مرقد ميثم التمار
 

العمارات التي طرأت على المرقد:

يذكر (لويس ماسينون) في كتابه متحدثاً عما سجله في زيارته مدينة الكوفة: (… ومن ثم ذهبت إلى الأكمات الكائنة في الجهة الجنوبية التي يسمونها قصر الإمارة وبيت علي وقبر ميثم التمار…)(20)، وقد أرخ زيارته هذا في 10 آذار سنة (1934م) بمعنى أن قبر ميثم كان مشيداً منذ زمن قديم وإنْ لم تستطع كتب الآثار والتراجم تحديده بالضبط.

يصفه الشيخ محمد حسين المظفر بقوله:

(وعلى قبر ميثم اليوم قبة واطئة لا يعرف المجاورون لمسجد الكوفة متى كان عهد بنائها حتى من بلغ الثمانين منهم وليس تحتها ولا في البناء الذي حول القبر كتابة أو نقش لنعرف منه متى كان عهد البناء وقد غشّى هذه القبة بالقاشاني في هذه الأيام الحاج عباس ناجي النجفي وفقه الله، وأما السور الذي يحيط بالساحة التي حول القبر فقد بناه السيد عطا الله الأرومي من أهل أرومية في آذربيجان وكان من طلبة العلوم في النجف الاشرف وعهد بنائه قبل خمسين عاماً تقريباً وهو الذي بنا الإيوان الذي أمام غرفة القبر اليوم ورمم الغرفة والقبة وله آثار مازالت باقية في السجد وما حوله كما روى لي ذلك أحد الشيوخ من خدمة مسجد الكوفة وكان في عهد صباه أحد الفعلة في البناء.

ثم يضيف: (… وكانت على القبر دكة وعليها صخرة كتب عليه اسمه وأنه صاحب أمير المؤمنين عليه السلام والدكة والصخرة اليوم تحت الصندوق الخشبي الذي صنعه الحاج خضر سياب النجفي وفقه الله وكتب على الصندوق مرقد صاحب أمير المؤمنين عليه السلام ميثم بن يحيى التمار سنة 1360هـ،…

ويستمر بالوصف (… وكان حول القبر سور قديم يبعد عن غرفة القبر ما يقرب من خمسة أمتار إذا كشفوا التراب قليلاً، يظهر أساسه وقد أرشدني إليه خازن قبر مسلم عليه السلام الشيخ طعمة ابن الشيخ ياسين، وكان عرض هذا الأساس مكشوفاً من جهة الشرق ويكاد أن يكون عرض هذا الأساس ما يقارب المتر وذكر لي أنه وجدوا ما بين السورين القديم والحديث من الشرق قبوراً قديمة وهذه شواهد أخرى على أن هذا القبر لميثم)(21).

أما الشيخ محمد حرز الدين فقد اكتفى بالتنويه للقبر قائلاً:

(مرقده ـ أي ميثم ـ بالكوفة غربي مسجد الكوفة الأعظم، قريب منه، وكان إلى جنب دار عمرو بن حريث المتوفى سنة (85هـ)، واليوم مرقده عامر مشيد عليه قبة بيضاء متوسطة الحجم والارتفاع في وسط حرم متواضع)(22).

وقد علق على هذا المختصر، نجل الشيخ حرز الدين في نفس المصدر قائلاً: (وقد جد بناءه المحسن الوجيه الحاج محمد رشاد بن ناصر مرزة النجفي (وله في البناء كرامة جرت لميثم حيث اشتكى المرحوم الحاج رشاد حينها من ألم، وقد أجرى عدة فحوصات فبينت إصابته بمرض خبيث، فتوجه من ساعته لمرقد ميثم وسال الله إن شفاه من مرضه أعاد بناء المرقد ورمم قدر المستطاع، وبعد برهة من الزمن أعاد تلك الفحوصات فبينت عدم وجود اثر لذلك المرض على جسمه، فشرع بتجديده) وأرصد لبنائه أربعين ألف دينار عراقي، وكان ابتداء العمل ببنائه يوم (26 حزيران سنة 1962م/1382هـ)، وانتهائه يوم (4 تشرين الثاني سنة 1968م/1388هـ)، وقد أشاد له حرماً وعليه قبة عالية البناء مكسوة بالقاشي الأزرق، حول مرقده أروقة للزائرين، كما أشاد أمام مرقده بهواً ـ طارمة شرقية ـ تتناسب وبناء الحرم من الارتفاع وقد كتب على واجهتها أبيات أربعة بخط ثلثي بارز للمؤرخ الجليل العلامة السيد محمد الحسيني الحلي وفيها تاريخ عام العمل ببنائه وها هي:

من يزرع الخير سيجني غداً

خيراً ويــبقى بعــده مقتدى

ولـم ينـــله غير من قد غدا

منتهجـاً نهج (رشاد) الهدى

فكم له من عمـــل صــــالح

لصـوته في كل نـاد صدى

صان قديم المجد تاريخه:

(وميثم التمار قد جُدّدا)

سنة 1384هـ

المرقد اليوم:

قد لا نختلف كثيراً عن الوصف الذي ذكرناه آنفاً، الذي تحدث عنه الشيخ محمد حسين حرز الدين (رحمه الله)، فالبناء القائم الآن هو نفس البناء السابق لم يستحدث فيه جديد سوى تغليف الواجهة الأمامية للحرم (الجهة المطلة على الطارمة) بالسيراميك بارتفاع متر ونصف يليه تغليف بالكاشي الكربلائي، ، ومع ذلك فسوف نذكر تفاصيل أكثر حول المرقد توثيقاً لما قد تأتي به الأيام المقبلة خصوصاً والمنطقة المحيطة بالمرقد مشمولة بالتجديد والتحديث.

يطل المرقد الطاهر على شارع الكوفة من الجهة الغربية، إلا أن مدخله يقع في الجهة الشمالية وسوف تستحدث باب جديدة تطل عل الجهة الجنوبية المطلة على شارع فرعي يؤدي إلى بعض أحياء مدينة الكوفة.

يتوسط المرقد الصحن ويتكون من طارمة خارجية تفضي إلى مدخل مركزي بعرض (6) متر تقريباً وتعلوه الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وقد كُتبت على الكاشي الكربلائي، في حين نلاحظ واجهة الطارمة وقد علتها بعض آي القرآن الكريم (في بيوت أذن الله لها أن ترفع...)، تطل الطارمة على الصحن ويفصله عنها سياج من الحديد، وتقع على جانبي المدخل الرئيس قطعتان من الكاشي الكربلائي، كتبت عليها زيارة ميثم التمار، كما تقع كيشوانية صغيرة على يسار الداخل إلى الحرم، أما الحرم الداخلي فيتوسطه الصندوق، والصندوق حديدي قديم مستطيل الشكل بأبعاد (2×2،5) متر تعلوه آيات قرآنية محفورة على الحديد، ويقع بداخل الصندوق صندوق خشبي يعلو القبر، في حين نلاحظ القبة وقد زُخرفت من داخلها بالمرايا وقد وزعت بصورة طوقية فيها أسماء المعصومين عليهم السلام، ترتفع القبة (5) متر تقريباً ويبلغ قطرها (5) متر أيضاً، تستند القبة على دعامات داخلة ضمن الجدار الأساسي للحرم لذا فهي تحتل الفضاء الكلي للحرم الداخلي، أما من الخارج فقد غُلفت القبة بالقاشاني الأخضر تتخلله بعض القطع البيضاء المنسقة بشكل هندسي جميل.

أما باقي الحرم فهو عبارة عن رواقين أحدهما خاص للنساء، ويمكن الدخول إليه عن طريق باب تقع مقابل القبر المطهر (الصندوق) أما الرواق الآخر فهو خاص بالرجال ويمكن الدخول إليه من منفذين الأول على الجهة المقابلة لمدخل رواق النساء والآخر على الجهة المقابلة للمدخل الرئيس للحرم وهو مدخل كبير زجاجي مشبك يبلغ عرضه (5) متر تقريباً وتنفتح من الأمتار الخمس باب تتوسطها ببعد مترين تقريباً.

تبلغ مساحة الحرم والرواقين (15×20) متر، أما ارتفاع الجدران فيبلغ (6) متر تقريباً، وقد طليت الجدران بصبغ أزرق فاتح مع هزارة مزخرفة يدوياً بالطلاء العادي، يمكن القول أن الجدران بحاجة إلى صبغ جديد من الداخل، وقد غلفت جدران الحرم الداخلية بالكاشي المزخرف الجميل، أما من الخارج فيبدو الطابوق وكأنه لم يطلى بأي طلاء.

أما أرضية الحرم والأروقة والطارمة فكلها من الكاشي الموزائيك الجيد، وتبلغ مساحة الصحن (4100) متر مربع(23)،  تتناثر فيه نخيلات هنا وهناك ، وتحيط به أروقة كبيرة مسقفة بسقف واحد مستمر، مفتوحة على بعضها البعض ويبدو أنها غلفت مؤخراً بالسيراميك، يبلغ عدد الأروقة (40) رواق تقريباً وتقع في الزاوية الجنوبية الشرقية المجموعة الصحية التي سوف تزال لتحل محلها مجموعة صحية جديدة أطلعنا على مخططاتها في دائرة الشئون الهندسية بمديرية الوقف الشيعي/ محافظة النجف الأشرف ، وسوف تفي بخدمة العدد المتزايد من زائري المرقد المبارك.

يلاحظ الزائر وجود مقبرة تقع خلف مرقد ميثم التمار، يفصل بينها وبين المرقد شارع ضيق وقد استعملت إبان الانتفاضة الشعبانية عام (1991م) حيث تعذر على الناس دفن موتاهم بسبب القصف العنيف الذي تعرضت له مقبرة وادي السلام في النجف ويبدو إنها سوف تُزال بسبب التوسع الذي ستشهده المنطقة بالكامل.

ويدخل مرقد ميثم اليوم ضمن مشروع المدينة الخضراء حيث باشرت مديرية الوقف الشيعي بإنشاء منطقة ذات طابع سياحي ديني تحاط بسياج يبلغ محيطه (2300) متر تقريباً، تمتد المنطقة مما يلي مرقد ميثم التمار جنوباً حتى مرقد السيدة خديجة بنت الإمام علي عليه السلام شمالاً، وتحاذي شارع الكوفة غرباً لتصل بحدودها إلى ما بعد بيت الإمام علي عليه السلام شرقاً، وتضم المنطقة كل من بيت الإمام علي عليه السلام ومسجد الكوفة والصحن الذي يضم مرقدي مسلم بن عقيل عليه السلام وهانئ بن عروة، كما تحتوي المنطقة على مساحات خضراء، وارفة الظلال تتخللها مصاطب للجلوس وبعض الحوانيت التي تزود الزائر بما يحتاجه من طعام إضافة لمرآب كبير يسع عدداً لا بأس به من الحافلات والسيارات.

فيما يخص مرقد ميثم التمار، يصل الأعمار إلى تغليف الخارجي بالسيراميك الأخضر الداكن لضلعين فقط كمرحلة أولى في حين يُشمل الضلعان الآخران في مرحلة ثانية، كما ستحيط بالمرقد مماشي هندسية مرتبة ويُربط المرقد بمسجد الكوفة وباقي المواقع الأثرية بشارع جديد، كما في النية عمل جدارية بالجهة المقابلة للمدخل الرئيسي للمرقد تُستوحى من شكل النخلة التي صُلب عليها ميثم رضوان الله عليهن، وتتداخل معها نافورة(فوارة ماء) لتضفي على المكان جمالية في المظهر واقتراب من التعبير.

نأمل أن يتم هذا المشروع كي يعكس واجهة جمالية وحضارية لمدينة الكوفة ذات الطابع الحضاري المجيد، عاصمة أمير المؤمنين عليه السلام سابقاً وعاصمة حفيده الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف فيما شاء الله

 

(20) المظفر، ميثم التمار، ص75.

(21) المصدر السابق.

(22) حرز الدين، مراقد المعارف، 2/342.

(23) أخبرنا بذلك المهندس حسنين كربول.


[ عدد الزيارات: 784]  


تعليقات الزوار


يرجى من الإخوة الزوار التعليق بما يرونه مناسباً
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني