما بانهم تشاجروا وتقاتلوا وكذلك شنوا غارات الابادة واساليب الرعب والتحريق وقطع الرؤوس وسبي النساء…الخ وكذلك لايتورعوا في كذبهم من التعرض للذات الالهية او تسقيط وقدح بالنبي (ص) في سبيل رفع فلان ومنحه هالة من التقديس..!
واخيرا فان تلك الافتراءات المنسوبة للنبي انما تعكس عقليات عصرها وعقائدهم، ولا شأن للاسلام او خاتم النبيين بها انظر كتاب اللآلئ المصنوع في الاحاديث الموضوعة للسيوطي وكتاب الموضوعات الكبير وغيرها…
ونعوذ بالله من سبات العقول.

 

تصاعد ظاهرة الانتحار في الدول الأكثر رفاهية

 23-9-2014-5-d

الانتحار ظاهرة مرضية قديمة ومشكلة كبيره لها العديد من التداعيات الخطيرة، التي تهدد العديد من المجتمعات كما يقول بعض المراقبين، الذين اكدوا على ان ظاهرة الانتحار قد ازدادت بشكل مخيف في السنوات الاخيرة بين العديد من الفئات العمرية تزداد نسبها بين الشباب والمراهقين، وقد تختلف أسباب الانتحار من مجتمع لآخر, كما تختلف بين الجنسين, والانتحار كما تشير بعض المصادر هو عمل من الأعمال التي تتسبب عمدا في قتل المرء لنفسه الموت.
وغالبا ما يكون الانتحار مبررا لخروج المرء من اليأس، وكثيرا ما يعزى السبب لمثل هذا الفعل إلى اضطراب عقلي مثل الاكتئاب، أو الاضطراب ثنائي القطب، أو انفصام الشخصية، اضطراب الشخصية الحدية، الإدمان على الكحول، أو تعاطي المخدرات عوامل الضغوط النفسية مثل الصعوبات المالية أو مشاكل التي تشمل العلاقة بين الأشخاص غالبا ما تلعب دورا في ذلك. وتشمل الجهود المبذولة لمنع الانتحار تقييد الوصول إلى الأسلحة النارية، وعلاج الأمراض العقلية أو إساءة استعمال المخدرات، وتحسين التنمية الاقتصادية.
والأساليب الأكثر شيوعا للانتحار تختلف حسب البلد وترتبط جزئيا بمدى توافر تلك الأساليب. وتشمل الطرق الشائعة: الشنق ، التسمم بالمبيدات، والأسلحة النارية. ويقدر حوالي 800، إلى مليون شخص يموتون كل عام بسبب الانتحار مما يجعله من أكثر 10 أسباب للوفاة في العالم. والمعدلات أعلى في الرجال عنهم في النساء، مع الذكور 3-4 مرات أكثر عرضة لقتل أنفسهم أكثر من الإناث وهناك ما يقدر من 10-20 مليون محاولات انتحار غير مميتة كل عام. المحاولات هي أكثر شيوعا في الشباب والإناث.
كل 40 ثانية
وفي هذا الشأن فقد ذكر تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن أكثر من 800 ألف شخص ينتحرون سنويا حول العالم بمعدل شخص كل 40 ثانية. وأضاف التقرير أن الانتحار كان “مشكلة كبيرة للصحة العامة” وظل لفترات طويلة من الموضوعات التي يحظر تناولها. وترغب منظمة الصحة العالمية في تقليل معدلات الانتحار بواقع 10 في المائة بحلول عام 2020، لكنها حذرت من أن 28 دولة فقط تطبق استراتيجية خاصة لمنع الانتحار.
وقال نشطاء إنه يلزم تفعيل إجراءات توعية في المدارس لمكافحة الانتحار. ودرست منظمة الصحة العالمية 10 سنوات من البحث والبيانات المتعلقة بالانتحار في شتى أرجاء العالم، وتوصلت إلى ما يلي: ينتحر نحو 800 ألف شخص سنويا على مستوى العالم. في الفئة العمرية بين 15 و 29 عاما كان الانتحار هو ثاني سبب للوفاة.
مستويات الانتحار مرتفعة بين من تبلغ أعمارهم 70 عاما أو أكثر. ثلاثة أرباع حالات الانتحار تحدث بين أشخاص من دول فقيرة أو متوسطة الدخل. نسبة الانتحار بين الرجال ثلاثة أضعاف النسبة بين النساء في الدول المتقدمة. وقال التقرير إن تقليل فرص وصول المرء إلى الأسلحة والمواد الكيماوية السامة يقلل من معدلات الانتحار. ويشير ذلك إلى أن تطبيق استراتيجية وطنية لتقليل حالات الانتحار يعتبر فعالا، وهو ما يطبقه عدد قليل من الدول.
وقالت مارغريت تشان، مدير عام منظمة الصحة العالمية :” هذا التقرير دعوة للتحرك من أجل معالجة مشكلة كبيرة للصحة العامة اعتبرت من المحرمات لفترة أطول مما ينبغي”. ويذكر أن الأزمات الاجتماعية وثيقة الصلة بالأمراض النفسية تعد من الأسباب التي تدفع الناس إلى عدم طلب المساعدة وهو ما يمكن أن يؤدي إلى الانتحار.
كما انتقدت منظمة الصحة العالمية تناول وسائل الاعلام حوادث الانتحار، مثل التفاصيل التي كُشف عنها بشأن انتحار نجم هوليوود، روبن وليامز. وتم توجيه نداء للدول من أجل إتاحة المزيد من الدعم لمن حاولوا سابقا الإقدام على الانتحار، لكونهم الفئة الأكثر عرضة للخطر. وقالت أليكسندرا فليشمان، عالمة في قسم الصحة النفسية وسوء استعمال مواد الإدمان بمنظمة الصحة العالمية :”مهما كان وضع الدولة حاليا بشأن اجراءات منع الانتحار، يمكن اتخاذ تدابير فعالة، حتى وإن كانت البداية على المستوى المحلي وعلى نطاق صغير”. بحسب بي بي سي.
وقال جوني بنيامين، ناشط في مجال مكافحة الانتحار في بريطانيا:”أعتقد أنه يلزم رفع الوعي العام بشأن الانتحار وكيفية الاتصال بأولئك الذين ربما تراودهم أفكار ورغبة في الانتحار، فالقليل منا فقط يعرف كيف يتعامل مع شخص ما ربما يواجه خطر الانتحار أو يعاني من أفكار ورغبة فيه”. وأضاف “أعتقد أنه يلزم تعزيز الوعي العام والتعليم في المدارس أيضا، لأن الاحصاءات اليوم تشير إلى أن فئة الشباب هي الأكثر عرضة لخطر الانتحار على وجه الخصوص.”
الى جانب ذلك سجلت نسب و أعداد الذين يُقدمون على الانتحار في الولايات المُتحدة إرتفاعاً كبيراً بمُعدل 28% خلال العقد الأخير، و ذلك في تقرير شمل الفئة العمرية ما بين 35 و 64 عاماً، لتتخطى نسبة الوفيات بالإنتحار تلك الناجمة عن حوادث السير. و كان أشهر عمليات الإنتحار في الولايات المُتحدة ما قام به المُمثل الكوميدي الشهير روبن ويليامز،الذي وُجد متوفياً في منزله عن عمر يناهز الـ63 عاماً.
و بحسب المركز الفيدرالي لمكافحة الامراض والوقاية منها، فإن الارتفاع بلغ أعلى مستوياته في أواسط البيض الذين ليسوا من أصول أميركية لاتينية مسجلين زيادة بنسبة 40 في المئة، تلاهم الهنود والأميركيون الأصليون. أما معدلات الانتحار في صفوف الشباب بين 10 سنوات و34 سنة والكبار في السن الذين تخطوا 65 عاما، فبقيت تقريبا على حالها خلال هذه الفترة.
وأشار القائمون على التقرير إلى أنه ينبغي إيلاء المزيد من الأهمية للفئات العمرية المتوسطة من حيث الأبحاث والمبادرات الوقائية التي كانت تركز الشباب والمراهقين. ويُذكر أن أعلى نسب الإنتحار في العالم تُسجل في جزيرة غرينلاند الكبيرة التابعة للدنمارك، يمُعدل 116 حالة لكل 100.000 نسمة.
فحص دم
في السياق ذاته كشفت دراسة جديدة، عن قدرة الباحثين على معرفة نسبة خطر الانتحار لدى الأشخاص، من خلال إجراء اختبار دم بسيط فقط. وبلغت نسبة الدقة في اختبار الدم التجريبي أكثر من 80 في المائة. ويذكر أن حوالي 36 ألف حالة وفاة تنتج عن الانتحار سنوياً في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال المشرف على الدراسة والأستاذ المساعد في كلية الطب في جامعة جون هوبكينز زاكاري كامينسكي: “قد نتمكن من وقف معدلات الانتحار من خلال اختبار الدم، وتحديد هؤلاء الأشخاص والتدخل في وقت مبكر بما فيه الكفاية لتفادي كارثة.” وأجرى كامينسكي وفريق العمل اختبارات على عينات من الدم، لمراقبة نسبة زيادة بعض المواد الكيميائية على جين وراثي يسمى “SKA2″ والذي يساعد الدماغ بتنظم الإجهاد. ويتم نقل تعليمات الجين الوراثي في منطقة في الدماغ، والتي تتحكم في الأفكار السلبية وسلوكيات التسرع في التصرف.
ويعتقد العلماء أن الأشخاص الذين لديهم نسخة غير طبيعية من هذا النوع من الجينات الوراثية، يعانون من مزيد من المتاعب في مواجهة سيل من الهرمونات التي تنتجها أجسامهم في الاستجابة للإجهاد. وأشارت الدراسة إلى أن المواد الكيميائية كانت مرتفعة بشكل أكبر في أدمغة الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار، ما قد يربط بين زيادة نسبة هذه المواد الكيميائية وقرار الانتحار. بحسب CNN.
وقال الطبيب النفسي واختصاصي الكيمياء العصبية في المركز الطبي في جامعة كولومبيا جون مان إن “هذا النوع من الفحص الجيني سيؤدي إلى معرفة نسبة خطر الانتحار لدى الأشخاص.” وأوضح كامينسكي أن “فحص الدم لقياس خطر الانتحار لدى الأشخاص ما زال يحتاج بين 5 و 10 سنوات حتى ينتهي العمل عليه.”
سياحة الانتحار
على صعيد متصل قالت مجلة مختصة بالقانون إنّ غموض قانون “الموت الرحيم” في سويسرا أدى إلى تزايد الإقبال على السفر إلي زوريخ من قبل الراغبين في الانتحار من الدول الأخرى، في ظاهرة باتت تعرف بسياحة الانتحار. وبين 2008 و2012، استقبلت سويسرا 611 “سائحا” من 31 دولة، وغالبيتهم من ألمانيا وبريطانيا، وذلك بغرض الانتحار. وقالت دراسة علمية إنّ ستّ منظمات تدافع عن “الحق في الموت” في المملكة المتحدة ساعدت على الأقل في 600 حالة انتحار، من ضمنها ما بين 150 و200 “سائح انتحار.”
وأوضحت الدراسة أنّ 58 بالمائة من الـ611 “سائح بهدف الانتحار” نساء وأن أعمار المرضى تتراوح بين 23 و97 وأن معدل الأعمار يبلغ 69 عاما ونصف الحالات تتعلق بأشخاص كانوا يعانون من أمراض عصبية أما الباقي فكانوا يعانون من السرطان وأمراض قلب وشرايين. وفي تنفيذ عمليات “المساعدة على الانتحار” جرى استخدام مادة بنتوباربيتال الصوديوم وهي مادة تجعل من متناول أي جرعة قاتلة منها يذهب في غيبوبة عميقة بعد أن تكون قد شلّت نظام التنفس لديه.
وأوضحت الدراسة أيضا أنّ عدد “السواح المنتحرين” تراجع من 123 عام 2008 إلى 86 عام 2009، لكنه تضاعف في الفترة المتراوحة بين 2009 و2012 إلى 172. وترجع الدراسة سبب ذلك إلى كون القوانين السويسرية لا تتضمن لوائح ضابطة لتحديد ظروف السماح لأي شخص بأن يتلقى “مساعدة على الموت” رغم أن المعايير الطبية تجيز ذلك في عدد من الحالات المضبوطة. بحسب CNN.
أما في ألمانيا، فلا يتضمن قانون العقوبات أي شيء بشأن “المساعدة على الانتحار” لكنه غير مسموح أخلاقيا للأطباء مساعدة أي شخص على الانتحار ويمكن مقاضاة أي طبيب لا يساعد مريضا كان بصدد الدخول في غيبوبة بحضوره. وفي بريطانيا وفرنسا وأيرلندا، تعد المساعدة على “الموت الرحيم” جريمة لكن القضاء بدأ ينظر في بعض الحالات المتعلقة في السنوات الأخيرة.
الكساد الاقتصادي
من جانب اخر كشفت الدراسة أن خسارة المرء لعمله أو لمنزله أو تراكم الديون عليه من ابرز العوامل التي تدفع المرء للانتحار وأدت الازمة المالية التي عصفت بأوروبا وامريكا الشمالية إلى ازدياد حالات الانتحار لتصل الى أكثر من 10 آلاف حالة وذلك تبعاً لباحثين بريطانيين. وأظهرت دراسة نشرت في دورية علم النفس البريطانية ان بعض حالات الانتحار كان من الممكن تفاديها لو حصلت على الدعم النفسي اللازم لتخطي هذه المرحلة، لأن بعض الدول لم تشهد ازدياداً في حالات الانتحار.
وأكد فريق البحث أن نتائج هذه الدراسة تبين ما مدى اهمية وجود خدمات جيدة تعنى بالصحة النفسية. وأجريت الدراسة جامعة اوكسفورد وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، وحللت بيانات من 24 بلدا في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا. وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها ان حالات الانتحار في اوروبا كانت متدنية نسبياً عام 2007، إلا أنها ما لبثت ان ازدادت بنسة 6.5 في المئة في 2009، واستمرت هذه النسبة بالارتفاع الى 2011.
وقال فريق البحث إن أوروبا شهدت زيادة في حالات الانتحار لتصل الى 7950 حالة، كما أن حالات الانتحار في كندا كانت منخفضة نسبياً، الا أنها ازدادت بشكل ملحوظ عندما ضرب الركود الاقتصادي البلاد في عام 2009، مما أدى الى انتحار 240 حالة اضافية عن السنوات السابقة. وازداد عدد حالات الانتحار في الولايات المتحدة الامريكية خلال الازمة الاقتصادية ليصل الى 4750 حالة انتحار.
وكشفت الدراسة أن خسارة المرء لعمله أو لمنزله أو تراكم الديون عليه من ابرز العوامل التي تدفع المرء للانتحار. وأوضحت الدراسة ان السويد وفنلندا والنمسا لم تشهد ازدياد في حالات الانتحار خلال موجة الركود الاقتصادي التي عمت اوروبا. وقال الدكتور آرون ريفيز من جامعة اوكسفورد، أحد الأطباء المشاركين في الدراسة إن “هناك دلائل عدة تؤكد ازدياد عدد حالات الانتحار جراء الأزمة الاقتصادية، لكن المفاجأة ان بعض الدول مثل النمسا والسويد وفنلندا لم تشهد زيادة في معدلات الانتحار رغم هذه الازمة”. بحسب بي بي سي.
وأضاف ريفيز أن “هذا يكشف اهمية وجود مراكز علاجية نفسية التي تساعد المرء على التغلب على مشاكله النفسية، وعلى ضرورة أن تعمل الدول الاخرى على الاستثمار في هذا المجال وتؤمن التدريب الكافي وتسدي النصائح للمتضررين من هذه الازمة الاقتصادية والأكثر عرضة للمعاناة جراء هذه الازمة المالية”.

شبكة النبأ

 

المصارف الإسلامية.. نجاحات تتألق في سماء الاقتصاد العالمي

23-9-2014-4-d
علي عبد سلمان..

 نشاط البنوك الإسلامية شهد في الفترة الاخيرة نمواً كبيراً، حيث ازداد عمل هذه المصارف واتسع على مستوى العالم ،خصوصا هذه البنوك وبحسب بعض التقارير المصرفية قد حققت نجاحا ملموسا في مجال عملها، من خلال تقديم العمل المصرفي الإسلامي بصيغ بعيدة عن قاعدة الديون والربا التي تمارسها المصارف التقليدية.
وبذلك، استطاعت مواجهة وتجاوز الأزمة المالية العالمية كما يقول بعض الخبراء، الذين اكدوا على ان السنوات المقبلة ستكون سنوات مهمة في انجاح عمل هذه المصارف، التي تعتمد وبشكل اساسي على تمويل القطاعات الحقيقية، وهو ما سيسهم وبشكل فعال في تحقيق نمو اقتصادي متكامل، هذا بالإضافة الى ان الصيرفة الإسلامية في العديد من الدول العربية، قد نجحت في تلبية جانب من احتياجات العملاء داخل السوق المصرفية، لكنها لم تحقق كامل أهدافها فالبنية التشريعية لعمل تلك المصارف لا تزال غير ملائمة وتحتاج إلى تطوير كبير.
وبحسب بعض المراقبين فان هناك الكثير من التحديات التي تواجه نمو الصيرفة الإسلامية في العديد من دول العالم، أهمها عدم وجود بنية تشريعية خاصة بالتمويل الإسلامي حيث تخضع الكثير من البنوك وفروع المعاملات الإسلامية لقوانين البنوك المركزية العاملة في تلك الدول، وضعف الكفاءات البشرية داخل البنوك التي تتعامل بالتمويل الإسلامي وعدم قدرتها على إقناع العملاء، يضاف الى ذلك تضارب الفتاوى الشرعية الخاصة بالتعاملات المالية في العديد من الدول والذي يقف عائقا أمام التمويل الإسلامي.
والمصارف الإسلامية وكما تشير بعض المصادر، هي عبارة عن منشآت مالية تقدم الأعمال المصرفية في إطار الشريعة الإسلامية وتعتمد على منافذ مشروعة للحصول على الأموال واستثمارها بالطرق الشرعية من خلال وسائل وأدوات مثل المضاربة والمرابحة وبيع السلع والإجارة وغيرها.
الاقتصاد الإسلامي
وفي هذا الشأن فقد احتاج الاقتصاد الإسلامي وأصول المصرفية الإسلامية إلى الكثير من السنوات كي يدرك الناس صواب نظرتهما نحو العديد من القضايا المالية العالمية، ورغم أن فترة الأزمة المالية العالمية شكلت فرصة مميزة للتأكد من تلك المعطيات، إلا أن المسار لم يكن سهلا في البداية. فنظرا لوجود أبعاد شرعية عميقة في تحليل المعاملات المالية من جهة ولافتقاد المسلمين لعقود إلى اللغة الاقتصادية التي يمكنهم من خلالها شرح وجهة نظرهم لعلماء الاقتصاد تشكل حاجز معرفي استمر لعقود بين محللي الاقتصاد العالميين ونظرائهم الإسلاميين، إلا أن انتشار التعليم وتطوير لغة مشتركة تسمح بالفهم المتبادل للمعطيات أتاح المجال لمعاجلة ذلك، إلى جانب التطورات السياسية التي دفعت بعض الدول لتطبيق أصول الاقتصاد الإسلامي وإعادته إلى الحلبة الدولية.
ويقول الدكتور عباس ميراخور، أحد أبرز الذين عملوا في مجال الاقتصاد الإسلامي دوليا وضمن صندوق النقد الدولي، إن خبراء الاقتصاد الدولي كانوا يعتقدون باستحالة وجود نظام مالي إسلامي لأنهم كانوا يرون استحالة قيام نظام ليس فيه فائدة ربوية، وقد دفعهم هذا إلى السخرية من إمكانية حصول ذلك معتبرين أن نظاما كهذا سيكون “اقتصاد الفودو” (نوع من أنواع السحر) باعتباره لا يقوم على قواعد حقيقية.
ويضيف ميراخور أنه مع حلول منتصف العقد الثامن من القرن الماضي، وتوجه إيران وباكستان والسودان نحو نظام إسلامي للتمويل والصيرفة، وقيام تلك الدول بعرض تفاصيل خططها، بدأت تظهر الاعتراضات الواقعية المقدمة من خبراء الاقتصاد الرأسمالي والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: السماح بوجود قروض دون فائدة سيفتح الباب على طلب كبير للقروض يقابله غياب كامل للعروض، بمعنى أن كل الناس سترغب بنيل قروض لأنها زهيدة التكلفة إذ لا فائدة عليها، بالمقابل سيمتنع أصحاب المال عن الإقراض لعدم استفادتهم من ذلك.
ثانيا: النظام المالي الذي يعتمد على قروض دون فائدة لن يتمكن من الموازنة بين العرض والطلب، كما أن غياب الفائدة سيعني غياب الادخار في المجتمع، وبغياب الادخار لن يكون هناك استثمارات ولا تنمية.
ثالثا: في النظام الذي يغيب فيه الربا لن تتمكن الحكومات من ممارسة أي سياسة نقدية لأنها ستفتقد الأدوات المالية.
رابعا: الدول التي تطبق مثل هذا النظام ستفقد القدرة على اجتذاب أموال من الخارج، أما رؤوس الأموال الموجودة بالداخل فستفر مغادرة السوق المحلية.
ويلفت ميراخور إلى أنه بحلول عام 1988، كان خبراء الاقتصاد قد تمكنوا من استخدام آليات التحليل المالي والاقتصادي الحديثة لإثبات عدم صحة تلك الانتقادات للأسباب التالية:
أولا: يمكن إقامة نظام مالي مصمم دون سعر ثابت للفائدة، بل إن الأبحاث الحديثة أثبتت عدم وجود نظرية قادرة على تقدم تفسير مقنع يشرح سبب وجود معدل فائدة اسمية. كما أثبتت الأبحاث أن عدم وجود فائدة ثابتة على المال لا يعني بالضرورة أنه بعد انتهاء القرض لن يحقق صاحب الأصول المالية أي عائد.
ثانيا: العائد على المال في الاقتصاد الإسلامي ينتج عن العوائد الفعلية المتحققة في القطاعات التي جرى فيها استثمار المال. وبالتالي فإن الاستثمار ليس مرتبطا بالفائدة بل بالعائد المتوقع للاستثمار، وهذا العائد هو ما يدفع الناس لاختيار الاستثمار أو الادخار، ولا ضرورة بالتالي لربط كل هذه العوامل بالفائدة الثابتة.
ثالثا: غياب الربا سيعزز نمو الاقتصاد، ولن يمنع الحكومات من امتلاك أدوات مالية إذ بوسع الخبراء تصميم أدوات مالية يمكن للسلطات اللجوء إليها لإدارة السيولة.
رابعا: لا مبرر للاعتقاد بأنه في غياب الفائدة المحددة مسبقا ستقوم رؤوس الأموال المحلية بمغادرة السوق إذ يمكن اجتذابها من خلال العائد المتوقع على الاستثمار بالمشاريع.
ويضيف ميراخور، في محاضرة سابقة له، أن الخلل الموجود في النظام الرأسمالي القائم على الفائدة كان قد لفت انتباه عدد كبير من خبراء الاقتصاد، وبينهم الأمريكي هايمن مينسكي، الذي رأى أن النظام الرأسمالي سيعاني من أزمات دائمة بسبب التفاوت الذي لا يمكن معالجته بين الالتزامات المالية، فهناك الودائع، وهي عبارة عن قروض قصيرة الأجل، والأصول، وهي عبارة عن استثمارات طويلة الأجل، ما سيخلق حالة مستمرة من السباق بين المصارف على رفع الفوائد لاجتذاب الأموال بما يفتح الباب أمام الأزمات. بحسب CNN.
كما سبق للاقتصادي المعروف بجامعة شيكاغو، لويد ميتزلر، أن قدم في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي مقترحا لإقامة نظام اقتصادي للتعاقد بديل عن النظام الحالي يقوم على أساس “القيمة” وليس “الدين”، مؤكدا أن هذا سيسمح بقيام نظام يتجاوز أزمات النظام المصرفي الحالي. وفي عام 1985 قدم الباحث الاقتصادي محسن خان دراسة باتت ضمن أبرز الدراسات التاريخية التي نشرها صندوق النقد الدولي، عرض فيها للتشابه الكبير بين ما طرحه ميتزلر وبين الأصول المالية الإسلامية.
فرص جديدة
على صعيد متصل يدخل التمويل الإسلامي مجال المنتجات المالية المرتكزة على الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة مع سعي مديري الأصول لإيجاد فرص تجمع بين الاستثمار الأخلاقي والشرعي. ويلتزم التمويل الإسلامي بمبادئ الدين التي تحرم أنشطة مثل المقامرة وتجارة التبغ والخمور لكن القطاع بدأ للتو فقط التركيز على أفكار المسؤولية الاجتماعية الأوسع نطاقا من قبيل حماية البيئة.
وفي وقت قريب أعلنت ماليزيا توجيهات إرشادية لإصدار صكوك المسؤولية الاجتماعية وذلك بهدف مساعدة الشركات على جمع التمويل لمشاريع مثل الطاقة المتجددة والإسكان الاقتصادي. وفي ابريل نيسان الماضي وقع المجلس الأعلى للطاقة في دبي والبنك الدولي اتفاقا لتطوير التمويل لبرنامج الاستثمار البيئي للإمارة وتتضمن ذلك سندات إسلامية “خضراء”. وتطمح دبي إلى توفير خمسة بالمئة من حاجاتها من الطاقة من المصادر المستدامة وإعادة تجهيز المباني للحد من استهلاك الطاقة.
وفي غضون ذلك تطرح شركات في بريطانيا وكندا وهونج كونج استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة في مشاريع الزراعة المستدامة وهو ما قد يستقطب أموالا من مستثمري الأدوات الإسلامية في الخليج وجنوب شرق آسيا ومن المستثمرين المحليين. ومنطق ذلك هو أنه يمكن عن طريق منتجات الاستثمار البيئي توسيع نطاق الطلب إذا أصبحت متوافقة مع الشريعة كي تكون جذابة للمسلمين. وفي نفس الوقت فإن غير المسلمين الذين قد يحجمون عن الاستثمارات الإسلامية – لبواعث قلق بشأن السعر والصعوبة ونقص الإلمام – قد يقبلون عليها إذا كانت في خدمة البيئة.
ولم يتضح بعد مدى نجاح تلك الجهود. ففي السنوات الأخيرة اقتحمت الصناديق الإسلامية سوق الاستثمارات ذات المسؤولية الاجتماعية لكنها واجهت صعوبات لأسباب منها نقص قنوات التوزيع. وسعت دور الصناديق من الخليج وجنوب شرق آسيا لتوزيع بعض صناديقها الإسلامية على المستثمرين الأوروبيين باستخدام تعهدات الاستثمار الجماعي في الأوراق المالية القابلة للتحويل – وهي بمثابة “جواز سفر موحد” لمنتجات الاستثمار – لكنها حققت نجاحا متفاوتا ولم تسفر عن نشاط بالحجم الكبير.
والمنتجات الهجين الجديدة ليست صناديق بل أدوات مصممة خصيصا للاستثمار في فئة معينة من الأصول ببلد أو منطقة معينة. وهي تجمع بين المعايير الإسلامية والممارسات الأخرى التي تشترطها شركات الاستثمارات المستدامة. وفي يونيو حزيران طورت ايه.جي انفست بروبرتيز في أونتاريو منتجا إسلاميا يتيح ملكية المزارع الكندية تحت إشراف دار المراجعة الشرعية وهي شركة استشارية مقرها البحرين. وقال روبي دانكن نائب رئيس ايه.جي انفست في دبي إن المشروع سيشتري أراضي زراعية متميزة تتولى الشركة إدارتها بأساليب الزراعة المستدامة مثل المحافظة على التربة وتدوير المحاصيل.
وبدأت الشركة التي تدير حاليا أراضي زراعية قيمتها 70 مليون دولار كندي (64 مليون دولار) طرح منتجها الإسلامي على المستثمرين في الخليج. وقال دانكن إن شركة سعودية أبدت اهتماما بإقامة صندوق مماثل على أن تقدم ايه.جي انفست المشورة لكنه لم يذكر اسم الشركة. وقال “وجدنا أن هناك ثلاثة عوامل تشجع هذا النوع من الاستثمار الزراعي: الحاجة إلى استثمار أخلاقي مستقر والحاجة إلى استثمار يشجع على تطوير المجتمع ويساعد على ذلك والحاجة إلى الأمن الغذائي.”
وقال ياسر دهلوي الرئيس التنفيذي لشركة دار المراجعة إنه الاستثمار الزراعي الثالث الذي تشرف عليه الشركة منذ ديسمبر كانون الأول. وقال “الموارد الزراعية المتاحة لمستثمري الأدوات الإسلامية محدودة.” وتقدم اس.سي.اس فارملاند البريطانية برنامج استثمار إسلاميا للمزارع الأرجنتينية وتطرح تريدوم جروب في هونج كونج مشروعا لزراعة العود على مستثمري الأدوات الإسلامية.
ومن المؤكد أن نجاح كل تلك المشاريع ليس مسلما به ومن السابق لأوانه القول ما إذا كان ذلك النوع من الاستثمار الهجين سيصيب حظا أكبر من النجاح عن الصناديق الإسلامية التي سبق تسويقها في أوروبا. وفي بريطانيا على سبيل المثال فشلت هذا العام خطط مشروع استثمار إسلامي صديق للبيئة.
فقد خططت شركة الاستشارات المالية الإسلامية سيمبلي شريعة لجمع ثلاثة ملايين جنيه استرليني (خمسة ملايين دولار) بنهاية يونيو حزيران لبناء محطة للطاقة الشمسية عن طريق استخدام الإعفاءات الضريبية لبرنامج استثمارات المشاريع الحكومي في وضع هيكل تمويل بنظام الوكالة. لكن المشروع لم يجمع القيمة المستهدفة بحلول الموعد لأسباب منها أن الهيكل الإسلامي لم يسمح باستخدام الأدوات المالية التقليدية مما قلص العوائد التي يمكن عرضها. ولم يسمح الحجم الصغير للمشروع بجمع التمويل عن طريق إصدار صكوك. بحسب رويترز.
وقال أنس حسن العضو المنتدب لتمويل الشركات في سيمبلي شريعة “هناك فرق أداء بين منتجات الطاقة الشمسية التقليدية لبرنامج استثمارات المشاريع (حيث العائد المستهدف 1.15 جنيه لكل جنيه مستثمر) والمنتج المتوافق مع الشريعة (حيث العائد المستهدف 1.10 جنيه لكل جنيه مستثمر). و”يرجع الفرق بشكل أساسي إلى ارتفاع مستوى الدين في هيكل المنتج التقليدي في حين كانت النسخة الإسلامية محض تمويل مساهم.”
جولدمان ساكس
في السياق ذاته يدرس بنك جولدمان ساكس خططا لجمع 500 مليون دولار على الأقل في أول إصدار يطلقه لسندات إسلامية (صكوك) في دلالة على نمو التمويل الإسلامي مع سعي البنوك التقليدية الكبرى للاستفادة من أموال الشرق الأوسط. وقالت وثيقة من مرتبين رئيسيين إن البنك الأمريكي سيجتمع مع مستثمرين في قطر وفي الإمارات لمناقشة بيع الصكوك. ومن المتوقع أن يبلغ أجل استحقاق الصكوك خمس سنوات.
وإذا مضت الصفقة قدما بعد الاجتماعات مع المستثمرين فسوف يصبح جولدمان ساكس ثاني بنك غير إسلامي يبيع صكوكا بعدما أصدرت الوحدة الشرق أوسطية لبنك إتش.إس.بي.سي صكوكا في 2011 بقيمة 500 مليون دولار. وقال مصدر مطلع إن الأصول الأساسية في صفقة صكوك جولدمان ساكس ستكون مرتبطة بسلع أولية ونفط خام مضيفا أن البنك سيستخدم حصيلة البيع في أنشطة وحدته للسلع الأولية جيه.آرون آند كو.
وتستعد بنوك عالمية أخرى للسير على نهج جولدمان ساكس. فقد شهدت الأشهر الماضية استعدادات من جانب سوسيتيه جنرال الفرنسي وبنك أوف طوكيو-ميتسوبيشي يو.إف.جيه أكبر بنك في اليابان لإصدار صكوك في ماليزيا. وكانت محاولة سابقة لجولدمان ساكس لبيع صكوك في 2011 قد اثارت جدلا قبل أن يلغيها بعدما اتهمه البعض بعدم اتباع المبادئ الإسلامية. لكن البنك الأمريكي يعود الآن للسوق وسط نمو سريع لقطاع التمويل الإسلامي بدعم من ازدهار الاقتصادات في منطقة الخليج ومنطقة جنوب شرق آسيا.
وأظهرت بيانات أن الإصدارات الجديدة للصكوك منذ بداية العام الحالي بلغت قيمتها 85.9 مليار دولار في 456 صفقة حول العالم ارتفاعا من 74.9 مليار دولار في 558 صفقة في الفترة نفسها من العام الماضي. ولا تزال تلك الصفقات صغيرة مقارنة مع التمويل التقليدي لكنها ارتفعت الآن بما يكفي لجذب اهتمام المقترضين الغربيين ودفعهم للدخول في السوق. ويشتبه البعض في أن جولدمان ساكس ربما يستغل التمويل الإسلامي حيث لمح محللون إلى أنه قد يستخدم حصيلة بيع الصكوك في إقراض عملاء بفائدة أو ربما لا يتم تداول الإصدار بقيمته الحقيقية وهو ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. بحسب رويترز.
ويصر جولدمان ساكس على أنه لا أساس لهذه الشكوك ورغم إجازة مستشارين شرعيين لخطته في العام 2011 إلا أنه لم يمض قدما في الصفقة حينئذ. وقالت الوثيقة إن جولدمان ساكس اختار نفسه ومصرف أبوظبي الإسلامي وبنك الإمارات دبي الوطني وبنك أبوظبي الوطني والأهلي كابيتال ذراع الاستثمار المصرفي للبنك الأهلي التجاري السعودي لترتيب لقاءات المستثمرين.
خريطة البنوك الإسلامية
من جانب اخر توقع تقرير اقتصادي ماليزي أن يشهد وجه الصناعة المصرفية الإسلامية تبدلا ملحوظا، بحال قيام مصرف عملاق بنتيجة المفاوضات الجارية حاليا لدمج ثلاثة مصارف إسلامية ماليزية كبيرة، مضيفا أن ذلك المصرف سيكون قادرا للمرة الأولى على منافسة المصارف التقليدية حول العالم وسيساهم بتكريس النموذج المصرفي الماليزي.
وقال التقرير إن اتفاقية الاندماج المقترحة ستغير خريطة العمل المصرفي الإسلامي وقد تعيد تحديد طريقة القيام بالصفقات في هذا القطاع، مضيفا أن النوافذ الإسلامية للمصارف التقليدية الغربية، مثل HSBC و “ستاندرد تشارترد” كانت تلجأ إلى ثقل فرعها التقليدي من أجل الحصول على حصة كبير من سوق الصكوك ولكن ذلك قد يتبدل بعد الاندماج المنتظر. وذكر التقرير المنشور في صحيفة “ذا ستار” الماليزية الواسعة الانتشار، أن المصرف الجديد قد يحدث تغييرات واسعة في العمل المؤسسي للمصارف الإسلامية التي مازالت تخضع في العديد منها إلى عائلات ثرية أو حكومات.
وتشمل صفقة الاندماج ثلاثة مصارف هي “مجموعة CIMB القابضة” و”RHB كابيتال” و”ماليزيا بيلدنغ سوسايتي” والتي حصلت على موافقة الجهات الرقابية من أجل بدء المفاوضات، ما يمهد لقيام “عملاق إسلامي” لديه ما يكفي من القوة من أجل الفوز بصفقات كبيرة ونشر النموذج المصرفي الإسلامي الماليزي عالميا، إذ أن العديد من المصارف الإسلامية في ماليزيا قد تحاول اللحاق بالقطار وإجراء اندماجات بينها.
ولدى ماليزيا نظام هرمي خاص بتنظيم إنتاج أي منتج مصرفي متوافق مع الشريعة، في حين تترك الدول الأخرى للهيئات الشرعية في كل مصرف على حدة اتخاذ هذا القرار، ونتقد البعض ذلك معتبرين أن ترك الأمور للمصارف يؤدي إلى التباين في المنتجات ويترك العملاء في حيرة من أمرهم. بحسب CNN.
وحول تأثير الصفقة على العمل المصرفي نقلت صحيفة “ذا ستار” الماليزية عن جوهان لي، الشريك في مكتب “لي وشركاه” للمحاماة بكوالالمبور قوله: “عندما يكون هناك مصرف عملاق يتبعه تقلص في عدد اللاعبين فإن مهمة تنسيق الأمور ستكون أكثر سهولة، علما أن المصرف سيتحرك عالميا، ما يضع ماليزيا بموقع الصدارة على صعيد المصرفية الإسلامية عالميا.”
الهند والفلبين
الى جانب ذلك قال تقرير صحفي هندي إن السلطات في نيودلهي تبحث بجدية قضية المصارف الإسلامية، خاصة في ظل الحاجة الماسة لدى البلاد لاجتذاب التمويل من الدول الإسلامية الثرية من أجل استخدامها بمشاريع البنية التحتية، مضيفا أن لدى البنك المركزي الهندي بعض التردد على أساس ديني حيال القضية. وقال تقرير صحفي منشور بموقع “فيرست بوست” إن طرح اعتماد المصرفية الإسلامية موجود في الهند، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، خاصة مع انفتاح البلاد على مشاريع الإصلاح الاقتصادي، على ضوء إعلان المصرف الاحتياطي الهندي (المركزي) عن إقرار إرشادات تنظم عمل نوعين من المصارف هما “مصارف الدفع” و”المصارف الصغيرة.”
وذكر التقرير أن الجهات الداعمة لإقرار نظام المصرفية الإسلامية في الهند تشير إلى أن اعتماده يجذب الأموال من الدول الثرية التي تقطنها غالبية إسلامية، ما يساعد بالتالي على تمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة في الهند، والتي تعاني خططها التنموية حاليا من فجوة تمويلية تقدّر بترليون دولار. ويضيف التقرير أن الدعوة إلى اعتماد المصرفية الإسلامية اكتسبت زخما بعد طرح القضية أمام “لجنة الأقليات” التي قام رئيسها “وجاهة حبيب الله” بتقديم مذكرة حول القضية إلى وزارة المالية عام 2012، ولكن المصرف الاحتياطي الهندي رأى أنه سيكون من الصعب السماح بعمل مصارف لا تقبل الفائدة، وذلك لأسباب قانونية، غير أن المصرف عاد ووافق بصورة مفاجئة في أغسطس/آب 2013 على عمل شركة تمويل متلائمة مع الشريعة في ولاية كيرلا الهندية.
ورجح التقرير وجود تردد لدى المصرف الاحتياطي الهندي في اعتماد المصرفية الإسلامية لأسباب دينية، مشيرا إلى أن المصرف يشعر بالقلق من إمكانية أن يعترض لاحقا على بعض أشكال النشاط الاقتصادي لتلك المصارف ما يفتح باب الانتقادات عليه من قبل المسلمين في البلاد. ولفت التقرير إلى إمكانية معالجة تلك المخاوف لدى السلطات الهندية من خلال فرض إجراءات رقابية حول مصدر الأموال وطريقة التحويل والشفافية وتحديد وجهة الأموال النهائية، وهي أمور سهلة إذا ما قورنت بالمكاسب التي قد تجنيها الهند جراء اجتذاب مليارات الدولارات من الدول الإسلامية الثرية بالنفط.
على صعيد متصل قد تساعد خطة سلام وإلغاء سقف الملكية الأجنبية وسن قواعد جديدة للأنشطة المصرفية الإسلامية في الفلبين على بث حياة جديدة في واحدة من أقدم مؤسسات التمويل الإسلامي في العالم. وبنك الاستثمار الإسلامي “الأمانة” هو البنك الوحيد في البلاد منذ 1974 الذي يقدم منتجات مالية متوافقة مع مبادئ الشريعة مثل حظر الفائدة المصرفية والمقامرة. لكن بينما تتمتع البنوك الإسلامية في أنحاء العالم بمعدلات نمو سريعة وأرباح وفيرة لم يحقق “الأمانة” ربحا منذ سنوات واضطر في نهاية المطاف إلى تقديم منتجات مصرفية تقليدية كي لا يوقف النشاط.
وتسلط قصة “الأمانة” الضوء على التحديات التي تواجهها الأقليات المسلمة للحصول على خدمات مصرفية بدون فوائد بنكية خارج المركزين الرئيسيين للبنوك الإسلامية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وبسبب حجمه الصغير ونقص الخبرة المصرفية الإسلامية واجه بنك “الأمانة” صعوبات رغم خطة إعادة تأهيل مدتها خمس سنوات بدأتها في 2009 المؤسسة الأم بنك الفلبين للتنمية.
وفي 2012 تكبد الأمانة خسارة قدرها 30.6 مليون بيزو (706 آلاف و400 دولار) لكنها تظل أفضل من خسارة بلغت 124.3 مليون بيزو في 2008. وقد يتغير ذلك الوضع بعد اتفاق السلام التاريخي بين حكومة الفلبين والمتمردين المسلمين والذي ساعد في إنعاش جنوب البلاد بعد صراع استمر 40 عاما وتسبب في تشريد مليوني شخص وركود اقتصادي.
ويعطي الاتفاق الذي توسطت فيه حكومة ماليزيا منطقة مينداناو ذات الأغلبية المسلمة سلطات أوسع نطاقا في الجوانب الاقتصادية والثقافية. وفي إطار الاتفاق يضع البنك المركزي قواعد للأنشطة المصرفية الإسلامية. وفي وقت سابق هذا الشهر سمحت الحكومة للبنوك الأجنبية بالسيطرة الكاملة على البنوك المحلية بعد أن كان سقف الملكية الأجنبية لا يزيد على 60 بالمئة.
وقال فرانسيس نيكولاس تشوا مدير الأنشطة المصرفية الاستثمارية في بنك الفلبين للتنمية إن تلك العوامل تجدد الاهتمام من جانب مشترين محتملين لبنك الأمانة. وقال “منذ العام الماضي تلقينا عددا من العروض من أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأوروبا لإبرام شراكة أو الاستفسار عن البيع.”
وقال تشوا إن تلك العروض جاءت من بنوك إسلامية بالكامل ومن بنوك تقليدية لها فروع إسلامية لكنه لم يحدد هوية أي منها. وقال “فيما يتعلق بالأمانة تقوم الحكومة حاليا بمراجعة العملية بأكملها. تريد الحكومة أن تتأكد من توافر الإطار التنظيمي قبل الخصخصة.” وقال تشوا إن أي مشتر محتمل سيتوجب عليه تقديم عرض علني لأن سياسة بنك الفلبين للتنمية تقتضي ذلك.
وخطب “الأمانة” ود المشترين لسنوات ليس لضخ سيولة جديدة فحسب بل لطرح منتجات جديدة أيضا وتصفية المنتجات المدرة للفائدة المصرفية في محفظة البنك. ويسمح الفقهاء بمثل تلك الممارسة تحت بند الضرورة. لكن حتى الآن لم يعلن أي بنك إسلامي نواياه. وقالت وسائل إعلام محلية إن سي.آي.ام.بي جروب هولدنجز الماليزي مالك بنك سي.آي.ام.بي الإسلامي ينوي شراء حصة لكن متحدثا باسم سي.اي.ام.بي نفى ذلك. بحسب رويترز.
وقال مصدر في “الأمانة” إن مجموعة ماليزية قدمت عرضا بالفعل في 2006 لكنه كان مشروطا بأن تضع الحكومة إطارا تنظيميا للبنوك الإسلامية في غضون عامين. وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأن الأمر لم يعلن بشكل رسمي “لم يحدث ذلك فسحبوا العرض” لكن التطورات الأخيرة قد تجدد الاهتمام. وقال “ربما لم يتقدم الطرف المناسب بعد.”
معايير بازل 3
من جهة اخرى وفي الوقت الذي تستعد فيه البنوك في أنحاء العالم لتلبية المعايير التنظيمية الصارمة بازل 3 تواجه البنوك الإسلامية مصدرا لعدم التيقن قد يكون باهظ التكلفة وهو كيف ستتعامل الجهات الرقابية ودائع تلك البنوك. وتبدو البنوك الإسلامية قادرة على التأقلم مع قواعد اتفاقية بازل 3 التي ستطبق تدريجيا في أنحاء العالم على مدى الأعوام القليلة المقبلة. فمعظم البنوك من الخليج وجنوب شرق آسيا حيث الاقتصادات قوية.
ولأن التمويل الإسلامي يستهجن المضاربة النقدية فإن ميزانيات تلك البنوك نظيفة بدرجة كبيرة من المشتقات والأصول المعقدة عالية المخاطر التي أغرقت بعض البنوك التقليدية في خضم الأزمة المالية العالمية. لذا يفترض ألا تواجه البنوك الإسلامية مشاكل تذكر في تلبية معايير بازل 3 بخصوص الحد الأدنى من رأس المال. لكن الودائع قد تصبح مصدرا للمتاعب. فنظرا لحرمة مدفوعات الفائدة وفقا لمبادئ الشريعة تستقطب البنوك الإسلامية الودائع في الغالب عن طريق حسابات استثمار بنظام تقاسم الربح ويعتبر هذا النوع بوجه عام أقل استقرارا من الودائع التقليدية.
ومن المتوقع أن تكون البنوك الإسلامية مطالبة بموجب قواعد بازل 3 بتعويض أثر ذلك التقلب عن طريق زيادة حجم الأصول السائلة عالية الجودة التي في حوزتها. غير أن أسواق الأوراق المالية الإسلامية أصغر بكثير وأقل عمقا وتطورا من الأسواق التقليدية مما يؤدي إلى نقص المعروض من الأصول السائلة عالية الجودة المتوافقة مع الشريعة وهو ما يضغط بدوره على البنوك الإسلامية من جهتين.
وقال محمد داماك محلل الائتمان لدى ستاندرد اند بورز في باريس “هذان من أهم تحديات بازل 3 لقطاع التمويل الإسلامي.” وبحسب دراسة خاصة بلغت قيمة أصول البنوك التجارية الإسلامية حوالي 1.2 تريليون دولار في نهاية العام الماضي. وهي تشكل نحو ربع الودائع في دول الخليج العربية وأكثر من الخمس في ماليزيا. وتشترط بازل 3 على البنوك الاحتفاظ بقدر كاف من الأصول السائلة عالية الجودة لتغطية صافي التدفقات الخارجة لفترة 30 يوما في حالة التعرض لضغوط شديدة. وتحسب التدفقات بإعطاء مصادر التمويل بما فيها حسابات الاستثمار أوزانا متنوعة. وكلما زادت المخاطر في مصدر التمويل كان حجم الأصول السائلة عالية المخاطر اللازمة كبيرا.
لذا سيتوقف الأمر بدرجة كبيرة على الأوزان التي ستعطيها الهيئات الرقابية الوطنية في أنحاء العالم المخولة بتطبيق بازل 3 في مناطقها لذلك النوع من الحسابات. ولم تصدر مؤشرات بعد عن المسؤولين للأوزان المتوقعة. وفي ضوء حرصهم على تطوير قطاعات البنوك الإسلامية لديهم فمن المستبعد أن يحددوا أوزانا عقابية. لكن قد يعجزون عن معاملة حسابات الاستثمار على قدم المساواة مع ودائع البنوك التقليدية. وعلى سبيل المثال يقول تقرير لستاندرد اند بورز إن آجال استحقاق حسابات الاستثمار في البنوك الإسلامية تكون في العادة أقصر نسبيا.
وقال داماك إن معاملة حسابات الاستثمار ستعتمد أيضا على عوامل تخص قطاع البنوك الإسلامية في كل دولة مثل كيف كان أداؤها في أزمات سابقة وسجل البنوك الإسلامية في تمرير الخسائر إلى أصحاب الودائع بموجب العقود المبرمة معهم. ومن المستبعد على ما يبدو أن تتضح الصورة قبل أوائل العام القادم على الأقل حيث من المتوقع أن يصدر مجلس الخدمات المالية الإسلامية في ماليزيا مذكرة إرشادية في الموضوع.
وقال داماك “سيؤول الأمر في النهاية إلى الجهة التنظيمية في كل دولة كي تبت في معاملة حسابات الاستثمار وهنا تكمن أهمية المذكرة الإرشادية لمجلس الخدمات المالية في مساعدة المسؤولين الرقابيين على تحديد معاملة حسابات الاستثمار.” وقال مصدر مطلع على مشاورات مجلس الخدمات المالية إن المذكرة ستتناول قضايا مثل الحقوق التعاقدية للمودعين وهل يستطيعون على سبيل المثال سحب أموالهم خلال أقل من 30 يوما دون غرامة كبيرة.
وأصدر البنك المركزي الماليزي بعض الإرشادات بخصوص حسابات الاستثمار قائلا إنه سيصنفها إلى نوعين: حسابات استثمار عامة تعادل بوجه عام ودائع الأفراد التقليدية وحسابات استثمار خاصة أو مقيدة تعتبر مماثلة لحسابات الاستثمار قيد الإدارة. وأعطى البنوك الإسلامية فترة انتقالية عامين للفصل بين النوعين. لكن بينما حدد البنك المركزي بالفعل النسب والأوزان لقواعد بازل 3 بخصوص كفاية رأس المال فإنه لم يعلنها بعد بالنسبة لمتطلبات الأصول السائلة عالية الجودة لتغطية حسابات الاستثمار. وتعتقد البنوك التجارية أنها قد تعلن أوائل العام القادم بعد صدور إرشادات مجلس الخدمات المالية الإسلامية.
ووفقا لستاندرد اند بورز تقول بازل 3 إن بوسع الهيئات التنظيمية الوطنية في أنجاء العالم تحديد نسب تبلغ ثلاثة بالمئة أو أعلى لودائع البنوك التقليدية وما يصل إلى عشرة بالمئة للودائع الأقل استقرارا. وقد ينتهي المطاف بمعظم البنوك الإسلامية إلى أوزان في ذلك النطاق ونظرا لحجم الودائع ذات الصلة فإن أي اختلاف بعدة نقاط مئوية قد يؤثر تأثيرا كبيرا في حجم الأصول السائلة عالية الجودة التي سيتعين على البنوك أن تحتفظ بها.
وقد تزيد مسألة حسابات الاستثمار الضغوط على البنوك المركزية والحكومات في العالم الإسلامي لمعالجة بعض المشاكل القديمة في القطاع. وإحدى تلك المشاكل نقص معروض الأصول السائلة عالية الجودة. فباستثناء ماليزيا والبحرين يقول داماك إن البنوك المركزية لا تصدر ما يكفي من الأدوات المصنفة كأصول سائلة عالية المخاطر.
والصكوك الحكومية تصلح لهذا الغرض لكن معظم الصكوك السيادية إما غير مدرج في الأسواق المتقدمة أو غير متداول تداولا نشطا مما يجعل حصول البنوك الإسلامية عليها أمرا بالغ الصعوبة. ويتناقض ذلك مع الأسواق الضخمة للديون الحكومية عالية الجودة مثل سندات الخزانة الأمريكية والألمانية التي بوسع البنوك التقليدية أن تشتريها بسهولة.
وأشار داماك إلى أن بدائل مثل الصكوك قصيرة الأجل التي تصدرها المؤسسة الإسلامية الدولية لإدارة السيولة التي أنشئت للنهوض بسوق عابرة للحدود في الأدوات الإسلامية تظل صغيرة مقارنة مع حجم القطاع. وفي إطار جهودها لكي تصبح مركزا للتمويل الإسلامي تعكف دبي على إدراج الصكوك في بورصاتها وتشجيع شركاتها شبه الحكومية على إصدار صكوك قابلة للتداول لكن الأمر قد يستغرق سنوات قبل أن يستطيع المعروض مواكبة الطلب. بحسب رويترز.
مشكلة أخرى هي التأمين على الودائع. فالحكم على الودائع بأنها مستقرة يستلزم أن تشملها الحماية التأمينية لكن برامج التأمين الإسلامي نادرة لأسباب منها أن الدعم الحكومي للبنوك الإسلامية يعتبر أمرا مفهوما بشكل ضمني في كثير من دول الخليج. وكانت البحرين استحدثت تأمينا إسلاميا على الودائع في 1993. وفي مايو أيار الماضي قالت قطر إنها ستطور برنامجا إسلاميا للتأمين على الودائع. وفي يونيو حزيران قالت بنجلادش إن برنامجا قائما يديره البنك المركزي سيشمل الودائع الإسلامية. وقال المصدر المطلع على مشاورات مجلس الخدمات المالية الإسلامية “سيكون الأمر صعبا للبنوك الإسلامية على صعيد أوزان حسابات الاستثمار لكن هناك حلولا أو مسكنات كما يظهر النموذج القطري.