الجمعة - 31 أكتوبر 2014 - 1:51
آخر الأخبار
الرئيسية » بحوث ودراسات

بحوث ودراسات

واقعة الطف في المسرحية العربية

24-10-2014-2-d

تقول المستشرقة السوفيتية تمارا الكساندروفنا في كتابها ( ألف عام وعام على المسرح العربي ) وبعد إطلاعها على الأحداث الملازمة لقضية الحسين ( ع ) ـ ما قبل وما بعد ــ بوصفها مادة مشبعة بالدراما الحقيقية والتراجيديا , تقول : ” ولا يتبقى لنا في النتيجة إلا أن نأسف لعدم ولادة شكسبير عربي كان باستطاعته تجسيد طباع أبطاله وسلوكهم في الشكل الفني للتراجيديا الدموية .
إن في هذه المادة من المؤامرات والقسوة والتعسف والشر ما لا يقل عما كانت عليه في مواضيع عصر حروب الوردة الحمراء والوردة البيضاء , لكن رغم عدم توفر الأساس الأدبي المتين , فقد أدى مصير الحسين المأساوي وأدت معركة كربلاء إلى ولادة ( التعزية ) التي تعتبر من أقدم العروض المسرحية في العالم الإسلامي . ”
لكن على الرغم مما تقدم في رأي الكساندروفنا وطموحها في ظهور نص مسرحي عربي عن واقعة ألطف, يأخذ شهرته الدرامية مثلما أخذت نصوص شكسبير مكانتها الأدبية , فقد ظهرت نصوص مسرحية عربية عديدة استثمرت أحداث واقعة ألطف في بنيتها الدرامية ومتنها الحكائي , منها ما اخذ شهرة معقولة في الساحة الأدبية والمسرحية , ومنها ما بقي محدودا لضيق مساحة النشر الذي اضعف تداول المطبوع بين البلدان العربية لأنه اقتصر على نشره لمرة واحدة , فضلا عن ذلك المحاذير التي كانت مهيمنة على عيون الرقابة والسلطة السياسية في أكثر من بلد عربي إزاء موضوع كهذا وما يشكله من حساسية خاصة بين هذا الطرف وذاك .
وعليه , فقد حاولنا تتبع عدد من هذه النصوص المسرحية العربية التي استثمرت الواقعة , من خلال المسح الشامل و بالقدر الممكن , وكانت على النحو الآتي :

1- نص مسرحية ( الحسين ) لمؤلفها ( محمد الرضا شرف الدين ) وهو أول من
كتب المسرحية الشعرية في العــراق . كتب هذه المسـرحية في بغداد , فــي
1352 هـ / 1931 م .
2- نص مسرحية ( مصرع الحسين ) للشاعر السوري ( عدنان مردم بك ) منشور
في مجلة العرفان , مجلد 26 .
3- نص ( نشيد الشهيد ) فارسي الأصل , إعداد ( محمد عزيزة ) بعنوان ( آلام
الحسين أو مأساة كربلاء ) ترجمة : رفيق الصبان , والنص معد عن عدد من
نصوص التعزية .
4- مسرحية ( هكذا تكلم الحسين ) للشاعر المصري (محمد العفيفي ) وهي مسرحية
شعرية في خمسة فصول , نشرت عام 1969 م .
5- مسرحية ( ثار الله ) بجزأين ( الحسين ثائرا ) و( الحسين شهيدا ) للشاعر ( عبد
الرحمن الشرقاوي ) 1969 / 1970 م .
6- نص ( مقتل في كربلاء ) للشاعر المصري ( فتحي سعيد ) في ديوانه الشعري
مصر لم تنم , الصادر عام 1973 م والنص عبارة عن قصيدة طويلة .
7- مسرحية ( مساء التأمل ) إعداد قاسم محمد , عام 1974 وهو عبارة عن سيناريو
مسرحي اعتمد فيه المعد على ستة مصادر مسرحية .
8- مسرحية ( الحسين يموت مرتين ) للكاتب المغربي ( عبد الكريم برشيد ) وهو
كتابة جديدة معدة عن نصوص التعزية .
9- نص ( تعازي فاطمية ) للكاتب التونسي ( عز الدين المدني ) .
10- مسرحية ( الحسين – تراجيديا في ثلاثة فصول ) للمؤلف المسرحي السوري
وليد فاضل , عام 1998 م .
11- مسرحية ثانية يجيء الحسين للشاعر العراقي محمد علي الخفاجي , 1972 م , وسيتوقف كاتب السطور عند هذه المسرحية التي تميزت فنيًّا وفكريًّا عن مثيلاتها وفي مقال خاص بها .
هذا بالإضافة إلى صدور نص مسرحي جديد للشاعر العراقي باقر صاحب بعنوان الحسين / مسرحية شعرية , عن دار الشؤون الثقافية مؤخرا , كذلك فعل الشاعر العراقي علاوي كاظم كشيش وكتب مسرحية بعنوان / يزيد , اطلعنا عليها مؤخرا منشورة في احد المواقع الالكترونية على شبكة الانترنت .
كما ننوه عن وجود نصوص مسرحية أخرى اتخذت من واقعة الطف خلفية لأحداثها , أو تمر على ذكر الواقعة هامشيا على وفق الموقف الدرامي وحاجته إلى ذلك , بل إن هناك من النصوص حاولت الترميز إلى الواقعة وأبطالها بمسميات مباشرة مرة وغير مباشرة مرة أخرى .
وسيتوقف المقال عند بعض من النصوص المسرحية سالفة الذكر , محاولا تتبع صيغ كتابتها والكشف عن طبيعة استثمار كتابها للحدث التاريخي وتناوله دراميا .

1- نص مسرحية ( هكذا تكلم الحسين ) للشاعر المصري محمد العفيفي :

ما يلفت الانتبـاه أولا فــي هذه المسرحية هو النقـــد والدراسة التـــي جاءت في مقدمتها للأستاذ العلامة علي الكوراني , تعرض فيها للمشكلات الأساسية التي تواجه شاعر المسرح المعاصر , موضحًا الأساليب المناسبة للتصوير المسرحي لتقديم الشخصيات وخاصة التاريخية منها , إلى جانب تعرضه لمشكلة الإيقاع في الشعر المسرحي والوحدة والحيوية في العمل المسرحي ، فضلا عن ذلك إعطاء حكمه عن شرعية التمثيل في قوله : ” أما التمثيل فهو وسيلة كمختلف الوسائل الإعلامية , يحدد جوازه وحرمته الهدف منه وعدم منافاته للأحكام الشرعية . ”
تتكون المسرحية من خمسة فصول , يبدأ المشهد الأول منها من الفصل الأول بظهور معاوية على فراش الموت معلنا عن ارتياحه لان يزيدا سيورثه الحكم من بعده , ليتصاعد الموقف بينه وبين مجموعة الزبانية , الذين يخالفونه الرأي وهو يخوض في هلوسته في الدفاع عن رأيه وعن ابنه يزيد . كما يكشف هذا المشهد عن موقف يزيد من طلب البيعة إليه من الحسين بن علي (ع) والإصرار على ذلك حين يخاطب جواسيسه فنراه يقول : ” أما أنت وأنت وأنت / فلتنتشروا حول حسين حتى لا يشرب جرعة ماء كانت أعينكم سابحة فيها / واروني فعل شياطين أمية / فانا أرجو أن تتلطخ أيديكم بدمه / وخطاكم قد بلغت ارض الشام بتلك البشرى “.
كما تعرض المؤلف في هذا الفصل إلى شخصية (جعدة) زوجة الإمام الحسن (ع) في فعلتها الدنيئة حينما قامت بتقديم السم إلى زوجها طمعا في الوعد الذي قدمه لها معاوية بتزويجها ولده يزيد إذا ما قامت بذلك .
لكن العفيفي حاول التدخل دراميا حينما تصرف بان جعل جعدة تعلن عن ندمها الواضح في النص إزاء فعلتها الشنيعة تلك .
في الفصل الثاني وفي المشهد الأول منه يكشف النص ظهور ساحة بيت الحسين وحوله فئات من أهل المدينة يتشاور معهم في ما يجب عمله للخلاص من تخطيط يزيد وأعوانه , مؤكدين على ثباتهم مع الحسين (ع) الذي يقول : ” لن نرجع حتى تنهشنا ذؤبان الفلوات / وتمزقنا أظفار الجلادين / فليسرع بُعُدُ الشقة خلف خطانا / حتى لا تهوي جذوتنا في ظلمات الحيرة / وبأنفسنا نور يجري مجرى الدم / ولننقش بالدم ما يقراه الليل بعين نهاره / وتعانقه خفقات قلوب ما خفقت بعد / أو نُرجع للأمة حريتها / فتعود إلى الله ولا تسجد للطاغوت “.
لقد استند العفيفي على استخدام الموسيقى الشعرية ببلاغة محكمة ومثيرة للمشاعر والعواطف الإنسانية الجياشة بلغة شعرية يتجلى فيها استخدام الصورة الشعرية في الجمل الحوارية المتبادلة ما بين الشخصيات وخاصة تلك التي نتلمسها في حوارات الحسين (ع) وزينب ومسلم وهانيء والحر الرياحي , بل نجد ذلك الاستخدام الصوري الشعري حتى في حوارات الشخصيات التي تقع في كفة الصراع الأخرى ، كفة الشر والمتمثلة هنا في شخصيات أمثال : معاوية ويزيد وعمر بن سعد وشمر بن ذي الجو شن .
كذلك يمكن تلمس الدقة التاريخية التي استند المؤلف إليها في التفاصيل الصغيرة لأحداث الواقعة وتسلسل أحداثها التراتبي وفي أشخاصها بأسمائهم الصحيحة ومواقفهم الحقيقية , لدرجة أن تصل هذه الدقة التاريخية لدى العفيفي إلى الكشف عن عيوب النطق لــدى ابن زيــاد , فهو مثـــلا كان يلفظ الحــاء هاءً , بمعنى انه يقـــول ( هسين ) بدلا من ( حسين) .
كما نجد التعامل مع الدقة التاريخية في أقوال مشهورة منسوبة تاريخيًّا لأشخاصها فيعمل العفيفي على الكشف عن الأقوال نفسها ولكن بحوار شعري يتلاءم وموسيقاه الشعرية المنسجمة مع لغة النص , مثال ذلك حوار الحسين : ” أفبالموت تخوفني / وحياة الموتى أكرم من موت الأحياء … ” , كذلك ما هو مبين في حوار ابن زياد: ” ما خانك قط أمين لكن قد يؤتمن الخائن / أخزاك الله لقد أخفرت أمانته) ” . مخاطبا ابن سعد .
كذلك فقد عمد العفيفي إلى الحوار الذاتي مع أنا الشخصية للشاعرية المؤثرة التي تكشف عنها مثل هذه المناجاة الذاتية , فنجد الحسين يقول : ” لو كان الأمر إلي نبذت السيف / ولزمت القران / ورأيت يزيد فلم أبصره / لكن الناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم / وغدا الإنسان حذاء في قدمي حاجاته / اللقمة عين ساهرة ترقب أسراب لهاثه / والماء أفاع تتلوى فوق لسانه / والخوف ذراعاه وساقاه وعيناه / ورفاق الدرب وخلان الخلوات/ وصرير الباب ولمسة ثوب الطفل ” .
كما جعل العفيفي عمل المجموعة أو الكورس والمتمثلة هنا بـ ( الزبانية ) و (الجلابيب ) كما هو دورها في الماسي اليونانية والرومانية فهي تدخل في الحدث الدرامي وتعلق عليه وتعطي به رأيا وتتخذ موقفا واضحا من ذلك الحدث .
وبعد سير الأحداث بتسلسلها التاريخي نفسه وانتقال الحدث من مكان إلى آخر يصل بنا النص إلى موقف الحر بن يزيد الرياحي وخياره بين أن يكون مع الحسين أم عليه , محاولا الوصول إلى عين الحقيقة , وفي هذه الحوارية دليل على ذلك :
” الحر : يا لتنازع أهوائي / صليت وراءك يا سبط رسول الله / ووضعت السيف
فصلى خلفك / بوضوء الوهج الدامي / … فبأي ضمير ارفع سيفي في
وجهك / لكن لم لا احتال على عيشي / فأطيع ابن زياد في بعض الأمر/
ثم يثوب يزيد إلى رشده / ويعود حسين من حيث أتى / … أفديك أبا عبد
الله بنفسي … “.
كما كشف الكاتب عن موقف خاص يتعلق بشخصية الحر الرياحي حينما تيقن من وجود عيون تراقبه وتسير وراءه متابعة تنفيذاته لأوامر ابن زياد ، وهذا ما استفزه لشعوره بأنه إهانة لشخصه أولا ولاعتباريته كقائد حرب ثانيا , الأمر الذي مهد لوضعه النفسي ــ وبحسب النص ــ بان يفسح لنفسه زمنا كافيا للتفكير بما يجري حوله , بهدف اتخاذ القرار الحاسم والمناسب .
ولقد تصرف الكاتب بزمن الأحداث الجارية في نصه ، فلجأ إلى طريقة الفلاش باك , محاولا دمج الماضي بالحاضر , واستحضار الشخصيات الميتة ليضعها في مشاهد تتداخل وسير الأحداث التاريخية لواقع النص نفسه , فنجد ( معاوية وهند وأبا سفيان ) يظهرون بين ثنايا الحدث الأصلي للنص في أكثر من فصل ومشهد , كاشفا بذلك عن عالم آخر يكابد أشخاصه الم الندم والحسرة على ما أورثوه لإخلافهم من خطايا وآثام ، وكأنهم بذلك يتابعون ما يقوم به إخلافهم فيزيد هم ذلك عذابا وتأنيبا للضمير مستمرين .
كما ويلجأ العفيفي في بعض مشاهده إلى طريقة التمثيل الصامت لتنفيذ بعضا من أوامر الشخصيات , الأمر الذي يحيلنا مباشرة ــ بعد أن كشف الكاتب عن طريقة تعامله مع الجوقة واستخدامه الفلاش باك والتمثيل الصامت ــ إلى تأثر الكاتب بالنص الملحمي البرشتي في بعض من استخداماته المتنوعة في بنية النص . إلى جانب أن الكاتب متأثر أيضا بالمسرحيات الدينية التي ظهرت في العصور الوسطي حينما اظهر مشاهد عن العالم الآخر , مثلما حدث مع المشهد السادس من الفصل الخامس حينما جعل مجموعة الزبانية في ظلام دامس يحيطون بدائرة زرقاء قاتمة , كما ضمت هذه الدائرة الزرقاء نفسها في المشهد الذي يليه شخصيات القتلة جميعهم : معاوية وهند ويزيد وشمر ، وهم محاصرون بالضياع والندم والعذاب في هالة من الظلام الدامس والآلام المستمرة , وكأنهم يعيشون فعلا في العالم الآخر ، عالم العقاب ما بعد الموت أو الثواب والعقاب ما بعد الموت بحسب موقف الشخصية من الحدث الرئيسي في المسرحية .
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن اللغة الشعرية التي اعتمدها العفيفي , وفي أغلب مشاهد المسرحية وخاصة المتعلقة بمواقف الإمام الحسين (ع) والمواقف التي أعقبت استشهاد أهل بيته وأصحابه الميامين , نجدها لغة شعرية عالية التأثير عند قراءتها واستنباط معانيها و قابليتها على دغدغة المشاعر الإنسانية , فمثلا يتحاور مجموعة من الزعماء بعدما خلا الحسين إلى وداع ولده علي الأكبر وهو يسلم الروح بين يديه: ” زعيم 1 : دوحة قد سقطت أوراقها الخضر جميعا / وعليها طائر الغيم يغني نغما يبكي السماء / فهي حمراء كجذوة / منذ سوّى معول الموت برمل الطف / جدران ذويه . زعيم 2: انه لا يسلم الروح ولكن ينبت الأرض غناءً / يا لألحان السماء ..” .

2- مسرحية ( ثأر الله ) بجزأيها ( الحسين ثائراً ) و ( الحسين شهيداً ) :

تأليف : عبد الرحمن الشرقاوي

على الرغم من اعتماد الشرقاوي في مسرحيته هذه على مرجعية تاريخية لأحداث واقعة الطف وحسب تسلسل تفاصيل أحداثها وعلاقة ذلك بمكان وزمان الحدث , وتأثير ذلك الحدث على أفعال الشخصيات بحسب موقعها في طرفي الصراع , إلا انه بدا من زمن بعيد من زمن الواقعة , فالكاتب قد بدا في الإشهار عن ندم ( وحشي) في قتله ( حمزة بن عبد المطلب ) , فيكون الكاتب قد بدأ من الندم الذي انتهى إليه العفيفي في نهاية مسرحيته , إلى جانب أن الشرقاوي أراد التلميح إلى أفعال الشر الممتدة في أكثر من مكان وزمان وهي تحارب أصحاب الحق والحقيقة .
بعد ذلك يتوقف النص عند موقف تاريخي مهم له مكانته الخاصة في نفوس المسلمين , وهو لحظة وداع الرسول الكريم محمد ( ص ) , وبذلك يكون الشرقاوي قد ألمح إلى الانطلاقة الأولى والقاعدة الأساس للثورة الحسينية المباركة التي رصنت بنيان الدين الإسلامي وأسهمت في بقائه الأزلي .
لقد اهتم الشرقاوي في بداية مسرحيته بمشهد أساس يجمع بين ( محمد بن الحنفية والإمام الحسين عليهما السلام ) , لأهمية ما يتميز به هذا الموقف التاريخي من أبعاد إيمانية ومبادئ ثابتة كشفت عن معاني الأخوة وتقديم النصيحة والأخذ بالمشورة على وفق المبادئ الإسلامية نفسها . فضلا عن ذلك أن هذا الموقف هو البداية التي انطلق منها الحسين ( ع ) متوجها نحو الواقعة .
أما ما يتعلق بأسماء الشخصيات , فلقد اعتمد الكاتب الأسماء التاريخية الصريحة وألقابها المعروفة فنجد الشخصيات مثل : ( حبيب بن مظاهر , وزهير بن القين , ونافع , وابن عوسجة , وسكينة , وزين العابدين , والمختار الثقفي ) وغيرهم , بالإضافة إلى اهتمام الكاتب بالمكان والزمان في كل مشهد من مشاهد المسرحية , ففي المنظر الأول من الفصل الأول نراه يثبت الأتي : ” بادية بجنوب العراق على مقربة من كربلاء تتناثر فيها التلال .. الحسين ورجاله وفتيانه يتفرقون في المكان على المرتفعات والمنخفضات .. سعيد يقف على أعلى المرتفعات وهو يتأمل الأفق البعيد تحت الشمس المتوهجة التي تغمر المكان كله ” .
كما وجدنا, تأكيد الشرقاوي على وصف كل منظر من مناظر المسرحية , لكي يعزز من دقته التاريخية أولا , ويفسح المجال أمام القارىء لتخيل الحدث , بل انه يذهب أحيانا إلى تقسيمات المسرح إخراجيا , فمثلا يثبت في ملاحظة له في بداية المنظر الثاني من الفصل الأول كما يلي :

” المسرح مستويان : المستوى الأول منخفض من ناحية مقدمة المسرح وبه أشجار .. هو معسكر أعداء الحسين من ورائهم على جانب يبدو نهر الفرات من بعيد .. حيث يقف الحر صامتا أمام باب الخيمة .. والمستوى الثاني مرتفع فيه صخور ورمال حيث يقف الحسين وصحبه , وهذا المستوي الثاني يحتل النصف الأبعد من المسرح
حتى عمقه على يساره باب خيمة النساء . ”
أما لغة النص فهي اللغة الشعرية بتنوع موسيقاها وأوزانها الشعرية , تنقل فيها الشاعر من بحر إلى آخر ولكن باعتماد قصيدة التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر , إلى جانب الاهتمام برسم الصورة الشعرية التي تتناسب وحجم الفاجعة , فمثلا يقول الحسين ( ع ) في المنظر الرابع من الفصل الأول حينما بقي وحده وعياله من النساء والأطفال :

” الحسين : أنا وحدي ها هنا
أنا وحدي وظلام الليل والهول وفي الأعماق
مازال شعاع من رجاء لم يعد غير الدم المسكوب فوق الصحراء
لم يعد غير الأفاعي
وفحيح الجرح والويل الثقيل المدلهم
لم يعد إلا رياح الموت تعوي في العراء
وسعير الضما المجنون في التيه الأصم
أين انتم يا أحبائي جميعا أين انتم ؟
أين فتياني .. أما عاد هنا غير الضياع ؟ “

نود التنويه إلى ما ذكره ( محمد جواد مغنيه ) في كتابه الموسوم ( الحسين وبطلة كربلاء ) عن مسرحية الشرقاوي هذه عندما قدمت لأول مرة وبخطوة جريئة على المسرح القومي المصري ومن إخراج ( كرم مطاوع ) عام 1972 م , وبعد الموافقات الرسمية للمسرحية من قبل علماء الأزهر واستشارتهم عن الطريقة التي سوف تظهر بها شخصيتا ( الحسين و زينب عليهما السلام ) بمثابة رواة لما تقوله الشخصية , ولكن وبعد إكمال العمل وصرف المبالغ فوجئ الجميع بان الأزهر له وجهة نظر أخرى فيما يخص الجمع بين الجزأين للمسرحية , وتبدو هذه حجة لا أكثر الغرض منها منع عرض المسرحية في حينها بعد أن اكتملت في شكلها النهائي الجاهز للعرض والذي شاهده حينها عدد من المسرحيين والنقاد , ومنهم الكاتب أمير اسكندر الذي كتب عن هذه التفصيلات في مقالة له بعنوان ( ثار الله ) والمنشورة في جريدة الجمهورية المصرية في 18 / 2 / 1972م , كل هذا إنما يؤكد محاربة الرقيب لاستثمار الواقعة في مجالات إعلامية وفنية إبداعية بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة ومن قبل بعض السلطات العربية التي لا تريد الاعتراف بجورها وظلمها إزاء شعوبها , ولذلك فهي تخاف الاقتراب من قضية الإمام الحسين ( ع ) أو التعرض لذكر واقعته في أي محفل إعلامي أو فني يمثـلها أو يرزح تحت تسلطها .

3- مسرحية ( مساء التأمل ) إعداد ( قاسم محمد ) :
اعتمد معد المسرحية على مصادر عدة بوصفها مادة السيناريو المسرحي هذا , حيث أن هذه المادة مأخوذة عن المصادر التالية , وبحسب النص :
1- مسرحية مأساة الحلاج , للشاعر صلاح عبد الصبور .
2- مسرحية هاملت للكاتب الإنجليزي وليم شكسبير
3- مقطع من مقولات تشي جيفارا
4- نص ( مأساة كربلاء ) عن الكتاب الفارسي ( جونج – ي – شهاديت ) إعداد
محمد عزيزة .
5- مسرحية هكذا تكلم الحسين للشاعر محمد العفيفي
6- مسرحية ثورة الزنج للشاعر معين بسيسو .

على الرغم من تنوع مصادر إعداد نص المسرحية , إلا أننا نشير إلى التشابه القائم في الموقف الثوري الواضح لكل شخصية تاريخية من الشخصيات الوارد ذكرها في المصادر , حيث الثبات على المبدأ الواحد الذي يجمع بين ( الحلاج و جيفارا وعبد الله بن محمد وهاملت ) و الإمام الحسين ( ع )
لقد حاول معد المسرحية هنا التخلص من عين الرقيب حينما لجأ إلى التلاعب بأسماء الشخصيات التاريخية الصريحة وتغييرها بأسماء ترمز لها , وذلك لغرض استحصال الموافقة على نشر المسرحية , وفعلا نجح في ذلك حينما نشرت في مجلة الأقلام العراقية , في عددها السادس عام 1974م , ومن جانب آخر كان لهذا التغيير في الأسماء أثره في توسيع المديات الإيمانية المتمثلة في شخصية الإمام الحسين (ع)
بوصفه رمزا إنسانيا للعالم اجمع يمثل أعلى درجات التضحية للالتزام بالموقف الواحد , إذا علمنا أن المعد قد ألغى الزمكانية وجعلها العالم كله والتاريخ كله .
وبعد مراجعة بعض مصادر الإعداد لنص قاسم محمد , وجد الباحث مثلا , أن اسم ( الشهيد ) الوارد في النص , جاء بديلا عن اسم ( الحسين ع ) , واسم شخصية ( الحاكم ) بديلا عن اسم ( عبيد الله بن زياد ) , واسم ( قائد فيلق الاستكشاف ) بديلا عن اسم ( الحر ألرياحي ) .
اعتمد النص طريقة الفلاش باك , بالاعتماد على شخصية المرأة وطريقتها في روي المشاهد الماضية التاريخية منها , أو التي سبقت الموقف الحالي في النص , فمثلا نراها تواصل روايتها للإحداث كما يلي :
” المرأة : وفي الصحراء , كان فيلق الاستكشاف قد ضل الطريق وتشتت جنده ,
والكثير من رجاله قد ماتوا عطشا , أما ما بقي منهم على قيد الحياة
فيزحف وقد نفدت قواه . ومر موكب الشهيد في نفس المكان الذي كان
ينازع فيه قائد فيلق الاستكشاف . “

أما لغة النص فقد تنوعت ما بين الشعرية والنثرية وذلك لتنوع مصادر الإعداد أصلا , بالإضافة إلى الملاحظات والجمل التي يسطرها المعد نفسه بلغته الخاصة . مع الإشارة إلى أن النص اعتمد في غالبية اقتباساته على نصي : ( نشيد الشهيد وهكذا تكلم الحسين ) , وذلك لان الأول يقترب كثيرا من أحداث الواقعة كونه من نصوص التعزية , والثاني يحفل بلغة شعرية تجمع بين الحدث الواقعي والتأمل التخيلي , مع الإشارة إلى أن ( مساء التأمل ) نفسه كعنوان لهذا النص قد استخرجه المعد من احد مصادر إعداده وهو نص نشيد الشهيد .

4- نص ( مقتل في كربلاء ) للشاعر فتحي سعيد :

النص عبارة عن قصيدة طويلة قسمها شاعرها على عدة مقاطع شعرية متتابعة, لم تلتزم التسلسل التاريخي لإحداث الواقعة , ولكنها التزمت بوحدة موضوعية جعلت منها نصا شعريا دراميا يقترب كثيرا من السيناريو بمشاهده المختلفة , والمختارة من مناطق تاريخية متعددة وبحسب موقف الشخصية المختار وعلاقة ذلك بوحدة الموضوع .
يبدأ النص بحوارية شعرية تنشدها ( الجوقة ) , ولكن هنا يستند مؤلف النص إلى مرجعية أخرى في استثماره لواقعة ألطف , حيث يوظف الطقوس المصرية الدينية بصيحات القائمين فيها بكلمات : ( مدد .. مدد ) وذلك لغرض تقريب الصورة المسرحية من الواقع الشعبي وتأثيرها على المستمعين .
تقول الجوقة :
” … وقـُـدمت الرأس هدية ليزيد
كما قـُـدمت راس يحيى من قبل
هدية لبغي من بغايا بني إسرائيل .. “

اقتربت لغة النص الشعرية من لغة ( العفيفي ) في مسرحيته , وذلك لأسباب تتعلق بانتقال لغة الشعر الحديث إلى كتابة قصيدة التفعيلة الحرة , حيث أن الشاعرين عاشا الفترة نفسها تقريبا التي شهدت تلك التحولات الشعرية .
ولقد لجا سعيد إلى ترقيم مشاهده / مقاطعه الشعرية , بطريقة متسلسلة تبدأ بالرقم ( 1 ) وصولا للمشهد الأخير , بالرغم من أن ليس هناك تتابع درامي لبناء الأحداث , لاعتماد الشاعر الأسلوب الملحمي في كتابة النص , فضلا على وجود شخصية (الراوي ) التي من شانها أن تعزز هذا الأسلوب .
وأخيرا نشير إلى أن الشاعر هنا لجا إلى الإفادة من أبيات شعرية تاريخية جاءت على لسان أصحابها , وذلك لإضفاء سمة تاريخية حاول الشاعر عصرنتها مسرحيا .

5- نص ( آلام الحسين أو مأساة كربلاء ) إعداد محمد عزيزة :

لقد جاء هذا النص , بلغة نثرية وصفية للأحداث ولكل ما يقال , كما نلمس الاختصار السريع لأحداث عظام , لم يتوقف النص عندها كثيرا , فجات مروية على لسان الجوقة ورئيسها , الذي ظهر هنا متتبعا الأحداث , إلى جانب كونه وجماعته يمثلون أنصار الحسين ( ع ) ومؤيديه , وهذا واضح منذ البداية .
كما يشير النص إلى زوجة الأمام الفارسية ( شهرا بانو ) وتبرير ذلك يأتي لكون النص فارسي الأصل .
وفي حوار السيدة زينب ( ع ) الذي تقول فيه : ” الفرات يتابع مجراه .. ” ما هو إلا التأكيد على مواصلة طريق الجهاد والتضحيات في سبيل ترسيخ دعائم الدين ,
مهما كانت التضحيات ومهما عظمت الرزايا , فطريق الحق لا بد أن يتابع مجراه , مثلما هو الفرات الذي سيظل يجري برغم كل هذه الدماء .
كما يتوقف النص سريعا عند الإشارة إلى ( ولاية الري ) وهي ولاية في جنوب طهران , والتي وعد بها يزيد إلى عمر بن سعد , بعد قتله للحسين ( ع ) , كما يشير النص أيضا إلى روايتين عن دفن رأس الأمام الحسين ( ع ) الأولى تقول أن الرأس مدفون في بلاد فلسطين القديمة , والثانية تقول في كربلاء .
ويذكر محمد عزيزة , انه في نهاية تقديم هذا النص أمام المشاهدين نراهم يتدخلون آخر الأمر ” بحماسة تفوق حماسة الممثلين .. ويبدو الأمر وكان الممثلين والمشاهدين قد خضعوا للعذاب نفسه يعيشون بصورة واحدة , … فاجعة الحسين الرهيبة ويصبحون بذلك مثالا حيا للتقمص .. ” .

6- مسرحية ( الحسين – مسرحية تراجيدية في ثلاثة فصول ) تأليف: وليد فاضل

لعل هذا النص المسرحي لمؤلفه الكاتب والأديب السوري وليد فاضل, يُعد من النصوص الصادرة حديثا التي استثمرت واقعة ألطف في بنيتها الدرامية , حيث انه نُشر عام 1998 م .
عمد الكاتب إلى عنونة فصول مسرحيته الثلاثة , فجاء الفصل الأول بعنوان (الحسين والشمر ) , والفصل الثاني بعنوان ( كربلاء ) , أما الفصل الثالث فجاء تحت عنوان ( الرأس والهاشميات ) , ما يلفت الانتباه إلى هذا التقسيم هو أن المسرحية تبدو ثلاث مسرحيات منفصلة بالعنوان , لكن ما يجمعها هو أحداث واقعة الطف – ما قبل وما بعد – موضوعا رئيسا لهذه المسرحيات .
ومن المفيد الإشارة هنا , إلى أن الكاتب وعلى الرغم من تجزئته لأحداث المسرحية, إلا انه لم يبتعد كثيرا عن التسلسل التاريخي لأحداث الواقعة , ذلك انه قد اتبع مصادر تاريخية , جعلها مرجعا أساسا له في متابعة الحدث ومصداقيته , من هذه المصادر وبحسب إشارة الكاتب نفسه نذكر : الاحتجاج لأحمد بن علي الطبرسي , وتاريخ الطبري لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري , وتاريخ ابن الأثير لضياء الدين نصر الله ألجزري ابن الأثير , ومقتل الحسين للعلامة المرحوم عبد الرزاق المقرّم , ومقتل الحسين للخطيب المرحوم الشيخ عبد الزهرة الكعبي , والإمام الحسين لعبد الله العلايلي , وأدب الحسين وحماسته لأحمد صابر الهمداني .
مما تجدر الإشارة إليه , أن الكاتب رغم اعتماده المصادر التاريخية والتسلسل التاريخي للواقعة , إلا انه حاول إضفاء بنية كتابية حديثة على التسلسل المشهدي في الفصل الواحد , حيث يتنوع وينتقل الزمان والمكان من مشهد إلى آخر وبحسب الموقف الدرامي الواجب كشفه , فمثلا وكما جاء في الفصل الأول من المشهد الأول
الذي يبدأ بعنوان ضمني جديد وهو ( زياد ابن أبيه ) في مكان وزمان معلومين , لينتقل بعده مباشرة إلى مشهد يليه بعنوان ( موت معاوية ) في مكان وزمان آخرين , والحال نفسه يستمر مع مشهد جديد بعنوان ( يزيد وسرجون ) , وهكذا يستمر هذا التقسيم الضمني بعنونته لكل مشهد درامي موجود ضمن التسلسل المشهدي في كل فصل من فصول المسرحية الثلاثة .
لقد ضم الفصل الأول من المسرحية (21) شخصية تاريخية , إلى جانب جموع مشاركة في الحدث بينما ضم الفصل الثاني (26) شخصية تاريخية , إلى جانب جنود ورجال آخرين , أما الفصل الثالث فقد ضم (31) شخصية تاريخية إلى جانب حرس وجنود وأناس آخرين , وبهذا العدد الكبير من الشخصيات يكون الكاتب قد حاول أن يلم الأحداث التاريخية للواقعة ولشخصياتها الفاعلين في زلزلة أركان مواقفها الدرامية , وانطلاقات أحداثها الصغيرة والكبيرة , بصورة مباشرة مرة , وبصورة غير مباشرة مرة أخرى , بمعنى آخر أن الكاتب حاول أن يتعامل مع الشخصيات المركزية لمحور الأحداث , فضلا عن تعامله مع الشخصيات الواقعة في هامش الأحداث , ولكن بحسب الضرورة الدرامية لاختيار شخصية تاريخية ما و تفعيلها في بنية النص .
من الشخصيات المركزية في النص مثلا , يشير الباحث إلى : الحسين بن علي ابن أبي طالب (ع) , و زياد ابن أبيه ، و شمر بن ذي الجوشن , و عبيد الله بن زياد, و يزيد بن معاوية , و عمر ابن سعد , و الضحّاك بن قيس الفهري , و سليمان بن صرد , و حبيب بن مظاهر , و زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) , و غيرهم من الشخصيات المركزية التي تظهر في الفصل الأول .
أما في الفصلين الآخرين فتظهر شخصيات مركزية اخرى مثل : القاسم بن الحسن (ع) , و زهير بن القيم , و علي الأكبر(ع) , و العباس بن علي (ع) , وسكينة بنت الحسين , و رقية بنت الحسين , و زين العابدين بن الحسين (ع) , إلى جانب شخصيات اخرى مثل : سرجون بن منصور الرومي , و صهيب , و الشيطان ( الذي له تجسدات كثيرة منها الشمر وسرجون ) و حرملة بن كاهل الاسدي , و سنان بن انس , و الحصين بن تميم , وخولي بن يزيد الأصبحي ( حامل راس الحسين (ع) ) , وزيد بن أرقم , و النعمان البشير , و خالد بن يزيد , و يحيى بن الحكم , و هذا إلى جانب شخصيات أخرى مثل : فاطمة بنت الحسين , و صوت فاطمة الزهراء (ع) , و صوت الإمام علي (ع) , و عبد الله ابن الحسين , و غيرها من شخصيات مركزية , إلى جانب إعداد كثيرة من شخصيات هامشية من الجنود والحرس والحاشية .
ومما تجدر الإشارة إليه , أن المؤلف أعطى مكانة خاصة لشخصية الإمام الحسين (ع) ومنذ المشاهد الأولى للمسرحية , حيث عمد إلى إظهاره مرة تلو الأخرى في مشاهد مناجاة منفردة يظهر فيها الإمام ( محاطا بهالة من نور ) , برغم ابتعاد مثل هذه المشاهد عن التسلسل التقليدي لبنية النص إلا أنها كانت تمهد للحدث الجلل , وتكشف عن فكر ومبادئ الإمام وثباته على طريق الحق ومهما كانت التضحيات , إلى جانب التأكيد على ارتباط العقيدة الإسلامية بالتعاليم السماوية ,
فمثلا , نشير إلى المشهد التالي :
” الحسين : يارب الفلق والأطباق , ويا رب الفجــر والإمســاء , ويا سيــد النــور
والظـلام , ويا منشـىء الوجود والفــراغ , ويا باسط ألازمان , ومكـور
الأشيــاء , يا نبع كل مــاء , وماء كل نـبع , يا حبور كل فرح , وفرح
كــل حبــور , ويا دمع كل حزن , وحــزن كل دمع , أيها الحــب الذي
يسري من شفاه السر , … فقد أحاطت بي صغار النـــاس ودماؤها من
كل صوب , سيوفهــم مشهرة لنهش أجسادنا , وشهواتهم مسعرة لسبي
نسائنا , وكلهم يا سيدي يهتـفون الله اكبــر , الله اكبــر لقتــل آل يبتك ,
وتذرية أحبائك الذين اجتبيت واقتنيت من حصاد الناس , لم يروا جلال
وجهك , فخروا سجدا للشيطان , أنفسهــم حجـاب , وظلام هذا الكون
حجـاب , لكـن لا حجاب بيني وبينك , لأنني من رسول الله , نبضة من
قلبــك , يا رب النور , … هبني يا سيدي السكينة والاستقرار في محور
أمرك .. “

على ضوء ما تقدم , وبعد أن تتبعنا بعضًا من النصوص المسرحية العربية التي استثمرت واقعة ألطف مسرحيا , نصل إلى ما يلي :
1- اعتماد الكاتب المسرحي على الدقة التاريخية في استثماره لواقعة الطف .
2- اتسمت النصوص المسرحية العربية ببناء درامي قريب الصلة بين نص وآخر ,
وهذا نابع من أن واقعة الطف قد بنت دراميتها التصاعدية بنفسها بناءً محكما .
3- هيمنت اللغة الشعرية على النصوص المستثمرة .
4- محاولة بعض الكتاب الإفلات من عين الرقيب الذي يحذر ويخاف القضية
الحسينية .
5- رجوع الكتاب إلى المصادر التاريخية التي وثقت أحداث الواقعة , بهدف الإلمام
بشمولية الأحداث وشخصياتها .

 

الأحاديث المكذوبة في إجازة العقل المفتوحة

20-10-2014-8-d

هلال آل فخرالدين..

لقد عرفت المناقب والفضائل في مدرسة السقيفة تنوعا في عصور التخلف والتقليد، اذ لم يقتصر الامر علي تزايد التقديس للخلفاء الراشدين، وانما ضموا الي دائرة المناقب ائمة المذاهب الفقهية، حيث انعدم الاجتهاد وانحصرت الحياة العقلية في ترديد ما قاله الائمة، خصوصا مع تزايد الانخراط في التصوف وسيطرته، وافضي ذلك الي دخول شيوخ التصوف في مجال المناقب، فكتبوا مصنفات في مناقب وكرامات شيوخ التصوف.. واصبح ذلك عنصرا اساسيا في عقيدة المسلمون وحياتهم الفكرية يعبر عما يسمي بعبادة اصنام. ومن الطبيعي ان يتم تصوير اولئك الاصنام بطريقة تختلف تماما عن حقائق التاريخ، ولكن يتم تصويرها وتسويقها بصنع الأحاديث المنسوبة للنبي، تلك التي جعلوها تمدح الخلفاء الراشدين وائمة المذاهب، بالاضافة الي المنامات الصوفية التي جعلوا فيها النبي يشيد بأئمة التصوف، الذين ظهروا بعده بعدة قرون.
فضائل الخليفة ابي بكر نموذجا
اذن كانت البداية في تصنيع مناقب خلفاء السقيفة في خضم الحرب الشعواء على ائمة اهل البيت وشيعتهم زمن بني امية وبني العباس حيث لعبت ايادي طمس وتحريف مناقب اهل البيت –انظر مقولة الامام احمد في مسنده عن الامام علي – وإبراز قدسية ومناقب خلفاء السقيفة بما يفوق منزلة وعصمة النبي (ص) في اجواء الصراع السياسي للاستقواء وقمع الاخر. ولا شك ان من يكتب في تاريخ ابي بكر قلما ينجو من الاستشهاد بتلك المناقب دون ان يدري خلفيتها السياسية والاجتماعية، وان كتابتها قد بدأت في عهد التدوين بعد ابي بكر بقرنين وأكثر.
على اننا نلاحظ تفاوتا من حيث الكم والنوع بين المناقب المزبورة في ابي بكر في عصر الازدهار الفكري وبين مثيلتها المصنوعة في عصور التقليد والتخلف، وذلك امر طبيعي لأن عبادة الاصنام او صناعتهم انما تروج في عصور التخلف التي يأخذ فيها العقل اجازة مفتوحة. والفكر السلفي الوهابي المسيطر الآن على معظم افئدة المسلمين بضربه على أوتار استعادة تقديس الأسلاف وتراثهم واعتباره صحيح الاسلام ومن اجله يتهم بالكفر كل من يجرؤ على مناقشته من داخله بإغلاق منافذ الحوار الموضوعي لأجل كم الافواه من التعرض لولاة الامر من الامراء ومحتكما فيه للقرآن الكريم. وهو نفس ما فعلته قريش في جاهليتها حين تمسكت بثوابتها الدينية المتوارثة ورفضت الاحتكام بشأنها الى القرآن: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا أولو كان آبائهم لايعلمون شيئا ولايهتدون)المائدة:4
والله جل وعلا يجعل القرآن العظيم حكما فيما نجد عليه آباءنا لنقوم بعملية تصحيح مستمرة لواقع عقائدنا حتى لا تنشأ فجوة بين ما يجب أن يكون عليه الواقع العقيدي المهلهل للمسلمين وصحيح عقيدة الاسلام التي لا تقديس فيها الا لله تعالى وكلامه او قرآنه الكريم ومن اصطفاهم واذهب عنهم الرجس وفضلهم على العالمين. الا أن اسناد تراث المسلمين ـ زورا ـ لله تعالى ورسوله جعله دينا موازيا للاسلام يتمسك به السلفيون ومن اجله ينكرون القرآن طالما تعارضت آياته مع مجرد حديث واحد من مفتريات البخاري وغيره. حتى اصبحت اقوال رئيس المذهب سنة محكمة ومخالفته ومخافته بدعة منكرة وعدم اتباعه كفرا حتى قالوا أن كتاب الله تنسخه مخالفة أقوال علماء المذهب قال الامام عبيد الله بن الحسن الكرخي: (الاصل ان كل اية تخالف قول اصحابنا فإنها محمولة على النسخ او على الترجيح والاولى على التأويل من جهة التوفيق. الاصل ان كل خبر يجيئ بخلاف قول اصحابنا فانه يحمل على النسخ او يحمل على انه معارض بمثله ثم صار الى دليل اخر او ترجيح فيه بما يحتج به اصحابنا من وجوه الترجيح او يحمل على التوفيق) الدكتور مصطفى سعيد الجن نقلا عن اصول الكرخي ص84 القاهرة 1972
يكشف النص مدى الارتباط بالدائرة المذهبية والالتزام بأقوال علماء المذهب حتى وان خالفت النصوص المقدسة وهم يخضعون الكتاب لموافقة اهوائهم او يأولوه حسب الطلب وإذا امتنع النص القرآني فانهم ينسخونه ويعملون بما جاء عن اصحاب المذهب.. يقول الدكتور مصطفى سعيد في اثر الخلاف في قواعد الاصول ص9 ((فهم مدفوعون وراء المذهبية تعصبا ويطرحون الدليل ويأولونه تأويلا بعيدا لا يتفق مع الحقيقة فهذه هي المذهبية التي يبغضها الله ورسوله)..!!
والذى يؤكده د. مصطفى ماهو الا مرض قديم استشرى لاجل التبرير والتخدير أولا، ثانيا: لأجل الاستقواء على الاخر لعجزهم من التوفيق ما بين النصوص وواقع منهج مدرستهم وسلوكيات احوالهم، ثالثا: ولأجل تسويق بضاعتهم الفاسدة اكدوا على الغاء منطق العقل والدليل فحشر الامة في شرنقة الجهل والتحجر.!
المهم انه بدأت عبادة الأصنام او تقديس الأسلاف في تاريخ المسلمين بكتابة مناقب الصحابة الكبار ثم تطورت نوعيا وكميا بين عصر الأزدهار الفكرى وعصر التخلف العقلي الذي لا زلنا نتمتع به بفضل نفوذ السلفيين بشراء الذمم وتسخير الاعلام بالبترودولار.
ونعطي علي ذلك امثلة..
المؤرخ محمد بن سعد (المتوفى 222 من الهجرة) صاحب (الطبقات الكبري) وتلميذ الواقدي وصديق احمد بن حنبل وصاحبه في قضية خلق القرآن، هذا المؤرخ لم يذكر من المناقب التي اشاعتها الاحاديث عن ابي بكر سوي حديثين هما: من سره ان ينظر الي عتيق من النار فلينظر الي هذا) يعني ابي بكر وهو يقول ياويلي من هول المطلع ويندم على ما اجترحه، انظر بحثنا جذور ثقافة قطع الرؤوس وتقطيع النساء وسبيهن في الاسلام، وحديث اخر في جعل ابي بكر وعمر سيدي كهول اهل الجنة وشبابها ما عدا النبيين والمرسلين. علما بان اصحاب الجنة شباب..!
وبعده بقرن من الزمان عاش الطبري (المتوفي 310 من الهجرة) صاحب (تاريخ الملوك..) خصم الحنابلة والذي كان ضحية لانغلاقهم الفكري، ونري الطبري لم يذكر في تاريخه عن مناقب ابي بكر الا حديثا واحدا هو الذي يزعم ان النبي قال له (انه عتيق من النار). والواضح ان تلقيب ابي بكر بلقب عتيق هو الذي اوحي لهم بعتقه من النار.
وبعده بنحو ثلاثة قرون جاء المؤرخ الحنبلي ابن الجوزي (المتوفي 597 من الهجرة) وهو موسوعي ومن كبار علماء الحديث، ومع ذلك فلم يذكر من احاديث مناقب ابي بكر الا اربعة فقط.. وهو (هذا عتيق الله من النار) و(من سره ان ينظر الي عتيق من النار فلينظر الي هذا). وحديث فظيع يفتري فيه الراوي ان جبريل نزل علي محمد (ص) وكان ابو بكر يرتدي عباءة قديمة، فقال جبريل للنبي: ان الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل لابي بكر: اراض انت عني في فقرك هذا ام ساخط؟ فقال ابو بكر: أأسخط عن ربي؟ انا عن ربي راض..) ثم حديث اخر يزعم فيه احدهم ان محمد بن الحنفية قال لأبيه علي بن ابي طالب (أي الناس خير بعد رسول الله؟ قال: ابو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت ان اقول من فيقول عثمان، فقلت: من انت؟ فقال: ما انا الا رجل من المسلمين) وبهذا الحديث انتزعوا اقرارا بأفضلية الخلفاء الثلاثة علي ” علي” وذلك وفقا لعقائد اهل السنة.
أي اننا خلال محطات فكرية ثلاث من القرن الثالث الي نهاية القرن السادس – من بداية عصر الازدهار الفكري الي خفوته – لم نعثر لدي محققي المؤرخين والمحدثين السنيين الا بضعة احاديث في مناقب ابي بكر. فاذا قفزنا الي القرن العاشر الهجري بداية العقم الفكري والتخلف العقلي وجدنا تنوعا في تأليف مناقب ابي بكر يعبر عن تطور هائل في عقلية عبادة الاصنام وتقديس السلف وبل وتأليه الصحابة وتحصينهم من النقد والنقاش وهو موضوع طويل يستحق بحثا مستقلا، ولكن نكتفى ببعض الإشارات التي تتجلي فيما كتبه السيوطي (ت 911) في ” تاريخ الخلفاء ” عن ابي بكر، ونقرأ في العناوين: الصديق افضل الصحابة وخيرهم، الآيات التي نزلت في مدحه او تصديقه، الاحاديث الواردة في فضله، الاحاديث المشيرة الي خلافته، حديث في فضله، وتحت هذه العناوين تفصيلات، نأخذ منها بعض الامثلة:
فهناك احاديث تجعل ابا بكر شعيرة دينية وضمن معالم الايمان، مثل احاديث مكذوبة منها(حب ابي بكر وشكره واجب علي كل امتي)، واخر يقول فيه علي ابن ابي طالب:(لا يجتمع حبي وبغض ابي بكر في قلب مؤمن) وفيه اتهام للشيعة بالكفر، وحديث (حب ابي بكر وعمر ايمان، وبغضهما كفر) وحديث (حب ابي بكر ومعرفتهما من السنة) وحديث (اني لأرجو في حبهم لابي بكر وعمر ما ارجو لهم في قولة لا اله الا الله). أي مساواة بين شهادة الاسلام وألوهية الله تعالي بحب ابي بكر وعمر.!!
وأحاديث تجعل النبي ينطق بالغيب وبما سيحدث لابي بكر، علي مثال حديث: (انت عتيق الله من النار) مثل حديث النبي الي جبل احد حيث تحرك بزعمهم، فقال النبي للجبل (اسكن فانما عليك نبي وصديق وشهيدان) وحديث ابي هريرة الذي يقول (تباشرت الملائكة يوم بدر فقالت: اما ترون الصديق مع رسول الله في العريش) والمتخلفون عقليا والمتعصبون مذهبيا الذين وضعوا هذا الحديث لم يعرفوا ان ابا هريرة وقت غزوة بدر كان كافرا، لأنه لم يسلم الا بعد غزوة خيبر !!.
وحديث ابن عباس: (هبط جبريل وعليه طنفسه وهو يتخلل بها، فقال له النبي: ما هذا يا جبريل؟، فقال جبريل: ان الله تعالي امر ملائكته ان تتخلل في السماء كما يتخلل ابو بكر في الارض ” !!. وحديث (ان الله يكره فوق سمائه ان يخطأ ابو بكر) أي يرميه الناس بالخطأ علما بان أئمة السلف يرمون النبي بالخطأ بل ويأكدونه !!.
وحديث (اما انك يا ابا بكر فأول من يدخل الجنة من امتي) وحديث (انت صاحبي علي الحوض) وحديث (عرج بي السماء فما مررت بسماء الا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله، وابو بكر خليفتي) والعجيب من امر هؤلاء الغلاة انهم يرون عن مصنع خلافة ابي بكر عمر قوله: كانت خلافة ابي بكر فلته وقى الله المسلمين شرها..! وحديث ان ملك الموت سيقول لابي بكر عند موته (يا ايتها النفس المطمئنة) وحديث (الناس كلهم سيحاسبون الا ابا بكر) وحديث (دخل النبي المسجد وهو آخذ بيدي ابي بكر وعمر وقال: هكذا نبعث) وحديث (انا اول من تنشق عنه الارض، ثم ابو بكر ثم عمر).
وأحاديث اخري مسندة كذبا للصحابة أو التابعين تجعل المتحدث يعلم غيب السرائر الذي لا يعلمه الا الله تعالي وحده، مثل حديث عمر (لو وزن ايمان ابي بكر بايمان اهل الارض لرجح بهم) هؤلاء حقا اجهل من جهلاء الجاهلية اذن فاين ايمان الانبياء واين ايمان النبي (ص)؟؟؟!!! وقول الزهري (من فضل ابي بكر انه لم يشك في الله ساعة فقط) علما بانه قضى شطرا من حياته مشركا واحاديث تفضله علي الناس جميعا ما عدا الانبياء، مثل (ما طلعت الشمس ولا غربت علي احد افضل من ابي بكر الا ان يكون نبيا) وحديث (اتاني جبريل فقلت له يا جبريل حدثني عن فضائل عمر بن الخطاب، فقال: لو حدثتك بفضل عمر مدة ما لبت نوح في قومه ما نفذت فضائل عمر، وان عمر حسنة من حسنات ابي بكر) وقال الربيع بن يونس: مكتوب في الكتاب الاول –طبعا لا نعرف ما هو ذلك الكتاب الاول -: (مثل ابي بكر الصديق مثل القطر -أي المطر-اينما وقع نفع ويقول الربيع بن يونس ايضا (نظرنا في صحابة الانبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل ابي بكر الصديق) وهذا الرجل المفتري الربيع بن يونس لم يجد من يسأله هل تعلم عدد الانبياء اولا قبل ان تعرف اصحابهم؟ وهل لديك علم بسرائرهم؟ ولكنه التهاون بقدسية الغيب الالهي الذي جعلهم يتجرأون علي قول هذه الطامات. قال تعالى:(صم بكم عمى فهم لايعقلون)البقرة:171
هذا بالاضافة الي تمحلهم وكذبهم في (تفسيرهم لآيات كثيرة علي انها نزلت في ابي بكر او عمر..).
حيث اضاعوا حقائق الاسلام بما طمسوه من حقائق وما وزوروه ووضعوه من احاديث مكذوبة تجعل اناس في مصافي الالهة ووضع سلة من الاحاديث تمنع محاورتهم او نقدهم بجعلهم فوق ميزان الاعتدال علما بانهم تشاجروا وتقاتلوا وكذلك شنوا غارات الابادة واساليب الرعب والتحريق وقطع الرؤوس وسبي النساء…الخ وكذلك لايتورعوا في كذبهم من التعرض للذات الالهية او تسقيط وقدح بالنبي (ص) في سبيل رفع فلان ومنحه هالة من التقديس..!
واخيرا فان تلك الافتراءات المنسوبة للنبي انما تعكس عقليات عصرها وعقائدهم، ولا شأن للاسلام او خاتم النبيين بها انظر كتاب اللآلئ المصنوع في الاحاديث الموضوعة للسيوطي وكتاب الموضوعات الكبير وغيرها…
ونعوذ بالله من سبات العقول.

 

تصاعد ظاهرة الانتحار في الدول الأكثر رفاهية

 23-9-2014-5-d

الانتحار ظاهرة مرضية قديمة ومشكلة كبيره لها العديد من التداعيات الخطيرة، التي تهدد العديد من المجتمعات كما يقول بعض المراقبين، الذين اكدوا على ان ظاهرة الانتحار قد ازدادت بشكل مخيف في السنوات الاخيرة بين العديد من الفئات العمرية تزداد نسبها بين الشباب والمراهقين، وقد تختلف أسباب الانتحار من مجتمع لآخر, كما تختلف بين الجنسين, والانتحار كما تشير بعض المصادر هو عمل من الأعمال التي تتسبب عمدا في قتل المرء لنفسه الموت.
وغالبا ما يكون الانتحار مبررا لخروج المرء من اليأس، وكثيرا ما يعزى السبب لمثل هذا الفعل إلى اضطراب عقلي مثل الاكتئاب، أو الاضطراب ثنائي القطب، أو انفصام الشخصية، اضطراب الشخصية الحدية، الإدمان على الكحول، أو تعاطي المخدرات عوامل الضغوط النفسية مثل الصعوبات المالية أو مشاكل التي تشمل العلاقة بين الأشخاص غالبا ما تلعب دورا في ذلك. وتشمل الجهود المبذولة لمنع الانتحار تقييد الوصول إلى الأسلحة النارية، وعلاج الأمراض العقلية أو إساءة استعمال المخدرات، وتحسين التنمية الاقتصادية.
والأساليب الأكثر شيوعا للانتحار تختلف حسب البلد وترتبط جزئيا بمدى توافر تلك الأساليب. وتشمل الطرق الشائعة: الشنق ، التسمم بالمبيدات، والأسلحة النارية. ويقدر حوالي 800، إلى مليون شخص يموتون كل عام بسبب الانتحار مما يجعله من أكثر 10 أسباب للوفاة في العالم. والمعدلات أعلى في الرجال عنهم في النساء، مع الذكور 3-4 مرات أكثر عرضة لقتل أنفسهم أكثر من الإناث وهناك ما يقدر من 10-20 مليون محاولات انتحار غير مميتة كل عام. المحاولات هي أكثر شيوعا في الشباب والإناث.
كل 40 ثانية
وفي هذا الشأن فقد ذكر تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن أكثر من 800 ألف شخص ينتحرون سنويا حول العالم بمعدل شخص كل 40 ثانية. وأضاف التقرير أن الانتحار كان “مشكلة كبيرة للصحة العامة” وظل لفترات طويلة من الموضوعات التي يحظر تناولها. وترغب منظمة الصحة العالمية في تقليل معدلات الانتحار بواقع 10 في المائة بحلول عام 2020، لكنها حذرت من أن 28 دولة فقط تطبق استراتيجية خاصة لمنع الانتحار.
وقال نشطاء إنه يلزم تفعيل إجراءات توعية في المدارس لمكافحة الانتحار. ودرست منظمة الصحة العالمية 10 سنوات من البحث والبيانات المتعلقة بالانتحار في شتى أرجاء العالم، وتوصلت إلى ما يلي: ينتحر نحو 800 ألف شخص سنويا على مستوى العالم. في الفئة العمرية بين 15 و 29 عاما كان الانتحار هو ثاني سبب للوفاة.
مستويات الانتحار مرتفعة بين من تبلغ أعمارهم 70 عاما أو أكثر. ثلاثة أرباع حالات الانتحار تحدث بين أشخاص من دول فقيرة أو متوسطة الدخل. نسبة الانتحار بين الرجال ثلاثة أضعاف النسبة بين النساء في الدول المتقدمة. وقال التقرير إن تقليل فرص وصول المرء إلى الأسلحة والمواد الكيماوية السامة يقلل من معدلات الانتحار. ويشير ذلك إلى أن تطبيق استراتيجية وطنية لتقليل حالات الانتحار يعتبر فعالا، وهو ما يطبقه عدد قليل من الدول.
وقالت مارغريت تشان، مدير عام منظمة الصحة العالمية :” هذا التقرير دعوة للتحرك من أجل معالجة مشكلة كبيرة للصحة العامة اعتبرت من المحرمات لفترة أطول مما ينبغي”. ويذكر أن الأزمات الاجتماعية وثيقة الصلة بالأمراض النفسية تعد من الأسباب التي تدفع الناس إلى عدم طلب المساعدة وهو ما يمكن أن يؤدي إلى الانتحار.
كما انتقدت منظمة الصحة العالمية تناول وسائل الاعلام حوادث الانتحار، مثل التفاصيل التي كُشف عنها بشأن انتحار نجم هوليوود، روبن وليامز. وتم توجيه نداء للدول من أجل إتاحة المزيد من الدعم لمن حاولوا سابقا الإقدام على الانتحار، لكونهم الفئة الأكثر عرضة للخطر. وقالت أليكسندرا فليشمان، عالمة في قسم الصحة النفسية وسوء استعمال مواد الإدمان بمنظمة الصحة العالمية :”مهما كان وضع الدولة حاليا بشأن اجراءات منع الانتحار، يمكن اتخاذ تدابير فعالة، حتى وإن كانت البداية على المستوى المحلي وعلى نطاق صغير”. بحسب بي بي سي.
وقال جوني بنيامين، ناشط في مجال مكافحة الانتحار في بريطانيا:”أعتقد أنه يلزم رفع الوعي العام بشأن الانتحار وكيفية الاتصال بأولئك الذين ربما تراودهم أفكار ورغبة في الانتحار، فالقليل منا فقط يعرف كيف يتعامل مع شخص ما ربما يواجه خطر الانتحار أو يعاني من أفكار ورغبة فيه”. وأضاف “أعتقد أنه يلزم تعزيز الوعي العام والتعليم في المدارس أيضا، لأن الاحصاءات اليوم تشير إلى أن فئة الشباب هي الأكثر عرضة لخطر الانتحار على وجه الخصوص.”
الى جانب ذلك سجلت نسب و أعداد الذين يُقدمون على الانتحار في الولايات المُتحدة إرتفاعاً كبيراً بمُعدل 28% خلال العقد الأخير، و ذلك في تقرير شمل الفئة العمرية ما بين 35 و 64 عاماً، لتتخطى نسبة الوفيات بالإنتحار تلك الناجمة عن حوادث السير. و كان أشهر عمليات الإنتحار في الولايات المُتحدة ما قام به المُمثل الكوميدي الشهير روبن ويليامز،الذي وُجد متوفياً في منزله عن عمر يناهز الـ63 عاماً.
و بحسب المركز الفيدرالي لمكافحة الامراض والوقاية منها، فإن الارتفاع بلغ أعلى مستوياته في أواسط البيض الذين ليسوا من أصول أميركية لاتينية مسجلين زيادة بنسبة 40 في المئة، تلاهم الهنود والأميركيون الأصليون. أما معدلات الانتحار في صفوف الشباب بين 10 سنوات و34 سنة والكبار في السن الذين تخطوا 65 عاما، فبقيت تقريبا على حالها خلال هذه الفترة.
وأشار القائمون على التقرير إلى أنه ينبغي إيلاء المزيد من الأهمية للفئات العمرية المتوسطة من حيث الأبحاث والمبادرات الوقائية التي كانت تركز الشباب والمراهقين. ويُذكر أن أعلى نسب الإنتحار في العالم تُسجل في جزيرة غرينلاند الكبيرة التابعة للدنمارك، يمُعدل 116 حالة لكل 100.000 نسمة.
فحص دم
في السياق ذاته كشفت دراسة جديدة، عن قدرة الباحثين على معرفة نسبة خطر الانتحار لدى الأشخاص، من خلال إجراء اختبار دم بسيط فقط. وبلغت نسبة الدقة في اختبار الدم التجريبي أكثر من 80 في المائة. ويذكر أن حوالي 36 ألف حالة وفاة تنتج عن الانتحار سنوياً في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقال المشرف على الدراسة والأستاذ المساعد في كلية الطب في جامعة جون هوبكينز زاكاري كامينسكي: “قد نتمكن من وقف معدلات الانتحار من خلال اختبار الدم، وتحديد هؤلاء الأشخاص والتدخل في وقت مبكر بما فيه الكفاية لتفادي كارثة.” وأجرى كامينسكي وفريق العمل اختبارات على عينات من الدم، لمراقبة نسبة زيادة بعض المواد الكيميائية على جين وراثي يسمى “SKA2″ والذي يساعد الدماغ بتنظم الإجهاد. ويتم نقل تعليمات الجين الوراثي في منطقة في الدماغ، والتي تتحكم في الأفكار السلبية وسلوكيات التسرع في التصرف.
ويعتقد العلماء أن الأشخاص الذين لديهم نسخة غير طبيعية من هذا النوع من الجينات الوراثية، يعانون من مزيد من المتاعب في مواجهة سيل من الهرمونات التي تنتجها أجسامهم في الاستجابة للإجهاد. وأشارت الدراسة إلى أن المواد الكيميائية كانت مرتفعة بشكل أكبر في أدمغة الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار، ما قد يربط بين زيادة نسبة هذه المواد الكيميائية وقرار الانتحار. بحسب CNN.
وقال الطبيب النفسي واختصاصي الكيمياء العصبية في المركز الطبي في جامعة كولومبيا جون مان إن “هذا النوع من الفحص الجيني سيؤدي إلى معرفة نسبة خطر الانتحار لدى الأشخاص.” وأوضح كامينسكي أن “فحص الدم لقياس خطر الانتحار لدى الأشخاص ما زال يحتاج بين 5 و 10 سنوات حتى ينتهي العمل عليه.”
سياحة الانتحار
على صعيد متصل قالت مجلة مختصة بالقانون إنّ غموض قانون “الموت الرحيم” في سويسرا أدى إلى تزايد الإقبال على السفر إلي زوريخ من قبل الراغبين في الانتحار من الدول الأخرى، في ظاهرة باتت تعرف بسياحة الانتحار. وبين 2008 و2012، استقبلت سويسرا 611 “سائحا” من 31 دولة، وغالبيتهم من ألمانيا وبريطانيا، وذلك بغرض الانتحار. وقالت دراسة علمية إنّ ستّ منظمات تدافع عن “الحق في الموت” في المملكة المتحدة ساعدت على الأقل في 600 حالة انتحار، من ضمنها ما بين 150 و200 “سائح انتحار.”
وأوضحت الدراسة أنّ 58 بالمائة من الـ611 “سائح بهدف الانتحار” نساء وأن أعمار المرضى تتراوح بين 23 و97 وأن معدل الأعمار يبلغ 69 عاما ونصف الحالات تتعلق بأشخاص كانوا يعانون من أمراض عصبية أما الباقي فكانوا يعانون من السرطان وأمراض قلب وشرايين. وفي تنفيذ عمليات “المساعدة على الانتحار” جرى استخدام مادة بنتوباربيتال الصوديوم وهي مادة تجعل من متناول أي جرعة قاتلة منها يذهب في غيبوبة عميقة بعد أن تكون قد شلّت نظام التنفس لديه.
وأوضحت الدراسة أيضا أنّ عدد “السواح المنتحرين” تراجع من 123 عام 2008 إلى 86 عام 2009، لكنه تضاعف في الفترة المتراوحة بين 2009 و2012 إلى 172. وترجع الدراسة سبب ذلك إلى كون القوانين السويسرية لا تتضمن لوائح ضابطة لتحديد ظروف السماح لأي شخص بأن يتلقى “مساعدة على الموت” رغم أن المعايير الطبية تجيز ذلك في عدد من الحالات المضبوطة. بحسب CNN.
أما في ألمانيا، فلا يتضمن قانون العقوبات أي شيء بشأن “المساعدة على الانتحار” لكنه غير مسموح أخلاقيا للأطباء مساعدة أي شخص على الانتحار ويمكن مقاضاة أي طبيب لا يساعد مريضا كان بصدد الدخول في غيبوبة بحضوره. وفي بريطانيا وفرنسا وأيرلندا، تعد المساعدة على “الموت الرحيم” جريمة لكن القضاء بدأ ينظر في بعض الحالات المتعلقة في السنوات الأخيرة.
الكساد الاقتصادي
من جانب اخر كشفت الدراسة أن خسارة المرء لعمله أو لمنزله أو تراكم الديون عليه من ابرز العوامل التي تدفع المرء للانتحار وأدت الازمة المالية التي عصفت بأوروبا وامريكا الشمالية إلى ازدياد حالات الانتحار لتصل الى أكثر من 10 آلاف حالة وذلك تبعاً لباحثين بريطانيين. وأظهرت دراسة نشرت في دورية علم النفس البريطانية ان بعض حالات الانتحار كان من الممكن تفاديها لو حصلت على الدعم النفسي اللازم لتخطي هذه المرحلة، لأن بعض الدول لم تشهد ازدياداً في حالات الانتحار.
وأكد فريق البحث أن نتائج هذه الدراسة تبين ما مدى اهمية وجود خدمات جيدة تعنى بالصحة النفسية. وأجريت الدراسة جامعة اوكسفورد وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، وحللت بيانات من 24 بلدا في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا. وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها ان حالات الانتحار في اوروبا كانت متدنية نسبياً عام 2007، إلا أنها ما لبثت ان ازدادت بنسة 6.5 في المئة في 2009، واستمرت هذه النسبة بالارتفاع الى 2011.
وقال فريق البحث إن أوروبا شهدت زيادة في حالات الانتحار لتصل الى 7950 حالة، كما أن حالات الانتحار في كندا كانت منخفضة نسبياً، الا أنها ازدادت بشكل ملحوظ عندما ضرب الركود الاقتصادي البلاد في عام 2009، مما أدى الى انتحار 240 حالة اضافية عن السنوات السابقة. وازداد عدد حالات الانتحار في الولايات المتحدة الامريكية خلال الازمة الاقتصادية ليصل الى 4750 حالة انتحار.
وكشفت الدراسة أن خسارة المرء لعمله أو لمنزله أو تراكم الديون عليه من ابرز العوامل التي تدفع المرء للانتحار. وأوضحت الدراسة ان السويد وفنلندا والنمسا لم تشهد ازدياد في حالات الانتحار خلال موجة الركود الاقتصادي التي عمت اوروبا. وقال الدكتور آرون ريفيز من جامعة اوكسفورد، أحد الأطباء المشاركين في الدراسة إن “هناك دلائل عدة تؤكد ازدياد عدد حالات الانتحار جراء الأزمة الاقتصادية، لكن المفاجأة ان بعض الدول مثل النمسا والسويد وفنلندا لم تشهد زيادة في معدلات الانتحار رغم هذه الازمة”. بحسب بي بي سي.
وأضاف ريفيز أن “هذا يكشف اهمية وجود مراكز علاجية نفسية التي تساعد المرء على التغلب على مشاكله النفسية، وعلى ضرورة أن تعمل الدول الاخرى على الاستثمار في هذا المجال وتؤمن التدريب الكافي وتسدي النصائح للمتضررين من هذه الازمة الاقتصادية والأكثر عرضة للمعاناة جراء هذه الازمة المالية”.

شبكة النبأ

 

المصارف الإسلامية.. نجاحات تتألق في سماء الاقتصاد العالمي

23-9-2014-4-d
علي عبد سلمان..

 نشاط البنوك الإسلامية شهد في الفترة الاخيرة نمواً كبيراً، حيث ازداد عمل هذه المصارف واتسع على مستوى العالم ،خصوصا هذه البنوك وبحسب بعض التقارير المصرفية قد حققت نجاحا ملموسا في مجال عملها، من خلال تقديم العمل المصرفي الإسلامي بصيغ بعيدة عن قاعدة الديون والربا التي تمارسها المصارف التقليدية.
وبذلك، استطاعت مواجهة وتجاوز الأزمة المالية العالمية كما يقول بعض الخبراء، الذين اكدوا على ان السنوات المقبلة ستكون سنوات مهمة في انجاح عمل هذه المصارف، التي تعتمد وبشكل اساسي على تمويل القطاعات الحقيقية، وهو ما سيسهم وبشكل فعال في تحقيق نمو اقتصادي متكامل، هذا بالإضافة الى ان الصيرفة الإسلامية في العديد من الدول العربية، قد نجحت في تلبية جانب من احتياجات العملاء داخل السوق المصرفية، لكنها لم تحقق كامل أهدافها فالبنية التشريعية لعمل تلك المصارف لا تزال غير ملائمة وتحتاج إلى تطوير كبير.
وبحسب بعض المراقبين فان هناك الكثير من التحديات التي تواجه نمو الصيرفة الإسلامية في العديد من دول العالم، أهمها عدم وجود بنية تشريعية خاصة بالتمويل الإسلامي حيث تخضع الكثير من البنوك وفروع المعاملات الإسلامية لقوانين البنوك المركزية العاملة في تلك الدول، وضعف الكفاءات البشرية داخل البنوك التي تتعامل بالتمويل الإسلامي وعدم قدرتها على إقناع العملاء، يضاف الى ذلك تضارب الفتاوى الشرعية الخاصة بالتعاملات المالية في العديد من الدول والذي يقف عائقا أمام التمويل الإسلامي.
والمصارف الإسلامية وكما تشير بعض المصادر، هي عبارة عن منشآت مالية تقدم الأعمال المصرفية في إطار الشريعة الإسلامية وتعتمد على منافذ مشروعة للحصول على الأموال واستثمارها بالطرق الشرعية من خلال وسائل وأدوات مثل المضاربة والمرابحة وبيع السلع والإجارة وغيرها.
الاقتصاد الإسلامي
وفي هذا الشأن فقد احتاج الاقتصاد الإسلامي وأصول المصرفية الإسلامية إلى الكثير من السنوات كي يدرك الناس صواب نظرتهما نحو العديد من القضايا المالية العالمية، ورغم أن فترة الأزمة المالية العالمية شكلت فرصة مميزة للتأكد من تلك المعطيات، إلا أن المسار لم يكن سهلا في البداية. فنظرا لوجود أبعاد شرعية عميقة في تحليل المعاملات المالية من جهة ولافتقاد المسلمين لعقود إلى اللغة الاقتصادية التي يمكنهم من خلالها شرح وجهة نظرهم لعلماء الاقتصاد تشكل حاجز معرفي استمر لعقود بين محللي الاقتصاد العالميين ونظرائهم الإسلاميين، إلا أن انتشار التعليم وتطوير لغة مشتركة تسمح بالفهم المتبادل للمعطيات أتاح المجال لمعاجلة ذلك، إلى جانب التطورات السياسية التي دفعت بعض الدول لتطبيق أصول الاقتصاد الإسلامي وإعادته إلى الحلبة الدولية.
ويقول الدكتور عباس ميراخور، أحد أبرز الذين عملوا في مجال الاقتصاد الإسلامي دوليا وضمن صندوق النقد الدولي، إن خبراء الاقتصاد الدولي كانوا يعتقدون باستحالة وجود نظام مالي إسلامي لأنهم كانوا يرون استحالة قيام نظام ليس فيه فائدة ربوية، وقد دفعهم هذا إلى السخرية من إمكانية حصول ذلك معتبرين أن نظاما كهذا سيكون “اقتصاد الفودو” (نوع من أنواع السحر) باعتباره لا يقوم على قواعد حقيقية.
ويضيف ميراخور أنه مع حلول منتصف العقد الثامن من القرن الماضي، وتوجه إيران وباكستان والسودان نحو نظام إسلامي للتمويل والصيرفة، وقيام تلك الدول بعرض تفاصيل خططها، بدأت تظهر الاعتراضات الواقعية المقدمة من خبراء الاقتصاد الرأسمالي والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: السماح بوجود قروض دون فائدة سيفتح الباب على طلب كبير للقروض يقابله غياب كامل للعروض، بمعنى أن كل الناس سترغب بنيل قروض لأنها زهيدة التكلفة إذ لا فائدة عليها، بالمقابل سيمتنع أصحاب المال عن الإقراض لعدم استفادتهم من ذلك.
ثانيا: النظام المالي الذي يعتمد على قروض دون فائدة لن يتمكن من الموازنة بين العرض والطلب، كما أن غياب الفائدة سيعني غياب الادخار في المجتمع، وبغياب الادخار لن يكون هناك استثمارات ولا تنمية.
ثالثا: في النظام الذي يغيب فيه الربا لن تتمكن الحكومات من ممارسة أي سياسة نقدية لأنها ستفتقد الأدوات المالية.
رابعا: الدول التي تطبق مثل هذا النظام ستفقد القدرة على اجتذاب أموال من الخارج، أما رؤوس الأموال الموجودة بالداخل فستفر مغادرة السوق المحلية.
ويلفت ميراخور إلى أنه بحلول عام 1988، كان خبراء الاقتصاد قد تمكنوا من استخدام آليات التحليل المالي والاقتصادي الحديثة لإثبات عدم صحة تلك الانتقادات للأسباب التالية:
أولا: يمكن إقامة نظام مالي مصمم دون سعر ثابت للفائدة، بل إن الأبحاث الحديثة أثبتت عدم وجود نظرية قادرة على تقدم تفسير مقنع يشرح سبب وجود معدل فائدة اسمية. كما أثبتت الأبحاث أن عدم وجود فائدة ثابتة على المال لا يعني بالضرورة أنه بعد انتهاء القرض لن يحقق صاحب الأصول المالية أي عائد.
ثانيا: العائد على المال في الاقتصاد الإسلامي ينتج عن العوائد الفعلية المتحققة في القطاعات التي جرى فيها استثمار المال. وبالتالي فإن الاستثمار ليس مرتبطا بالفائدة بل بالعائد المتوقع للاستثمار، وهذا العائد هو ما يدفع الناس لاختيار الاستثمار أو الادخار، ولا ضرورة بالتالي لربط كل هذه العوامل بالفائدة الثابتة.
ثالثا: غياب الربا سيعزز نمو الاقتصاد، ولن يمنع الحكومات من امتلاك أدوات مالية إذ بوسع الخبراء تصميم أدوات مالية يمكن للسلطات اللجوء إليها لإدارة السيولة.
رابعا: لا مبرر للاعتقاد بأنه في غياب الفائدة المحددة مسبقا ستقوم رؤوس الأموال المحلية بمغادرة السوق إذ يمكن اجتذابها من خلال العائد المتوقع على الاستثمار بالمشاريع.
ويضيف ميراخور، في محاضرة سابقة له، أن الخلل الموجود في النظام الرأسمالي القائم على الفائدة كان قد لفت انتباه عدد كبير من خبراء الاقتصاد، وبينهم الأمريكي هايمن مينسكي، الذي رأى أن النظام الرأسمالي سيعاني من أزمات دائمة بسبب التفاوت الذي لا يمكن معالجته بين الالتزامات المالية، فهناك الودائع، وهي عبارة عن قروض قصيرة الأجل، والأصول، وهي عبارة عن استثمارات طويلة الأجل، ما سيخلق حالة مستمرة من السباق بين المصارف على رفع الفوائد لاجتذاب الأموال بما يفتح الباب أمام الأزمات. بحسب CNN.
كما سبق للاقتصادي المعروف بجامعة شيكاغو، لويد ميتزلر، أن قدم في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي مقترحا لإقامة نظام اقتصادي للتعاقد بديل عن النظام الحالي يقوم على أساس “القيمة” وليس “الدين”، مؤكدا أن هذا سيسمح بقيام نظام يتجاوز أزمات النظام المصرفي الحالي. وفي عام 1985 قدم الباحث الاقتصادي محسن خان دراسة باتت ضمن أبرز الدراسات التاريخية التي نشرها صندوق النقد الدولي، عرض فيها للتشابه الكبير بين ما طرحه ميتزلر وبين الأصول المالية الإسلامية.
فرص جديدة
على صعيد متصل يدخل التمويل الإسلامي مجال المنتجات المالية المرتكزة على الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة مع سعي مديري الأصول لإيجاد فرص تجمع بين الاستثمار الأخلاقي والشرعي. ويلتزم التمويل الإسلامي بمبادئ الدين التي تحرم أنشطة مثل المقامرة وتجارة التبغ والخمور لكن القطاع بدأ للتو فقط التركيز على أفكار المسؤولية الاجتماعية الأوسع نطاقا من قبيل حماية البيئة.
وفي وقت قريب أعلنت ماليزيا توجيهات إرشادية لإصدار صكوك المسؤولية الاجتماعية وذلك بهدف مساعدة الشركات على جمع التمويل لمشاريع مثل الطاقة المتجددة والإسكان الاقتصادي. وفي ابريل نيسان الماضي وقع المجلس الأعلى للطاقة في دبي والبنك الدولي اتفاقا لتطوير التمويل لبرنامج الاستثمار البيئي للإمارة وتتضمن ذلك سندات إسلامية “خضراء”. وتطمح دبي إلى توفير خمسة بالمئة من حاجاتها من الطاقة من المصادر المستدامة وإعادة تجهيز المباني للحد من استهلاك الطاقة.
وفي غضون ذلك تطرح شركات في بريطانيا وكندا وهونج كونج استثمارات متوافقة مع أحكام الشريعة في مشاريع الزراعة المستدامة وهو ما قد يستقطب أموالا من مستثمري الأدوات الإسلامية في الخليج وجنوب شرق آسيا ومن المستثمرين المحليين. ومنطق ذلك هو أنه يمكن عن طريق منتجات الاستثمار البيئي توسيع نطاق الطلب إذا أصبحت متوافقة مع الشريعة كي تكون جذابة للمسلمين. وفي نفس الوقت فإن غير المسلمين الذين قد يحجمون عن الاستثمارات الإسلامية – لبواعث قلق بشأن السعر والصعوبة ونقص الإلمام – قد يقبلون عليها إذا كانت في خدمة البيئة.
ولم يتضح بعد مدى نجاح تلك الجهود. ففي السنوات الأخيرة اقتحمت الصناديق الإسلامية سوق الاستثمارات ذات المسؤولية الاجتماعية لكنها واجهت صعوبات لأسباب منها نقص قنوات التوزيع. وسعت دور الصناديق من الخليج وجنوب شرق آسيا لتوزيع بعض صناديقها الإسلامية على المستثمرين الأوروبيين باستخدام تعهدات الاستثمار الجماعي في الأوراق المالية القابلة للتحويل – وهي بمثابة “جواز سفر موحد” لمنتجات الاستثمار – لكنها حققت نجاحا متفاوتا ولم تسفر عن نشاط بالحجم الكبير.
والمنتجات الهجين الجديدة ليست صناديق بل أدوات مصممة خصيصا للاستثمار في فئة معينة من الأصول ببلد أو منطقة معينة. وهي تجمع بين المعايير الإسلامية والممارسات الأخرى التي تشترطها شركات الاستثمارات المستدامة. وفي يونيو حزيران طورت ايه.جي انفست بروبرتيز في أونتاريو منتجا إسلاميا يتيح ملكية المزارع الكندية تحت إشراف دار المراجعة الشرعية وهي شركة استشارية مقرها البحرين. وقال روبي دانكن نائب رئيس ايه.جي انفست في دبي إن المشروع سيشتري أراضي زراعية متميزة تتولى الشركة إدارتها بأساليب الزراعة المستدامة مثل المحافظة على التربة وتدوير المحاصيل.
وبدأت الشركة التي تدير حاليا أراضي زراعية قيمتها 70 مليون دولار كندي (64 مليون دولار) طرح منتجها الإسلامي على المستثمرين في الخليج. وقال دانكن إن شركة سعودية أبدت اهتماما بإقامة صندوق مماثل على أن تقدم ايه.جي انفست المشورة لكنه لم يذكر اسم الشركة. وقال “وجدنا أن هناك ثلاثة عوامل تشجع هذا النوع من الاستثمار الزراعي: الحاجة إلى استثمار أخلاقي مستقر والحاجة إلى استثمار يشجع على تطوير المجتمع ويساعد على ذلك والحاجة إلى الأمن الغذائي.”
وقال ياسر دهلوي الرئيس التنفيذي لشركة دار المراجعة إنه الاستثمار الزراعي الثالث الذي تشرف عليه الشركة منذ ديسمبر كانون الأول. وقال “الموارد الزراعية المتاحة لمستثمري الأدوات الإسلامية محدودة.” وتقدم اس.سي.اس فارملاند البريطانية برنامج استثمار إسلاميا للمزارع الأرجنتينية وتطرح تريدوم جروب في هونج كونج مشروعا لزراعة العود على مستثمري الأدوات الإسلامية.
ومن المؤكد أن نجاح كل تلك المشاريع ليس مسلما به ومن السابق لأوانه القول ما إذا كان ذلك النوع من الاستثمار الهجين سيصيب حظا أكبر من النجاح عن الصناديق الإسلامية التي سبق تسويقها في أوروبا. وفي بريطانيا على سبيل المثال فشلت هذا العام خطط مشروع استثمار إسلامي صديق للبيئة.
فقد خططت شركة الاستشارات المالية الإسلامية سيمبلي شريعة لجمع ثلاثة ملايين جنيه استرليني (خمسة ملايين دولار) بنهاية يونيو حزيران لبناء محطة للطاقة الشمسية عن طريق استخدام الإعفاءات الضريبية لبرنامج استثمارات المشاريع الحكومي في وضع هيكل تمويل بنظام الوكالة. لكن المشروع لم يجمع القيمة المستهدفة بحلول الموعد لأسباب منها أن الهيكل الإسلامي لم يسمح باستخدام الأدوات المالية التقليدية مما قلص العوائد التي يمكن عرضها. ولم يسمح الحجم الصغير للمشروع بجمع التمويل عن طريق إصدار صكوك. بحسب رويترز.
وقال أنس حسن العضو المنتدب لتمويل الشركات في سيمبلي شريعة “هناك فرق أداء بين منتجات الطاقة الشمسية التقليدية لبرنامج استثمارات المشاريع (حيث العائد المستهدف 1.15 جنيه لكل جنيه مستثمر) والمنتج المتوافق مع الشريعة (حيث العائد المستهدف 1.10 جنيه لكل جنيه مستثمر). و”يرجع الفرق بشكل أساسي إلى ارتفاع مستوى الدين في هيكل المنتج التقليدي في حين كانت النسخة الإسلامية محض تمويل مساهم.”
جولدمان ساكس
في السياق ذاته يدرس بنك جولدمان ساكس خططا لجمع 500 مليون دولار على الأقل في أول إصدار يطلقه لسندات إسلامية (صكوك) في دلالة على نمو التمويل الإسلامي مع سعي البنوك التقليدية الكبرى للاستفادة من أموال الشرق الأوسط. وقالت وثيقة من مرتبين رئيسيين إن البنك الأمريكي سيجتمع مع مستثمرين في قطر وفي الإمارات لمناقشة بيع الصكوك. ومن المتوقع أن يبلغ أجل استحقاق الصكوك خمس سنوات.
وإذا مضت الصفقة قدما بعد الاجتماعات مع المستثمرين فسوف يصبح جولدمان ساكس ثاني بنك غير إسلامي يبيع صكوكا بعدما أصدرت الوحدة الشرق أوسطية لبنك إتش.إس.بي.سي صكوكا في 2011 بقيمة 500 مليون دولار. وقال مصدر مطلع إن الأصول الأساسية في صفقة صكوك جولدمان ساكس ستكون مرتبطة بسلع أولية ونفط خام مضيفا أن البنك سيستخدم حصيلة البيع في أنشطة وحدته للسلع الأولية جيه.آرون آند كو.
وتستعد بنوك عالمية أخرى للسير على نهج جولدمان ساكس. فقد شهدت الأشهر الماضية استعدادات من جانب سوسيتيه جنرال الفرنسي وبنك أوف طوكيو-ميتسوبيشي يو.إف.جيه أكبر بنك في اليابان لإصدار صكوك في ماليزيا. وكانت محاولة سابقة لجولدمان ساكس لبيع صكوك في 2011 قد اثارت جدلا قبل أن يلغيها بعدما اتهمه البعض بعدم اتباع المبادئ الإسلامية. لكن البنك الأمريكي يعود الآن للسوق وسط نمو سريع لقطاع التمويل الإسلامي بدعم من ازدهار الاقتصادات في منطقة الخليج ومنطقة جنوب شرق آسيا.
وأظهرت بيانات أن الإصدارات الجديدة للصكوك منذ بداية العام الحالي بلغت قيمتها 85.9 مليار دولار في 456 صفقة حول العالم ارتفاعا من 74.9 مليار دولار في 558 صفقة في الفترة نفسها من العام الماضي. ولا تزال تلك الصفقات صغيرة مقارنة مع التمويل التقليدي لكنها ارتفعت الآن بما يكفي لجذب اهتمام المقترضين الغربيين ودفعهم للدخول في السوق. ويشتبه البعض في أن جولدمان ساكس ربما يستغل التمويل الإسلامي حيث لمح محللون إلى أنه قد يستخدم حصيلة بيع الصكوك في إقراض عملاء بفائدة أو ربما لا يتم تداول الإصدار بقيمته الحقيقية وهو ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. بحسب رويترز.
ويصر جولدمان ساكس على أنه لا أساس لهذه الشكوك ورغم إجازة مستشارين شرعيين لخطته في العام 2011 إلا أنه لم يمض قدما في الصفقة حينئذ. وقالت الوثيقة إن جولدمان ساكس اختار نفسه ومصرف أبوظبي الإسلامي وبنك الإمارات دبي الوطني وبنك أبوظبي الوطني والأهلي كابيتال ذراع الاستثمار المصرفي للبنك الأهلي التجاري السعودي لترتيب لقاءات المستثمرين.
خريطة البنوك الإسلامية
من جانب اخر توقع تقرير اقتصادي ماليزي أن يشهد وجه الصناعة المصرفية الإسلامية تبدلا ملحوظا، بحال قيام مصرف عملاق بنتيجة المفاوضات الجارية حاليا لدمج ثلاثة مصارف إسلامية ماليزية كبيرة، مضيفا أن ذلك المصرف سيكون قادرا للمرة الأولى على منافسة المصارف التقليدية حول العالم وسيساهم بتكريس النموذج المصرفي الماليزي.
وقال التقرير إن اتفاقية الاندماج المقترحة ستغير خريطة العمل المصرفي الإسلامي وقد تعيد تحديد طريقة القيام بالصفقات في هذا القطاع، مضيفا أن النوافذ الإسلامية للمصارف التقليدية الغربية، مثل HSBC و “ستاندرد تشارترد” كانت تلجأ إلى ثقل فرعها التقليدي من أجل الحصول على حصة كبير من سوق الصكوك ولكن ذلك قد يتبدل بعد الاندماج المنتظر. وذكر التقرير المنشور في صحيفة “ذا ستار” الماليزية الواسعة الانتشار، أن المصرف الجديد قد يحدث تغييرات واسعة في العمل المؤسسي للمصارف الإسلامية التي مازالت تخضع في العديد منها إلى عائلات ثرية أو حكومات.
وتشمل صفقة الاندماج ثلاثة مصارف هي “مجموعة CIMB القابضة” و”RHB كابيتال” و”ماليزيا بيلدنغ سوسايتي” والتي حصلت على موافقة الجهات الرقابية من أجل بدء المفاوضات، ما يمهد لقيام “عملاق إسلامي” لديه ما يكفي من القوة من أجل الفوز بصفقات كبيرة ونشر النموذج المصرفي الإسلامي الماليزي عالميا، إذ أن العديد من المصارف الإسلامية في ماليزيا قد تحاول اللحاق بالقطار وإجراء اندماجات بينها.
ولدى ماليزيا نظام هرمي خاص بتنظيم إنتاج أي منتج مصرفي متوافق مع الشريعة، في حين تترك الدول الأخرى للهيئات الشرعية في كل مصرف على حدة اتخاذ هذا القرار، ونتقد البعض ذلك معتبرين أن ترك الأمور للمصارف يؤدي إلى التباين في المنتجات ويترك العملاء في حيرة من أمرهم. بحسب CNN.
وحول تأثير الصفقة على العمل المصرفي نقلت صحيفة “ذا ستار” الماليزية عن جوهان لي، الشريك في مكتب “لي وشركاه” للمحاماة بكوالالمبور قوله: “عندما يكون هناك مصرف عملاق يتبعه تقلص في عدد اللاعبين فإن مهمة تنسيق الأمور ستكون أكثر سهولة، علما أن المصرف سيتحرك عالميا، ما يضع ماليزيا بموقع الصدارة على صعيد المصرفية الإسلامية عالميا.”
الهند والفلبين
الى جانب ذلك قال تقرير صحفي هندي إن السلطات في نيودلهي تبحث بجدية قضية المصارف الإسلامية، خاصة في ظل الحاجة الماسة لدى البلاد لاجتذاب التمويل من الدول الإسلامية الثرية من أجل استخدامها بمشاريع البنية التحتية، مضيفا أن لدى البنك المركزي الهندي بعض التردد على أساس ديني حيال القضية. وقال تقرير صحفي منشور بموقع “فيرست بوست” إن طرح اعتماد المصرفية الإسلامية موجود في الهند، صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، خاصة مع انفتاح البلاد على مشاريع الإصلاح الاقتصادي، على ضوء إعلان المصرف الاحتياطي الهندي (المركزي) عن إقرار إرشادات تنظم عمل نوعين من المصارف هما “مصارف الدفع” و”المصارف الصغيرة.”
وذكر التقرير أن الجهات الداعمة لإقرار نظام المصرفية الإسلامية في الهند تشير إلى أن اعتماده يجذب الأموال من الدول الثرية التي تقطنها غالبية إسلامية، ما يساعد بالتالي على تمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة في الهند، والتي تعاني خططها التنموية حاليا من فجوة تمويلية تقدّر بترليون دولار. ويضيف التقرير أن الدعوة إلى اعتماد المصرفية الإسلامية اكتسبت زخما بعد طرح القضية أمام “لجنة الأقليات” التي قام رئيسها “وجاهة حبيب الله” بتقديم مذكرة حول القضية إلى وزارة المالية عام 2012، ولكن المصرف الاحتياطي الهندي رأى أنه سيكون من الصعب السماح بعمل مصارف لا تقبل الفائدة، وذلك لأسباب قانونية، غير أن المصرف عاد ووافق بصورة مفاجئة في أغسطس/آب 2013 على عمل شركة تمويل متلائمة مع الشريعة في ولاية كيرلا الهندية.
ورجح التقرير وجود تردد لدى المصرف الاحتياطي الهندي في اعتماد المصرفية الإسلامية لأسباب دينية، مشيرا إلى أن المصرف يشعر بالقلق من إمكانية أن يعترض لاحقا على بعض أشكال النشاط الاقتصادي لتلك المصارف ما يفتح باب الانتقادات عليه من قبل المسلمين في البلاد. ولفت التقرير إلى إمكانية معالجة تلك المخاوف لدى السلطات الهندية من خلال فرض إجراءات رقابية حول مصدر الأموال وطريقة التحويل والشفافية وتحديد وجهة الأموال النهائية، وهي أمور سهلة إذا ما قورنت بالمكاسب التي قد تجنيها الهند جراء اجتذاب مليارات الدولارات من الدول الإسلامية الثرية بالنفط.
على صعيد متصل قد تساعد خطة سلام وإلغاء سقف الملكية الأجنبية وسن قواعد جديدة للأنشطة المصرفية الإسلامية في الفلبين على بث حياة جديدة في واحدة من أقدم مؤسسات التمويل الإسلامي في العالم. وبنك الاستثمار الإسلامي “الأمانة” هو البنك الوحيد في البلاد منذ 1974 الذي يقدم منتجات مالية متوافقة مع مبادئ الشريعة مثل حظر الفائدة المصرفية والمقامرة. لكن بينما تتمتع البنوك الإسلامية في أنحاء العالم بمعدلات نمو سريعة وأرباح وفيرة لم يحقق “الأمانة” ربحا منذ سنوات واضطر في نهاية المطاف إلى تقديم منتجات مصرفية تقليدية كي لا يوقف النشاط.
وتسلط قصة “الأمانة” الضوء على التحديات التي تواجهها الأقليات المسلمة للحصول على خدمات مصرفية بدون فوائد بنكية خارج المركزين الرئيسيين للبنوك الإسلامية في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وبسبب حجمه الصغير ونقص الخبرة المصرفية الإسلامية واجه بنك “الأمانة” صعوبات رغم خطة إعادة تأهيل مدتها خمس سنوات بدأتها في 2009 المؤسسة الأم بنك الفلبين للتنمية.
وفي 2012 تكبد الأمانة خسارة قدرها 30.6 مليون بيزو (706 آلاف و400 دولار) لكنها تظل أفضل من خسارة بلغت 124.3 مليون بيزو في 2008. وقد يتغير ذلك الوضع بعد اتفاق السلام التاريخي بين حكومة الفلبين والمتمردين المسلمين والذي ساعد في إنعاش جنوب البلاد بعد صراع استمر 40 عاما وتسبب في تشريد مليوني شخص وركود اقتصادي.
ويعطي الاتفاق الذي توسطت فيه حكومة ماليزيا منطقة مينداناو ذات الأغلبية المسلمة سلطات أوسع نطاقا في الجوانب الاقتصادية والثقافية. وفي إطار الاتفاق يضع البنك المركزي قواعد للأنشطة المصرفية الإسلامية. وفي وقت سابق هذا الشهر سمحت الحكومة للبنوك الأجنبية بالسيطرة الكاملة على البنوك المحلية بعد أن كان سقف الملكية الأجنبية لا يزيد على 60 بالمئة.
وقال فرانسيس نيكولاس تشوا مدير الأنشطة المصرفية الاستثمارية في بنك الفلبين للتنمية إن تلك العوامل تجدد الاهتمام من جانب مشترين محتملين لبنك الأمانة. وقال “منذ العام الماضي تلقينا عددا من العروض من أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأوروبا لإبرام شراكة أو الاستفسار عن البيع.”
وقال تشوا إن تلك العروض جاءت من بنوك إسلامية بالكامل ومن بنوك تقليدية لها فروع إسلامية لكنه لم يحدد هوية أي منها. وقال “فيما يتعلق بالأمانة تقوم الحكومة حاليا بمراجعة العملية بأكملها. تريد الحكومة أن تتأكد من توافر الإطار التنظيمي قبل الخصخصة.” وقال تشوا إن أي مشتر محتمل سيتوجب عليه تقديم عرض علني لأن سياسة بنك الفلبين للتنمية تقتضي ذلك.
وخطب “الأمانة” ود المشترين لسنوات ليس لضخ سيولة جديدة فحسب بل لطرح منتجات جديدة أيضا وتصفية المنتجات المدرة للفائدة المصرفية في محفظة البنك. ويسمح الفقهاء بمثل تلك الممارسة تحت بند الضرورة. لكن حتى الآن لم يعلن أي بنك إسلامي نواياه. وقالت وسائل إعلام محلية إن سي.آي.ام.بي جروب هولدنجز الماليزي مالك بنك سي.آي.ام.بي الإسلامي ينوي شراء حصة لكن متحدثا باسم سي.اي.ام.بي نفى ذلك. بحسب رويترز.
وقال مصدر في “الأمانة” إن مجموعة ماليزية قدمت عرضا بالفعل في 2006 لكنه كان مشروطا بأن تضع الحكومة إطارا تنظيميا للبنوك الإسلامية في غضون عامين. وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأن الأمر لم يعلن بشكل رسمي “لم يحدث ذلك فسحبوا العرض” لكن التطورات الأخيرة قد تجدد الاهتمام. وقال “ربما لم يتقدم الطرف المناسب بعد.”
معايير بازل 3
من جهة اخرى وفي الوقت الذي تستعد فيه البنوك في أنحاء العالم لتلبية المعايير التنظيمية الصارمة بازل 3 تواجه البنوك الإسلامية مصدرا لعدم التيقن قد يكون باهظ التكلفة وهو كيف ستتعامل الجهات الرقابية ودائع تلك البنوك. وتبدو البنوك الإسلامية قادرة على التأقلم مع قواعد اتفاقية بازل 3 التي ستطبق تدريجيا في أنحاء العالم على مدى الأعوام القليلة المقبلة. فمعظم البنوك من الخليج وجنوب شرق آسيا حيث الاقتصادات قوية.
ولأن التمويل الإسلامي يستهجن المضاربة النقدية فإن ميزانيات تلك البنوك نظيفة بدرجة كبيرة من المشتقات والأصول المعقدة عالية المخاطر التي أغرقت بعض البنوك التقليدية في خضم الأزمة المالية العالمية. لذا يفترض ألا تواجه البنوك الإسلامية مشاكل تذكر في تلبية معايير بازل 3 بخصوص الحد الأدنى من رأس المال. لكن الودائع قد تصبح مصدرا للمتاعب. فنظرا لحرمة مدفوعات الفائدة وفقا لمبادئ الشريعة تستقطب البنوك الإسلامية الودائع في الغالب عن طريق حسابات استثمار بنظام تقاسم الربح ويعتبر هذا النوع بوجه عام أقل استقرارا من الودائع التقليدية.
ومن المتوقع أن تكون البنوك الإسلامية مطالبة بموجب قواعد بازل 3 بتعويض أثر ذلك التقلب عن طريق زيادة حجم الأصول السائلة عالية الجودة التي في حوزتها. غير أن أسواق الأوراق المالية الإسلامية أصغر بكثير وأقل عمقا وتطورا من الأسواق التقليدية مما يؤدي إلى نقص المعروض من الأصول السائلة عالية الجودة المتوافقة مع الشريعة وهو ما يضغط بدوره على البنوك الإسلامية من جهتين.
وقال محمد داماك محلل الائتمان لدى ستاندرد اند بورز في باريس “هذان من أهم تحديات بازل 3 لقطاع التمويل الإسلامي.” وبحسب دراسة خاصة بلغت قيمة أصول البنوك التجارية الإسلامية حوالي 1.2 تريليون دولار في نهاية العام الماضي. وهي تشكل نحو ربع الودائع في دول الخليج العربية وأكثر من الخمس في ماليزيا. وتشترط بازل 3 على البنوك الاحتفاظ بقدر كاف من الأصول السائلة عالية الجودة لتغطية صافي التدفقات الخارجة لفترة 30 يوما في حالة التعرض لضغوط شديدة. وتحسب التدفقات بإعطاء مصادر التمويل بما فيها حسابات الاستثمار أوزانا متنوعة. وكلما زادت المخاطر في مصدر التمويل كان حجم الأصول السائلة عالية المخاطر اللازمة كبيرا.
لذا سيتوقف الأمر بدرجة كبيرة على الأوزان التي ستعطيها الهيئات الرقابية الوطنية في أنحاء العالم المخولة بتطبيق بازل 3 في مناطقها لذلك النوع من الحسابات. ولم تصدر مؤشرات بعد عن المسؤولين للأوزان المتوقعة. وفي ضوء حرصهم على تطوير قطاعات البنوك الإسلامية لديهم فمن المستبعد أن يحددوا أوزانا عقابية. لكن قد يعجزون عن معاملة حسابات الاستثمار على قدم المساواة مع ودائع البنوك التقليدية. وعلى سبيل المثال يقول تقرير لستاندرد اند بورز إن آجال استحقاق حسابات الاستثمار في البنوك الإسلامية تكون في العادة أقصر نسبيا.
وقال داماك إن معاملة حسابات الاستثمار ستعتمد أيضا على عوامل تخص قطاع البنوك الإسلامية في كل دولة مثل كيف كان أداؤها في أزمات سابقة وسجل البنوك الإسلامية في تمرير الخسائر إلى أصحاب الودائع بموجب العقود المبرمة معهم. ومن المستبعد على ما يبدو أن تتضح الصورة قبل أوائل العام القادم على الأقل حيث من المتوقع أن يصدر مجلس الخدمات المالية الإسلامية في ماليزيا مذكرة إرشادية في الموضوع.
وقال داماك “سيؤول الأمر في النهاية إلى الجهة التنظيمية في كل دولة كي تبت في معاملة حسابات الاستثمار وهنا تكمن أهمية المذكرة الإرشادية لمجلس الخدمات المالية في مساعدة المسؤولين الرقابيين على تحديد معاملة حسابات الاستثمار.” وقال مصدر مطلع على مشاورات مجلس الخدمات المالية إن المذكرة ستتناول قضايا مثل الحقوق التعاقدية للمودعين وهل يستطيعون على سبيل المثال سحب أموالهم خلال أقل من 30 يوما دون غرامة كبيرة.
وأصدر البنك المركزي الماليزي بعض الإرشادات بخصوص حسابات الاستثمار قائلا إنه سيصنفها إلى نوعين: حسابات استثمار عامة تعادل بوجه عام ودائع الأفراد التقليدية وحسابات استثمار خاصة أو مقيدة تعتبر مماثلة لحسابات الاستثمار قيد الإدارة. وأعطى البنوك الإسلامية فترة انتقالية عامين للفصل بين النوعين. لكن بينما حدد البنك المركزي بالفعل النسب والأوزان لقواعد بازل 3 بخصوص كفاية رأس المال فإنه لم يعلنها بعد بالنسبة لمتطلبات الأصول السائلة عالية الجودة لتغطية حسابات الاستثمار. وتعتقد البنوك التجارية أنها قد تعلن أوائل العام القادم بعد صدور إرشادات مجلس الخدمات المالية الإسلامية.
ووفقا لستاندرد اند بورز تقول بازل 3 إن بوسع الهيئات التنظيمية الوطنية في أنجاء العالم تحديد نسب تبلغ ثلاثة بالمئة أو أعلى لودائع البنوك التقليدية وما يصل إلى عشرة بالمئة للودائع الأقل استقرارا. وقد ينتهي المطاف بمعظم البنوك الإسلامية إلى أوزان في ذلك النطاق ونظرا لحجم الودائع ذات الصلة فإن أي اختلاف بعدة نقاط مئوية قد يؤثر تأثيرا كبيرا في حجم الأصول السائلة عالية الجودة التي سيتعين على البنوك أن تحتفظ بها.
وقد تزيد مسألة حسابات الاستثمار الضغوط على البنوك المركزية والحكومات في العالم الإسلامي لمعالجة بعض المشاكل القديمة في القطاع. وإحدى تلك المشاكل نقص معروض الأصول السائلة عالية الجودة. فباستثناء ماليزيا والبحرين يقول داماك إن البنوك المركزية لا تصدر ما يكفي من الأدوات المصنفة كأصول سائلة عالية المخاطر.
والصكوك الحكومية تصلح لهذا الغرض لكن معظم الصكوك السيادية إما غير مدرج في الأسواق المتقدمة أو غير متداول تداولا نشطا مما يجعل حصول البنوك الإسلامية عليها أمرا بالغ الصعوبة. ويتناقض ذلك مع الأسواق الضخمة للديون الحكومية عالية الجودة مثل سندات الخزانة الأمريكية والألمانية التي بوسع البنوك التقليدية أن تشتريها بسهولة.
وأشار داماك إلى أن بدائل مثل الصكوك قصيرة الأجل التي تصدرها المؤسسة الإسلامية الدولية لإدارة السيولة التي أنشئت للنهوض بسوق عابرة للحدود في الأدوات الإسلامية تظل صغيرة مقارنة مع حجم القطاع. وفي إطار جهودها لكي تصبح مركزا للتمويل الإسلامي تعكف دبي على إدراج الصكوك في بورصاتها وتشجيع شركاتها شبه الحكومية على إصدار صكوك قابلة للتداول لكن الأمر قد يستغرق سنوات قبل أن يستطيع المعروض مواكبة الطلب. بحسب رويترز.
مشكلة أخرى هي التأمين على الودائع. فالحكم على الودائع بأنها مستقرة يستلزم أن تشملها الحماية التأمينية لكن برامج التأمين الإسلامي نادرة لأسباب منها أن الدعم الحكومي للبنوك الإسلامية يعتبر أمرا مفهوما بشكل ضمني في كثير من دول الخليج. وكانت البحرين استحدثت تأمينا إسلاميا على الودائع في 1993. وفي مايو أيار الماضي قالت قطر إنها ستطور برنامجا إسلاميا للتأمين على الودائع. وفي يونيو حزيران قالت بنجلادش إن برنامجا قائما يديره البنك المركزي سيشمل الودائع الإسلامية. وقال المصدر المطلع على مشاورات مجلس الخدمات المالية الإسلامية “سيكون الأمر صعبا للبنوك الإسلامية على صعيد أوزان حسابات الاستثمار لكن هناك حلولا أو مسكنات كما يظهر النموذج القطري.

 

الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد

19-8-2014-13-d

حيدر حب الله ..

 تمهيد
موضوع هذه المحاضرة أو الكلمة ـ المبنية على التبسيط ـ هو الحاكم الشرعي ودوره في إدارة عملية الجهاد، ونحن هنا لن ندخل في أبحاث تخصصية أو دراسات قد تتناسب مع الجوّ الاستدلالي الحوزوي، وإنّما نريد الإطلالة فقط على هذا الموضوع من زاوية عامة.

الفقيه بين النزعة الانكماشية والاقتراب من الحدث السياسي والاجتماعي

بدايةً، نحن نعرف أنّ الفقه الشيعي واجه ـ نتيجة عدم خوضه لفترات طويلة في تجربة الدولة والعمل السياسي ـ مشكلةً أطلق عليها (أحد العلماء الأجلاء) عنوان: “النزعة الفردية الانكماشية”؛ فالفقيه لم يواجه منذ فترة طويلة تجربةً سياسية واسعة النطاق، كان يجلس في بيته، ويقتصر عمله في الغالب على المشكلات التي تأتيه وهو في البيت، كالعلاقات الزوجية والتجارة وغيرهما. وعندما تتراكم أمامه مجموعة مستجدات أو ما يسمى >فقه المستحدثات< يأخذ هذا الأمر المستجد فيبحث فيه، وعندما ينجز الفقيه الأوّل البحث في هذا الموضوع المستجد، يأتي الفقيه الآخر ليعلّق على كلام الأول.. وهكذا تدخل هذه المسألة إلى جسم الفقه الإسلامي.

هذا هو الشكل الطبيعي في الدراسات الدينية في الحوزات والمعاهد، فليس الفقيه مدير بنك يشرف على مئات من العمليات دفعة واحدة، ولم يكن وزير اقتصاد ليرى كلّ يوم المئات من أنواع الشركات التي تدخل وتخرج وتستجد، لم يكن الفقيه ينظر إلى هذا الواقع من الأعلى، والظروف أيضاً ما كانت تسمح له أن يكون في موضع الإشراف على حركة الأمور؛ لأسباب كثيرة؛ منها عزل هذا المذهب وفقهائه عن إدارة شؤون المجتمع.

وقد بدأ هذا الوضع بالتحوّل ـ شيعياً ـ منذ الحركة الدستورية في إيران >المستبدة والمشروطة< بداية القرن العشرين، فقد صار الفقيه هذه المرّة أقرب إلى الأحداث، وغدا يتداول قضايا السلطة على أعلى المستويات: هل الملك قادر على أن يبت في كلّ ما يريد دون أن نشرط قراراته بلجنة أو برلمان أو مجلس دستوري يشرف عليها أم لا؟.. كانت هذه من المرات القلائل التي يقترب الفقيه فيها من الواقع السياسي، لكنّ التجربة فشلت، واصطدمت بمشكلات عميقة، مع ذلك لم يتوقف المسار التصاعدي؛ فاستمرّ العمل السياسي للفقيه ـ ولو متقطعاً ـ يدفعه للاقتراب من الحدث، فجاءت مجموعة ثورات وحركات سياسية، من ثورة العشرين في العراق مروراً بحركة مصدّق، وصولاً إلى الثورات والحركات الإسلامية في إيران والعراق ولبنان وغيرها.

ظهور التقسيمات الجديدة للفقه: فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام

صار الفقيه هنا أكثر حضوراً وأكثر تماساً مع التحولات المعقدة في هذه الفترة؛ وإذا راجعنا كتابات وأدبيات هذه المرحلة سنلاحظ ظهور مقولات ومصطلحات جديدة لم تكن من قبل، نسمع علماء يتكلّمون عن فقه فردي وآخر اجتماعي، بعضهم يقول: فقه فردي شخصي أو فقه خاص وفقه عام، ويقصدون بالفقه العام فقه الدولة والسياسة والاجتماع، وقد تمّ تنشيط هذه المقولات إلى أن صار عندنا نوعان من الفقه، وإلا فقبل هذه الفترة لا نجد وضوحاً ولا ظهوراً لهذا التفكيك بين أنواع الفقه بهذه الطريقة، ليس هناك إثنينية جليّة.

من هذه المقدّمة ندخل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أنّ كثيراً من العلماء قسّموا الفقه إلى فقه فردي وفقه اجتماعي، فقه خاص وفقه عام، إلى أن تكلّم (مرجع راحل) ببعض الكلمات التي نتصل بهذا الموضوع، والتي ربما يمكن أن نستوحي منها أنه لا يوجد عندنا شيء اسمه فقه خاص وفقه عام، (…)

نظرية الاندماج والتواشج بين الفقهين: الخاص والعام
إذن ماذا يوجد؟

يوجد فقه واحد، لكن ليس هو الفقه الفردي، كما كان في الحال السابق، بل هو الفقه الذي يحمل من ناحيةٍ الفردية، ومن الناحية الثانية البعد الحكومي العام، أشبه بالكثرة في عين الوحدة كما يعبرون في الفلسفة.

ولكي أوضح هذه الفكرة، أقول من باب المثال: الآن لو فرضنا أن الفقيه يتشدّد في أمر الطهارة، فمن الطبيعي أنّه إذا أراد الإنسان أن يغتسل للجنابة فسوف يحتاج إلى مياه كثيرة، المواطن هنا ينظر إلى حياته الفردية، فلا يحسب حجم التأثير الاقتصادي والعام لهذه الفتاوى، ويعتبرها فتاوى فردية فحسب، لكنّها ليست كذلك؛ لأنك لو ذهبت إلى المسؤول عن المياه في هذه الدولة ربما تترك هذه الفتوى البسيطة بالنسبة إليه تأثيراً على صرف المياه في هذا البلد.

كذلك الحال ـ على مستوى مثال آخر ـ مسألة طهارة أو نجاسة أهل الكتاب، فقد يتصوّر أنّها محض شخصية فردية، لكنّك لو نظرت إليها من الأعلى وتصوّرت عشرات الجاليات المسلمة المنتشرة في العالم بعشرات الملايين من الناس، وأخذت تجربتهم وتأثير هذه الفتوى على حياتهم وطبيعة اختيارهم لأعمالهم، وعلى علاقاتهم الاجتماعية.. ستجد أنّها لم تكن فتوى شخصيّة فقط، وإنما هي عامّة ذات تأثير اجتماعي على ملايين الأشخاص.

من هنا، نرى أنّ الفتوى ـ ولو كانت فردية بسيطة ـ لها مساس بالشأن الاجتماعي والسياسي العام، فلا يمكن فصل الجانب الفردي في الفقه عن الجانب الاجتماعي، بل هما مندمجان في بعضهما، ولعلّ هذا هو مقصود الإمام الخميني فيما يقوله من أن الفقه بأكمله، مظهره ومكان تجسّده هو الدولة.

الموضوعات الخارجية بين المكلّف والفقيه

وإذا تخطّينا هذا كلّه، يمكن تقسيم قضايا الفقه الإسلامي وتطبيقاته إلى قسمين آخرين:
1 ـ مسائل فقهية توكل شؤون تطبيقها إلى آحاد المكلفين، أي أنّها بهذا المعنى تكون فرديةً، توكل إلى الفرد نفسه، فهو يحسب حسابات كيفية تطبيق هذه الفتوى أو تلك.
ومثال ذلك: إذا شككت أنّ هذا الماء نجس أو طاهر؟ فإجراء أصالة الطهارة أو الاستصحاب هنا يرجع إلى المكلف نفسه؛ حيث يقول له الفقيه في هذه الحالة: إنّ الموضوع الخارجي موكل إليك. وفي هذا النوع من الموضوعات الخارجية يمكن للفرد نفسه أن يدرس ملابسات الموضوع ويطبّق القاعدة الشرعيّة التي أعطاه إيّاها الفقيه مسبقاً.
هذا ما نسمّيه نحن هنا بالفقه الفردي، لكن بمعنى أنّ الفرد هو الذي يأخذ الفتوى ويتصرّف بها على أرض الواقع.
2 ـ القضايا الفقهية التي نسمّيها هنا بالفقه غير الفردي، لكن بمعنى آخر هذه المرّة، ولتوضيح ذلك نأخذ المثال التالي: محاربة إسرائيل، إذ لا يوجد نصّ قرآني أو من السنّة على محاربة هذه الدولة باسمها في هذا العصر، لكن عندنا قاعدة عامة تقرّر >الدفاع عن بلاد المسلمين<، فإذا قلت لعامّة الناس: >يجب عليكم أن تقاتلوا العدو إذا لم يكن في مقاتلته مفسدة<. يأتي زيد يقول: >أنا شخّصت لا توجد مفسدة فيجب أن أُقاتل<. ثمّ يأتي عمرو فيقول: >أنا شخّصت مفسدة فلا يجب القتال<.

في قضية طهارة الماء المعيّن هذا أو ذاك يرجع الأمر إلى المكلّف نفسه، لكن حينما توكل قضية عامّة إلى آحاد الناس كي يختار كلّ واحد منهم موقفاً أو يحدّد: هل هناك مصلحة أو مفسدة في الإقدام على مقاتلة إسرائيل؟.. في هذه الحال يختلف الأمر، فهناك لا يلزم أيّ محذور من إيكال الأمر إلى الآحاد، أمّا هنا فيلزم الهرج والمرج، فهذا يقاتل وذاك يمنع عن القتال وهكذا..

هذا النوع من الفتاوى والأحكام إذا ألقيناه إلى آحاد المكلفين على مستوى التطبيقات الخارجية يلزم الفوضى، واضطراب أمور الناس؛ لهذا لا تقبل الدول في العالم بذلك، من هنا لا نعتبر مثل هذه الأحكام فرديةً، على خلاف قضية طهارة هذا الماء أو ذاك، فهي قضيّة فردية بمعنى مرجعية نظر الفرد في الحكم عليها وممارسة فعل التطبيق في موردها.

بهذا نخرج ـ بعد أن أبطلنا وجود فقه خاص فردي وآخر عام سياسي واجتماعي منفصل كلّ واحد منهما عن الآخر ـ بوجود هذين الفقهين، لكن بمعنى آخر؛ يتبلور عبر القاعدة التي ستقول: كل حكم شرعي إذا أوكلته إلى آحاد المكلفين يلزم منه الهرج والمرج، لا يكون تحديده الموضوعي ـ بمعنى تحديد ملابسات الحكم ميدانياً ـ بيد الناس، بل بيد شخص آخر، وكلّ حكم لا يلزم من إيكاله للآحاد من الناس ذلك، يكون شأنه راجعاً للمكلّف نفسه؛ لعدم وجود دليل على ولاية أحد على المكلّفين في أمر التطبيق فيه. وربما تكون هذه القاعدة متفقاً عليها.

معنى جديد للفقه الخاص والعام

إذن، لا يوجد فقه فردي خاص وفقه اجتماعي عام، فهما في حالة دمج وانصهار، لكن يمكن أن نؤسّس لهما بتصوّر آخر، وهو أنّ الفقه الفردي هو الفقه الذي يمكن أن يحيل فتاواه وأحكامه ـ ميدانيّاً ـ إلى آحاد المكلفين ليكون أمره بيدهم فلا يحتاجون إلى مراجعة جهة أخرى، أما الفقه غير الفردي فهو الفقه الذي لا يمكن إيكاله إلى آحاد المكلفين للزوم الهرج والمرج من ذلك، فيكون شأن البتّ فيه لجهة أخرى.

من هذا الفقه العام غير الفردي ـ بهذا المعنى ـ بالذات، ندخل إلى فكرتنا الرئيسة حول قضية الجهاد؛ حيث يقول الفقهاء في كتابي: القضاء والاجتهاد والتقليد: mالفتوى هي الحكم الكلي على الموضوع الكليn؛ فالفقيه يقول: يحرم شرب الخمر، ولا يقول: يحرم شرب هذه الخمر، فلا  يتكلّم باسم الإشارة (هذا وهذه) ، وإنّما يأخذ الشرب كمفهوم كلي ويأخذ الخمر كمفهوم كلي، ويأخذ الحرمة أيضاً في السياق نفسه، فيقول لك: الحكم بالحرمة مترتب على الشرب المتعلّق بالخمر. فمن الواضح أنّ الواقع الخارجي ليس من شأن الفقيه، وإنّما هو من شأن القاضي الذي يتدخل في الواقع الخارجي باستخدام اسم الإشارة، حيث يقول: هذا المال لزيد وليس لعُبَيد، فبينما كان المفتي يضع الحكم الكلي على الموضوع الكلي، كان القاضي يطبّق الحكم على المصاديق الخارجية على أرض الواقع.

دور الحاكم في الفقه العام بالمعنى الجديد

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذا التمييز بين الفتوى والحكم، فتوى المفتي وحكم القاضي، يمكننا أن نضع القضايا التي لا يمكن إيكالها إلى الآحاد من الناس، أو القضايا العامة أو ما يسمّيه العلامة شمس الدين >الفقه المجتمعي<، نضعها بيد الحاكم الشرعي؛ فهنا لا يمارس الحاكم موقع المفتي؛ فلا يكتفي بالفتوى الكلية، بل يقترب من موقع القاضي، ليدخل للمصداق ويحدّد موقفه منه، فهذه هي الطريقة التي ترفع الهرج والمرج، ولا أقلّ هي إحدى الطرق الممتازة.

أزمة الفردية في البحث الفقهي حول الجهاد

إذا جئنا إلى قضيّة الجهاد، نلاحظ أنّ الجهاد لا يمكن أن يكون فقه أفراد، رغم أنّ الكثير من الأبحاث الفقهية تعاملت معه ـ وبكامل الأسف ـ تعاملها مع الفقه الفردي، وأضرب مثالاً على ذلك مسألة ما إذا كان عدد العدوّ على الضِّعْفِ من عدد المسلمين، فكثير من الفقهاء يقولون: إذا كنت تقاتل في المعركة وجاءك ثلاثةٌ من الأعداء فلا يجب عليك القتال، بل يجوز الفرار. فنحن نلاحظ هنا بوضوح كيف أُخِذ مفهوم القوّة أخذاً فرديّاً، ولم تحسب المسألة على مستوى علاقة جيشين تابعين لدولتين، وإنما حصرت بفرد يقابله فردان أو ثلاثة في زاوية من زوايا المعركة، نعم، لقد نظر إلى هذا الموضوع الهامّ جداً نظرة بحت فردية!!

هذا النمط من قراءة بحث الجهاد بالغ الخطورة؛ حيث يؤدي إلى حصول نتائج خاطئة في الاستنتاج الفقهي العام، فيما نلاحظ أنّ الخطابات القرآنية الموجهة في قضايا الجهاد خطابات مجتمعية عامّة وليست فردية فقط؛ لأنّ الجهاد شأن مجتمعي عام لا يدخل في دائرة الفقه الفردي الذي توكل قضاياه إلى آحاد الناس، وهذا أمر عقلائي قامت عليه السيرة العقلائية في قضايا الحرب والسلم.

مشروعات تعطيلية ذات قراءة اجتهادية

وبهذه الخطوة التي خطوناها، نريد الآن أن ننظر لقضيّة الجهاد بأنواعه وأشكاله، لنرصد طبيعة حركة إدارته في المجال السياسي والاجتماعي؛ فنحن نلاحظ أنّ الفقه الإسلامي بمدارسه، وليس فقط الفقه الشيعي، قسّم الجهاد إلى قسمين: ابتدائي، ودفاعي. بل يعتبر بعضهم أنّ الأصل في الجهاد هو الابتدائي، أما الدفاعي فيلحق إلحاقاً بالجهاد. وعندما تحدّث الفقهاء عن أحكام هذين النوعين من الجهاد قالوا بأنّ الجهاد الابتدائي مربوط بالمعصوم، أما الدفاعي فليس كذلك بل ولا يرتبط بالحاكم الشرعي أيضاً؛ وهذا معناه أنّ الجهاد الابتدائي خاص بالمعصوم بحيث لو جاء الحاكم العادل ـ ولو كان فقيهاً ـ لا يمكنه أن يمارسه، فيما الجهاد الدفاعي ليس مربوطاً بأحد على الإطلاق، لا بالمعصوم ولا حتى بالحاكم الشرعي ولا غير الشرعي، فقيهاً كان الحاكم أم غير فقيه. بل أيّ فرد يمكنه أن يمارس الجهاد الدفاعي من تلقاء نفسه، تماماً كما يتعامل مع طهارة ماء منزله في هذا الإبريق أو ذاك.

هذا التعاطي مع قضيّة الجهاد ليس شأناً خاصّاً به، بل نحن نجد أنّ هناك عدّة فرائض كبرى ربطت ـ على صعيد بعض النظريات في الفقه الشيعي ـ بالإمام المعصوم، مثل وجوب صلاة العيدين، وكذلك صلاة الجمعة، وكذا إقامة الحدود والتعزيرات، وعلى المنوال عينه إقامة دولة إسلامية، وهكذا.

ولن نخوض في بحث فقهي استدلالي في هذا المضمار؛ فقد بحثنا هذه النقطة في محلّه، لكن ما يبدو أنّه السبب الأبرز الذي دفع الفقهاء إلى مثل هذه القناعات التي عطّلت بعض الفرائض في زمن الغيبة، هو وجود كلمة >إمام< في بعض الروايات التي تحدثت عن هذه الفرائض، وقد حصل إسقاط وتأثر بالدراسات الكلامية على هذه الموضوعات الفقهية، ونتيجة رسوخ التلازم بين هذا التعبير وبين الإمام المعصوم تصوّر بعض الفقهاء أنّ المقصود بالإمام هنا هو المعصوم.

على سبيل المثال، رواية مشهورة في كتاب الجهاد تعرف بخبر بشير الدهان، عن أبي عبد الله×: إني رأيت في المنام إني قلت لك أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. فقلت لي: >نعم هو كذلك<. فقال الإمام أبو عبد الله: “هو كذلك، هو كذلك”.

معنى هذه الرواية ـ عندما نفسّر كلمة الإمام فيها بالمعصوم ـ أنّه يحرم على الإنسان أن يقاتل أو يجاهد إلا بحضور المعصوم.
في السياق نفسه خبر آخر هو رواية الأعمش، قال: >والجهاد واجب مع إمام عادل، ومن قاتل دون ماله ورحمه ونفسه فهو شهيد<. فالجهاد من خلال هذه الرواية مربوط أيضاً بالمعصوم.

دعونا نتأمل هاتين الروايتين ومعهما العديد من الروايات الأخرى، سنجد قضيّتين:
 
1 ـ نقد نظرية ربط الجهاد بالمعصوم

من الواضح أنّ هذه الروايات لا تقييد فيها بالجهاد الابتدائي، بل تتحدث عن مطلق حرب وقتال، ما لم يكن دفاعاً شخصيّاً عن النفس، إذاً فالمفترض أن نحرّم الحرب والجهاد حتى الدفاعي إلى ظهور الإمام، فأيّ معنى للتمييز بين نوعي الجهاد المتقدمين؟!
لا يوجد في أي رواية شيعية ولا سنيّة عبارة جهاد ابتدائي وأمثال ذلك، فلماذا نقيّد شرطية حضور المعصوم بمورد الجهاد الابتدائي دون الدفاعي؟! وإذا قلت لي: إنّ الجهاد الدفاعي ليس جهاداً، قلت لك: هذا تحكّم، فقد خاض النبي عدّة حروب دفاعية وكانت تسمّى جهاداً، وها نحن اليوم نخوض حروباً دفاعية في المنطقة أليست هذه جهاداً وقتالاً في سبيل الله؟! ألا يصدق عليها المفهوم القرآني للقتال؟! وما هو الدليل بعد اعتراف العرف والعقلاء بأنّها قتال؟ إذاً فالمفترض أنّ هذه الروايات تشمل نوعي الجهاد معاً، فهل يلتزم الفقهاء بذلك؟ أليس ذلك منبهاً على خطأ النتيجة الفقهية التي تربط الجهاد بالمعصوم؟
نعم الدفاع الشخصي ليس جهاداً وإن كان للمدافع أجر الشهيد، فليس مربوطاً بالإمام؛ لذلك ميّز الإمام في الرواية بين من يقتل دون ماله وعرضه وبين أصل مسألة الجهاد؛ فالدفاع الشخصي ليس مربوطاً بالإمام، ولكنه ليس جهاداً.

2 ـ تأصيل نظرية ربط الجهاد بمطلق الإمام العادل

لا يوجد عندنا في أيّ رواية من روايات هذا الموضوع تعبير (المعصوم)، وإنّما لدينا كلمة >إمام<، وهي ليست مصطلحاً خاصّاً بالمعصوم في لسان الروايات، وإنّما هي مطلقة بحسب دلالتها اللغوية والعرفية.

إذن، من ناحية لا يوجد عندنا في هذه الروايات تمييز بين الجهاد الدفاعي والابتدائي، ومن ناحية أخرى نجد أنّ هذه الروايات تربط الجهاد بأن يكون مع إمام عادل، ولا تقيّد هذا الإمام العادل بأن يكون معصوماً أو منصوصاً عليه من قبل الله تعالى؛ ممّا يجعلها تشمل كلاً من الجهاد الابتدائي والدفاعي من جهة والإمام المعصوم وغيره من جهة أخرى.

يضاف إلى ذلك، أنّ الجهاد الدفاعي كالابتدائي من القضايا العامّة التي تترتب عليها مصالح ومفاسد، ولا يمكن إيكالها إلى آحاد الناس؛ إذ لو استقر عدوّ مثل الكيان الصهيوني اليوم في بلد إسلامي كفلسطين، لا يمكن جعل قضية مواجهته بيد الآحاد، لاسيما مع اختلاف الأنظار، وهذا معناه أنّه يجب أن يكون الحاكم الشرعي الجامع للشرائط هو المشرف على قضية الجهاد الابتدائي والدفاعي معاً، باستثناء الدفاع الشخصي كما قلنا.

وبهذا يتبيّن أنّ ربط الجهاد الابتدائي بالمعصوم لا أساس له يمكن الركون إليه، كما أنّ تحرير الجهاد الابتدائي والدفاعي من الارتباط بالحاكم الشرعي هو الآخر يقع على خلاف متون الروايات، وعلى خلاف البناء العقلائي في إحالة مثل هذه القضايا إلى الجهات المشرفة على الشأن العام؛ فالصحيح ربط أيّ مواجهة تخوضها الأمة بإشراف الحاكم الشرعي.

وننبّه أخيراً، إلى أنّنا لا نحدّد هنا من هو الحاكم الشرعي، وما هي مواصفاته، وإنّما نأخذ مطلق الدولة الشرعية أو الجهة الشرعية التي لها إشراف على القضايا العامة للمسلمين، أمّا تحديد الأمور بشكل تفصيلي فهو بحث موكول إلى مسائل الفقه السياسي الإسلامي.

ذكرى شهادة الإمام محمد الجواد عليه السلام .. عبق من سيرته العطرة

25-9-2014-0564

      السلام عليك يا جواد الأئمة يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا ..

حياة الإمام محمد الجواد عليه السلام

اسمه: محمد وهو الإمام التاسع .

ألقابه: الجواد، التقي، القانع، الزكي، باب المراد.

كنيته: أبو جعفر.

والده: الإمام علي الرضا (عليه السلام).

والدته: الخيزران، ويقال لها أيضا (درة) و (سبيكة) و (سكينة).

ولادته: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان المبارك عام195هـ بالمدينة المنورة .

عمره: 25 سنة.

معاصروه: عاصر إمامنا الجواد من الملوك بقية ملك المأمون والمعتصم.

من زوجاته: أم الفضل بنت المأمون.

أولاده: الإمام علي الهادي، وموسى، وفاطمة، وأمامة، وحكيمة، وزينب.

صفته: كان (عليه السلام) أبيضا معتدل القامة عليه ملامح الأنبياء.

مع أبيه: عاش إمامنا الجواد مع أبيه7 سنين فقط، وقيل أقل من ذلك، ثم هاجر الإمام الرضا إلى خراسان بأمر المأمون.

مدة إمامته: سبعة عشر سنة.

هجرته: هاجر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد بأمر من المعتصم العباسي، وأقام فيها تحت الرقابة المشددة إلى أن استشهد صلوات الله وسلامه عليه .

شهادته: استشهد إمامنا الجواد (عليه السلام) متأثرا بسم أمر به المعتصم العباسي، سقته إياه زوجته أم الفضل بنت المأمون سنة220هـ.

قبره: في بغداد (الكاظمية) إلى جنب جده الإمام الكاظم، فاطلق عليهما (الجوادين) و (الكاظمين).
نقش خاتمه: نعم القادر الله.

حرزه: يا نور يا برهان يا مبين يا منير يا رب اكفني الشرور وآفات الدهور وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور.

الولادة المباركة
عندما حملت السيدة (سبيكة) بالإمام الجواد ازداد تكريم الإمام الرضا (عليه السلام) لها وأحاطها بعناية فائقة حتى اقترب موعد الوضع، فأرسل الإمام الرضا إلى شقيقته السيدة حكيمة وأمرها أن تلازم أم الإمام الجواد وتكون بخدمتها، فقامت حكيمة بالأمر على أحسن ما يرام إلى أن جاء الوليد العظيم، وغمرت الإمام الرضا دفعات من الأفراح والابتهاج بهذا الإمام الذي سيليه.
وضمته والدته إلى صدرها وهي فرحة مستبشرة به، وكانت والدته من أهل بيت مارية القبطية زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كانت على درجة عالية من الكمال المعنوي والنسب الشريف.
تقول حكيمة: فجاء الإمام الرضا (عليه السلام) وأخذ ابنه الجواد فوضعه في المهد وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده.
قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقمت فزعة وأخبرت الرضا فقال: ماترون من عجائبه أكثر.
شخصية الإمام (عليه السلام)
لقد أضفى الله تبارك وتعالى على الإمام الجواد هالة من الهيبة والوقار، فعلى رغم أنه كان في صباه إلا أن كل من يدخل عليه كان يتهيبه ويقف إليه بكل إجلال واحترام، لما يترشف من شخصيته العظيمة من البهاء والنور.
فقد كان للإمام الصادق (عليه السلام) ولد اسمه علي بن جعفر وكان كبير السن أبيض اللحية طاعنا في العمر، وكان عالما من علماء أهل البيت، عاصر الإمام الجواد (عليه السلام)، لقد كان علي بن جعفر على رغم كبر سنه ومكانته يقوم للإمام الجواد إذا دخل ويقف له ثم يأخذ يد الإمام الجواد فيقبلها فيقول له الجواد: يا عم اجلس رحمك الله، فيقول علي: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم، ثم يجلس عندما يجلس الإمام، وإذا قام الإمام يقوم علي بن جعفر فيرتب له نعليه بكل تواضع، فكان بعض الرجال يوبخون علي بن جعفر على فعله فيقول لهم: اسكتوا إن الله لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه.
علم الإمام الجواد (عليه السلام)
إن الشيء الملفت للنظر هو كثرة الأسئلة التي وجهت إلى الإمام الجواد في فترة حياته القصيرة.
وكان الإمام يجيب عن المئات من الأسئلة في اليوم الواحد، وكانت هذه الأسئلة تنطلق من حب معرفة الإمام وامتحانه، وحاول المخالفون أن يسخروا من إمامنا الجواد لأنه صبي، فجالسه كبراء علمائهم وناظروه على مختلف الأصعدة فرأوا بحرا لا ينفد وعطاء علميا لا ينضب.
فقد روي أن الإمام الجواد صعد منبرا في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) بعد رحيل والده فقال: أنا محمد بن علي الرضا، أنا الجواد، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب، أنا أعلم بسرائركم وظواهركم وما أنتم صائرون إليه، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين وبعد فناء السماوات والأرضين، ولولا تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الضلال ووثوب أله الشك لقلت قولا تعجب منه الأولون والآخرون.
ومن جملة المناظرات العقائدية
التي نقلت عن الإمام الجواد هذه:
عقد المأمون العباسي حوارا مفتوحا بين يحيى بن أكثم وهو مرجع أهل السنة في زمانه وبين الإمام الجواد وهو ذو تسع سنوات.
فقال يحيى: ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي أنه نزل جبرئيل على رسول الله وقال: يا محمد: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك سل أبا بكر هل هو عني راض فإني عنه راض؟

فقال الإمام: إن هذا الخبر لا يوافق كتاب الله قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) فالله عز وجل خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل من مكنون سره؟ هذا مستحيل في العقول.
فقال يحيى: وقد روي أن مثل أبي بكر وعمر في الأرض كمثل جبرائيل وميكائيل في السماء.
فقال الإمام (عليه السلام): وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه لأن جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان لم يعصيا الله قط ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن اسلما بعد الشرك وكان أكثر أيامهما في الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما.
فقال يحيى: وقد روي أيضا أنهما سيدا كهول أهل الجنة فما تقول؟
فقال الإمام: وهذا الخبر أيضا باطل لأن أله الجنة كلهم يكونون شبابا ولا يكون فيهم كهل وهذا الخبر وضعه بنو أمية لمضادة الخبر الذي قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين بأنهما سيدا شباب أهل الجنة.
فقال يحيى: وروي أن عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة.
فقال الإمام: وهذا أيضا محال لأن في الجنة ملائكة الله المقربين وآدم ومحمد (صلى الله عليه وآله) وجميع الأنبياء والمرسلين لا تضيء بأنوارهم حتى تضيء بنور عمر؟!!.
فقال يحيى: وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لو لم أبعث لبعث عمر.
فقال الإمام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث: (وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) فقد أخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه وكان الأنبياء لم يشركوا طرفة عين فكيف يبعث بالنبوة من أشرك وكان أكثر أيامه مع الشرك بالله وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نبئت وآدم بين الروح والجسد، حتى سكت يحيى وانهزم من جولة الحوار.
عبادة الإمام الجواد (عليه السلام)
قلنا سابقا أن عبادة المعصوم تمثل التكامل والاقتراب والفناء في الله تبارك وتعالى وبنفس الوقت تفيض على الناس بركة وعطاء.
فكان إمامنا الجواد كثير النوافل يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة الإخلاص سبعين مرة، وكان كثير الصيام، بل يأمر بعض أصحابه المقربين ومن في بيته من الجواري والنساء أن يصوموا في أيام الاستحباب، وهكذا يروي عنه الرواة أفعاله العبادية في الحج وأدعيته وأحرازه المشهورة.
وسجل الإمام الجواد درسا رائعا في سجل الإنسانية عندما أعرض وهو في ريعان الشباب عن الأموال الطائلة التي كان يبعثها إليه المأمون وعن حياة الترف والبذخ، فهذا درس للزاهدين ونهج للمتقين أن لا يغتروا بالمال والمتاع.
وقد رآن الحسين المكاري في بغداد وكان الإمام محاطا بالتعظيم والتكريم من قبل الأوساط الرسمية والشعبية، فحدث نفسه أنه لا يرجع إلى وطنه بل يقيم عند الإمام في هذه النعم، فعرف الإمام قصده فانعطف عليه وقال: يا حسين خبز الشعير وملح الجريش في حرم جدي رسول الله أحب إلي مما تراني فيه.

25-9-2014-S-01
من معاجز الإمام الجواد (عليه السلام)
المعجزة حالة موجودة عند جميع الأنبياء والأوصياء، فهي كل أمر خارق للعادة يزود الله بها أولياءه لتدلل على صدق دعوتهم ولا تكون إلا ضمن أسباب عقلانية.
ومن المعاجز المهمة في هذا الصدد هذه القصة الظريفة:
المتهم بادعاء النبوة:
يقول علي بن خالد: كنت في العسكر فبلغني أن هناك رجلا محبوسا أتي به من ناحية الشام وقالوا أنه ادعى النبوة، فوصلت إليه فرأيته رجلا فاهما ولا يدعي النبوة وأن ما قيل عنه كذبا.

فقلت له: ما قصتك وما أمرك؟
فقال: كنت أعبد الله في الموضع الذي يقال له موضع رأس الحسين (عليه السلام)، فبينما أنا في عبادتي إذ أتاني شخص فقال: قم بنا، فقمت معه وإذا نحن في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد، قلت: نعم هذا مسجد الكوفة، فصلينا، ثم أخذ بيدي وإذا نحن بمدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصلينا ثم قمنا، وإذا نحن بمكة، فلم أزل معه حتى أرجعني في طرفة عين إلى موضعي في الشام، ثم مضى الرجل.
فلما كان العام القادم وفي أيام موسم الحج جاءني وفعل بي كما فعل في أول مرة، ولما أراد أن ينصرف قلت له: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت إلا أخبرتني من أنت؟، فقال: أنا محمد بن علي بن موسى، ثم ذهب عني.
بعد ذلك قصصت هذه الأمور على بعض الأصحاب فتسرب إلى الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، فبعث إلي بالشرطة فأخذوني وحملوني إلى العراق وقالوا عني أنني أدعي النبوة.
فقال له علي بن خالد: ارفع قصتك في ورقة وابعثها على الوزير.
فكتبها وبعثها إليه، فلما قرأها الزيات كتب خلفها: قل للذي أخرجك في ليلة من الشام إلى الكوفة ومن الكوفة إلى المدينة ومن المدينة إلى المكان أن يخرجك من حبسك.
يقول علي: فغمني ذلك، ثم ذهبت بعد يوم إليه لأراه، فرأيت الشرطة وصاحب السجن ومجاميع أخرى عند السجن، فقلت: ما هذا؟، فقالوا: المحمول من الشام الذي تنبأ افتقد البارحة ولا ندري خسفت به الأرض أو اختطفه الطير.
فعلم الجميع أن الذي أخرجه هو الإمام الجواد (عليه السلام).
ويقول علي: كنت زيديا ولكن بعد هذه الحادثة قلت بالإمامة وحسن اعتقادي.
حضوره إلى والده الرضا وعودته في نفس الليلة:
ومن معاجز الإمام الجواد (عليه السلام) هو حضوره من المدينة إلى خراسان بطرفة عين ليحضر مراسم وفاة والده العظيم.
يقول أبو الصلت الهروي وكان خادما للإمام الرضا:
عندما تناول الإمام الرضا السم دخلت معه إلى البيت وأمرني أن أغلق الباب فغلقته وعدت إلى وسط الدار، فرأيت غلاما عليه وفرة ظننته ابن الرضا ولم أك قد رايته من قبل ذلك، فجلس مع الرضا مدة تناجيا فيها ثم ضمه إلى صدره، بعدها تمدد الإمام الرضا على السرير وغطاه ابنه محمد بالرداء وقال: يا أبا الصلت: عظم الله أجرك في الرضا فقد مضى، فبكيت، قال: لا تبك، هات الماء لنقوم في تغسيله، ثم أمرني بالخروج، فقام بتغسيله وحده وكفنه وحنطه إلى أن قام الإمام بجميع مراسيم الوفاة ثم عاد في نفس تلك الليلة إلى المدينة.
الجواد يؤكد قداسة آبائه المعصومين ومظلومية الزهراء
يروي زكريا بن آدم يقول: إني لعند الرضا (عليه السلام) إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام) وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيديه إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا (عليه السلام): بنفسي فيم جال فكرك؟.
فقال: فيما صنع بأمي فاطمة (عليها السلام) أما والله لأخرجنهما ثم لأحرقنهما…).
فنلاحظ أن مأساة سيدتنا الزهراء كانت في طليعة هموم وغموم الأئمة الكرام.
ودخل عليه رجل فقال له: إني طفت يوما نيابة عن رسول الله ويوما عن أمير المؤمنين ويوما عن الحسن ويوما عن الحسين ويوما عن السجاد وهكذا بقية الأئمة، إلى أن قال: وطفت يوما عنك وربما طفت عن أمك فاطمة (عليها السلام).
فقال له الجواد: إذا والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره، استكثر من هذا فإنه افضل ما أنت عامله إن شاء الله.

وهذا التأييد منه بمثابة تأكيد هذه العقيدة والإشادة بمواقع آبائه الأطهار.
استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) : سنة 220 للهجرة النبوية الشريفة
وأخيرا حاول جعفر بن المامون أن يتصل بأخته (أم الفضل) زوجة الإمام الجواد (عليه السلام)، وكانت أم الفضل منحرفة في سلوكها، وقد عرف جعفر غيرتها من زوجة الإمام الأخرى (أم الإمام الهادي)، فأخذ يبث إليها سمومه وكلماته وشرح لها الخطة في القضاء على أبي جعفر فوافقت، فأعطاها جعفر بأمر من المعتصم سما فتاكا جعلته له في الطعام، يقال أنها وضعته في العنب الرازقي الذي كان الإمام يحبه، فلما أكل منه الإمام أحس بالآلام والأوجاع.
ثم ندمت أم الفضل لعنها الله على فعلها فأخذت تبكي فقال لها الإمام: والله ليضربنك بفقر لا ينجي وبلاء لا ينستر، فبليت بعلة في بدنها فأنفقت كل مالها على مرضها هذا فلم ينفع إلى أن نفذ مالها كله.
وأما جعفر فإنه سقط في بئر عميقة فأخرج ميتا.
وانتقل الإمام الى جنة المأوى فقام ابنه الإمام علي الهادي (عليه السلام) بإجراء مراسم الوفاة عليه وحفر له قبرا ملاصقا إلى قبر جده الكاظم (عليه السلام).
وهكذا ختمت صفحة بيضاء وأفل نجم من نجوم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

التحولات البنيوية في المجتمع العراقي بعد 2003 .. مقاربة أولية تشخيصية

19-8-2014-12-d
د. محمد سعيد الأمجد

     مر المجتمع العراقي بعد 2003 بمرحلة من التحولات الكبيرة هي الأقسى منذ أن تشكلت دولة العراق عام (1921) ، بسبب ما خلفته من ردود الفعل الاجتماعية حينما تم اختبار إدخال المكونات العراقية في نوع من القبول بالاخر ، لكن هذا المستوى من العيش المشترك لم يرق إلى التعاقد الاجتماعي الذي يحقق نقلة نوعية في العلاقات الاجتماعية لا بسبب التعددية التكوينية في الوسط العراقي بل بسبب كوابح وموجهات سياسية مختلفة.

وعلى الصعيد الاجتماعي فقد لا نجانب الصواب كثيرًا حينما نذهب أو يذهب أي باحث آخر إلى أنه حتى المتغيرات السياسية غدت خاضعة لظروف وعوامل أخرى أغلبها اقتصادية- اجتماعية، فالتعامل مع أية ظاهرة عبر زاوية واحدة هي الزاوية السياسية ينطوي على تبسيط مبالغ فيه جدا نظرا لما يجري من تفاعلات وتناقضات وتصادمات فوق سطح المجتمع- أي مجتمع- وتشكل ملامحه المتغيرة.

شهد العراق منذ العام (1921) الكثير من الانقلابات وإسقاط أنظمة وحكومات،لكن تغييراً سياسياً كبيراً حصل بعد التغيير السياسي عام  2003 ، كما رافق ذلك حصول تخلخل وتشظٍّ في بنية المجتمع العراقي.

إن هذا الموضوع على اشد ما يكون من التعقيد والتشابك ليس بسبب تعقيدات البنية الاجتماعية العراقية بحد ذاتها حسب، بل لأسباب متعددة منها أننا نتحدث عن أقدم المجتمعات في العالم وعن مجتمع لا يقتصر على عمقه الزمني، بل على مركزيته الجغرافية في كل من العالم القديم وعالم اليوم أيضا.. أما البعد الآخر، فان مجتمع العراق مزيج من بقايا ثقافات وحضارات متنوعة وعديدة، فضلا عن كونه فسيفساء من السلوكيات التي افرزت هذا (التنوع) في الالوان وهذا التعدد في الأطياف. وبدءًا لا بد من القول إن هنالك جملة من العوامل التكوينية التي شكلت هذه التعددية في المجتمع العراقي خلقتها العديد من التبدلات في الأقوام التي وفدت أو عبرت أو حاربت أو هاجرت إلى ارض ما بين النهرين والتي اختارت العراق سكنا لها بالإضافة إلى غلبة العشائرية التي تتنقل بين العراق والدول المحيطة به ثم تحولت هذه العشائر من البدوية إلى النهرية، فامتهن العديد منها الزراعة في الوقت الذي استمرت فيها هجرة قبائل يدوية من الصحراوات المجاورة في الجنوب والوسط والشرق.

كما أن هنالك قوى رئيسية فاعلة في تشكيل هذه المراحل الأربع هي : الحكومة ، والشعب العراقي عموما والحوزة العلمية ،والنخب العراقية المختلفة.  ولكل رؤيته وآلياته للتعامل مع المجتمع.

بقى المجتمع العراقي منقسما إلى ريف وحضر لرفد الزراعة وبناء الدخل الوطني، ثم توسع السوق وتم انفتاح السوق العالمية على السوق العراقية، وبدأ الثراء يدخل ميزانية الدول الملكية، فتوسع الإنفاق الحكومي وتركز ذلك في المدن وبغداد بالذات لوجود الدولة ودوائرها فيها كما انها ضمت الملاكات المثقفة والمدربة الأقدر على أن ما وصلها من واردات النفط إلى إنجازات بلغت أوج تفوقها في تأسيس مجامع الإعمار في الخميسينيات من القرن الماضي.

ولقد كان للتجنيد رغم أن الغرض منه الولاء للدولة بعلمها ورموزها إلا انه لعب دورًا في تمكين العديد من مجنديه -وهم ريفيون- بناء سلوكيات انضباطية مما حوله إلى شبه مدرسة للتدريب على الحياة المقبلة في الأوساط الحضرية-المدن.

والخطأ الذي وقعت فيه الوسطى العراقية مع كل ما أحدثته في هز الركود العراقي الذي وصل إلى حد التسليم وتوقع المكروه إذ أخذت الوسطى العراقية تبشر بان الفقر ليس قدرا وان المرض ليس ابتلاء وان الاحتلال ليس عقابا وفاقا على البطر والقناعة وعدم الألفاظ عن هم أكثر سوءًا منا، فان الوسطى العراقية مالت إلى دعم الدولة وذلك للتسريع بعملية التحول والإعمار بالذات وبذلك وقعت فريسة للدولة.

لكن سياسيا فالعراق طيلة هذه الفترة الزمنية السابقة على 2003 كانت سياسته قائمة على أساس العنف والإقصاء وتهميش الأكثرية طبقية كانت أو طائفية ، الأمر الذي صنع منه وبسبب هذه التراكمات غير الصحيحة عنصرا تمييزيا (طبقيا) أعان عليه الاعتقاد الذي ساد بعد التغيير هو أن من كان يحكم سابقا وهو مضطهد أولى بالحكم الآن ، تلك النظرة التي أصبحت عاملا مجهضا لديمومة العراق في شكله الإنساني المرتبط بخيارات المواطنة والمجتمع المتعدد المشاركة والهويات مادامت هناك جميع هذه القوى المتصارعة فيما بينها بشكل عنفي وإقصائي.

وامتازت العلاقة السياسية بمعادلة غريبة مفادها هيمنة الأقلية على الأكثرية على طول تاريخ الإسلام في هذا البلد وأن هذه الهيمنة رافقتها عمليات عنف وتحجيم لدور كثير من الطوائف والإثنيات ، ومحاصرة للنتاج الثقافي والديني، وأحياناً الاعتداء على المقدسات الإسلامية.

وهكذا مرت سنوات عصيبة استمرت منذ (1968) حتى انهيار النظام في 2003 ثم بدأت الحركة التغييرية بسقوط النظام الدكتاتوري وتحديثات بول بريمر التي تركزت على تنشيط فعاليات المجتمع المدني للحد من محاولة إعادة إنتاج العهد التسلطي ومحاولة توزيع الديمقراطية على جميع مكونات المجتمع العراقي.

وبعد أن تم تشخيص ما أصاب النسيج الاجتماعي في العراق من تقطع لبعض جوانب انشداداته رغم أخطاء حكوماته التي قصرت في إيجاد حلول لمشكلات علاقاته وانصب اهتمامها على تمكين بنية الدولة بعد التغيير السياسي (2003) ، فإن المشكلات الأساسية يمكن تلخيصها بأنها ذات طبيعة ميدانية اجتماعية سياسية تطرح ثنائية الثورة/ الدكتاتورية. والتغيير إذا لم يستطع أن يتحول إلى البناء فإنه يلجأ إلى الشعارات والعنف وبذلك يصاب المجتمع بما يدفع به للتحول نحو الديكتاتورية قد ينزل بالتغيير إلى مجرد انقلاب وانقطاع للاستمرارية وتراجع في التجربة ما يجعلنا نكرر البدء في الصفر دون تراكم وبناء مؤسسات.

وقد شخص المفكر الاجتماعي علي الوردي سبب النكوص الحضاري إلى غلبة الوعظ والوعاظين في أوساطنا وزاد بان قرن بين ماسماه وعظ المعممين ووعظ المتمدنين فالممارسة نفسها لذا فقد مال المتمدن إلى التعليل دون التحليل إذن لابد من كسر دائرة الوعظ والواعظين كي ينطلق الفرد العراقي رغم تأكيد الوردي بان السوء طبع إنساني علمًا أن السلوك ومهما كان فانه متعلم لذا فان علينا ألا نخاف السلطان ولا نخشى الشيطان كما أورد ذلك جمال الدين الافغاني مع إضافة ونعمل لمصلحة الإنسان والإنسان العراقي.

وطرح حنا بطاطو إشكالية ملخصها أن الطبقات والتقليدية بالذات رغم أنها مقبولة إلا أنها بعيدة عن العصر ما يدفع بالأجيال الشابة إلى الانتظام بحركات ثورية لتفكيك هذه الطبقات وبعد أن يتم ذلك فإنهم يبدؤون بالشعور بالذنب لفقدهم جذورهم التقليدية ما يجدد حضور الطبقات التقليدية.

والخلاصة أن ما تعرض له المجتمع العراقي من قلق وعنف وآلام هو ناتج لمخاضات غير مثمرة وتراكم سلبياتها لذا يتوجب إعادة بناء الطبقة الاجتماعية بشكل عادل وفق معايير الكفاءة وان يوكل إليها إعادة هيكلة المجتمع المدني وحقوق الإنسان عندها يكون مثل هذا المجتمع مؤهلاً لدعم دولة المؤسسات.

لقد أساءت قطاعات من الشعب/المجتمع في العراق قراءة المشروع الأميركي فنسجت على منواله وبذلك توقفت جهود هذه المكونات عند ردود الأفعال وان أخذت تدرك ضرورة التشكل المجتمعي المتماسك بعد أن دفع الشعب/المجتمع العراقي ثمنا فادحا من أمنه وخدماته وبناه التحتية بفعل عوامل الإرهاب والتخريب والتطرف والطائفية ، والذي تمثل في تهجير العديد من ابنائه واغتيال كفاءاته إلى غيرها من الأفعال الغريبة على السلوك العراقي والذي طبع على مر تاريخه الاجتماعي بالغيرة والتسامح والتعايش.

وعلى الرغم من محاولات الاحتواء ظهر الرد المتوقع الأمر الذي سهل ظهور عمليات (القتل على الهوية) و(التهجير) الحدثان الأبرز على الساحة العراقية بعد التغيير بفترة قصيرة ، ( فالفعل العنفي هو نتاج لحالات من التوتر الفارد أو الجامع، وفي كل فعل يتلازم الخير والشر، اللاعنف والعنف، إذا أخذنا بالاعتبار وضع الفاعل والقابل، ونسبة الفعل وتفسيره. وحتى لا نخفض السلوك العنفي إلى مجرد مقولة أو مصادرة فلسفية، نقول: إنه ظاهرة اجتماعية واقعة، تجد تفسيرها في التاريخ الإنساني ذاته، وفي تواجه الطاقات النفسانية والاجتماعية والاقتصادية، أي طاقات القوة نحو تنازع الوجود وتغالب الإرادات ومما لا ريب فيه أن الفرد أو الجماعة يكتسبان السلوك العنفي/ اللاعنفي من خلال الثقافة التي توجه المجتمع، وتحكمه أو لا تحكمه من خلال أدوات الضبط العنفي ومعايير السلوك وقيم السياسة.

عقل عربي أم إسلامي؟ .. قراءة حول مشروع محمد عابد الجابري

13-9-2014-6-d

يحيى محمد ..
مبدئياً، وقبل الدخول في تحديد دقيق للمسألة، قد يقصد بالعقل العربي الإسلامي ما يمثل النتاج الفكري لكافة نواحي العلوم العربية والإسلامية كالفقه والكلام والتفسير وغيرها. كما قد يقصد به ما يمثل الطريقة التي تتشكل عليها عملية الإنتاج المعرفي لتلك العلوم. وواضح أن الموقف الأخير ليس منفصلاً عن الموقف الأول، فهما مربوطان برباط التوليد والإنتاج.
ولأول وهلة، قد يرى الناظر أن التساؤل عما إذا كان العقل الخاص بتراثنا عربياً أو إسلامياً، هو تساؤل ليس له معنى ولا جدوى، فهو عقل عربي إسلامي، لاستحالة التفكيك بينهما مثلما يستحيل التفكيك بين الماهية والوجود في الفلسفة. إذ الثقافة العربية هي في غالبها ثقافة إسلامية، والثقافة الإسلامية غالباً ما تكون ثقافة عربية هي الأخرى، وبالتالي فإن العربية بما تكنّه من خصوصية لغوية وثقافية هي بمثابة الإسلام كشريعة. حتى أن بعض القدماء صوّر هذه العلاقة كما هو الحال مع أبي عمرو بن العلاء بقوله: «علم العربية هو الدين بعينه»(1).
لكن بالرغم من الصورة التي تشهدها حقيقة عدم التفكيك بين طبيعة الزوج الثقافي الديني العربي؛ فإن معرفتنا لطبيعة العامل الذي يتحكم في العقل العربي الإسلامي ويشكّل بنيته العامة، إن كان يعود إلى الحقل الديني أو إلى الحقل العربي، كواقع أو لغة أو جنس.. كل ذلك سيحدد لنا حقيقة هذا العقل، لا بما يعبّر عما يحمله من ثقافة التراث التي سبق أن انتهى تكوينها، بل والأهم من ذلك بما يشكل من أداة فاعلة؛ لها القابلية على إنتاج الفكر حاضراً ومستقبلاً، مثلما كان لها القابلية على عملية الإنتاج المعرفي لتكوين التراث ذاته.
لقد كان من المفروغ منه، أن العقل العربي الإسلامي يستمد روح موضوعه الأساس من النص المقدس كمادة خام، فأداته تنهج نحو توظيف النص في تشكيل الثقافة العلمية وإنتاجها. وحيث أن النص المقدس يمتلك في حد ذاته اعتبارين أساسيين، فهو من جهة يمثل ذات اللغة العربية، لكنه من جهة أُخرى له قدسية شرعية خاصة أضفاها الشارع الإسلامي عليه، وبالتالي فهو ليس كأي لغة ولا كأي نص كان، بل هو نص لغوي محمّل ومشحون بالقدسية الدينية.. لذا فإن العقل العربي الإسلامي يصبح ذاته حاملاً لمادة ذات طبيعة مزدوجة، فهي من جهة مادة لغوية قد تساهم بدرجة ما في حمل صورة الواقع العربي وعكسه على صعيد العقل، لكنها من جهة أُخرى عبارة عن مادة دينية ذات صبغة معيارية قائمة في الأساس على نظرية التكليف بما تعبّر عن علاقة المكلِّف بالمكلَّف. فإذا كان هذا الازدواج قائماً في ذات النص والذي ينعكس بدوره على العقل الذي يستمد غذاءه من النص؛ لذا يصبح من الواضح ضرورة التمييز والكشف عن حقيقة البنية الأساسية للعقل وطبيعة العامل الفاعل في النشاط الابستمولوجي الذي يقوم به في عملية الإنتاج المعرفي.
وحقيقة الأمر أننا ما زلنا نفتقر افتقاراً مطبقاً لأي محاولة تسعى إلى وضع الحدود الفاصلة بين البنيتين اللغوية والمعيارية داخل العقل العربي الإسلامي، بل ولا نمتلك دراسة جادة تسعى للكشف عن صميم بنية هذا العقل إلا لدى مشروع (نقد العقل العربي). فهذه الدراسة رغم أنها لم تهتم في البحث عن الحدود الفاصلة بين البنيتين، ولم تستهدف التمايز بينهما، ولا حتى التعرض للكشف المفصل عن طبيعة البنية المعيارية، إذ كان غرضها ينصب مباشرة وبشكل واضح نحو إثبات الطبيعة العربية للعقل الذي تشكّل ولا زال يمارس دوره من خلال بنيته اللغوية.. رغم ذلك يُلاحظ أنها يمكن أن تعرفنا ولو بطريقة السلب عن حدود الاعتبارات المعيارية في قبال اعتبارات (الخاصية القومية) المضفاة على العقل العربي الإسلامي، ما دام هذا الأخير يقع بين أن يكون إما محكوماً بسلطة المزيّة الأُولى أو الثانية.

مبررات الأخذ بعروبة (العقل)

لا شك أن هناك بعض المبررات التي فرضت نفسها على المفكر محمد عابد الجابري لجعل مشروعه موسوماً بـ (العقل العربي) بدلاً عن (العقل الإسلامي). وهو وإن لم يتعرض صراحة إلى علة هذا الترجيح والتفضيل ضمن طيّات مشروعه الضخم، إلا أن كثرة  إلحاح  السائلين عن ذلك حدتْ به إلى أن يقدّم لنا عدة مبررات. فذكر في بعض المناسبات أن ذلك يعود إلى ما في اللغة العربية وعلومها من دور كبير وحاسم في تشكيل آليات المعرفة وبناء أُسسها. كذلك فلأن عبارة (العقل الإسلامي) لا يمكن أن تدل في حقل الثقافة العربية إلا على مثل ما تدل عليه عبارة (العقل المسيحي) في الثقافة الأوروبية، مع أنه ـ كما يذكر ـ ليس من اهتمامه ولا من اختصاصه التحرك في إطار (العقل الديني) إسلامياً كان أو مسيحياً(2).
وفي مناسبة أُخرى أوضح أن اختياره هو اختيار استراتيجي، مبدئي ومنهجي، وذلك لاعتبارين؛ أحدهما يتعلق بحدود إمكاناته الخاصة، إذ يتصور أن عبارة (العقل الإسلامي) من المفروض أن تضم كل ما كتبه المسلمون أو فكروا فيه، سواء باللغة العربية أو غيرها، مع أنه ـ كما ذكر ـ لا يتقن في هذا المجال إلا اللغة العربية. أما الاعتبار الآخر فيتعلق بطموحاته، ذلك لأنه لا يطمح إلى إحياء وإنشاء علم كلام جديد، وعبارة (العقل الإسلامي) لا تتجرد من المضمون اللاهوتي، في حين أن مشروعه قائم على البحث الابستمولوجي في أدوات المعرفة وآلياتها، وهو متوفر في اللغة العربية ذاتها، خاصة وأن هذه اللغة وعلومها لها الدور الكبير والحاسم في تشكيل آلية المعرفة ورسم صورة العالم، بعيداً عن مجال الدراسات اللاهوتية الكلامية وغيرها(3).
على أن الاعتبار الأول غير مقنع تماماً. إذ لو آمنا به لكان من الصعب أن نجد شخصاً يحق له التحدث باسم (العقل الإسلامي) والثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، مادام ليس بقدرته معرفة جميع اللغات التي تتناول الفكر الإسلامي، وهو الأمر الذي يفضي إلى تضييع الثقافة الإسلامية والخصوصية التي تحملها.
والحقيقة إنه لما كانت اللغة العربية تمثل العمود الفقري للثقافة الإسلامية بما هي ثقافة علمية، فأغلب ما كُتب عن الفكر الإسلامي علوماً ومناهج واتجاهات كان بتلك اللغة، لذا فأيّ كتابة أُخرى عن الثقافة الإسلامية أو (العقل الإسلامي) لا يمكنها أن تستغني عن اللغة العربية وثقافتها ولو بصورة غير مباشرة، إذ إن أيّ دراسة علمية تهدف للتعرف على (العقل الإسلامي) فسوف تتعرف عليه من خلال روح النص المقدس، أو من خلال ثقافة الاجتهادات الفكرية التي تتحرك في دائرة النص أو على مقربة منه، وجميع ذلك قد تمّ انجازه من خلال اللغة العربية ذاتها.
أما الاعتبار الثاني فصحيح أن الاستناد إلى آلية اللغة العربية كأساس للبحث الابستمولوجي يجعل من التفكير دائراً في حدود (العقل العربي)، لكن ليس من الصحيح أن البحث في إطار (العقل الإسلامي) يتضمن بالضرورة الطابع اللاهوتي، مثلما لا يصح أن يقال أن البحث في إطار (العقل العربي) يتضمن الطابع العرقي بالضرورة. فلا مانع من أن يكون أساس البحث في (العقل الإسلامي) هو البحث الابستمولوجي بعيداً عن اللاهوت، مثلما هو الحال في دائرة التفكير اللغوية. ومع ذلك فإنه لا توجد حدود فاصلة بين الأمرين، إذ البحث الابستمولوجي يؤثر على البحث اللاهوتي، والعكس صحيح. كما أن البحث في حدود العلاقات اللغوية له مداخل في المضامين اللاهوتية، والعكس صحيح أيضاً.

مهما يكن فإن إجلاء الفارق بين عبارة (العقل العربي) و(العقل الإسلامي)؛ لا تتضح من نفس طبيعة البحث إن كان ابستمولوجياً أو لاهوتياً، مادام البحث في (العقل الإسلامي) يمكن أن يكون ابستمولوجياً بعيداً عن اللاهوت. وعليه فإن الفارق بينهما وتمييز أحدهما عن الآخر؛ يتحدد بملاحظة مقومات البحث إن كانت تدخل في الطرح القومي أم الديني. فمن أهم مقومات الطرح القومي هي اللغة والجغرافية والجنس والتاريخ. في حين أن من أهم مقومات الطرح الديني هي العقيدة والشريعة بما تحملان من طابع معياري تحدده أساساً نظرية التكليف باعتبارها قطب التفكير الديني.

فالطرح القومي يجعل من العقل مبنياً على بحث اللغة من جهة اللفظ والمعنى، أو على الجغرافية من جهة تأثر الانسان بمحيطه الخاص، أو على أساس الجنس من جهة عرقية، أو على التاريخ إن كان له خصوصية فريدة؛ فلا يكون مسبوقاً بتاريخ آخر لقومية أُخرى، ولا يكون مقترناً مع خصوصية منافسة ليست ملحقة ضمن حقل الاعتبارات القومية، كما هو الحال مع خصوصية (المعيار) التي لا تتماهى مع مزية الإطار القومي.

قبلاً كانت هناك العديد من الدراسات التي استهدفت التمييز بين الأنظمة الفكرية أو عقول العالم؛ على أساس العرق والجنس. إذ ظهر العديد من المفكرين الغربيين يحملون نظرية تقسيم شعوب العالم إلى جنسين أُطلق عليهما بالجنسين الآري والسامي. وقد تولّدت فكرة الجنس الآري أساساً من ملاحظة بعض التشابه بين اللغات الهندية واللغات الآرية في أوائل القرن الماضي. ففي عام  0 8 8 1م قارن (شله جل) بين اللغتين السانسكريتية والألمانية فوجد بعض المشابهات في أُصولها واستدل بذلك على وجود قرابة نسلية بين الأقوام الهندية والأقوم الجرمانية، فأوجد بذلك فكرة العرق الهندوجرماني. وهناك من استدل على القرابة حتى بين الأقـوام الهندية وسائر الأقـوام الآرية(4). وتبعاً لـهذا التقسيم جاء الفيلسوف المستشرق ارنست رينان (2 3 8 1م ـ  2 9 8 1م) ليوظف نظرية الجنس في النظام المعرفي والعقلي، بل وأقام التفاضل العرقي بين الجنسين، حيث جعل من الجنس الآري متفوقاً على الجنس السامي. وقد تُوّجت هذه النظرية أخيراً لدى بعض أتباع رينان من المستشرقين، كما هو الحال مع (ليون غوتييه) في أوائل القرن العشرين، حيث ميّز العقل السامي عن العقل الآري، معتبراً أن العقل الأول عاجز عن أن يرى الأشياء مترابطة، فرؤيته تجزيئية إنفصالية ينقصها الانسجام والارتباط، بخلاف ما هو الحال في العقل الآري الذي له القدرة على الربط بين الأشياء والعقد فيما بينها بعقدة الاتصال والانسجام بوسائط تدريجية. لهذا فهو يرى أن الفلسفة اليونانية على خلاف تام مع الدين العربي الإسلامي، فالأُولى ترجع إلى الجنس الآري وهي لهذا قائمة على الوصل والارتباط، بينما يرجع الثاني إلى الجنس السامي، وهو يقوم على الفصل والتجزئة(5).

وقد راجت هذه النظرية لدى عدد من المتغربين العرب، من أمثال أحمد ضيف وأحمد أمين وأمين الخولي وإسماعيل أدهم وسلامة موسى ولويس عوض، كذلك لدى رينان مصر الضرير (طه حسين) كما نعتته بعض الصحف الفرنسية، حيث إنه طبّق التقسيم العرقي على الأدب العربي، وقال في تمييزه بين الأدبين العربي والفرنسي: «الفرق بين الأدب الفرنسي والأدب العربي هو في الواقع فرق ما بين العقل السامي والعقل الآري. فالأدب العربي سطحي يقنع بالظواهر، والأدب الفرنسي عميق دائم التغلغل. وفي الأدب الفرنسي وضوح وتحديد لا وجود لهما في الأدب العربي، والأديب الفرنسي إذا عالج موضوعاً ألمّ بالتفصيلات وهو مع ذلك لا ينسى الكل والمجموع. أما الأدب العربي فيجتزىء، يأخذ وردة من البستان أو لوناً من الوردة ولا يفكر في البستان. فالمزاج العربي هو المزاج السامي الذي لا يحيط بالموضوع أجزائه وكلياته، ولا ينزع إلى التحليل ودرس التفاصيل..»(6).

البيئة وتكوين العقل العربي

تكاد النتائج الرئيسية التي توصل إليها الجابري في اعتبار تفاوت العقول المعرفية وتفاضلها واعتبار العقلية العربية (البيانية) عقلية فصلية تجزيئية؛ تتشابه تماماً مع النظرية العرقية التي نظّر لها رينان وأتباعه. مع هذا فمن الخطأ الفاحش إتهام نظرية الجابري بالعرقية استناداً إلى وحدة النتائج، ذلك أن طرحه لا يتعالى على الحقيقة الإنسانية، فلا يذهب إلى صياغة العقل بالارتداد إلى الجنس كجنس، بل يربط بنية العقل وتكوينه بالجغرافية أساساً، ومن ثم باللغة كجهاز استلام وإرسال يضمر في داخله حقائق البيئة ذاتها. لهذا كانت مفاهيم اللفظ والأعرابي والصحراء والنحو والبلاغة وغيرها هي من أهم المفاهيم الموظّفة في مشروعه للتعرف على كنْه العقل العربي. فالجغرافية هي أهم ما في المشروع من أساس لتحليل تكوين العقل وبنيته، منهجاً ورؤية.

بادىء ذي بدء، يرى الجابري أن أداة المعرفة العربية التي يطلق عليها (العقل العربي) هي نتاج الثقافـة العربية حتى في مظهرها الفاعل(7). فهي عبارة عما خلّفتـه وتخلفـه الثقافـة العربية في الإنسان العربي بعد أن ينسى ما يتعلمه في هذه الثقافة من الآراء والمعتقدات والآيديولوجيات. فما يبقى هو (الثابت)، وما ينسى هو (المتغير).. فما يبقى هو ذات العقل أو الأداة بعد نسيان ما أفرزته من آراء ومذاهب، مستلهماً ذلك من التعريف المشهور للثقافة بأنها عبارة عن «ما يبقى عندما يتم نسيان كل شيء»(8). واستناداً إلى بعض الغربيين اعتقد الجابري أن التعريف العلمي المعاصر للعقل هو عبارة عن «القدرة على القيام بإجراءات حسب مبادىء»، أو هو «لعب حسب قواعد»، مؤكداً أن «العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع»، وبالتالي فإن العقل هو جملة قواعد مستخلصة من موضوع ما، أي  من الموضوع الذي يتعامل معه الإنسان، فتعدد أنواع المنطق والقواعد العقلية يأتي من تعدد أنماط الحياة الاجتماعية. فمثلاً أن اليونان لم يتعاملوا مع الكون والطبيعة إلا بإسقاط نفس القواعد التي استخلصوها من حياتهم الاجتماعية عليها، وإن أرسطو قد صاغ منطقه المتمثل بمبادئ العقل من اعتبار الخصائص المشاهدة في الأجسام الصلبة، كالحضور والغيابـ (مبدأ الهوية) والترابط والجوار (مبدأ السببية)، لذا كان المنطق الأرسطي ـ كما يقول كونزيت ـ عبارة عن فيزياء اتخذت الجسم الصلب موضوعاً لها، بخلاف ما حصل في الوقت المعاصر من منطق جديد لاختراق الأجسام والوصول إلى عالم الذرة، وإنشاء أنواع جديدة من المبادئ والعلاقات كاللا حتمية التي بشّر بها هايزنبرج وغيرها(9).

إذاً فالتعامل مع الفكر العربي الإسلامي عند الجابري لا يتخلّف عن قاعدة إسقاط البيئة عليه، فهو ليس بأكثر بداهة من المبادئ الضرورية للمعرفة البشرية التي صاغها أرسطو، كمبدأ الهوية والسببية العامة، ومع ذلك فقد جعلها مرتدة إلى بيئة الأجسام الصلبة في الحياة اليونانية. لكن إذا كانت الأجسام الصلبة والحياة الاجتماعية هي التي أدت إلى تكوين العقل اليوناني؛ فإن اقتران الفكر العربي بالصحراء الرملية والحياة البدوية هو الذي أدى إلى تكوين (العقل العربي)، سواء على صعيد المنهج أم الرؤية: «فالفكر العربي.. هو عربي، ليس فقط لكونه تصورات أو آراء ونظريات تعكس الواقع العربي أو تعبّر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضاً لأنه نتيجة طريقة أو اسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات، منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه»(0 1).

لقد صوّر الجابري عملية خضوع (العقل العربي) لسلطان البيئة بأنها تتخذ طابعاً مركباً وقائماً على الحمل والإرسال. فالبيئة العربية عكست صورتها مباشرة على اللغة وعلى العقل العربي بوصفه يمثل ثقافة ساذجة عامية، لكنها من جهة أُخرى أثرت على الثقافة العلمية بصورة غير مباشرة، وذلك عبر اللغة التي سبق لها حمل صورة الواقع العربي بشكل مباشر. وإذا ما كانت عملية التأثير للبيئة العربية تتحكم بكل من الرؤية أو المنهج؛ فإنه في الثقافة العامية التي سبقت الثقافة العلمية كان التحكم أولاً ببناء الرؤية أو المضمون الفكري قبل عملية بناء المنهج ذاته، وفي هذه الحالة كانت الرؤية هي المباشرة في تأسيس المنهج وليس العكس، خلاف ما حصل في الثقافة العلمية، حيث أن الرؤية أصبحت من إفرازات المنهج الاستدلالي ذاته(11).

النشأة العامية والدلالة الصحراوية على عروبة العقل

طبقاً لمشروع (نقد العقل العربي) لو حاولنا التعرف على التكوينات الأولية لـ (العقل العربي) لتطلب الأمر أولاً السفر عبر التاريخ لنشرف على كيفية خضوع الثقافة العامية للبيئة العربية الصحراوية. فـ «إذا نحن فحصنا بيئة الأعرابي الجغرافية والاجتماعية والفكرية من زاوية الاتصال والانفصال، وجدنا الانفصال يطبع جل معطياتها: فالطبيعة رملية، والرمل حبّات منفصلة مستقلة، مثلها مثل الحصى والأحجار والطوب المؤلف منها.. كل الأجسام في الصحراء وحدات مستقلة والعلاقات التي قد تربطها هي علاقات المجاورة لا التداخل، وهذا يصدق على النبات والحيوان أيضاً.. وتلك أيضاً حال الإنسان فيها، فهو فرد، وحدة ضائعة في أرض شاسعة.. والمباني غير موجودة، وإنما خيام منفصلة متمايزة ومتنقلة. أما القبيلة فهي مجموعة من الأفراد المتفردين، مجموعة من أجزاء لا تتجزأ، تجمعهم علاقة خفيّة، علاقة الدم التي تضيع مع مرور الأيام لتحلّ محلها علاقة الجوار، وهي في كلتا الحالتين علاقة قرابة، والقرابة ليست اتصالا، وإنما هي تخفيف من الانفصال وتقليص من مداه، وسواء تعلق الأمر بالعشيرة أو القبيلة أو الحي، فالفرد دوماً (جوهر فرد)، وحدة مستقلة في إطار من التبعية.. وبالجملة فالعلاقات في مجتمع رعوي هي علاقات انفصال. أما الاتصال فهو من خصائص مجتمع المدينة ومن مميزات البيئة البحرية، إن الاتصال هو من خصائص أمواج البحر وليس من خصائص قطرات الغيث في الصحراء ومثل كائنات أرض الصحراء كائنات سمائها: السماء صافية كالمرآة، ونجومها في الليل نقط بل ذرات، بعضها متناثر كالحصى وبعضها متقارب كحبّات الرمل (المجرات) ولكن لكل منها كيانه الخاص، هو إشعاعه وحجمه وحركته وموقعه»(2 1).

ثم إن هذه الرؤية الانفصالية تجد طريقها في اعتبار المكان والزمان على أن كلاً منهما يحمل الطابع الانفصالي أيضاً. كما وإنها تجد طريقها نحو مبدأ التجويز الذي ينفي وجود علاقات سببية ضرورية بين الأشياء. إذ «إن البيئة الصحراوية بيئة تسود فيها الرتابة فعلاً ولكنها رتابة تقطعها تغيرات مفاجئة. هناك من جهة عادة مستقرة وهناك من جهة أُخرى خرق لهذه العادة بين حين وآخر. وهناك اطراد فيما يخص الحر وشظف العيش وقساوة الطبيعة.. الخ، ولكن هناك أيضاً رياح وأمطار غير دورية ولا منتظمة، وهناك الرمال التي تصل جاثمة حتى تبدو كأنها خالدة في مكانها، ولكن هناك أيضاً كثبان ترحل فتصبح أثراً بعد عين بين عشية وضحاها، وهناك الرياح والزوابع التي تهب من غير توقع. نعم هناك النجوم الثابتة التي يهتدي بها المسافر ليلاً فلا يضل سبيله، ولكن لا أحد يمكن أن يجزم، لا المسافر ولا غيره، بأنه سيصل وقت كذا.. وإذن فالمبدأ الذي يؤسس وعي سكان هذه البيئة لن يكون السببية ولا الحتمية بل سيكون: الجواز، كل شيء جائز. الاطراد قائم فعلاً، ولكن التغير المفاجىء الخارق للعادة ممكن في كل لحظة»(3 1).

على أن تلك الرؤية التي تشكّل بنية العقل لدى أعراب الصحراء والتي تؤسسها البيئة العربية ذاتها هي نفسها تعتبر علة مباشرة لقيام المنهج الاستدلالي عند أُولئك الأعراب. فالرؤية هي التي تؤسس المنهج حين تكون الثقافة عامية كثقافة أعراب الصحراء. وطبيعة هذا المنهج طبقاً لتلك الرؤية الانفصالية التجويزية هي طبيعة المقاربة والتشبيه في الاستدلال.

وتظهر هذه الآلية من إنتاج المعرفة على مستوى الشعر (ديوان العرب) وعلى مستوى معارف العرب وعلومهم، إذ يحكمها «فعل عقلي واحد هو المقاربة». وكلاهما مترابطان «فالرؤية القائمة على الانفصال وعدم الاقتران الضروري تجعل الجهد العقلي محصوراً في المقاربة بين الأشياء بعضها مع بعض لا يتعداها»(4 1) . بذلك سعى مشروع (نقد العقل العربي) لـيبرهن على أن بنية هذا العقل حاضرة في الشعر وعلوم عرب الجاهلية. فالشعر قائم على التشبيه والانفصال معاً، إذ المطلع على القصائد العربية يجد كل قصيدة قائمة على الانفصال، أي استقلال كل بيت بنفسه، وبناء البيت الواحد على تشبيه أو ما يؤول إليه، فتصبح الصورة التي تقدمها القصيدة العربية عبارة عن مشاهد منفصلة متتالية كل مشهد منها يُنسي الآخر أو يلغيه، وغالباً ما تكون المشاهد حسية، فالتشبيه يستهدف الانتقال بالمخاطب من المعقول إلى المحسوس(5 1). كما أن العلوم القائمة على الأثر والأمارة كلها تستند إلى آلية ذهنية واحدة هي المقاربة، تؤسسها الرؤية المتمثلة بالتجويز أو عدم السببية الضرورية، كما هو الحال مع النجامة والقيافة والفراسة والعيافة والكهانة والعرافة. فجميع هذه العلوم تستدل بالأثر على المؤثر، أو بالأمارة كعلامة على الشيء، استدلالاً ظنياً تخمينياً لا يقوم على يقين العلاقة التي تربط بين الأشياء كعلة ومعلول(6 1).

 النشأة العلمية والدلالة اللغوية على عروبة العقل

إذا كان ما قدّمنا إنما يدور في الثقافة العامية حيث تأثير المحيط المباشر وتكوينه لبنية (العقل العربي) لا شعوراً، على صعيد كل من الرؤية والمنهج؛ فإن تأثير هذا المحيط على الثقافة العلمية لم يكن مباشراً، بل كان من خلال اللغة التي حملت صورة العالم العربي الصحراوي، باعتبارها المتأثر المباشر بالبيئة الجغرافية للعرب. لذلك قدّم الجابري عدة معطيات تبرر حق الأولوية للغة العربية في دراسة مكونات (العقل العربي)، كان أهمها ما للغة من دور في حمل صورة الواقع وعكسه على (العقل العربي) ذاته. وهو يشير إلى تلك المبررات؛ معتبراً أن الإنسان العربي «يحب لغته إلى درجة التقديس، وهو يعتبر سلطتها عليه تعبيراً ليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضاً، فهو الوحيد الذي يستطيع الاستجابة لهذه اللغة والارتفاع إلى مستوى التعبير البياني الرفيع الذي تتميز به.. فالعربي (حيوان فصيح). فبالفصاحة وليس بمجرد العقل تتحد ماهيته». ومن هذه المبررات أن الدين الإسلامي بقي عربياً دون الاستغناء عن العربية، فلا يمكن نقل القرآن إلى لغة أُخرى دون المساس به. فالعربية جزء ماهية القرآن، كما يقول علماء أُصول الفقه. كذلك فإن هناك دوراً بالغ الأهمية للغة في الدراسات الإسلامية، حيث أن الكثير من الخلافات تنشأ عن الاعتبارات اللغوية. يضاف إلى أن الخلافات السياسية والمذهبية قد شدّدت من استغلال مطاوعة اللغة لصالحها.

يبقى أن أهم مبرر لدراسة اللغة لدى مشروع الجابري هو مساهمتها الأساسية في تحديد نظرة الإنسان إلى الكون، خصوصاً إن اللغة العربية ربما تكون الوحيدة في العالم التي ظلت دون أن تتغير منذ أربعة عشر قرناً، فلها على ذلك أثر عظيم على (العقل العربي) ونظرته للأشياء، وخصوصاً ـ أيضاً ـ إن أول عمل علمي منظّم مارسه (العقل العربي) هو جمع اللغة العربية ووضع قواعد لها، فمن المنتظر أن يكون هذا العمل نموذجاً لسائر الأعمال الأُخرى لسائر العلوم. فالمنهجية التي اتبعها اللغويون والنحاة الأوائل وكذلك المفاهيم التي استعملوها والآليات الذهنية التي اعتمدوها هي أصل لما اعتمده مؤسسو العلوم الإسلامية. وعليه فإن اللغة العربية هي «محدد أساسي ولربما حاسم للعقل العربي بنية ونشاطاً»(7 1).

من هنا نفهم أن المشروع الآنف الذكر هو محاولة جريئة لأن يجعل من الفكر العربي الإسلامي فكراً محدداً باللغة العربية البدوية الصحراوية، مؤيداً ذلك بما كان العلماء يحكّمون فيه آراءهم بالرجوع إلى الأعراب في البوادي، إخلاصا للمحافظة على أصالة اللغة من اللحن والعجمة، حتى أصبح «السماع من الأعرابي قد رسم حدود العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها»(8 1)، ذلك أن الأعرابي قد عكس البيئة الصحراوية البدوية على بنية العقل والثقافة العلمية. فالأعرابي هو صانع العالم العربي: «العالم الذي يعيشه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم والوجدان»(9 1). وبقدر ما يكون عالم الأعرابي ناقصاً فقيراً ضحلاً جافاً حسياً لا تاريخي بقدر ما يعكس أن يكون (العقل العربي) الذي خضعت بنيته تحت سلطة الأعرابي متصفاً بتلك المواصفات.

هكذا إن دراسة (العقل العربي) إنما هي دراسة اللغة العربية، باعتبارها الأساس للتكوين والبناء، سواء من حيث اعتماد اللغويين على أعراب البادية في جمع الكلمات الفصحى، أو من حيث التقنين النحوي واللغوي، إذ العلماء قننوا الكلام وقعّدوه ضمن قوالب مطلقة ونهائية، أو من حيث البلاغة التي تعطي للعلوم العربية الإسلامية طابعها الاستدلالي.

فأهم ما في المشروع هو محاولته تكوين جسر يجعل من نظرة الأعرابي الساذجة وطريقته في التقريب والتشبيه تمتد إلى النظرة العلمية داخل الفكر العربي الإسلامي، وذلك عبر عملية استضمارية، يكون فيها العلماء قد استضمروا قوانين الخطاب الجاهلي والإسلامي كما يستضمر علماء الطبيعة قوانينها، أو كما يستضمر الفرد قوانين محيطه الاجتماعي(0 2). ذلك أن العلماء المسلمين قد أخذوا عن عرب الجاهلية ـ لا شعوراً ـ المبادئ الثلاثة الأساسية (الانفصال والتجويز والمقاربة)(1 2)، الأمر الذي يعنـي أنهم قد استلهموا مـنهم كـلاً مـن الرؤية والمنهج.

فعلى صعيد الرؤية إن نظرية (الجوهر الفرد) القائمة على اعتبار وجود جواهر متجاورة؛ هي التي تحدد الرؤية البيانية المتمثلة بالانفصال والتجويز(2 2)، حيث إن هذا التجاور يجعل من الأشياء منفصلة غير متصلة، فتكون بذلك خارجة عن أن يتحكم بها قانون التأثير والسببية الضرورية، بل تخضع إلى قانون آخر يقع على نقيضه، وهو (التجويز). وهذه الرؤية لم تكن مفصولة عن الرؤية العامية السائدة لدى أعراب الصحراء. فالجابري يعتبر أن ما أوقع علماء الكلام في تلك الرؤية هو رجوعهم كغيرهم من أصحاب البيان إلى المعاجم اللغوية التي تظهر فيها بصمات حياة الأعرابي وبيئته البدوية. لذلك فقد استشهد بما كان يفعله علماء الكلام من الاستعانة بتلك المعاجم لتحديد المعاني اللغوية للموضوعات الكلامية التي يريدون تحريرها، ثم بعد ذلك يقومون بعملية التأسيس النظري لهذه الموضوعات، مما يجعلها حاملة لبصمات لغة الأعرابي وحياته، كما هو الحال مع المفاهيم النظرية لكل من المـكان والزمـان والسببية وغيرها(3 2). إذ البيانيون ينطـلقـون دائـماً في تـحديد مـفاهيمهم ومصطلحاتهم من السلطة المرجعية الأُولى في حقلهم المعرفي (اللغة)(4 2).

أما من حيث  المنهج فإن المحاولة البديعة التي شيّدها مشروع (نقد العقل العربي) إيفاءً بعروبة هذا العقل هو أنه جعل من أحد فروع اللغة والأدب العربي أساساً منهجياً للاستدلال، لا فقط في حدود الجانب اللغوي فحسب، بل حتى في سائر العلوم العربية والإسلامية كالفقه والكلام. لقد كان هذا العلم هو علم البيان، وهو من علوم البلاغة الثلاثة (علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع)، حيث كشف المشروع عن أن سائر العلوم العربية والإسلامية كلها فروع لعلم البيان، أو أنها على الأقل ذات موضوع واحد هو (البيان)، لذا أطلق على النظام الذي يعالج العلوم العربية الإسلامية بالنظام البياني لمبررات عديدة، فالأمر لا يتوقف على ما في اللغة من خاصية البيان والتبيان، حتى يصبح موضوع (العقل العربي) الأساسي هو البيان ذاته، كما انه لا يتوقف على ما تحمله لفظة (البيان) وما تنقله من صورة مصغرة عن العالم الذي تنتمي إليه، ولا على ما تدل عليه اللفظة لغوياً من معنى الانفصال، حيث مصدرها (بيْن) التي لها دلالة الفرق والانفصال، بل ولا كذلك اعتبار مختلف العلوم العربية والإسلامية فروعاً لهذا المفهوم كما عبّر الشافعي في رسالته للأُصول، بل الأهم من كل ذلك هو أن البيان عبارة عن منهج استدلالي بلاغي أكسب قيمته العالم البلاغي السكاكي بعد نفاد العلوم العربية الإسلامية ووصولها إلى المدى الأقصى. ذلك أن السكاكي قد جعل كتابه معنوناً (مفتاح العلوم) وليس (مفاتيح العلوم)، إذ أراد بذلك ـ كما استكشف المشروع ـ أن يجعل الأدب العربي هو الذي يمتلك صورة الاستدلال كأساس لسائر العلوم الإسلامية، خاصة وإنه قد عالج موضوعي الحد والاستدلال المنطقيين جنباً إلى جنب سائر علوم الأدب الأُخرى، الأمر الذي جعل الجابري لا يدشّن نظرية ثرية جديدة خاصة بتاريخ البلاغة العربية فحسب(5 2)، بل ويكشف في الوقت نفسه عن أن أساس العلوم العربية الإسلامية هو أساس واحد يعبّر عن المنطق الداخلي لتلك العلوم. حيث أن الصورة البيانية والبلاغية هي إما على هيئة تشبيه أو استعارة أو كناية أو تمثيل، وكلها ترجع إلى أصل واحد هو التشبيه، والتشبيه عبارة عن قياس، والمجاز هو ضرب من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله.

هكذا فإن جوهر البلاغة هو التشبيه، وأن التشبيه عبارة عن قياس (لمثال سبق)، ففي البلاغة إن المثال متمثل بمعنى لشعر شاعر قديم، وحاله كحال القياس النحوي والفقهي، إذ المثال الذي يقاس عليه فيهما هو النص، ففي النحو يكون النص عبارة عن كلام عرب البادية، وفي الفقه يكون النص عبارة عن الكتاب والسنة(6 2). كما إن حال القياس الكلامي في الاستدلال بالشاهد على الغائب لا يختلف عن حال التشبيه أو المقاربة أو القياس.

وبذلك يصبح منهج القياس والمقاربة البلاغية هو الذي يؤسس الرؤية التي تكرس مبدأ الانفصال والتجويز للعالم في الثقافة العلمية، على عكس ما كانت تقيمه هذه الرؤية من تأسيس لمنهج القياس في الثقافة العامية الأعرابية. كما إنه من الناحية التاريخية أن القياس عبارة عن تشبيه، على عكس ناحية المنهج المنطقي التي بيّنتها الثقافة العلمية من أن التشبيه عبارة عن قياس(7 2).

 اختلال المشروع وتناقضه
 
هكذا إن اختيار تسمية الفكر العربي الإسلامي بـ (العقل العربي) هو اختيار معرفي استراتيجي دون أدنى شك، فهناك مبررات عديدة تجعل من تلك التسمية لائقة ومتفقة مع طبيعة البحث. فهو مكرس للكشف عن أثر اللغة والمحيط على تكوين العقل وتأسيس بنيته وآلياته الاستدلالية، فكيف لا يكون عربياً؟!

لكن تظل هذه التسمية تسمية اكسيمية. بمعنى أن التعامل مع مشروع (نقد العقل العربي) هو تعامل قائم على اعتبار النظام الكلي من ذاته وداخله، لا بفرض الاعتبارات الخارجية غير المتفقة معه. وبالتالي فإن إطلاق عبارة (العقل العربي) تتوقف على الاعتقاد بصدق هذه المنظومة، أما مع عدم التسليم بصدقها فإن تلك العبارة تصبح فاقدة لشرطها المقوم.

إن الاختيار الآخر الذي يقف أمام عبارة (العقل العربي) هو (العقل الإسلامي)، إذ فيها يكون الطرح الاكسيمي للمنظومة الفكرية مبنياً على الاعتبارات المعيارية التي تتفق مع الروح الدينية. فبقدر ما تكون أكسمة هذه المنظومة دقيقة؛ بقدر ما تحافظ على معياريتها، مثلما هو الحال مع منظومة (العقل العربي). فرغم أن مشروع (نقد العقل العربي) يعترف بوجود النظرة المعيارية العامة التي تحكم العقل العربي وتوجّهه(8 2)؛ لكنه مع ذلك يحاول الحفاظ على نظامه الكلي عن طريق تغييب العقل المعياري بادغام تلك النظرة وإهمالها، حتى وإن كان يراها مفرزة من مفرزات الجغرافية العربية. فطريقته التي رسم فيها تشكيلة بنية العقل بصورتها اللا شعورية في الثقافة العامية وبصورتها الواعية في الثقافة العلمية؛ لا تضع مجالاً لافتراض وجود بُعد معياري في التأسيس والتأثير. لذلك فهو لم يشأ أن يجعل الطابع المعياري لمفهوم (العقل) كما تمّ تحديده من قِبل العلماء والعرب عبر المعاجم اللغوية؛ ينجرّ على فهمنا لـ (العقل العربي) ذاته. فالجابري صريح في التمييز بين العقل كمفهوم ذي طابع معياري عـند العـرب، وبين (العقل العربي) نـفسه(9 2). ومع ذلـك فالأمـر لا يعني براءة هـذا الأخير من ذاك، بل اختزاله وتذويبه.

ومع هذا فالملاحظ إن مشروع (نقد العقل العربي) لم يحافظ على توازن نظامه الاكسيمي. إذ كان يعاني من التناقض الذاتي إلى الدرجة التي يمحي فيها خصوصية (العقل العربي) ذاته. فإضفاء طابع (العروبة) على العقل يعود أساساً إلى اعتبارات اللغة والبيئة العربية، وهي بالفعل متحققة تماماً في المشروع، حيث نجد الحرص الكامل لإعطائها الدور الحاسم في عملية إرساء بنية (العقل العربي) وتكوينه. إذ ظل عاملا اللغة والبيئة يواكبان مسيرة هذا العقل في نشأته وتطوره والنتائج المترتبة عليه. مع ذلك فالمشروع يضيق عن الاعتراف بأن هذا العقل هو (العقل العربي) بكليته، فهو يضعه كنظام منفصل وسط ثلاثة أنظمة متضاربة، كلها داخلة فيما يطلق عليه (العقل العربي)، وهي النظام البرهاني الفلسفي والنظام العرفاني الصوفي، مضافاً إلى النظام البياني الذي يستقل بالدلالة اللغوية المتسقة مع تنظير المشروع للغة العربية واعتبارها أساس (العقل العربي).

فمن مبررات إضفاء طابع (العروبة) على تسمية العقل؛ هو أن اللغة العربية كانت ومازالت المرجع المعرفي الأول لكل مفكر بياني، إذ اللغة هي السلطة المرجعية الأُولى والأخيرة للـنظام البياني(0 3). فتسمية النظام الذي يقوم على اللغة العربية بالنظام البياني هي تسمية في محلها. وأهم ما في هذه التسمية من دلالة هو ما وصل إليه السكاكي البلاغي من تشييد لطبيعة الاستدلال في العلوم الأدبية ـ خاصة علم البيان ـ واعتبارها أساساً لسائر العلوم الأُخرى، كالفقه والكلام وغيرهما، حيث يصبح الاستدلال قائماً منهجياً على اللغة ذاتها، من حيث إنها نحو وأدب وبيان. يضاف إلى ذلك ما للبيان من دلالة على الانفصال كما تشير إليه المعاجم اللغوية مما ينسجم تماماً مع نظرية الانفصال التي تكرسها الرؤية العلمية لعلم الكلام، ناهيك عن رؤية الأعرابي وعرب الجاهلية للعالم الخارجي. فبقدر ما كان هذا النموذج يتسق مع خصوصية (العروبة) و (العقل العربي)، إذ مردّه إلى اللغة والبيئة؛ بقدر ما كان النظامان الآخران على خلاف معهما. فهما من حيث المصدر يقعان خارج نطاق دائرة البيئة العربية، ولا علاقة لهما بلغتها، وهو ما يؤكده الجابري بنفسه إذ يقول: «.. على الرغم من الأهمية الكبرى التي نوليها لدور اللغة العربية في تشكيل الفكر العربي وتوجيه آلياته فإننا لا نعتبرها العنصر الوحيد المؤسس له. إننا ننظر إلى (العقل العربي) بوصفه نتاج الثقافة العربية الإسلامية التي تأسست على نظم معرفية ثلاثة: نظام معرفي لغوي عربي الأصل، ونظام معرفي غنوصي فارسي هرمسي الأصل، ونظام معرفي عقلانـي يونانـي الأصـل…»(1 3). علـى ذلـك اعتـبر أن شعـراء الجاهـلية والصحـابة والكلاميين والفلاسفة والعرفاء الإسلاميين والمحدثين المعاصرين وغيرهم من العرب؛ كلهم يقفون على خشبة مسرح واحد هو مسرح الثقافة العربية(2 3).

وهنا نسأل: ما هو المبرر الذي جعل مشروع (نقد العقل العربي) يضم نظامي البرهان والعرفان مع النظام البياني في بنية واحدة، رغم ما في هذه النظم من تناقض يجعل من (العقل العربي) متناقضاً في حد ذاته؟ فالنظام البياني بما هو نظام نحوي لغوي بلاغي يناقض النظام البرهاني العقلي، وقد أظهر الجابري انفجار هذا التناقض في مناظرة السيرافي النحوي مع متى المنطقي، مبيّناً أن هناك تناقضاً تاماً بين نظام النحو العربي ونظام المنطق الأرسطي. كما ان هناك تناقضاً بين النظام العرفاني القائم على (اللا معقول) وبين النظامين البرهاني والبياني. فما مبرر جعل (العقل العربي) يتناقض إلى هذا الحد؟

لا يخفى إن الجابري قد قام بتقديم بعض المبررات التي تجعل من النظامين الآنفي الذكر داخلين ضمن بنية (العقل العربي). فهو يرى أن الموروث القديم للعرفان والفلسفة ليس دخيلاً ولا أجنبياً على تاريخنا القومي، إذ كانت مواطنه عربية لمدة عشرة قرون قبل عصر التدوين، في الإسكندرية وأنطاكية وأفامية وحران والرها ونصيبين ثم في بغداد، بل ومن قبلها جميعاً في بابل ومصر واليمن، «والأهم من  ذلك كله هو أن ذلك الموروث القديم قد دخل كجزء لا يتجزأ في الثقافة العربية الإسلامية التي تشكل أهم عنصر في الشخصية العربية الإسلامية منذ أن أخذت تعي ذاتها في عصر التدوين ذاته». ومع هذا فإن الجابري يستدرك ويقرر: «نعم لقد اعتبر الموروث القديم علوماً دخيلة في عصر التدوين نفسه، وهذا صحيح، ولكن بمعنى أنه داخل الدائرة العربية البيانية وضايقها..»(3 3).

والواقع إن هذا التبرير لا يخفي التناقض الذي يطال (العقل العربي). فالجابري يعي أن نماذج الفكر العربي الإسلامي هي نماذج  متعارضة لا يجمعها جامع، لا من حيث الطريقة ولا الرؤية. وهذا التعارض يعني بالنتيجة تناقض (العقل العربي) ذاته، حيث يصبح الحال أن هناك عقولاً ثلاثة متخالفة فكيف يمكن ضمّها في عقل واحد؟!

لا شك إن هذا التناقض غير غائب على مشروع (نقد العقل العربي)، لذلك فهو يسعى أحياناً للتخفيف من حدّته عبر تحديده للعلاقة بين الفلاسفة الإسلاميين والثقافة العربية، حيث جعل من هؤلاء الفلاسفة يقرأون الثقافة اليونانية بواسطة الثقافة العربية. وهو يضع قاعدة (عرفية) تتحدد بموجبها (الجنسية الثقافية) لكل مفكر، من حيث إن التفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها، لذا اعتبر «الفارابي مثلاً الذي فكّر في قضايا الثقافة اليونانية هو مفكر عربي لأنه فكّر فيها بواسطة الثقافة العربية ومن خلالها». وفي نفس الوقت إن «التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثيّاتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان كما تحددها مكونات تلك الثقافة»(4 3).

والواقع إن المشروع حاول أن يعكس علاقة الفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين بالثقافة العربية الإسلامية كي يجد مجالاً لحشرهم ضمن بنية (العقل العربي) ولو أفضى ذلك إلى التناقض. فهو يجعل الفلاسفة الإسلاميين وكأنهم يفكرون في قضايا يونانية بواسطة الثقافة العربية، مع أن العكس هو الصحيح، إذ إنهم يفكرون في قضايا يونانية وإسلامية بواسطة الثقافة اليونانية ذاتها، وبواسطة (العقل اليوناني)، فهو الأساس، وإلا فكيف يعترف المشروع أن أساس ما يقوم عليه الفلاسفة الإسلاميون هو البرهان والعقل الكوني الذي هو أداة (العقل اليوناني) كما نظّمه أرسطو تأثراً ببيئته وظروفه الخاصة؟!

وكما حاول المشروع أن يعكس العلاقة في طبيعة ارتباط الفلاسفة الإسلاميين بالثقافة العربية واليونانية، لهدف ضم النظام البرهاني ضمن (العقل العربي) فإنه حاول بنفس هذا الاتجاه والهدف ليجعل من تاريخ العلوم الدخيلة المتمثلة أساساً بالنظامين البرهاني والعرفاني؛ تاريخاً قومياً مديداً، رغم أن هناك فرقاً بين اعتبار امتداد التاريخ العربي للعلوم الدخيلة وبين العلوم العربية ذاتها، إذ بقدر ما كانت نشأة العلوم العربية من نفس الوسط العربي، فإن العلوم الدخيلة كانت مكتسبة بالأساس من وسط آخر، سيما الوسط اليوناني الذي ولدت فيه الفلسفة بما تعبّر عن تنظير علمي للوجود والواقع، ثم بعد ذلك جاء العرفان كرد فعل على العقل الفلسفي.

ومع ذلك لو جارينا المشروع وقبلنا معه أن الفلاسفة الإسلاميين يقيمون ثقافتهم أساساً على الثقافة العربية، ولو قبلنا معه ـ أيضاً ـ أن تاريخ الفلسفة والعرفان عريق ومديد عند العرب منذ القدم، مما يبرر أن تكون مثل هذه الأنظمة داخلة ضمن النظام العربي.. لكن ماذا سيبقى بعدُ من خصوصية لـ (العقل العربي)؟! فهذا التصور يجعل من (العقل العربي) في حد ذاته غير عربي، أي أنه (عقل عالمي)، فليس هناك فرق بين ما هو عربي وما هو غير عربي، إذ جميع العقول الأساسية في العالم تصبح عبارة عما نطلق عليه (العقل العربي)، الأمر الذي يجعل من هذا الإثبات علامة نفي معاكسة لخصوصية العروبة للعقل.

لقد كان من المحتّم على مشروع (نقد العقل العربي) أن يقع في التناقض بنفي الخصوصية الذاتية لعروبة العقل التي كرّس ذات المشروع لإيجاد المجال الواسع لإثباتها وترسيخها، ولم يكن ذلك إلا لتهاون المشروع في تعامله غير العادل مع الأنظمة المعرفية الثلاثة التي تمثل عقولاً معرفية تختلف فيما بينها تبعاً للنظرة الاكسيمية داخل نفس المشروع وليس خارجه.

على أنه من حقنا التساؤل: لماذا وقع المشروع في عملية إفناء ذاته؟ فكما علمنا فهو قد حاول أن يثبت عروبة العقل عن طريق نفيه بنفي الخصوصية الذاتية، مما يعني أن ذات المشروع قائم على نفي ذاته، فهل كان الجابري غافلاً عن هذه الحقيقة المترتبة على مشروعه ككل؟ خصوصاً وإنه يحصر عقول العالم ـ بما تعبّر عن تنظير علمي ـ في ثلاثة هي العقل اليوناني والعقل العربي والعقل الغربي الحديث؛ معتبراً وجود الثبات والاتفاق بين العقلين اليوناني والغربي الحديث، مما يجعلهما في بنية عقلية واحدة، حيث أنهما يقومان على نقطة معرفية مركزية هي المطابقة بين العقل والطبيعة، وأن العقل يكتشف نفسه في الطبيعة ومن خلال التعامل معها(5 3) .

فإذا صحّ ما يقوله الجابري بأن (العقل العربي) يختلف عن العقلين الآنفي الذكر؛ بتمحور علاقاته حول ثلاثة أقطاب، إذ هناك  قطبـ (الله) المضاف إلى قطبي (الإنسان والطبيعـة) الذين يتعامل معهما مـفكرو اليونـان والغـرب الحـديث(6 3).. فهـل كـان الفـلاسفـة الإسلاميون يختلفون في تعاملهم مع هذه الأقطاب عن اليونان والغرب الحديث؟

الواقع إنه لم تكن هذه التسوية التي اصطنعها الجابري سليمة. فمن جهة إن الفلاسفة الإسلاميين يقومون على ذات العقل الذي يقوم عليه الفكر اليوناني، ويفكرون من خلال نفس المنظار، وإن أضافوا بعض الإشكاليات النظرية التي لم يسبق لليونانيين أن فكروا فيها وعالجوها، بحكم بعض العوامل والتي منها الظرف الإسلامي الذي عاشوا في كنفه. ومع ذلك فإن هذه الإشكاليات خضعت بدورها لنفس التفكير والنهج والأساس، كما هو الحال مع إشكاليات (العقل والنص، والعقل والوحي، والعقل والكشف، والوجود والماهية.. الخ).

من جهة أُخرى هناك فارق أساسي بين العقلية اليونانية والعقلية الغربية الحديثة، لا فقط في حدود الإشكالية التي يبحثان فيها، إذ الإشكالية اليوناية هي إشكالية العقل والوجود عامة، والإشكالية الغربية الحديثة هي إشكالية العقل والطبيعة بالخصوص.. بل كذلك إنهما يختلفان أساساً حول سير المعرفة وطريقتها ونوع العلاقة التي تربط بين العقل والطبيعة. فالتفكير اليوناني يجعل من العقل أساساً في التفكير، وهو يصدر عن رؤية فوقية تؤسس نسغاً نزولياً تبعاً لطريقة البرهان القياسية. أما التفكير الغربي فهو في الغالب على العكس، إذ يجعل من التجربة الطبيعية أساساً لتفكيره، ويصدر عن رؤية دونية تؤسس نسغاً صعودياًًً تبعاً لطريقة العلم الاستقرائي(7 3). وهو في ذلك لا يجعل من (الله) قطباً مضافاً إلى قطبي العقل والطبيعة أو الإنسان والطبيعة، بخلاف ما هو الحال في التفكير اليوناني، إذ إن محور العقل مستمد بكليته من قطبـ (الله) باعتباره يمثل العقل الكلي كله، والذي عليه تتدرج قابليات سائر العقول المتنزلة عنه بما في ذلك العقل البشري أو الإنسان.

وعلى العموم يخطئ الجابري حين يتصور وجود مماثلة بين الحضارتين اليونانية والغربية تتمثل في كون العقل الغربي يتبنى كنظيره اليوناني الاعتقاد بمطابقة العقل لقوانين الطبيعة، مستشهداً على ذلك بديكارت وغاليلو والعلم المعاصر عن الذرة والفضاء، بل وبما فهمه (العلم المعاصر) عن العقل بأنه جملة من القواعد المستخلصة من موضوع ما، مما يعني ضمـنياً المطـابقة بينه وبين قـواعد المـوضوع(8 3). فـإذا صدق هـذا التصور ـ نسبياً ـ على عصور ما قبل القرن العشرين ابتداء من النهضة فعصر التنوير ثم الحداثة؛ فإنه لا يصدق أبداً مع عصر ما بعد الحداثة. فقد كاد يصبح من المسلم به أن قوانين الطبيعة الأساسية عبارة عن صياغات عقلية مفترضة لا تعبر بالضرورة عن مطابقتها للطبيعة. فعلى الأقل فيما يتعلق بالنظريات ذات التعميم العالي والنظريات التي تتناول الظواهر البعيدة عن مجال الخبرة والتجربة الحاسمة؛ تقرر أن من المستحيل إثباتها على وجه اليقين. فما من نظرية من تلك النظريات إلا وتعبر عن بعض الافتراضات التي تُعزز بالشواهد والتجارب، لكن دون أن تصل إلى مرحلة الحسم. لهذا فقد تتنافس أكثر من نظرية على تفسير ظاهرة ما، وفي هذه الحالة يميل العلم المعاصر إلى الأخذ بالنظرية التي يتوفر فـيها عنصر البساطـة والاقـتصاد والجمـال بشكـل أعـظـم(9 3)، فضلاً عـن التـعزيز بالمشاهدات والتجارب.

وعليه لا يمكن تصور أن ما عرف عن الذرة وعن الفضاء يطابق بالضرورة الواقع كلياً، فمازالت هناك فروض وتقديرات تزداد بقدر ما كانت الظاهرة بعيدة أكثر عن مجال الخبرة المباشرة. فضلاً عن أن العلم المعاصر يؤمن بأن معرفة الموضوع الخارجي كـ (شيء في ذاته) أصبح من المستحيلات مثلما كان يراه (عمانوئيل كانت)، ذلك أن تأثر الموضوع بوسائل المعرفة المسلطة عليه كالأشعة مثلاً يجعل من المستحيل على العقل البشري أن يطابق ما هو عليه الموضوع الخارجي، وهو بهذا الفهم لا يكون مؤيداً للنظرية الهيجلية التي تركز على الصيرورة التاريخية في تحقيق المطابقة بين العقل ونظام الطبيعة كـما يوهـم الجابري(0 4). أما تعـريف العقـل ـ الآنـف الذكـر ـ فـإنه لا يطابق واقـع الافتراضات العقلية البعيدة عن مجال الخبرة المباشرة، ذلك أنها ليست مستخلصة من الموضوع الخارجي ذاته. لكنّا مع ذلك نرى أن هناك مماثلة بين الحضارتين (اليونانية والغربية) من نوع آخر سبق أن فصلنا الحديث عنها في كتاب (مدخل إلى فهم الإسلام)(1 4).

مهما يكن فلو تسامحنا بعض الشيء إزاء ما فعله الجابري في ضمّه للعقلين اليوناني والغربي في بنية واحدة، وذلك باعتبارهما متوجهين نحو إشكالية مشتركة هي إشكالية الطبيعة أو العالم الخارجي بالرغم من الاختلاف بينهما في حدود هذه الإشكالية.. إلا أننا لا نجد عذراً بشأن الخطأ الخاص بضمّه للعقول الثلاثة (البياني والعرفاني والبرهاني) ضمن بنية عقلية واحدة هي (العقل العربي)، مع ادراكه أن العقل البرهاني هو العقل اليوناني ذاته، فكيف يُضم تحت طاولة (العقل العربي)؟ ومن أين نجد الفارق بينه وبين بقية العقول، كالعقل الغربي، إذا ما كان هذا الأخير متحداً مع العقل اليوناني؟ فالنتيجة تصبح أن (العقل العربي) هو ذاته متحد مع العقلين معاً.

 الدافع الأيديولوجي للمشروع

لا شك أن هناك دافعاً هاماً يقف خلف مشروع الجابري ككل. فلقد سبق أن ذكر ـ وكما عرفنا ـ أن إضفاء وسام (العروبة) على مشروعه في العقل، أو العقل في العروبة؛ كان لبعض الدواعي، وليس المهم فيما ذكره من هذه الدواعي، بل الأهم هو ما سكت عنه بالذات، حيث هناك الدافع الآيديولوجي كهدف واضح في المشروع. إذ المشروع يهدف إلى نهضة، وهذه النهضة تريد أن تتكىء على نموذج صالح للانطلاق منبعث من نفس التاريخ العربي، ولما كان النظام البياني لا يفي بهذا الشرط من الصلاحية، وأن ما يراه المشروع كنموذج صالح للنهضة إنما هو الاعتماد على طريقة البرهان (العقلانية)؛ لذا فمن غير المعقول أن يكون المشروع يهدف إلى نهضة عربية من خلال عقل غير عربي، في الوقت الذي يطرد النموذج العربي البياني الأصيل. وعليه كان من الضروري أن يجعل من النموذج اليوناني عربياً حتى يتسق مع برنامج النهضة ذاتها، في الوقت الذي يحقق من خلاله إيصال تاريخنا بالتاريخ الثقافي العالمي.

وبالفعل إن الجابري عقيب ضمّه للعلوم الدخيلة ضمن تاريخنا القومي؛ أعلن عن مهمته في النظر بروح نقدية لمختلف مكونات تراثنا كسبيل صحيح يمكننا «من امتلاكه فعلاً والتحرر بالتالي من نماذجه التي تستعبدنا وبكيفية خاصة النموذج الجاهلي البدوي (الأعرابي) الذي مازال حضوره قوياً في وجـداننـا ورؤانا (العقلية) »(2 4). لذا اعتبر أن دعوتـه هـذه لا فـقـط توصل تاريخنا بالتاريخ الثقافي العالمي، بل أيضاً ـ وهو الأهم ـ  «من أجل تبيان مكونات الثقافة العربية الإسلامية وفحصها ونقدها وصولاً إلى اعادة بناء الذات العربية على أُسس جديدة قوامها التخلص من رواسب النماذج السلـبية المـاضية..»(3 4). ثم إنـه جعـل رائـده في ذلك «خدمة قضية العقلانية في الفكر العربي»(4 4).

وإتماماً للمطاف يرى أن إعادة بناء الذات العربية لا تتحقق إلا من خلال النظام البرهاني الأرسطي. لذا فهو يدعو إلى قطع الصلة بالجنبة المشرقية البيانية والعرفانية من العلم العربي، وإبعاث الجنبة المغربية المغيّبة والقائمة أساساً على البرهان الفلسفي الأرسطي كما لدى ابن رشد. وقد كلّفه ذلك أن يخلط بين مفكري الأندلس والمغرب ليضعهم في قائمة أرسطية واحدة، بالرغم من أن بعضهم ينتمي صراحة إلى العرفان كما هو الحال مع ابن طفيل، والبعض الآخر إلى البيان كما هو الحال مع إبن حزم والشاطبي وابن خلدون.

كل ذلك كان من صنيع المشروع باعتباره يدعو إلى عصر تدوين جديد يعيد الحياة إلى النظام البرهـاني الذي ببنيته قـام الفكر الغـربي الحديث والمعاصر(5 4)، معتبراً أنه لا بد لـهذا العصر الجديد من بداية هي نقد السلاح، نقد (العقل العربي)(6 4). وبهذا يكون المـشروع عبارة عن بداية هذا العصر، الأمر الذي يعني أن كتاب (نقد العقل العربي) لا يمكن أن يحقق غرضه من إبعاث النهضة في الأُمة العربية ما لم يثبت أن النظام البرهاني كنموذج سليم وصالح هو نموذج عربي، أو هو داخل في بنية العقل العربي الذي يراد له النقد والإصلاح والتجديد والنهضة.

  المشروع واغتيال اللغة والعقل

لو تجاوزنا ما تقدَّم من تناقض المشروع الذي شهدنا فيه إفناءه لخصوصية العروبة في العقل؛ فرغم ذلك تظل بنية (العقل العربي) حسب الأكسمة التي هندسها صاحب المشروع هي بنية قائمة في الأساس على اللغة بما تعكسه وتنشره من أثر المحيط والبيئة الصحراوية. وطبقاً لهذا الاعتبار فبقدر ما تكون اللغة غنيّة بقدر ما يكون العقل غنياً، وكذا بقدر ما تكون اللغة فقيرة بقدر ما يكون العقل فقيراً ضحلاً.

لقد استنتج مشروع (نقد العقل العربي) ضحالة اللغة بضحالة البيئة وفقرها، وقد جعل ذلك منعكساً على (العقل العربي) ذاته، فهو ضحل ضئيل لا يعرف أن يفكر خارج حدود النص، فمنه يبتدىء وإليه ينتهي، حتى لدى الذين عرفوا بالنزعة العقلية كالمعتزلة.

ونحن لو تجاوزنا الأثر المبالغ للغة على العقل إلى الدرجة التي تطوقه تطويقاً كاملاً، وغضضنا الطرف عن المحيط الصحراوي بما له من دور في تحديد معرفة الانسان، وأردنا أن نتعرف على اللغة العربية ذاتها، فسنجد أنها تمتاز بصفة لا تنافسها أيّ لغة أُخرى، وهي ثباتها وقدرتها على الصمود أمام طول تغيرات الحياة عبر القرون، فضلاً عن تاريخها المديد، إذ لا يعرف لها تاريخ محدد، فلا يعرف لها طفولة ولا شيخوخة، بل كل ما عرف عنها هو النضج والكمال، بخلاف نظائرها من اللغات التي طغت على العالم، كالاسبانية والانجليزية، إذ يقدر تاريخهما ببضع قرون محدودة. حتى أن (أرنست رينان) على الرغم مما عرف عنه بالعنصرية والتعصب؛ قد شهد لها في كتابه (تاريخ اللغات السامية) فاعتبرها قد بدأت فجأة على غاية الكمال، وانتشرت سلسة غنية وكاملة لم يدخل عليها أيّ تعديل مهم، وهو يرى أن بدايتها الكاملة هي من أغرب ما وقع في تاريخ البشر ويصعب حلّه(7 4) .

وفوق كل ذلك فإن اللغة العربية لها امتياز خاص بكثرة موادها وكلماتها، فهي من هذه الجهة تتفوق على ما سواها من اللغات العالمية المعروفة. فعدد كلمات اللغة الفرنسية (5 2) ألف كلمة، وكلمات اللغة الانجليزية مائة ألف كلمة، أما العربية فعدد موادها (0 0 4) ألف مادة، وإذا نظرنا إلى معجم لسان العرب وحده لوجدنا أنه يحتوي على
(0 8) ألف مادة لا كلمة (8 4). ويكفي أن نعرف أن الخليل الفراهيدي في كتابه (العين) قد أحصى عدد كلمات العربية بما يزيد على اثنتي عشرة مليون كلمة، وأن ما يلفظ منها هو أكثر من ستة ملايين ونصف المليون كلمة، لكن لا يستعمل منها إلا أكثر بقليل من خمسة آلاف ونصف كلمة.

ومع ذلك اتهمت هذه اللغة بعدة اتهامات لها دلالة على عدم الصلاحية، ووصفت بالعي والقصور منذ القرن الماضي حتى كُللت أخيراً بيد الجابري. فالبعض اتهمها بعدم صلاحيتها للتكلم بخلاف ما في العامية، كما أن هناك من دعى إلى تمصيرها كما هو الحال مع دعوة لطفي السيد، الذي كتب عدداً من  المقالات في (الجريدة) عام  3 1 9 1م؛ اتهم فيها العربية بأنها واسعة في القاموس، ضيقة في الاستعمال، مخصبة في المعاني والمسميات القديمة، مجدبة في المعاني الجديدة والاصطلاحات العلمية، وأن رقيّها قد انقطع منذ قرون طويلة، وبالتحديد منذ أيام النهضة العباسية. كما أن محرر المرأة (قاسم أمين) اعتبر اللغة العربية قد مرت عليها قرون طويلة وهي واقفة، بينما أخذت اللغة الاوروبية في التحول والرقي كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم. كما وكتب عبد الله حسين في صحيفة (الأهرام) عام  6 2 9 1م؛ فادعى أن العربية عجزت عن تأدية العبارة الدقيقة لحياة الصناعة وأسرار الطبيعة، وقد ظهر ذلك حين أراد المترجمون أن ينقلوا إلى اللغة العربية كتب الأدب، فاجتهد كل مترجم بتصرفه الشخصي. وهذا ما جعله يشير إلى ضرورة الأخذ باللغة العامية باعتبارها ـ حسب تعبيره ـ أداة التعبير الحقيقية عن مطالبنا وأحاديثنا(9 4).

مهما يكن من أمر فقد ظهرت دعوات لتهذيب اللغة وإصلاحها أدت إلى إنشاء عدد من المجامع العلمية، حيث بدأت فكرة انشاء أول مجمع في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتبلورت الفكرة (عام  3 9 8 1م)، إذ عُقدت عدة جلسات أُتفق خلالها على عدد من الكلمات الخاصة بتسمية بعض مظاهر الحضارة الحديثة. ثم بعد ذلك ظهرت هناك عدة مجامع لغوية أهمها المجامع الأربعة التالية: المجمع العلمي في دمشق (عام  9 1 9 1م)، والمجمع اللغوي في القاهرة (عام  2 3 9 1م) (0 5) ، والمجمع العلمي في بغداد (عام  7 4 9 1م)، وأخيراً المجمع الاردني (عام  6 7 9 1م) (1 5).

على إنا لا نجد تنظيراً دقيقاً ومنظماً في اتهام اللغة العربية، إلا لدى مشروع (نقد العقل العربي) ذاته، فهو مكلل لتلك النتائج، ذلك إنه يذكر خاصيتين للغة العربية، هما: لا تاريخيتها، أي كونها جامدة غير متطورة، وكذلك طبيعتها الحسية. فالخاصية الأُولى راجعة إلى الطريقة الاشتقاقية الصارمة للقياس اللغوي للفراهيدي، حيث صارت اللغة العربية جامدة ومحددة في إطار المجموعات الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية، دون أن يكون اللغويون قـد راعـوا وضع قواعـد تـحافظ على إمـكانية التطـور والتـجدد (2 5). إذ بدأت العملية بعملية التماس سند واقعي لفرض نظري: «فالكلمات صحيحة لأنها ممكنة وليس لأنها واقعية»(3 5). أما الخاصية الثانية، خاصية طبيعتها الحسية، فهي لأنها قد جُمعت من الأعراب البدو ذوي الحياة الحسية، مما ترك فيها بصمات الأعرابي وظروفه المحدودة، إلى درجة أن الجابري استشهد بقول الأرسوزي من أن «الكلمات العربية ذات أُصول في الطبيعة، وأن مبدأ الصحة فيها قد تعيّن من قبل الفطرة لا من قبل العرف والعادة»، بحيث إن كل كلمة لا يمكن إرجاعها إلى صورة صوتية مقتبسة من الطبيعة لهي كلمة دخيلة على اللغة العربية(4 5). على ذلك اتهمها بأنها تحمل غنى بدوي في قبال الفقر الحضاري، يتمثل في كثرة المترادفات، كثرة راجعة في جزء منها إلى الاشتقاق الصناعي على طريقة الخليل، وفي جزء آخر إلى السماع من قبائل مختلفة. فأصبح هناك تضخم في الكلمات التي لها معنى واحد ومن أصل واحد فصار هناك فائض في الألفاظ بالنسبة للمعنى. وهذا هو علة جمود العقل العربي، فكما «إن السماع من الأعرابي قد رسم حدود العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها.. فإن صناعة اللغويين والنحاة قد قولبت بدورها العقل الذي يمارس فعاليته في هذه اللغة وبواسطتها». فالنحاة فضلاً عن اللغويين قد قننوا الكلام وحجّموه بواسطة قوالب اعتبروها مطلقة ونهائية، إذ كرسوا في اللغة «صيغاً منطقية تتحكم في ديناميتها الداخلية وبالتالي تقـتل إمكانية التـطور فـيها»(5 5). وهو يعـتبر أن هـذا الفـقر المعـنوي مصحوب بغـنى سحري، إذ «النغمة الموسيقية في اللغة العربية تعوض أو تغطي فقر المعنى، وتجعل الكلام الذي يجرّ معه فائضاً من الألفاظ ذا معنى حتى ولو لم يكن له معنى»، حيث أن الأُذن أصبحت تنوب عن العقل في الرفض والقبول(6 5).

لكنه في الوقت نفسه يُلقي باللائمة في ذلك الفقر وعدم التطور على اللغويين والنحويين لانصرافهم عن النص القرآني عند جمعهم اللغة ووضع قواعدها، وكذلك لانصرافهم عن المراكز الحضارية والقبائل المتحضرة، كقبيلة قريش والمجتمع المكي والمديني على عهد الرسول والخلفاء، إذ لا تنقل المعاجم اللغوية أسماء الأدوات وأنواع العلاقات التي عـرفـها ذلـك المجتمع(7 5).

على أن نقد الجابري يلوح المعاجم بالدرجة الرئيسية أكثر مما يلوح التقنين اللغوي والنحوي. ذلك إن عملية التقنين وإن كانت قد حددت الكلام العربي ضمن قوالب ثابتة، إلا أنها لم تؤثر أبداً على ناحية الافتقار اللغوي، وذلك لوجود الوفرة اللغوية من جهة، ولكون عملية الاشتقاق في التقنين قد ساعدت بإعطاء الفائض من المعنى في غالب الأحيان. فليس من الصحيح اتهام هذه العملية بإفاضة المرادفات ذات المعنى الواحد، بل العكس هو الصحيح، حيث هناك اختلاف واضح في المعاني بين المشتقات ذاتها وبينها وبين مصادرها اللغوية، بالرغم من وجود الجامع المعنوي المشترك الذي يضمها جميعاً في خانة واحدة. فمثلاً هناك تمايز بين المصدر (خرج / خروج) وبين مشتقاته مثل (أخرج / تخرج / استخرج / مخرج / إخراج / استخراج.. الخ)، كذلك هناك فرق بين المشتقات ذاتها، فهي ألفاظ لها دلالات مختلفة وإن كانت تنتمي إلى المشترك العام من المعنى.

يظل أن حملة الجابري الأساسية شُنّت على ما جُمع من ألفاظ لغوية فقيرة المعنى قد أثرت بدورها على مختلف العلوم العربية والإسلامية، في الوقت الذي أُهملت الاصطلاحات العلمية والفلسفية دون أن تدوّن في القواميس اللغوية لاعتبارها دخيلة على لغة الأعراب الأقحاح. وعليه اعتبر اللغة العربية في القواميس لا تسعف الإنسان العربي بالكلمات الضرورية عندما يريد أن يعبّر عن أشياء العالم المعاصر، رغم أنها على درجة عالية من الرقي من حيث آلياتها الداخلية للتفكير والكتابة(8 5).

والملاحظ قبال الاعتراضات الأساسية التي أُثيرت على اللغة العربية هو أن حقيقتها لم تُثر اتجاهها بالخصوص، بل أُثيرت حول المعاجم اللغوية التي اهتمت بألفاظ أصبح الكثير منها لا يُستعمل، في الوقت الذي تخلو فيه من التعبير عن الحاجات العصرية، وهذا ليس قصوراً في اللغة، بل في الجامعين لها لأغراض تخصهم، ولإمكاناتهم المحدودة في ظرف لم يشهد تطوراً في علوم الطبيعة مثلما عليه اليوم، لهذا نجد المعاجم القديمة تخلو من أسماء آلاف النباتات والحيوانات، وهي تعاني من الاضطراب في الخلط في التسميات أحياناً وعدم الدقة في وصف تلك الكائنات وتصنيفها أحياناً أُخر(9 5). لكن بخصوص العلوم الفلسفية والإسلامية وبعض العلوم الطبيعية التي لا تحتاج إلى التسميات الكثيرة مثلما هو الحال في علمي النبات والحيوان؛ فقد كانت مثقلة بالمعاني والاصطلاحات العلمية، ولم يكن هناك شعور ما بأيّ فقر لغوي أو معنوي، إذ الألفاظ والعبارات غنيّة بالمعاني لكثرة استخدام المجاز والسعة في التعبير، وقد ساعد ذلك على كتابة الملخّصات العلمية المضغوطة دون نقص في المعنى ولا زيادة في ذكر الألفاظ. مما يعني أن هذه اللغة لا تحمل قوة في المعنى فقط، بل كذلك إن طابعها المجازي جعل من الخطأ اعتبارها لغة حسية. فلفظة اليد تعني في التعبير هذه اليد الجارحة، وفي تعبير آخر لها دلالة على القوة والقدرة، وكذلك على السيطرة، وعلى الملكية… الخ. وكذا مفهوم الرأس، كرأس دابة، ورأس مال، ورأس قوم، ورأس العين، ورأس الأمر… الخ. وعليه فالمسألة تخرج عن حدود المعاجم بما تحمله من ألفاظ، فحيثما تتحول إلى عبارة فإنها في الغالب تأخذ طابعاً آخر هو المجاز والتجرد للمرونة التي يفيضها سياق النص على الكلمة.

لهذا شهدت الثقافة الإسلامية خلافاً حاداً بين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من جهة، وبين من سبقهما من العلماء من جهة أُخرى؛ حول ما إذا كان هناك مجاز في اللغة أم لا؟ لكثرة ما وجد من الدلالات المختلفة الصور والمتباينة التجريد والمعنى للكلمة الواحدة، فمنـهـا دلالات حسية، وأُخرى غير حسية (0 6). وهو ما جعـل المتصوفـة كالغزالي وغيره يوظّفون هذه المزية لإعطاء اللفظ عدداً هائلاً من المعاني الحسية والماورائية، كما هو الحال مع لفظة (الميزان)، فكما يقول صدر المتألهين الشيرازي: إن «كل ما يقاس به الشيء بأي خصوصية كانت؛ حسية أو عقلية يتحقق فيه حقيقة الميزان ويصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة والشاقول والكونيا والاسطرلاب والذراع، وعلم النحو وعلم العروض وعلم المنطق وجوهر العقل، كلها مقاييس وموازين توزن بها الأشياء، إلا أن لكل شيء ميزاناً يناسبه ويجانسه، فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة.. والمنطق ميزان الفكر يعرف به صحيحه عن فاسده، والعقل ميزان الكل إن كان كاملاً..»، كذلك الحال مع اللوح والقلم واليد والوجه والصورة وغيرها(1 6) .

فواقع الأمر إن هناك فرقاً بين اللفظ كمادة خام وبين استخدامه في العبارة. فمهما كان اللفظ محدوداً في مادته؛ يصبح في العبارة غنياً في المعنى بما يفيض عليه سياق النص.

وربما تكون أول ممارسة علمية إسلامية يظهر فيها ادراك التعدد في اللفظ الواحد حسب تباين السياق؛ هي تلك التي تعود إلى مقاتل بن سليمان، إذ صنف كتاباً بعنوان (الأشباه والنظائر)؛ معتبراً أن هناك وجوهاً مختلفة للفظ الواحد، أحدها يكون المعنى الأصلي، وسائر المعاني عبارة عن فروع لهذا المعنى. ثم بعد ذلك أخذت هذه الممارسة حيزها الطبيعي وسط العلماء في مختلف الدراسات، خاصة الدراسات القرآنية ضمن موضوع ما يسمى (الوجوه والنظائر)(2 6) .

وعليه لو صحّ ما ذكره الجابري من أسباب فقر المعنى التي حددها بكونها مستلهمة من الأعرابي، ولكونها مقننة من قبل اللغويين والنحاة.. لو صحّ هذا لكانت الجملة العربية في مختلف ميادين النشاط العلمي والأدبي جملة محددة محكومة بالحس والبساطة، من غير أن تكون قادرة على إعطاء الكثير من المعاني والمحتملات التي تصل أحياناً إلى تفسير نص ما من النصوص بتقديم العديد من المفاهيم والمعاني. فكل ذلك يدل على ما في اللغة من معنى، بحيث إنه لهذه الغزارة قد يصعب ضبط المعنى المطلوب وتحديده.

نعم يمكن لحديث الجابري أن يصدق بخصوص الأدب في كثير من الأحيان، كما في الشعر والنثر الموزون، إذ كثيراً ما يفتقر إلى المعنى مع احتفاظه بمزيّة النغمة الموسيقية. لكن هذا الافتقار لا ينسحب على بقية العلوم، وإلا كيف نفسّر كثافة الاصطلاحات والمفاهيم العلمية التي تزخر بها الكتب العلمية بما فيها العلوم الإسلامية؟ وكيف نفسّر رغبة العلماء من غير العرب تفضيل الكتابة باللغة العربية على لغاتهم في مختلف المجالات؟ وكيف نفسّر دخول الحضارات الأُخرى ضمن الحضارة العربية دون أن يحول ذلك من استخدام العربية ذاتها ؟ كما كيف نفسّر كثرة تعريب الكتب العلمية بدقة ومهارة، كالفلسفة والطب والفلك والكيمياء وغيرها، فضلاً عما نراه من شروحات وتنظيرات خاصة داخل وعاء اللـغة العربية لمعالجة العـديد من الموضوعات والإشكاليات العلمية؟

على أن ما ذكرناه لم يمنع كون العرب وجدوا أنفسهم بعيدين بلغتهم عن الحاجات العصرية التي فرضتها الحضارة العلمية، وذلك منذ مطلع القرن التاسع عشر. لكن هذا لا يعود إلى عيّ وقصور في اللغة، بل يرجع إلى أننا وجدنا قضايا العلم جاهزة أمامنا من دون تفكير مسبق بالعلاقة التي تربط اللغة بالعلم، خاصة وإن عملية إنتاج العلم لم تكن في دارنا العربية. ومع ذلك فهناك محاولات مثمرة للتعريب تقوم بها بعض المراكز المعنيّة في الوطن العربي؛ استطاعت أن تبلور آلاف المصطلحات في شتى فروع العلوم الطبيعية(3 6)، مما يؤكد قدرة اللغة العربية على الاستيعاب والتكيف بقوة لا تقل عن سائر اللغات إن لم تتفوق عليها، لما فيها من زيادة في المواد، ولما فيها من قابلية كبيرة على الاشتقاق.

والعجيب إن مشروع الجابري قد حكم على نفسه بنوع من التناقض. فادعاؤه السافر بقصور اللغة العربية ونقصها من أن تستوعب اللغة العلمية والمعنوية.. هذا الادعاء يناقضه نفس المشروع الضخم الذي شيّده. إذ إن هذا المشروع يعبّر لا فقط عن عبقرية (عقل عربي) قلما نجد قبالها عبقرية أُخرى طوال «قرني النهضة»، بل يعبّر أيضاً عن الكفاءة المذهلة للغة العربية التي وظفها في مشروعه وجعلها طيّعة لأن يرمي بها إلى الدخول في أبعاد عميقة وسحيقة، أدت بالنهاية إلى نوع من المفارقة والتناقض، بين التوظيف المذهل لهذه اللغة كوسيلة، وبين المعنى الذي استهدفه في اغتيالها واغتيال العقل من بعدها.

   عود على بدء

نعود الآن إلى صلب موضوعنا الأساس في اختيار الوصف المناسب للعقل إن كان عربياً أم إسلاميًّا، وذلك بحسب ما تفيضه مادة العقل المسلّط عليها ضوء الدراسة من دلالات تخص طبيعتها والعوامل التي تؤثر عليها في توجهات العقل، فنحن في واقع الأمر بين فرضين محتملين، فإما أن تكون هذه الدلالات ذات مغزى معياري، أو هي ذات مغزى قومي لغوي أو جغرافي. وبقدر ما ينجح مشروع (نقد العقل العربي) من إثبات قوة تحكّم التأثير اللغوي والجغرافي على مادة العقل وتوجهاته؛ بقدر ما يكون وصفه صالحاً وناجحاً ومن ثم تكون تسميته بإضفاء صفة العروبة صحيحة. وكذا بقدر ما يثبت قوة انشداد تلك المادة إلى المفاهيم المعيارية بقدر ما يكون الوصف والتسمية لصالح (العقل المعياري)؛ متمثلاً بالاتجاه الإسلامي للخصوصية الزائدة التي يضيفها واقع الفكر الإسلامي على المعيار الديني عامة.

  نقد النشأة العامية لبنية العقل

على ذلك لو عدنا مرة أُخرى إلى صياغة (العقل العربي) حسب المشروع الآنف الذكر؛ لوجدنا أن مادته البنيوية قائمة أساساً على مفاهيم (الانفصال والتجويز والمقاربة)، وهي المادة التي سعى المشروع أن يثبت أُصولها بواسطة البيئة العربية، فاعتبرها مترسخة في أعماق العقل الباطني لقدماء عرب الجاهلية. وقد علمنا أن حجج المشروع قائمة على عدة دعاوى: فمن جهة أن الجابري حاول انتزاع مفهومي الانفصال والتجويز من بيئة الأعرابي، معتبراً أن البيئة هي التي جعلت لهذين المفهومين نوعاً من الحضور والظهور في علوم العرب وأشعارهم، ثم بواسطة الاستضمار تحولا إلى الثقافة العلمية لعلماء البيان كافة.

فنحن هنا قبال فرضية ترد المفهومين العلميين إلى الجغرافية كأثر حاسم، في قبال فرضية أُخرى تردهما إلى عامل (المعيار) من حيث أقرب الطرق للتأكيد على إرادة الله وقدرته. فكيف نحدد أقرب الفرضين إلى الحقيقة؟ مع أننا لو جمعنا دلالات الفرض الأول لحصلنا على عدة قرائن تصب في محور هذا الفرض، كما فعل الجابري حيث استخلص دلالة الانفصال من خصائص الطبيعة الصحراوية لعرب البادية، مثل الرمال والحصى المنفصلة، والنباتات والحيوانات المتفرقة، وقطرات المطر المتقطعة، والنجوم المتناثرة، وغيرها.. وكذا الحال فيما لو جمعنا القرائن الدالة على الفرض الثاني، بما في ذلك نفس القضايا الفكرية التي لها دلالة الإنفصال كنظرية الجوهر الفرد وقضايا الزمان والمكان واللا سببية واللا حتمية وغيرها مما لها دوافع ظاهرة تصب في محور (المعيار)، كإثبات قدرة الله وإرادته.

فأي الفرضين أصلح للتفسير؟ هل نعلل بنية العقل ونردها إلى الجغرافية أم إلى ما ورائها؟ وهل أن العلوم الإسلامية مبعثها الحس أم الدين، البيئة أم المعيار؟

قبل كل شيء لا بد من التأكيد على أن القرائن حينما تجمع لصالح فرضية ما؛ فإن القيمة الاحتمالية الكلية عن الفرضية لا تستخلص من قيم إحتمالات تلك القرائن بصورة متساوية. فقيم الاحتمالات تختلف لاختلاف القرائن ذاتها من حيث النوع، لهذا فالأمر لا يعود إلى كثرة الشواهد، فقد تكون قرينة واحدة أقوى من عدد كبير من القرائن. وإذا ما أخذنا بهذا الاعتبار أصبح من الممكن النظر إلى نوع التأثير في القيمة الاحتمالية للقرائن المقدمة لصالح الفرضية (4 6). وطبقاً لهذه القاعدة إذا ما أردنا أن نختبر فرضية الجابري في حشد القرائـن التي تؤكد على الجذور الصحراوية لنظرية الانفصال واللا سببية التي تنتمي اليها؛ سنجد أن هذه القرائن مع كثرتها لا تحظى إلا بقيمة احتمالية ضعيفة جداً، وهذا ما يُعرف بالاستقراء وملاحظة الواقع، إذ من الواضح أن تأثير ما ذكره الجابري من رمال منفصلة ونباتات متفرقة ونجوم متناثرة وغيرها؛ لا يمتلك من القوة التي تجعله الحاسم في بناء مادة بنية (العقل العربي) بصورته الساذجة، ولا في تأسيس التصور النظري العلمي لمفهوم الانفصال ونظريته، خاصة إذا ما لاحظنا أمرين مضادين لهذا الفرض، أولهما إن هذه الأُمور المنفصلة لا تخلو منها أيّ بيئة مهما كانت متماسكة، فالانفصال موجود في جميع الأماكن. هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فهناك في قبال تلك الأُمور الانفصالية أُمور اتصالية ربما يكون بعضها ذا أثر أقوى، خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، حيث إن تأثيره أقوى من الجانب الطبيعي ذاته. فمن الواضح أن الحياة البدوية هي حياة ملتحمة بالنسب تكوّن أساس العصبية كـما يقول إبن خـلـدون(5 6)، الأمر الذي له دلالة على الاتصال بدرجة أقـوى من رمال الصحراء والنباتات المتفرقة، فالإنسان يتأثر بالعقل والحياة الجمعية بدرجة أكبر مما يتأثر بالطبيعة.

ومما يلفت النظر أن الجابري، حتى مع ظاهرة الالتحام الاجتماعي لعرب البادية، حاول أن يضفي عليها المدلول الانفصالي ليظل محافظاً على وحدة نسق مشروعه، فلم يعبّر عنها بالاتصال والالتحام، بل عبّر عنها بالانفصال المخفف.

كما ينطبق الحال السابق على مفهوم السببية والتجويز. فما استخدمه الجابري من مؤشرات عربية دالة على غياب فكرة السببية الضرورية، كما في النجامة والكهانة والقيافة والفراسة والعيافة وغيرها؛ يوجد قبالها قرائن مضادة من وجهين. فمن جهة لا يختص مبدأ التجويز بالبيئة الجغرافية الضيقة، فالعقول البشرية تمارسه في مجالات كثيرة يقتضيها الظرف والموضوع ذاته. فالنجامة والكهانة مثلاً ربما يعتبران موضوعاً مناسباً لممارسة التجويز، وهي ليست من علوم عرب الجاهلية وحدهم، بل سبقهم في ذلك غيرهم كبلاد فارس والهند والروم، حتى أن النص الذي استشهد به مشروع (نقد العقل العربي) كشاهد بخصوص النجامة على التجويز عند العرب؛ كان يتضمن وجود ذلك العلم عند غير العرب من الفرس والهند والروم(6 6)، وظاهر النص يوحي بوجود فهم قائم على أساس فكرة السببية الضرورية ولـيس التجـويز(7 6).

ومن جـهـة أُخرى فإن العـرب كـغيرهم كانوا يتحسسون بثبات الظواهر الطبيعية واطرادها. فبيئتهم  لم تكن بيئة خارجة عن سنن الطبيعة، كما لا ينقصها وفرة وجود علاقات السببية. فهم يرون احتراق الأشياء بالنار وموت الحيوانات وطلوع الشمس والقمر وتناوب الليل والنهار وغير ذلك من سنن الطبيعة الثابتة. ولا شك أن كثرة هذه الظواهر وقدرتها في التأثير على تأسيس بنية عقل الانسان أعظم من الحوادث المفاجئة والطارئة، فكيف استحوذت البيئة غير المطردة على عقولهم دون المطردة منها؟!

كذا الحال مع طريقة الاستدلال التي يرجعها الجابري إلى نفس نظرية الانفصال والتجويز، فهو يذكر أمثلة خاصة ومناسبة على استخدام هذه الطريقة من الاستدلال بالشاهد على الغائب والوصول إلى نتيجة لا تحظى بدرجة اليقين القطعية، لكنه لا يلتفت إلى وجود نوعين من القرائن المضادة لتلك القرينة. فمن جهة أن استخدام تلك الطريقة وما تتضمنه من عدم الارتقاء إلى رتبة اليقين إنما هي من مقتضيات أيّ بيئة وليست حكراً على البيئة العربية، باعتبار أن علاقات أيّ بيئة لا بد وأن تكون منقسمة إلى علاقات تبرر الوصول إلى درجة اليقين، وعلاقات أُخرى لا تبرر الوصول إلى ذلك، الأمر الذي يكون فيه استخدام طريقة الظن لا غنى عنه، سواء كانت هذه الطريقة هي عين الاستدلال بالشاهد على الغائب أم غيرها. ومن جهة أُخرى إن وجود علاقات مطردة كثيرة في البيئة العربية الصحراوية تحتّم على أن يتعامل العرب معها تعاملاً قائماً على اليقين بالفطرة، سواء عزينا ذلك إلى الاعتماد على ذات طريقة الاستدلال بالشاهد على الغائب، أو كان الأمر يعود إلى طريقة أُخرى يتعامل معها الإنسان العربي القديم فطرياً لعدم توفر الثقافة العلمية.

هكذا نحن مضطرون إلى التعامل مع ذلك الفرض على هذا المقياس من الاحتمالات، حيث يظهر لنا افتقاره لقوة الاحتمال الكافية لأن يكون معقولاً أو مقبولاً بالترجيح. وما يؤيد نظرنا هو أن الجابري حينما ردّ في بعض الندوات على تهمة كونه يدعو إلى الحتمية الجغرافية، أجاب ببساطة إنه لا يدعو إلى ذلك ولا يؤمن بهذه الحتمية، بل ذكر أمثلة مظاهر الصحراء التي لها دلالة على الانفصال لتصوير بياني «يهدف إلى المقاربة قصد الإيضاح والإيحاء» دون أن يكون هناك علاقة من نوع علاقة العلة بالمعلول (8 6). وهو بهذا لا يجعل ما ذكره من شواهد لها دلالة ملزمة على المطلوب، وكأنه يتبع بذلك أسلوب البيانيين في المقاربة والتجويز، إذ من جهة يجعل شواهده المعدّة كشاهد غير مؤدي بالضرورة إلى إثبات النتيجة كغائب، مما يعني افتقارها لأن تكون منضوية تحت الطريقة البرهانية الأرسطية التي يدعو لها دون غيرها، في الوقت الذي يجعل مسلكه قائماً على طريقة التجويز التي يتبعها البيانيون، حينما ينفي أن يكون للبيئة الجغرافية طابع حتمي في تكوين وبناء بنى العقول البشرية. فهناك مسافة (تجويزية) بين العلة المتمثلة بالبيئة الجغرافية، وبين المعلول المتمثل ببنية العقل.

مهما يكن، فإن اعتبار ما ذكره من مظاهر الصحراء كشواهد بيانية تهدف إلى التصوير والمقاربة؛ تفرض عليه وضع نظريته الأساسية في التأثير الجغرافي موضع الفرض المحتمل، حتى لدى شخصه بالذات، مما يعني أن ما بناه لا يتعدى الاحتمال على وجود أصل لمفاهيم (الانفصال والتجويز والمقاربة) في دنيا العرب الأرضية، مثلما يعني إمكانية أن يكون هذا الأصل أمراً موهوماً.

 نقد النشأة العلمية لبنية العقل

لو أردنا أن ندرس نظرية الانفصال بخصوص الثقافة العلمية التنظيرية؛ سنجد أنها ليست شاملة ولا مطلقة، كما أنها لا تختص بالثقافة العلمية العربية، سواء على نحو علاقة اللفظ بالمعنى في العلوم العربية، أو على نحو الرؤية العلمية للعالم في العلوم الكلامية الإسلامية. فعلى صعيد علوم اللغة إن البيانيين في مختلف علومهم قد فصلوا بين اللفظ والمعنى ككيانين مستقلين، ولم ينظروا إليهما نظرة اتحادية تعبّر عن كون الألفاظ دالة على المعاني بذواتها، الا ما ندر. وهو الموقف المعقول الذي يفسّر العلاقة اللغوية تفسيراً واقعياً منسجماً مع جريان الأمور، فضلاً عن إنه لا يختلف عن مواقف الاتجاهات الألسنية للغات العالمية الأُخرى. وفيما عدا ذلك فإن البيانيين العرب غالباً ما لجأوا إلى عملية الوصل لا الفصل في دراساتهم اللغوية.

فهذا عبد القاهر الجرجاني، البلاغي المعروف، يعتبر أن الكلمة ليس لها عطاء واضح في المعنى، بل يُفهم المعنى الواحد من مجموع الكلمات التي ينتظمها الكلام، فلا تعرف الأغراض الا من مجموع الكلام كمعنى حاصل. بل ويذهب إلى أكثر من ذلك كدلالة على الاتصال، فيرى أن البلاغة هي صنعة الجمع بين (أعناق المتنافرات المتباينات في ربقة) والعقد (بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة). فعبارات الجرجاني الدالة على الوصل والاتصال؛ هي ذاتها التي ينقلها الجابري عن كتابيه ( دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة) دون أن يتوقف عندها ويعطيها حقّها من النظر والتحليل(9 6). فلو عرفنا أن جوهر البلاغة قائم على التشبيه، والتشبيه عبارة عن قياس واستدلال كما يوظفه البلاغي السكاكي؛ فلا مناص من القبول بقيام جوهر عملية الاستدلال البياني على الاتصال لا الانفصال، إذ إنها أساساً تجمع في قياسها بين المتنافرات لوجود نوع خاص من الشبه بينها.

أما بخصوص نظرية الانفصال داخل الرؤية العلمية للعالم؛ فالملاحظ أنها لا تختص بالفكر العربي الإسلامي، بل ان امتداداتها تظهر لدى كل من الحضارة الهندية واليونانية بما هو معروف بالنظرية الذرية كما قال بها ديمقريطس والتي نافستها نظرية أرسطو في الجسم المتصل. كذلك فإن العلم المعاصر ومنذ بداية القرن العشرين أخذ يتجه صوب المفهوم الانفصالي في تحليل المادة، كما يسلم بذلك صاحب مشروع (نقد العقل العربي)(0 7). فإذا كان للتفكير اليوناني والغربي مبرراته العلمية في اتخاذ مبدأ الانفصال لتفسير الواقع الموضوعي؛ فالأمر لا يختلف مع الفكر الكلامي الإسلامي الذي يقيم نظريته وراء مبرراته المعيارية. يضاف إلى ما لنظرية الانفصال من انسجام مع التفكير الفطري للإنسان، فهي أقرب إلى البساطة والاستيعاب لدى ذهن الإنسان العادي، باعتبارها لا تفضي إلى فكرة التسلسل واللانهاية مثلما هو الحال مع النظرية الاتصالية.

وكذا الحال مع فكرة اللا ضرورة السببية أو التجويز، فهي وإن كانت تبدو غائبة لدى التفكير العقلي اليوناني تبعاً للمنظومة الفلسفية، لكنها ليست غائبة لدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر، بل يلاحظ أن العلم المعاصر أخذ يروّج هذه الفكرة مع فكرة الانفصال والطفرة بشهادة نفس صاحب المشروع(1 7). مما يعني أنها ليست من مختصات الفكر العربي الإسلامي.

يضاف إلى أنه رغم انقسام الثقافة الإسلامية على ذاتها بعض الشيء إزاء فكرة التجويز، فالملاحظ أنه حتى القائلين بهذه الفكرة لم يقولوا بها على إطلاق، فقد حصروها ـ فقط ـ في حدود العلاقات الخاصة للسببية، ولم يسحبوها على العلاقة العامة لها. وكم تمنينا أن يضع المشروع لهذه الناحية من حساب، ويفرق بين (السببية الخاصة) التي يختلف حول ضرورتها مفكرو العرب، وبين (السببية العامة) التي لا يختلف عليها أحد، فكما أن فكرة التجويز التي تلوح (السببية الخاصة) تقوم على فصل العلة عن المعلول، واعتبار جواز عدم حدوث المعلول مع وجود العلة، وجواز إبدال العلة بغيرها في عملية إنتاج المعلول؛ فإنه لا مجال لهذه الفكرة مع (السببية العامة). إذ ليس هناك من يقول بجواز وجود المعلول من غير علة مطلقاً. وبذلك  فإنهم يختلفون مع نظرية (ديفيد هيوم) التي يمتد تجويزها إلى كلا العلتين أو السببيتين، الخاصة والعامة(2 7).

هكذا إن قبول المفكرين الإسلاميين للتجويز بهيئة (السببية الخاصة) وعدم سحبه على (السببية العامة)؛ له دلالة عظمى على دافعهم المعياري. إذ إن حصر التجويز في العلاقات الخاصة مع الاحتفاظ بمبدأ (السببية العامة)؛ يجعل من الفكر العربي الإسلامي منسجماً مع مفهوم (المعيار)، من حيث الحفاظ على علة الوجود الأصلية (الله)، في الوقت الذي يجوز لهذه العلة أن تمارس عملية القهر لـ ( السببية الخاصة) وتقلب علاقات الطبيعة وسننها كيفما تشاء. وهذا التفكير كما هو واضح أقرب إلى ( المعيار) منه إلى العامل الجغرافي البيئي، وإلا فلماذا لم يُجوّز مفكرونا فصل العلة عن المعلول على سبيل الإطلاق كما هو الحال مع نظرية (ديفيد هيوم)؟! مما يعني أن التجويز وإن كان ينسجم مع فكرة الإنفصال، إلا أنه للسبب المذكور آنفا لا يصح جرّه إليه مطلقاً.

وكذا الأمر مع طريقة الاستدلال التي لا تفضي إلى القطع واليقين، فهي ليست من مختصات الفكر العربي الإسلامي، بل يشاطره في ذلك العلم المعاصر. وإذا ما كان هذا العلم قد وجد موضوعه الفيزيائي بعيداً عن متناول العقل البشري؛ فإن الفكر الإسلامي هو الآخر قد وجد موضوعه المعياري واللغوي – في الغالب – بعيداً عن أن يحدده العقل بدقة، سواء كان ذلك بالإمعان في نظرية التجويز تبعاً لروح  (المعيار)، حيث الاعتقاد بأن الإرادة الإلهية هي وحدها التي يمكنها أن تجمع وتفصل بين المقدمة الاستدلالية ونتيجتها، كما يصرح بذلك بعض الأشاعرة.. أو بسبب الموضوع ذاته لعدم قابليته تحقيق اليقين، كما في القياسات الفقهية واللغوية، لطبيعة الفقه واللغة.

***

هكذا ننتهي إلى أن إضفاء خاصية (العروبة) على العقل في مشروع (نقد العقل العربي)  لم يصادف بنظرنا النجاح لعلتين: فمن جهة إن (العقل العربي) وكما أوضحنا كشف عن إفنائه لذاته لضمه النماذج الأجنبية على طابعه (القومي). ومن جهة أُخرى فإن قرائن تأثير البيئة على العقل لم تكن قرائن كافية لإقناعنا بقبول تفسير تكوين وبناء بنية هذا العقل. وبالتالي فإن تطوافنا الطويل مع مشروع الجابري قد أكد لنا بأن تاريخنا وتراثنا الفكري لا يصح قراءتهما بالطريقة التي يهيمن عليها العامل البراني. بل يمكن القول إن هناك مفارقة قصوى يمكن ملاحظتها بين التحضيرات التمهيدية التي بلغت القمة في التنظيم والعقلانية، وبين النتيجة الساذجة التي انتهت إليها هذه التحضيرات. فكأن الجابري بذلك قد وصل في تحضيراته إلى منتهى (العقل البرهاني) لا لشيء، إلا لأجل تفريخ (العقل المستقيل) الذي يرميه باللا معقول، فهو كما يقول المثل: (تمخض الجمل فأولد فأرًا).

(1) زيدان، جرجي: تاريخ آداب اللغة العربية، دار مكتبة الحياة، بيروت، ج 2، ص 7 1.

(2) التراث والحداثة، ص 1 3 1.

(3) التراث والحداثة، ص 0 2 3 ـ  1 2 3.

(4) الجندي، أنور: معالم الفكر العربي المعاصر، مطبعة الرسالة، ص 2 3 2 ـ  3 3 2.

(5) عن: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، نفس المعطيات السابقة، ج 1، ص 9 1 1.

(6) الجندي، أنور: الفكر العربي المعاصر ، مطبعة الرسالة، ص 9 4 3. كذلك: الجندي، أنور: الثقافة العربية المعاصرة، مطبعة الرسالة، ص 3 3 1.

(7) تكوين العقل العربي، ص 5 1.

(8) نفس المصدر، ص 8 3.

(9) تكوين العقل العربي، ص 4 2 ـ  5 2.

(0 1) المصدر السابق، ص 2 1.

(1 1) بنية العقل العربي، ص 9 3 2 و 5 4 2.

(2 1) المصدر السابق، ص 1 4 2 ـ  2 4 2.

(3 1) المصدر السابق ، ص 2 4 2 ـ  3 4 2.

(4 1) المصدر السابق، ص 7 4 2.

(5 1) تكوين العقل العربي، ص 9 2 1.

(6 1) بنية العقل العربي، ص 5 4 2 ـ  7 4 2.

(7 1) تكوين العقل العربي، ص 5 7 ـ  6 7.

(8 1)  المصدر السابق، ص 9 8.

(9 1) المصدر السابق، ص 8 8 ـ  9 8.

(0 2) التراث والحداثة، ص 1 1 3.

(1 2) بنية العقل العربي، ص 7 4 2.

(2 2) المصدر السابق، ص 9 3 2.

(3 2) المصدر السابق، ص 1 8 1و  9 8 1.

(4 2) المصدر السابق، ص 5 1 2.

(5 2) لاحظ المصدر السابق، ص 9 8.

(6 2) تكوين العقل العربي، ص 9 2 1 و  0 3 1.

(7 2) المصدر السابق، ص 0 3 1.

(8 2) لاحظ: تكوين العقل العربي، ص 1 3 ـ  3 3.

(9 2) التراث والحداثة، ص 2 9 2.

(0 3) بنية  العقل العربي، ص 8 0 2 و  3 1 2.

(1 3) التراث والحداثة، ص 2 4 1.

(2 3) تكوين العقل العربي، ص 8 3 ـ 9 3.

(3 3) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(4 3) المصدر السابق، ص 3 1.

(5 3) المصدر السابق، ص 7 1و  8 2.

(6 3) المصدر السابق، ص 9 2.

(7 3) انظر بهذا الخصوص خاتمة كتابنا مدخل إلى فهم الإسلام، كذلك مقالنا: الحضارة العربية بين الحضارة اليونانية والحضارة الغربية، مجلة الوحدة، العدد المزدوج  1 0 1 /  2 0 1،  3 1 4 1هـ ـ 3 9 9 1م.

(8 3) لاحظ: تكوين العقل العربي، ص 8 2.

(9 3) فرانك، فيليب: فلسفة العلم، ترجمة الدكتور علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأُولى،  3 8 9 1م، الفصل الأخير.

(0 4) تكوين العقل العربي، ص 3 2.

(1 4) يلاحظ بهذا الصدد خاتمة كتابنا: مدخل إلى فهم الاسلام.

(2 4) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(3 4) المصدر السابق، ص 2 9 1.

(4 4) المصدر السابق، ص 3 9 1.

(5 4) المصدر السابق، ص 4 6 5.

(6 4) المصدر السابق، ص 6 6 5.

(7 4) عن: الفكر العربي المعاصر، ص 1 8 5.

(8 4) عن: معالم الفكر العربي المعاصر، ص 4 1 2.

(9 4) عن: الفكر العربي المعاصر، ص 7 6 5 ـ  9 6 5.

(0 5) الجميعي، عبد المنعم الدسوقي: مجمع اللغة العربية / دراسة تاريخية، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  3 8 9 1م، ص6 1.

(1 5) مجمع اللغة العربية في عيده الخمسيني لرئيس المجمع ابراهيم مدكور، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية،  1 8 9 1م، ص 9.

(2 5) تكوين العقل العربي، ص 2 8 و  6 8.

(3 5) المصدر السابق، ص 3 8.

(4 5) المصدر السابق، ص 6 8.

(5 5) المصدر السابق، ص 8 8 و  9 8.

(6 5) المصدر السابق، ص 0 9.

(7 5) المصدر السابق، ص 7 8.

(8 5) المصدر السابق، ص 9 7.

(9 5) لاحظ حول عيوب المعاجم العربية: المصطلحات العلمية في اللغة العربية، لرئيس المجمع العلمي العربي الأمير مصطفى الشهابي، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق، الطبعة الثانية،  5 6 9 1م، ص 3 3 ـ  0 4.

(0 6)  انظر حول ذلك: إبن تيمية: الايمان، دار الكتب العلمية في بيروت، الطبعة الاولى،  3 0 4 1هـ ـ  3 8 9 1م، ص 0 8 وما بعدها. وإبن الموصلي، شيخ محمد: مختصر الصواعق المرسلة لإبن القيم الجوزية، تصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الامام  3 1 في مصر، ص 3 4 2 وما بعدها.

(1 6) الشيرازي، صدر المتألهين: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت،  1 8 9 1م، ج 9، ص 9 9 2.

(2 6) أبو زيد، نصر حامد: الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانية،  3 8 9 1م، ص 7 9 ـ  8 9 .

(3 6) كما هو الحال مع مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي. لاحظ: عبد الرحمن، وجيه حمد: اللغة العربية والحضارة الانسانية، مجلة دراسات شرقية، العددان الخامس والسادس،  0 9 9 1م.

(4 6) بخصوص نظرية الإحتمال اوضحنا أن القرائن المختلفة كيفاً لا يمكن اعطاؤها مقادير متساوية من القوة الإحتمالية، وبالتالي فهي لا تقبل التقدير الكمي، وذلك في كتابنا (الاستقراء والمنطق الذاتي، مؤسسة الانتشار العربي، 2005م، الفصل الثالث من القسم الثالث).

(5 6) لاحظ: الفصل الثامن من مقدمة إبن خلدون والمعنون: (في أن العـصبية انما تكون من الالتـحام بالنـسب أو ما في معناه).

(6 6) لاحظ: بنية العقل العربي، ص 5 4 2.  كذلك: إبن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الرابعة،  2 1 4 1هـ ـ  2 9 9 1م، مادة نوء، ج 1، ص 6 7 1.

(7 6) إذ جاء في النص ما قوله: «كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لا بد أن يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينـسبون كل غيث يكـون عند ذلك النـجم فيقولون مطرنا بنوء الثريا والدَّبران والشمال» (لسان العرب: مادة نوء، نفس المعطيات السابقة).

(8 6) لاحظ: التراث والحداثة، ص 9 0 3 و 1 1 3 و  2 1 3.

(9 6) لاحظ كلاً من: بنية العقل العربي، ص 6 8 ـ 9 8. والتراث والحداثة، ص 2 5 1.

(0 7) الجابري، محمد عابد: الخطاب العربي المعاصر، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة، 8 8 9 1م، ص 2 6 1.

(1 7) المصدر والصفحة السابقة.

(2 7) انظر حول ذلك المـصادر التالية: مـحـمود، زكي نجـيب: ديفـد هـيوم، دار المـعارف،  8 5 9 1م، ص 1 7 ـ  2 7 و  6 8. ريشنباخ، هانز: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية،  9 7 9 1م، ص 5 8. بيرلين، ايسايا: عصر التنوير، ترجمة الدكتور فؤاد شعبان، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي بدمشق،  0 8 9 1م، ص 9 3 2.